تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
مبادرة الحكومة للأسعار: خفض لا يذكر مع قلة المعروض

مبادرة الحكومة للأسعار: خفض لا يذكر مع قلة المعروض

كتابة: سارة سيف الدين، شمس الدين عصام 7 دقيقة قراءة

مع دخول مبادرة الحكومة لتخفيض أسعار السلع الغذائية الأساسية، حيز التنفيذ، وقفت مجموعة من النساء أمام أحد منافذ «أمان» التابعة لوزارة الداخلية بحي الدقي، يتفحصن سلعًا رديئة الصنع والتعبئة، ويطالعن أسعارها باستنكار: «طب ما هو هنا زي بره».. «مفيش فرق».. «أومال فين الأسعار اللي رخصت؟».

بيانات الأسعار -قبل وبعد المبادرة- المثبتة على السلع أسفل لافتة تحمل صورة الرئيس عبد الفتاح السيسي تنبئنا بسبب إحباط هؤلاء النسوة: كرتونة البيض أصبح سعرها 136 جنيهًا بعدما كان 140 جنيهًا (انخفاض نحو 3%). زجاجة الزيت (2 لتر) بـ125 جنيهًا بدلًا من 135 (انخفاض نحو 4%). كيلو مكرونة بـ19 جنيهًا بعدما كان 22 (انخفاض نحو 14%). أيٌ من السلع المعروضة في «أمان» لم يصل إلى الحد الأدنى لتخفيض الأسعار كما حددتها المبادرة. 

سلاسل التجزئة الكبرى المشاركة في المبادرة هي الأخرى علقت صورة السيسي بجوار قوائم عروض مخفضة للأسعار تحت شعار «مبادرة السيد الرئيس». مدير فرع أحد هذه السلاسل قال لـ«مدى مصر»، بعد طلب عدم ذكر اسمه، «إحنا طول الوقت بنعمل عروض.. دا العادي».

تستهدف المبادرة في مرحلتها الأولى النزول بأسعار عشر سلع غذائية: الأرز والسكر وزيت الطعام والمكرونة والعدس والفول والجبن الأبيض والألبان والدواجن والبيض، بين 15-25% خلال ستة أشهر، على أن تكون نسبة الخفض في أسعار البيض والدواجن 15% فقط، بحسب بيان الإعلان عن المبادرة.

وتأتي مبادرة الحكومة بعدما تجاوز معدل التضخم السنوي في سلة الطعام والمشروبات 70%، خلال الشهرين الماضيين، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عن التضخم. على سبيل المثال سجّل البصل أكثر من 350% والدواجن 97%.

ترى الحكومة أن أزمة ارتفاع الأسعار تعود بالأساس إلى «نُدرة المعروض» من السلع، وهو ما عبر عنه تجار في مطالبة الحكومة بتوفير الموارد الدولارية لاستئناف استيراد مدخلات الإنتاج السلع لتعزيز العرض، لكن تجار قالوا لـ«مدى مصر» إن مبادرة الحكومة تسعى لأسباب سياسية إلى خفض الأسعار عبر الاقتطاع من أرباحهم وليس زيادة المعروض، لأنها غير قادرة على ذلك في الوقت الراهن.

تستورد مصر ذرة وفول صويا للأعلاف -أهم مُدخل لصناعة الدواجن- بقرابة ستة مليارات دولار سنويًا، ولتوفير زيوت الطهي، تستورد زيت النخيل وعباد الشمس وفول الصويا بحوالي ملياريّ دولار سنويًا، ومليار دولار أخرى تستورد بها احتياجاتها من الفول والسكر والألبان والشاي، بخلاف أربعة مليارات دولار سنويًا للحصول على القمح، بحسب بيانات التجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء. كما تعتمد مصر على الاستيراد لتوفير 95% من احتياجاتها من العدس، و80% من الفول، و30% من السكر.

ومع تفاقم أزمة شُح العملة الصعبة، قيّد البنك المركزي الاستيراد للحفاظ على السيولة الدولارية داخل البلاد، ما أدى إلى تراجع المعروض من تلك السلع في الأسواق ومن ثم ارتفعت أسعارها بشكل غير مسبوق.

مصادر في قطاعات غذائية مختلفة، قالت إن الحكومة إذا دعمت المعروض من السلع ستتراجع الأسعار وستُشارك الشركات في المبادرة، مُضيفين لـ«مدى مصر» أن المبادرة لم تُفصح عن آليات زيادة العرض بالشكل المُؤثر في الأسعار، بجانب إغفالها أسباب أخرى وراء زيادة الأسعار.

بعد أيام قليلة من الإعلان عن المبادرة، أعلنت وزارة التموين تعاقدها على استيراد 250 ألف طن من الأرز الهندي، من المنتظر أن تصل في غضون ستة أسابيع، بحسب الوزارة. كما استقبلت الموانئ 60 ألف طن من الفول، الأسبوع الماضي، بحسب ما قاله الأمين العام لاتحاد الغرف التجارية، علاء عز.

كما قررت الحكومة ضمن المبادرة إعفاء بعض السلع من الجمارك: الزيوت والزبد والأجبان والألبان والشاي و الطيور المُجمدة والسكر والمكرونة وسلع أخرى، وهو ما صدر به قرار رسمي، الثلاثاء الماضي، نُشر في الجريدة الرسمية.

لكن، غالبية السلع التي شملها قرار الإعفاء الجمركي يُستحق عنها نسبة جمارك منخفضة بالأساس، باستثناء الطيور المُجمدة، التي تبلغ جماركها 30%، بحسب رئيس شعبة المستوردين، أحمد شيحة، لـ«مدى مصر»، الذي يرى أنها محاولة من الحكومة لرمي الكرة في ملعب التُجار وإرسال رسالة مفادها أن الحكومة تعمل على خفض الأسعار.

مصدر بغرفة الصناعات الغذائية، لم يرد ذكر اسمه، استبعد انخفاض أسعار السكر والأرز لضعف المعروض منهما، مُضيفًا أنه مع استمرار الوتيرة الضعيفة من البنوك لتدبير الدولار سيكون من الصعب السيطرة على الأسعار.

أدت القرارات الحكومية المتخبطة تجاه زراعة الأرز، على مدار العامين الماضيين، إلى نقص كبير من السلعة في السوق، وارتفاعات غير مسبوقة في سعرها ليقفز سعر الكيلو من 13 جنيهًا إلى أكثر من 35 جنيهًا، وحذفه من البطاقات التموينية، مع العودة إلى الاستيراد بعدما توقفت عنه الحكومة منذ 2018.

عضو شعبة الأرز بغرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات، مصطفى السلطيسي، قال إن التجار والمزارعون لم ينضموا للمبادرة. 

وأكد مصدر من داخل الشعبة أنهم لم تصل إليهم أي تكليفات بشأن المبادرة، ولم يتحدث أحد مع الشركات الأعضاء. ويرى أن السبيل الوحيد لضم الأرز للمبادرة هو توجه وزارة التموين لشراء بعض الكميات من الأسواق وطرحها في الفروع التابعة للأجهزة الحكومية بالأسعار المخفضة، غير ذلك لن يحدث جديد.

عضو غرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات، وليد دياب، قال لـ«مدى مصر» إن بعض خامات إنتاج سلع غذائية شهدت تراجعًا سعريًا بالفعل، إلا أنه لم يظهر في الأسعار النهائية للمستهلكين، ضاربًا مثال بالدقيق الذي انخفض سعره 18% خلال الأسابيع الماضية، إلا أن المنتجات المُصنعة من الدقيق، لم تنخفض أسعارها النهائية، على الرغم من تراجع الطلب بشكل قوي نتيجة الوضع الاقتصادي، موضحًا أن السبب في هذه الحالة، قرار المنتجين بالاستفادة من التراجع وتحويله لربح، دون تمريره للسلعة النهائية.

فيما كشف أحد المصادر بقطاع السكر، لم يرد ذكر اسمه، أن وزارة التموين تنوي طرح مخزونها من السكر لدى منافذ البيع بأسعار مخفضة، على أن تستورد الكمية المتبقية لتلبية احتياجات السوق المحلي، وهو ما يأخذ وقتًا طويلًا لينعكس على تهدئة الأسعار.

في هذا السياق، قال مصدر بقطاع التسويق في شركة «مضارب الدقهلية» إن بعض الشركات تشارك في المبادرة «غصب عنها» بالتضحية بجزء من أرباحها على أن تعوض لاحقًا، يُضيف على ذلك المصدر بقطاع «السكر» أن المشاركة الآن عبارة عن «التنازل عن هوامش الربح أو حتى الخسارة» للوقوف بجانب البلد. المعنى نفسه أكد عليه بيان الحكومة للإعلان عن المبادرة حين أشار إلى «أهمية دور القطاع الخاص المصري الذي يقف إلى جانب الدولة المصرية في كل الظروف، الطبيعية منها والطارئة أيضًا». 

يظهر ذلك بوضوح في قطاع الدواجن، الأكثر تضررًا من أزمة الاستيراد، إذ أعلن عضو اتحاد منتجي الدواجن، أنور العبد، أن شركات الاتحاد ستساهم في تحقيق هدف المبادرة بخفض أسعار الدواجن ومنتجاتها حتى 25% «وإن كانت الأسعار ستقل تحت حد التكلفة الفعلية للإنتاج».

مصدر مسؤول بالاتحاد، لم يرد ذكر اسمه، قال لـ«مدى مصر» إن الحكومة واجهت رفض بعض الشركات للمبادرة بإجراء عمليات تفتيش عليها لمحاولة إجبارها على المشاركة، مُضيفًا، إلى جانب مصدر ثانٍ، محاولة الحكومة الضغط على أصحاب المزارع الصغيرة والمتوسطة (70% من طاقة القطاع) من خلال السماسرة الذين يحددون الأسعار وفقًا للعرض والطلب بما يمكنها من حرق الأسعار، نظرًا لأن الحكومة لم تجد آلية لإلزامهم بخفض الأسعار.

العبد، أشار إلى أن الاتحاد حدد مع شركاته الأعضاء سعر بيع الدواجن عند 65 جنيهًا للكيلو من المزرعة، في حين سيتم تخفيض كيلو «المجمد» إلى 100 جنيه للكيلو بدلًا من 115 جنيهًا، وأسعار طبق بيض المائدة إلى 115 بدلًا من 125 جنيهًا حاليًا.

لكن أسعار بيع طبق البيض الأبيض سجلت في منفذ المبادرة، مع دخولها حيز التنفيذ، 136 جنيهًا بدلًا من 140، وللبيض الأحمر 140 جنيهًا بدلًا من 145.

كما تراوحت أسعار بيع الدواجن، اليوم، بين 80 و85 جنيهًا للكيلو، بعدما كانت تُباع عند 75 جنيهًا الأسبوع الماضي، بحسب عدد من محال بيع الدواجن بمناطق عدة بالقاهرة، في حين تراوحت الأسعار على أرض المزرعة بين 68 و69 جنيهًا للكيلو، وهي أسعار أعلى من السعر الذي تحدث عنه مجلس الوزراء الأسبوع الماضي عند 65 جنيهًا.

يرى أمين صندوق اتحاد منتجي الدواجن، ثروت الزيني، أن زيادات الأسعار خلافًا للمبادرة نتيجة متوقعة، لأن السيطرة على الأسعار يتطلب زيادة الإنتاج بتكلفة تساعد على تراجع أسعار المستهلكين، موضحًا أن أسعار الأعلاف، خلال اليومين الماضيين، ارتفعت بما يتراوح بين ألف و1500 جنيه في الطن.

يُشير عضو الاتحاد، محمد صالح، لـ«مدى مصر»، إلى أن شركات الاتحاد لا تعمل جميعها في الإنتاج المُوجه للمستهلكين مباشرة، فبعض الشركات تعمل بمراحل إنتاجية أسبق، مثل، التفريخ وأمهات الدواجن والجدود، وبالتالي لا يمكن الحكم على حجم الكميات التي ستصل إلى المستهلكين.

يبدو أن جوهر المبادرة الحكومية لتخفيض الأسعار يعتمد على مدى تعاون أو إجبار التجار على التضحية بجزء من أرباحهم في المستقبل القريب، وليس اتخاذ خطوات حقيقية تجاه ما قالت الحكومة إنه السبب الأساسي في الأزمة، ألا وهو نقص المعروض، خاصة في وقت لا يظهر فيه أي أفق لحل أزمة العملة الصعبة ووقف التدهور المستمر لقيمة الجنيه في بلد يستورد 60% من احتياجاته الغذائية، بحسب جمال صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة. 

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن