مسافة ست خطوات
#134 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
في هذا الديتوكس، يشاركنا محمد ياسر خبرات جمعها بإخلاص مثل ثانوس من عالم مارفل، حققت له سعادته وأبعدت بؤسه، هاجرًا عادات مثبطة، مقبلًا على أخرى تحسن المزاج، والتي لخصها في ست خطوات إذا خُطيت ينصلح المزاج.
#وجوديات #دليل
بعد فترة طويلة من الظلام والتشوش كانت كل الأحداث تمر فيها بسرعة لا تسمح باستيعاب المعلومات وتحليلها، أحيانًا في أوقات مختلفة، وأحيانًا في نفس الوقت. تتداخل كل المشاعر، وتتعقد لتكون صورة غير محددة الملامح مني، وتتحدث هذه الصورة بشخصي، وتستقل عن صورتي الأصلية بردود أفعال مختلفة، ثم يمر قليل من الوقت، ويستقر الغبار وتعود صورتي الأصلية للمشهد، باهتة وشاردة، لم تستوعب كليًا ما حدث في الشهر الأخير؟ الشهرين؟ العام؟ كان الوجود يتحرك حولي صورة بلا صوت، بعيون مُشتتة أراقب كل تلك الصور، وبمشاعر مخدرة أشارك فيها، متورط في عدة حروب، عالق مع الجهة الخاسرة. أخبر أصدقائي بأسلوب شكسبيري، ولكن من محافظة الشرقية، أن الوجود مقلب كبير بسبب الطريقة التي تسير بها الكثير من الأمور، ونتفق سويًا بضحكة مسرحية. وكشخص تربّى على عدم طلب المساعدة (خصلة بشرية تعمل ككومبارس في المقلب)، كنت أحارب وحدي على جميع الجبهات في نفس الوقت. وبعد سنوات طويلة، تطورت صلابة نفسية من نوع ما، درعي الوحيد في تلك الحروب، ولا أخفي أن هناك متعة في ذلك، في لمس فكرة أن هناك شخص ما في العالم يمكن الاعتماد عليه بالكامل (الضحية في المقلب). والآن توقفت الحروب، ولو لفترة.
خلال ثلاث سنوات أحارب فيها النوم والالتزام بمواعيده وتجنب الإفراط فيه، عشوائية تامة من توقيتات النوم وعدد الساعات قد تحدث خلال شهر واحد، وجهاز عصبي مُصاب بالحيرة طوال الوقت، مع كميات كبيرة من الكافيين والنيكوتين، وكميات قليلة من ضوء النهار والمياه، ثلاث سنوات للاقتناع بأهمية مبدأ بسيط للغاية مثل النوم المُنضبط وشرب الكثير من المياه والتعرض اليومي لمدة ربع ساعة لضوء الشمس، وكأني خلال عشريناتي السريعة، وكل ما حدث حولي ولهفتي لامتصاص أكبر قدر ممكن من العالم، نسيت أنني كائن حي يشارك جميع الكائنات الحية عمليات حيوية بسيطة، وكلهم سائرين على المسار المُحدد لضمان بقائهم في صحة جيدة قدر المستطاع، مع ذلك فالإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يعرف أنه سوف يموت. آخر مشاهد المقلب، أليس كذلك؟
أؤمن بنظريات علم النفس التطوري التي تقول إن العقل قد يدفعك نحو الهاوية أحيانًا في سلسلة مؤلمة متزايدة من الأفكار المزعجة، فقط حتى تنام، لا تبحث عن علاج، لا تحاول تحليل الأفكار والمقاومة من أجل الشعور بتحسن، هذه الدوامة لن تنتهي. نم والصباح رباح، والمفاجأة أن أغلب هذه الأفكار تختفي في اليوم التالي. العقل المستريح هو العقل الذي أخذ كفايته من النوم، وخلال اليوم قد يتعامل العقل مع مواقف مثيرة للتوتر ومسائل أكثر تعقيدًا، لكنه يبقى صامدًا. صمود يقل بشكل طردي مع الإرهاق المبني على مدار اليوم وحتى المساء، ليصل الصمود عند النقطة صفر، وتتضخم أبسط الأفكار السيئة أضعاف حجمها، وتبدأ الدوامة حتى تستسلم للمياه.
خلال تلك الفترة المظلمة وقعت في كتاب توماس ليجوتي «المؤامرة ضد الجنس البشري» وهو كتاب مظلم للغاية، ولن أتحمل مسؤولية ترشيحه لأحد، يتبنى آراء بعض الفلاسفة المتشائمين عبر التاريخ، ويتناول الجزء المظلم من الطبيعة البشرية بلا خوف، ما أثار شجاعتي للنظر إلى الجزء المظلم بداخلي، الجزء الذي نخاف مواجهته في الغالب، أو حتى في ظروف أسوأ الاعتراف بوجوده مثلما يقول جوردن بيترسون، لأن النظر إلى ذلك الجانب قد يوصلك إلى استنتاج أن لديك سمات مشتركة مع مجرمي التاريخ، والجميع يريد نفض ذلك العار، عدا الفئة التي نراها في المجتمع تستخدم صور هتلر كصورة شخصية كدليل على القوة مثلًا، هذا النموذج خارج السياق والموضوع، مقلب في برنامج آخر. دفعني الكتاب في اتجاه أكثر حكمة بخصوص شكوكي في بنية العلاقات الاجتماعية، والزيف المتأصل في معظمها، على الأغلب غير المهم منها، كعنصر ضروري لبقاء وجودها وتأدية الغرض الذي بُنيت من أجله، وفي اتجاه أكثر أصالة لأفكاري حول الطبيعة المزدوجة للنفس البشرية والكيفية التي يسيطر بها الجانب المظلم أحيانًا وتترعرع الاضطرابات النفسية في بيئة خصبة من الأزمات والمواد الوجودية المغذية لها، لذا قررت أخذ بضع خطوات للخلف، وأعدت توجيه المسار، عند تلك النقطة أدركت بشكل بسيط كيف يبدأ ذلك الطريق، ولماذا يستسلم الناس له، عند النظر للخلف وجدت أن هناك ما أعود إليه، بدلًا من السير في طريق مظلم ليس هناك نهاية واضحة له، تذكرت كل الذين عرفتهم وأبعدتهم عن حياتي عبر السنين، والألم الذي كان يصرخ من داخلهم ليؤذي مَن حولهم بشتى الطرق وأكثرها إبداعًا، وصلت إلى استنتاج قاطع أن هذا ليس طريقي، وأن الانعطافة عن مساري الأصلي كان خطأ في التخطيط والتوجيه ليس إلا، أو ربما خلل في الماتريكس بما أن كل الخيارات متاحة. كانت مواجهة الظلام فكرة سديدة، لعدة أسباب: الخوف من المواجهة كان أسوأ من المواجهة بدرجات كبيرة. ومدّتني المواجهة بثقة في قوتي كنت أحتاجها في ذلك التوقيت من باب أن «مكان خطير زي دا ميروحوش إلا الأسود الشجعان»، القوة التي ساعدتني في قراءة المشهد بأكمله قدر المُستطاع، والعودة إلى ذاتي التي أحبها وأحب التعامل اليومي معها، وأيضًا إرساء قواعد صلبة جديدة للإبحار من جديد على مية بيضة. وأعطتني سياقًا مفهومًا عما يحدث في تلك المنطقة المحظورة، التي لم تكن «مقبرة أفيال» في النهاية، ولكن مثل الحال مع سيمبا الذي ذهب إلى منطقة الضباع، كونت بداخلي معيارًا لحجم خطورة المكان، وجدت النطاق الذي يتحرك فيه الرقم x، لتكون الحسابات بعد ذلك أكثر يسرًا.
بدأت أيضًا في مقاومة الرغبة الملحة لتصفح فيسبوك وتويتر بشكل هيستيري وتعريض وعيي لتلك الكميات المهولة من القمامة التي لن يُعاد تدويرها بأي صورة نافعة، مسحت التطبيقات مُبقيًا على انستجرام وتيكتوك بمعدل نصف ساعة يوميًا تقريبًا، كما أنني استخدم التطبيق الأخير وقت الحمام فقط، فهذا الوقت هو أنسب استخدام له، وهذا أيضًا أنسب استخدام لهذا الوقت. وبدأت في استغلال ذلك الوقت في المزيد من القراءة أو الاستماع إلى الأغاني أو مشاهدة يوتيوب مثلًا أو غيرها من الهوايات، وكل عدة أيام أتفقد الوضع على فيسبوك وتويتر لأجد أن لا جديد، كل شيء يدور في نفس الدوائر، وكل الترندات التي تحللت تحيا من جديد في صور أخرى، والقليل فقط مما يجري على التايملاين هو ما يستحق التركيز معه، سواء بغرض التسلية أو إضافة قيمة ما من أي نوع. والحق يُقال، بعد شهر رأيت تضائلًا ملحوظًا في مسألة قلة الانتباه.
أيضًا كانت تغريني فكرة الشاي والقهوة بدون سكر، ودائمًا ما كنت أرغب في الشروع في تلك التجربة لأرى نتائجها، حتى قرأت بالصدفة أن السكر يؤثر على المزاج، فقررت حينها البدء في تجربتي، ومنذ بدأت لم أعد لوضع السكر فيهما، الحقيقة أنني كنت أرى في آراء كارهي السكر دروبًا من المبالغة، وكنت أراها مدرسة تتشابه مع مبادئ النباتيين الصارمة، لكن أثبتت لي التجربة أن القهوة والشاي أطعم بكثير دون سكر، ومن هذه التجربة ذهبت إلى تجربة مقاطعة السكريات بشكل نهائي، بما أن تقليل السكر قد ساعد بالفعل، لكن التجربة كُتب لها الفشل المُبكر فلم تستمر يومين، فبسبب الاختفاء التام للسكريات أصبحت الحياة مملة، والملل عدو آخر لا أريده على الجبهة الأخرى.
وعلى باب التدخين، قررت الهجرة إلى عالم تقنيات التبغ المُسخن، بعد تجربة جهاز أيكوس مع صديقة. بدا الأمر منطقيًا، وحيل «فيليب موريس» التسويقية نجحت في إقناعي بأن المنتج الجديد يحمل أخطارًا أقل، لأنه لا يحتوي على أول أكسيد الكربون والقطران، وبالفعل أخذت كود الخصم من صديقتي، واستخدمت الجهاز. ومنذ الأسبوع الأول لاحظت الفرق في التنفس والمذاق، وصحة الرئة بشكل عام، اختفت الكحة والبلغم، وبعد فترة عندما تناولت سيجارة على سبيل توكيد الاختلاف ورؤية التباين، شعرف بقرف شديد من طعمها في فمي ورائحتها في أصابعي. ما أعطاني شعورًا بارتفاع جودة صحتي وبالتالي حياتي، بالضبط ما كنت أبحث عنه في تلك الفترة؛ ارتفاع في جودة الحياة لأن الشعور بالانحدار كان أقوى من القدرة على المقاومة، وكل المحاولات السابقة كانت مُنطلقة من نفس النقطة، في اتجاهات مختلفة، بحثًا عن الجودة المفقودة، مع احترامي لبروست. والحقيقة أن فكرة المقلب أصبحت منطقية أكثر بعد ذلك الروتين، بعد أن تبدد الرعب الوجودي بعدة أنشطة لم تتطلب الكثير من الجهد، بهذه البساطة؟ لابد أن يكون مقلبًا.
في الفترة التي سبقت الفترة المؤسفة، كنت قد حدّثت سماعتي إلى أخرى أفضل كثيرًا من حيث جودة الصوت، وخلال الفترة المؤسفة أيضًا اكتشفت أن سبوتيفاي لن يفي السماعات الجديدة حقها لأنه لا يبث الموسيقى بجودة عالية، فاضطررت الهجرة منه إلى ديزر بعد ثماني سنوات مليئة بالذكريات في كل مكان ومع أشخاص عدة، مكتبة موسيقية تضم 25 ألف أغنية جمعتها على مدار السنوات الثمانية، أرهقتني تبعات هذا القرار، وشعرت كأنني أمرّ بتجربة انفصال صغيرة، لم أود المراهنة حتى على ذلك الألم الصغير، فقررت البقاء في المنصتين ودفع الاشتراكين، من باب شراء راحة البال.
ثم كان عليّ البحث عن مخرج للألم والغضب الذي تكوّن داخلي، وكنت أعرف جيدًا أنه لم يخرج من نظامي الجديد، وفي أثناء استماعي إلى أغنية فريق سوانز الارتجالية الطويلة «برينج ذا صن - توسان لوفرتور» وجدت ذلك المخرج، أو بالأحرى وجدت الأغنية تشفط ذلك مني، مكنسة كهربائية للألم. تعرفت من اسم الأغنية على قائد الثورة ضد الاستعمار والعبودية في هايتي، توسان لوفرتور، يلقبونه بـ«نابليون الأسود». لدينا نابليون أبيض ونابليون أسود، التاريخ مقلب عجيب أيضًا. برينج ذا صن - توسان لوفرتور ملحمة طويلة وجميلة من البناء التصاعدي للموسيقى، 34 دقيقة تضم أغنيتين تبدأ بموسيقى خفيفة لمدة 20 ثانية ثم يبدأ الجيتار الإلكتروني في الانفجار لدقيقتين، يتكرر فيهما نفس اللحن، لتبدأ الموسيقى في نهايتهما في اتخاذ شكل ناعم، مع ضوضاء خافتة في الخلفية، وينطلق مايكل جيرا، مغني الفريق، في ترديد نفس الجمل مرارًا وتكرارًا. في الوقت الذي تتصاعد فيه بنية الموسيقى بصبر شديد، حتى تتداخل الآلات الموسيقية مع بعضها عند نقطة في منتصف الصعود، ومع كل مرة يردد فيها مايكل جيرا «برينج ذا صن» يزداد الإيقاع صخبًا وترتفع الموسيقى في دوامة آسرة بين الإيقاع والجيتار الإلكتروني والكورس، تسونامي متزايد في القوة، حتى نقطة انهياره، تبدأ الموسيقى في الخفوت، ليتمد جسر بين الأغنيتين مدته ثماني دقائق، من موسيقى تلتف حول عدة أصوات غرائبية كالمنشار وصوت خطوات خيول وصراخ أطفال تلعب في الشوارع وأصوات صافرات، ومايكل جيرا ينادي «فرييدم فروم هوم.» حتى تبدأ الأغنية الثانية، توسان لوفرتور، أحد أبطال مايكل جيرا، ويغني مايكل «ليبيريته، إيجاليتيه، فراتيرنيتيه»، الحرية، المساواة، الأخوة، الشعار الوطني لفرنسا وهايتي. ثم يغني بالإسبانية «الدماء هي الحياة، الحياة هي الدماء، الدماء هي الحب، الحب هو الدماء»، لأن إسبانيا أيضًا كانت تستعمر هايتي، وتدور الموسيقى في دوامات أخرى أكثر صخبًا حتى تنتهي الأغنية، وتنهي رحلتي اليومية معها، 34 دقيقة من الكثافة والضوضاء تساعدني على استعادة توازني اليومي، وفي خفوت الألم.
مع كل خطوة شعرت أنني أجمع أحجار ثانوس، لكن خطواتي/ أحجاري كانت لإبعاد البؤس:
- النوم المنضبط.
- منع التصفح الهيستيري للإنترنت.
- الابتعاد قدر الإمكان عن السكر.
- تدخين أقل خطورة.
- منع العلاقات المُجهدة بلا فائدة.
- البحث عن منافذ صحية للمشاعر غير المرغوبة.
كل ذلك مع الحفاظ على الممارسات الرياضية المُعتادة في خلفية الأحداث، سواء بسيطة كالتمشية أو بعض التمارين الخفيفة في المنزل، أو غير بسيطة مثل الذهاب إلى الجيم، حتى أتغلب على المزاج السيئ المُستمر منذ وقت طويل، ومع كل خطوة كنت استعشر القوة تسري في دمائي، وأشعر بحركتي في العالم، واستمع إلى إيقاع خطواتي. وما إن صمتت المدافع، واستقرت صورة العالم في عيوني، بدأت ألتقط أنفاسي مُراجعًا حساباتي، ومُعيدًا توزيع طاقاتي على العلاقات التي أود الحفاظ عليها، أما العلاقات المتطلبة لكميات غير منطقية من الطاقة لصيانتها ونموها، ذلك النوع من العلاقات الذي تنثر منه عدة بذور بشكل عشوائي في الحياة لجعل المقلب أكثر إثارة، بلاها. بعد ذلك، يأتي وقت التخطيط للحفاظ أكبر وقت ممكن على هذا التحسن من السقوط، ووضع السدود والمتاريس لتقليل فرص تكرار السقوط إلى ذلك المستوى من القاع مرة أخرى، وسد الثقوب التي أحدثها السقوط الأخير، بشكل شاعري أو غير شاعري، المهم النتائج، ليس المهم الحفاظ على كل الأحجار، فالأحجار من البداية لم تكن ما بدأنا الرحلة من أجله، بل أدوات، المهم أن ألا يتكرر السقوط مرة أخرى بنفس الحدة.
و#سلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن