تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
مساحة للمناورة

مساحة للمناورة

قصة قصيرة من مجموعة بالعنوان نفسه، قريبًا عن «المحروسة»

كتابة: أحمد فؤاد الدين 5 دقيقة قراءة
لوحة للفنان عمر مصطفى مستوحاة من القصة

قصة قصيرة من المجموعة القصصية «مساحة للمناورة»،  تصدر قريبًا عن دار «المحروسة» للنشر. 

لم أعرف مساحة الشقة التي أسكن فيها مع زوجتي إلا في وقت العزلة والإغلاق بسبب كورونا؛ وقَّعت عقد الشقة قبل سنوات وأعرف أن مساحتها تتجاوز مئة متر، لكن المعنى المادي والمعنوي لتلك المساحة ظهر فقط عندما اضطررت إلى العيش معها فيها، والتوقف عن البقاء لساعات خارج المنزل.

تحوَّل المطبخ الذي يحتل نحو ربع مساحة الشقة إلى ملجأ لي للانفراد بنفسي؛ غرفة مربعة طول الضلع الواحد أربعة أمتار، أكبر من أي حجرة أخرى في الشقة باستثناء غرفة المعيشة، يتوسط الغرفة طاولة خشبية حديثة صُنِعت من خشب طبيعي يشي بعمر الشجرة التي قُطِع منها، تموجات لا تتضرر من القطع الطولي للخشب ورص بعضها بجانب بعض لصنع الطاولة. تنتشر الأرفف والدواليب على كل أضلاع المطبخ، عدا الباب، معلقة على الحائط لتصنع سورًا حول الطاولة، وبينهما ممرٌّ يسمح بالحركة، أو كما يطلق عليه المعماريون مساحة للمناورة.

لوحة للفنان عمر مصطفى مستوحاة من القصة

 لم أُجِد الطبخ أبدًا، لكن صباح كل يوم أسارع لدخول المطبخ قبل استيقاظها لتحضير قهوتي، أتحرك على الجانب الأيمن من منطقة المناورة الخالية الآن منها حتى لا تشكو من رائحة القهوة التي تكرهها أو أصاب بالقلق من صوت براد الشاي المغلي الذي تفضِّله، لكنها تصحو مبكرًا في غير موعدها لتحضّر شايًا بالحليب. احتلت هي سريعًا الضلع الأمامي للمطبخ لنصنع معًا زاوية تسعين درجة نقطة التقائها هي حوض الماء. تحركنا معًا من نقاط على نفس المسافة من الحوض فوصلنا معًا، أربكنا وشوك الاصطدام رغبة أحدنا في إنجاز مشروبه قبل الآخر، مدَّت يدها ومددت يدي فتراجعنا معًا، تركت هي براد الشاي على الحوض، وتراجعت خطوة، وانتظرت حتى أفرغ من ملء الماء لقهوتي، تفرقنا مرة أخرى وعدنا لنقطة كان أحدنا فيها على أقصى مسافة ممكنة من الآخر، ملأت هي البراد وملأتُ ماكينة القهوة بالماء ووقفنا على طرفي الخط الوهمي الذي يقسم المطبخ نصفين.

 أدخن في المطبخ، فلا شرفات في الشقة، تجلس بجسدها الضئيل لتأكل في المطبخ، فلا طاولات في غرفة المعيشة، عُدنا للجلوس على الطاولة مرة أخرى متقابلين، لا يقدم الشفاط الكثير، فينتشر الدخان في كل أرجاء المطبخ، تختلط الرائحة المميزة للقهوة الصباحية مع دخان السجائر فينتابني شعورٌ بالراحة، تتأفَّف هي منه وتسعل ثم تتراجع بكرسيها الخشبي الذي يصدر صوتًا مزعجًا من احتكاكه ببلاط الأرضية، حتى تلامس الدولاب خلفها لتغلق منطقة المناورة. أنتهي من التدخين، يتصاعد صوت فمها وهي تأكل، صوت تلامس شفتيها وطحن الطعام في فمها يثير أعصابي، أغلق عيني وأحاول الخروج من المكان ذهنيًّا، لا يتوقف الصوت، أدفع الكرسي إلى الخلف في غضبٍ، ثم أخرج من المطبخ وأتوجه إلى الحمام.

في العادة كنت أترك لها مهام الطبخ كاملة، كنت أشتري قهوتي صباحًا في طريقي إلى العمل، كانت تأكل بمفردها ولا آكل إلا بمفردي عند عودتي المتأخرة من العمل، أجبرتنا العزلة على مشاركة تلك المساحة، لم نكن قد تعرضنا لذلك من قبل، ولم نضع لها قوانين واضحة.

في غرفة النوم الصغيرة لا نتشارك شيئًا، يفصل خطٌّ وهمي بيننا على السرير، صرت قادرًا -بعد تدريب- على النوم دون حركة أو التحرك فقط في النصف المخصص لي، رغم أن جسدي يماثل ثلاثة أضعاف جسدها طولًا وعرضًا. الدولاب مقسم أيضًا، أحتفظ بربع المساحة وتحتفظ هي بالباقي، في غرفة المعيشة لدى كلٍّ منَّا مساحته، والحمام لم نتشاركه قطُّ.

 اختارت طلاء دواليب المطبخ وأرففه باللون الأسود، لون عملي لا تظهر فيه آثار للطبخ أو الزيوت، بين الرفوف العليا والدواليب الأرضية يوجد فراغ تملؤه بلاطات مربعة صغيرة بلون بني، بعضها منقوش عليه أشكال فاكهة وخضروات، واختارت الرخام المستخدم فوق الدواليب الأرضية باللون الأسود أيضًا، لكن بسهولة يمكن أن ترى درجات مختلفة من الألوان داخله، تدفعني برودة الرخام لتمرير يدي عليه، أود لو أنام في تلك المساحة المستطيلة، تبدو كنعش مفتوح، أتخيل برودته على رأسي المشتعلة وجسدي الساخن. أخشى فقط أن أتحرك فأسقط على أرضية المطبخ وتدهسني أقدام المارة.

سأشارك اليوم في إعداد الغداء، على عكس رغبتي، تحتاج إلى المساعدة في أعمال البيت، وبقائي في المنزل يحرمني من أي حجة للاعتذار، تمركزت في الجانب الأيمن من المطبخ، واحتلت هي الجانب المقابل، ناولتني البصل لتقطيعه، مرَّت دقيقة دون فعل أي شيء، انتقلت هي من جانبها إلى جانبي وسحبت السكينة فتحضرت للدفاع عن نفسي قبل أن تضعها بحزم أمامي وترحل، قطعت البصل دون نزع قشرته الخارجية، ملأت الدموع عيني والتهبت جيوبي الأنفية، وعليَّ الآن إخراج قشور صغيرة متناثرة بين أكوام البصل الصغير. أسمع صوت عملها الدؤوب من دون النظر إليها؛ مرور حد السكين على جسد البطاطس لتقشيرها، ثم صوت اصطدام السكين بطاولة التقطيع لتصبح البطاطس حلقات جاهزة للطبخ، يخيفني صوت اصطدام شيء رخو بطاولة التقطيع، أسمع صوت تكسير للعظام، لا بد أنها الفرخة وقد قُطعت ثمانية أجزاء كما هي عادتها.

أرفع رأسي، وأنظر بطرف عيني لأجدها تضيف الزبادي والتوابل والملح، كانت تعمل بشغف لا أدري مصدره، أنهيت مهمتي وانطلقت ممسكًا بطبق البصل في يد والسكين في اليد الأخرى، تحركت هي معي في نفس اللحظة، لم أرفع عيني فلم أرَها واصطدمت بها، سقط الطبق ناثرًا محتوياته على الأرض وعلى أقدامنا، ظلَّت عيني مثبتة على الأرض، وقبل أن أرفعها بدا أن السقف تسقط منه قطرات من الدماء، سقطت في بقعة الزبادي على الأرض فتغير لونها سريعًا إلى الوردي الزاهر، تعددت النقاط فحاولت التراجع، لكن يدي الممسكة بالسكين كانت متخشبة، تركت السكين المنغرز في معصمها الذي لا يتوقف عن النزيف، ورغم ذلك لم تصرخ حتى عندما سقط السكين واصطدم بالأرض، لكني صرخت لأن السكين ارتد وغرز نصله في ساقي.

أسقطت طبق البصل ودفعني الألم إلى الخلف، أقفز بقدمٍ واحدة وأمسك بيدي موضع الجرح، صرخت وقفزت كالأطفال، فاصطدمت رأسي بالأرفف الخشبية، خطفت نظرة إلى وجهها لأجد عينيها ثابتتين تملؤهما الدموع التي تتساقط سريعًا على الأرض، قبل أن تخرج وتتركني في المطبخ وحيدًا ورأسي مستقرة على البلاط البارد، تقف غابة من الأخشاب هي أرجل الكراسي والطاولة حائلًا بيني وموقع الحدث على الأرض، ساعدتني برودة الأرض لأهدأ، أغمضت عيني لأنسى ما يحدث فشاهدت نقطة بيضاء كبيرة تمنعني من الغوص في الظلام -ربما بفعل النظر مباشرة إلى الضوء المعلق من السقف- أفتح عيني مرة أخرى، الأرضية تملؤها الألوان، تداخلت فصنعت فوضى يمكن أن تحكي عشرات الحكايات عمَّا حدث، لكن اللون الأسود للدولاب الخشبي يرفض بضيق أن يتأثر بأي مما حدث، يبدو أنها اختارت لونًا مناسبًا.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#سابع مدى

2011

من ديوان «كأنها مغفرة» كان الفرح أسطورة هزلية تُحكَى لأجيال، في ساحة الحزب مع صور ماركس ولينين وأغاني حماسية عن الثورة تحلقوا حولي وغنوا بفرح طفولي «الليلة يا سمرة يا…

هدى عمران 4 دقيقة قراءة
#سابع مدى

كيف تكونين من هنا

مقطع من «كيف تحب وطنًا» نشره أولًا «كيف تـ»، ونعيد نشره بإذن من «كيف تـ»

أوكسانا تيموفيڤا 27 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن