محطات السادات
#77| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
نتوقف هذا الويك إند عند محطات السادات الفنية، ونتمنى أن يجد الفنان سعادة في اعتزاله (أو يجد سبيلًا مريحًا يمكّنه من العودة).
#سماع
خبر حزين: السادات أسطورة المهرجان أعلن اعتزاله المجال.
يعني المجال المهرجان، وإن كنتَ لا تعرف أن السادات هو «بابا المجال» اسمحلي أحدثك عن وقع هذا الإعلان على النفس.
مَن تصعلك بغير مسؤولية في شوارع القاهرة في 2011، يعرف ما يسببه هذا الإعلان من حزن على النفس، لأنه شهد فرحة المهرجان الأولى؛ فرحة اكتشاف مهرجان جديد من سماعات موتوسيكلات الطيارين في شوارع المدينة، ومحاولات التقاط كلمتين أو ثلاث من المهرجان للبحث بها في جوجل مع ضمان النتيجة، ثم سماعه مرات لاستيعاب المبارزات الكلامية المصحوبة بـ «اوتوتيون» عنيف لم تختبره الأذن من قبل، والحركة على إيقاع الدرامز والصاجات.
كنّا خمسة أصدقاء قادمين من شمال وجنوب القاهرة، تقابلنا في وسط المدينة للتسكّع، بجانبنا تمختر موتوسيكل صيني على إيقاع مهرجان جديد. رقص واحد منّا على المهرجان مُشكّلًا يديه كأنه يمسك بسلاح أبيض، ثم سحب فتيس سيارة مُتخيّل ثم قاد دريكسيون هذه السيارة المُتخيّلة بشكل عنيف، بعد ذلك فَتل ذقنًا مثل حلاق متمرّس، بينما تلوى باقي جسده كالأفعى. انتقد آخر ذوق الأول لأنه «سيس»، لكنه تقبل هذه السبّة بضحكة، وأمعن في الرقص أكثر غير عابئ بالوصم الطبقي.
يعتبر هذا الموقف من المهرجان أول حكم سمعته، عادة كان الانطباع الأول لسماع هذا النوع من الموسيقى طبقيًا عند بعض الناس؛ ممَن يريدون العيش خارج الواقع. وقررتُ التنازل عن هذا الحكم داخل رأسي فقط؛ إمعانًا في المتعة قبل التمرد على العادي. قبلها بعشر سنوات كنت أمرّ على بائع شرائط أمام جامع السيدة زينب، انتشرت حينها شرائط موسيقى عُرفت بالـ«مولد» مثل «هنروح المولد»، وجميع هذه الشرائط أُنتج في منطقة المؤسسة بشبرا الخيمة أو الميناء البرى لميكروباصات قرى الدلتا، وتوسّع إنتاجها وأخرجت مغنيين شعبيين مثل محمود الليثي وعماد بعرور. وكانت أول إلهام لإنتاج المهرجان من حيث تكرار لوب الموسيقى.
عندما ابتعد الموتوسيكل وخفت صوت المهرجان، بدأ صاحبنا في استعادة المهرجان، وركزنا مع كلماته في هذه الاستعادة: «ميهمنيش مين يجرحنا/ ميهمنيش من يعادينا/ أهم حاجة حب الناس/ هو ده اللي مكفينا».
S50
إن كنت لا تقدّر الابتكار فأحسنلك الابتعاد من هُنا، المهرجان هو «شد الفيشة» الذي أطلقه السادات وعلاء فيفتي وفيجو ضمن الألبوم الأول «S50» الصادر في 2011.
إن ذُكر السادات في تلك الفترة ذُكر صاحبه فيفتي، ومعهما وجب ذكر فيجو وعمرو حاحا الّلذين وزّع الواحد منهما ثلاثة مهرجانات في الألبوم، هؤلاء كانوا مربع المهرجان الأول. حكى صاحبنا عن نزاع وقع بين فيجو وحاحا تسبب في توتر بين حيي مدينة السلام وعين شمس، إلا أن العقلاء من مُحبّي المهرجان الأوائل أنتجوا مهرجانًا لمصالحة الاثنين.
منذ سماعي تلك الحكاية، تابعتُ باهتمام ما يحدث في شرق القاهرة موسيقيًا. بالتزامن مع صعود نجم السادات وفيفتي، ومنتجي المهرجان من بعدهم.
تكوّن «S50» من ستة مهرجانات: (انا خربان، وشد الفيشة، ومهرجان ضد التحرش، ومهرجان حكاية ثورة، وفرحة بوشّا).
عكست أشعار السادات وعلاء فيفتي تفكير مراهقي القاهرة المولودين بعد منتصف الثمانينيات، وتحديدًا الشريحة العمرية التي تزامنت فترة مراهقتها مع فكرة «المحمول في يد الجميع»، فامتدت حدود أحيائهم لتتصل بالعالم مع دخول الإنترنت.

في الألبوم نفسه، وزّع فيجو «انا خربان»، وهي كلمة استُخدمت مع بداية الألفية لوصف وقوع الشخص تحت تأثير المخدرات، وتجلى استخدامها مع مولد «الدنيا خربانة» الذي أُنتج قبل 2006، وهو أحد الموالد التي مهّدت للمهرجانات، وانتشرت في أحياء القاهرة الكبرى بعد أن وصف المولد بعض الأحياء بأنها «خربانة» هكذا: «إمبابة خربانة، المنيب خربانة، المنيرة خربانة». كنتُ في أولى ثانوي عندما حدثني صديق من «المنيرة» عن سماعه هذا المولد في فرح أسفل بيته حين أعاد الدي جي جملة «المنيرة خربانة» أكثر من مرة.
تناول المهرجان لحظة ذهاب السادات لشراء جوافة، «لزوم ضيافة الصحاب على بيرة وسيجارتين»، وعندما خربوا تمامًا استعادوا ذكريات «الطفولة، ودراسة وسنة أولى، بعد شقاوة زمان» وانتهت بلعن نظرات الكبار لهم في حيّهم. وظّف فيفتي فى هذا المهرجان عبارة فلكورية مثل «عطشان يا صبايا دلوني على السبيل» لتصبح: «خربان يا صبايا وأنا صاحبي بتاع حشيش، كل أما أقوله سيجارة يقولي منين مفيش» التي كانت موجهة لصديق أصبح ديلرًا ولم يقدّر الصحوبية ويعامل أصحاب المهرجان معاملة الأغراب.
في تاريخ المهرجان، يمثّل هذا الألبوم أول اتحاد لحيي «عين شمس» و«السلام»، بعد ضمّ عمرو حاحا من الأول للسادات وفيفتي وفيجو من الأخير. في المقابل، نشط على مسافة ثلاث محطات مترو، في «المطرية» مثلث جديد أضلاعه أوكا وأورتيجا ووزة.
مش هروح
مع سيطرة المهرجانات تغيّرت أفراح الشوارع، وتبدل مرتادوها، وصار اسمها «فرحة»، كأن يتزوج أحد، أو يحتفل بعيد ميلاده، أو تنتهي فترة تجنيده، فتُنسب الفرحة إلى صاحب المناسبة. يتوافد على الفرحة مراهقون، يأتون من كل فج عميق في حواري القاهرة الكبرى، لعلهم يرون السادات وفيفتي.
إن كنت لا تمتلك شيئًا في جيوبك تلك اللحظة، فلا داعٍ للقلق، في الفرحة ستجد كل ما تتمناه بالمجان، وهدفها الوحيد إسعادك، المهم ألا تفرط في التدخين، وإن شعرت بالدوار فهناك أطباق من الفواكه كي لا تُصاب بهبوط حاد، وتضطر للجلوس بدلًا من الرقص في الشارع.
بعد عامين من إطلاق «S50»، أطلق السادات وفيفتي ألبومها «مش هروح» من توزيع عمرو حاحا، غطى مهرجان «مش هروح» على مزاج شوارع القاهرة، كان الأكثر صمودًا في الأفراح، وهي مبارزة كوميدية تجري بين شاب وفتاة وأمها، وتزامن هذا الألبوم مع خطوبة السادات، التي تحوّلت لـ «فرحة السادات». كانت «مليونية» في حي مدينة السلام، حيث حضر السادات بالبدلة في هذا اليوم، وعرف المتابعون أن المكان اختلف عما كان عليه من قبل. ملأ آلاف المراهقين شارعي صلاح سالم وجسر السويس في طريقهم إلى الفرحة، قدّم السادات وفيفتي فريق المدفعجية الذي انضم لسوق المهرجان، قبل أن يتهاوى تحت ضغط الإعلانات فيما بعد.
في عام 2015، دُعيت مع بعض الأصدقاء إلى فرح في «دار السلام»، اتجهنا من الكورنيش ودخلنا من أسفل الطريق الدائري الجنوبي، انتهى الفرح بخناقة بين أهل العريس والعروسة عندما رفض والد العريس طلب أخي العروس بتشغيل مهرجان «مولد المدفعجية» الذي غنّوه مع السادات.

ثم توسّع إنتاج المهرجان حتى وصل جنوب القاهرة، ونوّرت بعض أحياء الجيزة، وانضمت الإسكندرية أيضًا إلى المجال. لم يترك السادات أحدًا لم يتعاون معه، في ألبومين أنتجهما بمساعدة فيفتي وعمرو حاحا بعنوان «انتش يلا»، «والحيطان لها ودان»، وكان الثلاثة من الذكاء حين سمحوا للمدفعجية والدخلاوية ومحمود العمدة والسويسي بالانضمام إلى الألبومين والغناء معهم. كان الأمر اعترافًا ضمنيًا من أحياء مصر بأن «السلام» الأول في المهرجان.
«الصوت هنا عالي.. قرب تعلالي.. السادات اهو جالي.. ومزاجي أنا عالي» هكذا يفتتح فيفتي مهرجان «سكلّي»، ومعه اتسعت السيطرة على المجال الذي اكتسح بدوره السوق. لكن «سكلّى» بطاقته كان مُختلفًا، ازداد السادات وفيفتي ثقةً في أدائهما، وتمكّن الاثنان من الـ «اوتوتيون»، والفصل بين الكوراس والفيرس. وعمرو حاحا كان لا يمكن الاستغناء عنه، صار فيما بعد يُلقب بـ «دكتور عمرو حاحا»، وظل الثلاثة ينتجون سينجلات بين عامي 2015 و2018، أهمها كان مهرجان «كوكب القرود»، «وسامع صوت».
ولعب السادات مع منتجين موسيقيين آخرين مثل بلية الكرنك «مهرجان سنّ السكينة»، وإسلام كريزي «مهرجان معلش انا مجنون». وفيما بعد انفصل السادات تمامًا عن عمرو حاحا وفيفتي، وبدأ يغرد وحيدًا.
الحرب العالمية الثالثة/ مزيكا القرن الـ 21
قبل إعلانه اعتزال المهرجان، كان السادات يستعد لإطلاق ألبوم جديد بعد ألبوميه الأخيرين «مزيكا القرن الـ 21» و«الحرب العالمية الثالثة»، الّلذين أطلقهما معًا في يونيو 2019، وجمع فيهما عددًا من مُنتجي الموسيقى المعاصرة في مصر مثل مولوتوف، وعمرو حاحا، وتوتي، ووزة منتصر، وفيجو. كما غنّى معه في الألبوم نفسه ويجز وعفرتو ومؤمن تربو ومينو زين. إن كنت لا تعرف تلك الأسماء فهي مشكلتك، عليك كتابة أول حرف من تلك الأسماء على يوتيوب، وستبهرك النتيجة.
المُبهر في «مزيكا القرن الـ 21» هي كاريزما بابا المجال الذي جعل مولوتوف يلعب مع عمرو حاحا في تراك واحد. وتعاونه مع مغني راب مثل ويجز الذي عرف في بداية مشواره أن المهرجان هو القادر على إيصاله لأكبر قدر من المستمعين.
أكبر هتّاية في «الحرب العالمية الثالثة» هي مهرجان «الحرب ابتدت» الذي غنّاه السادات وعفرتو ووزّعه وزة منتصر. في الثلاثة شهور التالية لإنتاجه كان المهرجان مسموعًا في جميع شوارع القاهرة، في أي وقت كنتُ أمشي في الشارع أصادف أكثر من مرة صوت السادات: «بيقولوا فاشل على المزيكا رغم إني غير.. محدش يعرف اللي بيني وبينها إيه.. بكون منشكح وأنا بروح عليها».
في العامين الأخيرين، ولّى السادات اهتمامًا كبيرًا بمولوتوف دونًا عن غيره من مُنتجي الموسيقى، فوضع لمسة على موسيقى المهرجان لم تكن موجودة من قبل، قلّل صوت الصاجات واعتمد على البيز مُتأثرًا بموسيقى التكنو. أنتج الاثنان أربع أغاني في «مزيكا القرن الـ 21»، بالإضافة لعدد من التراكات التي توزّعت على صفحتيهما على يوتيوب، مثل «ياما ياما.. صحوبية جت بندامة»، المهرجان القديم الذي أُعيد توزيعه بطريقة لم يتخيّل مَن سمعه لأول مرة إمكانية توزيعه بهذا الشكل، اعتمد مولوتوف في المطلع على موسيقى المولد، وغيّر السادات بعض الكلمات. كأنهما تعمدان إعادة توزيع المهرجانات الأولى لإخبارنا مدى تطور الموسيقى في المجال.
يرى السادات أن مصر مرّت بثلاثة أجيال مثّلت أهم محطاتها الموسيقية؛ سيد درويش، وعدوية، ثم المهرجان. إن اختلفت مع ما يقوله السادات فاذهب إلى صفحته على يوتيوب واكتب اعتراضك، لكن تذكر أنه «سادات العالمي»، ومنذ تأسيس صفحته في 2015 استمع لأغانيه أكثر من 200 مليون شخص على منصة واحدة فقط يتابعه عليها مليون و100 ألف.
على مدار السنوات التي تصاعد فيها نجم السادات تعرض للـ«نكش» من مُغنّي مهرجانات آخرين، مثل «بهلول»، تأثر السادات بهذا النكش فترة: «ياما دقت ع الراس طبول.. واللي يقول يا عم يقول.. انا شادد.. انا رافع.. ع المزيكا بجنون» [مهرجان «كوكب القرود»].
ابتعد السادات عن رد الغلط وحرق الجاز، وركز في مهرجاناته الأخيرة على الكلام مع نفسه، لأن «الوقت لو ضاع استحالة ترجعه تاني»، [مهرجان «العمر لو ضاع»]. لكن عقرب الوقت لا يرحم السادات؛ «خلّي بالك الوقت هيقطعك».
لم يذكر السادات سبب اعتزاله، مُكتفيًا بأن قراره المُعلن عبر انستجرام وفيسبوك «مافيش رجوووع فيه» . فيما تهرّب أخوه تامر -الذي يتولى إدارة أعماله- في اتصال معي من ذكر أي سبب أو تفسير.
طوال 15 عامًا استمر السادات في تطوير أدائه في نوع موسيقى كان هو أحد أعمدته، حتى أصبح خارج سيطرته تمامًا، وسواء كان قرار اعتزاله لا رجعة فيه أم نتيجة أعراض انسحاب. لكن قد يدلنا مهرجان «هاش كاش» المُنتج في يونيو الماضي، عمّا يحدث معه الآن، فيقول عن «رحلة الصح والغلط»:
الجرح بينزف مش بيلم
الحمل صعب مش مهم
مفيش سليم تمشي فيه
الأخضر هيعديك
لازم تحسبلها
لتلبس في حيطة معاها
تلف تلف تلف تلف
وتلبس تاني
فهمت الدرس يا غبي واللا اشرح تاني؟
.و#سلام
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن