متاهات «الصكوك» تثير الجدل حول بيع «رأس شقير»
أثارت صياغة قرار جمهوري نُشر قبل أيام في الجريدة الرسمية، يقضي بتخصيص مساحة كبيرة من الأرض بمنطقة رأس شقير المطلة على البحر الأحمر لصالح وزارة المالية، جدلًا كبيرًا بشأن ما إذا كان يمهد الطريق لبيع أراضٍ في منطقة حدودية حساسة، وما يعنيه القرار بشأن خفض الديون.
وبحسب نص القرار، فإن تخصيص الأرض، التي تبلغ مساحتها أكثر من 41 ألف فدان، يهدف إلى «استخدامها في خفض الدين العام وإصدار الصكوك السيادية».
وقد أثارت هذه الصياغة كثيرًا من الالتباس، فعلى سبيل المثال، لم يتضح المقصود من استخدام الأرض في «خفض الدين العام» وفي الوقت ذاته «إصدار الصكوك السيادية»، التي تُعد في حد ذاتها أداة من أدوات الديون.
وفي محاولة لفهم القرار وتفسير صياغته، تحدث «مدى مصر» إلى عدد من خبراء الاقتصاد والقانون الذين أوضحوا أن إصدار الصكوك، التي تمثل موردًا لديون جديدة، يفتح الباب أمام خفض ظاهري فقط لحجم الديون من خلال «لعبة محاسبية» تعيد توصيف بعض البنود لتؤدي إلى خفض اسمي فقط، بحسب وصف أحد المصادر.
تعد الصكوك السيادية إحدى أدوات الدين التي يمكن للحكومة استخدامها، إلى جانب السندات والأذون، وهي الأدوات الأكثر شيوعًا، إلا أن الصكوك تكون مرتبطة بأصل.
وجود الأصول ضمن آلية «الصكوك»، ليس الغرض منه تقديم ضمان، حتى لو ذُكر ذلك، بل إن الدور الجوهري الذي تلعبه الأصول يتمثل في نفي صفة الإقراض عن هذه الأداة، شكلًا لا موضوعًا، وذلك من خلال وجود أصل ما تُشترى إحدى صور حيازته، ويعد ثمن الشراء بمثابة أصل القرض، وبحيازة مالك الصك لهذا الأصل المُدّر للعوائد، يتسنى له الحصول على الفائدة دون أن تكون فائدة. ولولا هذه الهندسة المالية للقفز بعيدًا عن «حرمانية» الفائدة، لما وُجدت ضرورة لإدراج الأصول ضمن آلية الصكوك، بحسب ما أوضحته المصادر.
هذا هو الدافع الأساسي الذي دفع الحكومة لإصدار قانون الصكوك عام 2021، بحسب عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ، محمود سامي، الذي شارك في صياغة القانون، ومصدرين آخرين أحدهما برلماني والآخر من البنك الدولي. تحاول الحكومة باستمرار الحصول على أموال من مصادر تمويل تشترط صيغة إسلامية، ومعظمها من دول الخليج وبعض دول آسيا. وتعد «الصكوك» البوابة لهذه الأموال.
بموجب القانون، تأسست «الشركة المصرية المالية للتصكيك السيادي»، وهي شركة مساهمة مملوكة لوزارة المالية، تستحوذ على حقوق الانتفاع بالأصول المُصككة، وتحمل صفة وكيل مالكي هذه الصكوك السيادية.
ويحدد القانون عددًا من الضوابط والشروط، إذ يمكن أن تكون الأصول ثابتة أو منقولة وتملكها الدولة، لكن لا يجوز تصكيك الموارد الطبيعية، كما تصدر الصكوك لمدة لا تتجاوز 30 عامًا، وتمنح حقوق الانتفاع بالأصل، لكن دون انتقال ملكيته من الدولة إلى حامل الصك.
يمكن فهم هذا الانتفاع كشركة. ففي حالة أرض «رأس شقير»، من المفترض أن يتم تأسيس شركة تتولى مسؤولية الاستثمار في هذه المنطقة، وتضم أصحاب هذه الصكوك، لكن هذا لا يعني أن أصحاب الصكوك يملكون الشركة، لأن الصكوك لا تمثل أسهمًا.
وتتشابه الصكوك والأسهم في أن «كليهما يمثل حصة شائعة في ملكية أصول/حق منفعة أصول مدرّة لعائد، أو المشاركة في رأسمال مشروع مربح»، كما يشرح موقع شركة «التصكيك السيادي». لكن الفارق أن «الصكوك [...] أداة تمويل خارج الميزانية من جهة الشركة المصدِرة، بينما الأسهم حصة شائعة في رأسمال الشركة وحامل السهم هو مالك للشركة المصدرة»، كما أن الصكوك لها أجل يتحدد في نشرة إصدار الصك و«ليست دائمة بدوام الشركة المصدرة لها كما هو حال الأسهم». وبحلول هذا الأجل، يتمكن صاحب الصك من الحصول على إجمالي قيمة رأسماله «بصرف النظر عن قيمة أصول المصدر للصكوك أو قدرته على سداد ديونه للآخرين»، على عكس صاحب الأسهم. وهذا ما يجعل الصكوك «قليلة المخاطر» مقارنة بالأسهم، بحسب الموقع.
منذ إقرار القانون قبل نحو خمسة أعوام، أصدرت وزارة المالية صكوكًا مرة واحدة فقط في فبراير 2023 بأجل ثلاث سنوات بقيمة 1.5 مليار دولار، وشهدت إقبالًا كبيرًا. وكان الأصل في هذا الطرح هو إيجار مجموعة من العقارات. أما الإصدار المرتقب للصكوك التي أشار إليها القرار الحكومي سيكون الثاني.
كان وزير المالية، أحمد كجوك، أعلن، أبريل الماضي، عن خطط لطرح صكوك سيادية بقيمة ملياري دولار. ويتماشى ذلك مع ما أعلنته الوزارة، اليوم، بأنها ستستخدم جزءًا من الأرض المخصصة لها، كضمان لإصدار صكوك سيادية.
تختلف هذه الآلية جذريًا عما جرى في صفقة «رأس الحكمة»، التي تضمنت بيعًا مباشرًا للأرض إلى مستثمر استراتيجي (الإمارات)، بحسب المصادر، إذ انتقلت بموجبها ملكية الأرض بالكامل. أما في حالة رأس شقير، فستُطرح الصكوك على نطاق أوسع، لتشمل المواطنين المصريين والأجانب والمؤسسات المصرفية والاستثمارية، حيث لا تنقل الصكوك ملكية قطعة أرض بعينها، وإنما تمنح «حقًا مشاعًا» في أرباح المشروع أو حصة في العائد المالي، دون تملك مباشر للأرض.
وبحلول نهاية مدة الصك السيادي، يحصل صاحبه على إجمالي قيمته الأصلية، وبهذا تنتهي علاقته بالأصل، التي كانت حق انتفاع وليست ملكية، طوال مدة الصك. وهذه نقطة محل اتفاق بين جميع المصادر.
الصك السيادي، لا يعني بأي حال من الأحوال انتقالًا للملكية، وهو أمر واضح جدًا. فبحسب المصادر، لا يجوز تحت أي ظرف نقل الملكية أو الحجز على الأصل، حتى إذا فشلت الحكومة في سداد قيمة هذا الصك.
يشير سامي إلى أن مجلس الشيوخ كان حريصًا للغاية على إغلاق باب انتقال ملكية الأصول، فيما يتعلق بالصكوك.
يأتي ذلك خلافًا لما ورد في قانون الصكوك السابق الصادر عام 2013، والذي لم يتطرق لمسألة ملكية الأصول، ولم ينص صراحة على عدم جواز أن تنص نشرة إصدار الصك على ضمان حصة من الأصل في حالة عدم السداد.
في هذه الحالة، يقع العبء على مصدر الصكوك، أي الحكومة في هذه الحالة، وليس على الأصل ذاته. وبحسب مصدر في وزارة التخطيط، فإن «الخزانة العامة هي الضامن. المستثمر لا يحتاج إلى الأصل ذاته، وإنما يعتمد على قدرة الدولة على السداد».
مصدر قضائي يعمل نائبًا لرئيس مجلس الدولة يوضح أن العبرة تكمن في شروط الاكتتاب التي ستُحدّد في نشرات الإصدار، مشيرًا إلى أن الحكومة قد تدرج بندًا يسمح بتجديد مدة الصك أو إدخال شروط أخرى. لكن في جميع الأحوال، «إذا لم تتمكن الدولة من سداد قيمة الصكوك وأرباحها، فقد تضطر إلى مبادلة ديونها بأصول مجددًا»، بحسب تعبيره، إلا أن ذلك لا يرتبط بالطبيعة القانونية للصك في حد ذاته، بل بسياسة الحكومة في إدارة أزمة ديونها.
تبقى النقطة الأكثر غموضًا في القرار الجمهوري هي تلك المتعلقة بخفض الديون، ذلك أن الصكوك شكل من أشكال الديون. ووفقًا لدليل إحصاءات مالية الحكومة الصادر عن صندوق النقد الدولي، تُحتسب الصكوك ضمن الدين العام على الموازنة العامة، تمامًا مثل السندات وأذون الخزانة وغيرها من القروض، كما ورد في آخر مراجعة لصندوق النقد.
فإذا كانت هذه الصكوك ديونًا جديدة، كيف يمكن للقرار أن يُسهم في خفض الديون المتفاقمة؟
هناك سيناريو مباشر، بحسب بيان وزارة المالية الذي صدر لتوضيح القرار، ستُصدر الصكوك بضمان جزء فقط من الأرض، بينما قد يُخصص باقي العائد من الأنشطة الاقتصادية المنتظر إقامتها في المنطقة لسداد الديون وفوائدها.
يوضح المسؤول بالبنك الدولي الذي تحدث إلى «مدى مصر»، أمس، مشترطًا عدم الكشف عن هويته، أن الحكومة قد تستخدم العوائد التي تؤول إليها من حصتها في المشروع لسداد العوائد الدورية على الصكوك لمالكها، ما يمكن اعتباره «إعادة تدوير للديون».
أما الباحث الاقتصادي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، محمد رمضان، فيطرح سيناريو آخر يتمثل في اللجوء إلى «لعبة محاسبية»، يتم فيها تصنيف ما تلتزم الحكومة بدفعه لحملة الصكوك كـ«عوائد» بدلًا من «فوائد»، ما يعني أن هذه القيمة لن تُحتسب ضمن بند خدمة الديون، وهو ما يؤدي إلى خفض القيمة الإجمالية للديون اسميًا فقط.
في النهاية، لا يمثل القرار سوى نقطة بداية يُنتظر أن تتبعها قرارات أخرى توضح تفاصيل هذا التوجه الجديد، وتحديد تبعاته.
تقارير ذات صلة
مصر ترفض التصورات المقترحة لموطئ قدم أمريكي في البحر الأحمر
تسعى تل أبيب وواشنطن إلى إقامة وجود عسكري دائم للولايات المتحدة في البحر الأحمر
حوار مع طارق تمراز| هل يمكن التنبؤ بهجمات القروش.. ولماذا تهاجمنا؟
مصر هي الثالثة إفريقيًا في عدد هجمات القروش غير المبررة
حوار| الباحث البيئي أحمد العدوي عما يعنيه تقرير الأمم المتحدة عن تغير المناخ بالنسبة لمصر
العدوي هو زميل ما بعد الدكتوراه في كلية البيئة والمجتمع في معهد طوكيو للتكنولوجيا.
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن