ما دخل بين البصلة والمستهلك
خلال الأسابيع الأخيرة قفز سعر كيلو البصل بنحو ثمانية جنيهات في أسواق الجملة ليصل إلى 30 جنيهًا، وارتفع بأكثر من 15 جنيهًا في أسواق التجزئة، ليصل إلى يد المستهلك بسعر 40 جنيهًا، ولا يزال الصعود مستمرًا، وفق جولة أجراها «مدى مصر» داخل مجموعة واسعة من أسواق التجزئة، والجملة.
واحد من أبرز التجار المُجمعين للبصل من الفلاحين في محافظة كفر الشيخ، أحمد عبد الصمد، أرجع ارتفاع أسعار البصل إلى نقص الكميات المعروضة من المحصول في الفترة الحالية إلى أقل مستوياتها منذ سنوات طويلة، مضيفًا أنه بناءً على نظرية العرض والطلب، فمن الطبيعي أن ترتفع الأسعار لهذه المستويات، وأيضًا من الطبيعي أن نرى قفزات مستقبلية.
وقال عبد الصمد إن ارتفاع أسعار البصل ونقص المعروض لا يعني زيادة في الاستهلاك المحلي أو التصدير، بقدر ما هو بسبب انعدام وجود سياسات زراعية تراعي القدرات الإنتاجية مقارنة بالطاقة الاستهلاكية، ما يدفع الأسواق نحو أزمات دورية.
حين يحدث تراجع في إنتاج محصول ما خلال أحد المواسم، ترتفع الأسعار في الأسواق نتيجة قلة المعروض، ما يحقق مكاسب كبيرة لمن صح محصولهم من الفلاحين، وهذا يغري أعدادًا أكبر من الفلاحين على زراعة مساحات أوسع من نفس المحصول في الموسم التالي، فيحدث فائض في الإنتاج والمعروض من هذه السلعة في الأسواق فتنخفض الأسعار، ما يكبد الفلاحين خسائر، فيتخلى كثير منهم عن زراعة نفس المحصول في الموسم الجديد، وهكذا نعود لنقطة أزمة الإنتاج، يقول عبد الصمد.
وأضاف: «دا بالظبط اللي حصل مع الفلاحين في الموسم الماضي، وبيحصل مع المستهلكين في الموسم اللي شغال حاليًا، المساحات كانت كبيرة قوي في مواسم 2020 و2021، والأسعار وقتها كانت بين 2.5 و3 جنيه للكيلو من عند الفلاح، لكن في موسم 2022 مع الإنتاج الجديد والمخزون القديم السعر نزل لحد 50 قرش للكيلو من عند الفلاح، أقل من سعر الحصاد، ودا اللي خلى المساحات [المزروعة بصل] تقل جدًا في موسم 2023، وبالتالي الأسعار زادت بالشكل الكبير اللي حصل، مع التضخم والدولار وصلنا للمستوى الحالي».
يبدأ موسم البصل سنويًا في أغسطس بزراعة التقاوي التي تنتج شتلات يستخدمها المزارعون بدءًا من نوفمبر وديسمبر، على أن يبدأ حصاد المحصول في أبريل أو مايو التالي.
يقول مزارع بصل في محافظة الغربية: «زرعت الموسم اللي فات 9 فدادين، بعت جزء من المحصول بسعر 8 جنيه ونص للكيلو، وسبت جزء بعته بعدها بشهرين بـ15 جنيه.. أنا شيلت جزء لأني عارف إن السعر لازم هيزيد، السوق أصله كان في الموسم اللي قبله بايت فاضي، والإنتاج كان قليل قوي الموسم دا، علشان المساحات صغيرة.. وكان نفسي أشيل جزء كمان لآخر الموسم لأنه كان واضح إن فيه مكاسب أكبر، لكن خفت على المحصول يبوظ بسبب التخزين، لكن التجار أشطر مننا في التخزين، و15 جنيه سعر حلو جدًا».
«الموسم دا هزرع 11 فدان، السعر مش هيقل عن 10 جنيه [للكيلو] وقت البيع، ودا هيكون سعر كويس، وإن كانت التكاليف زادت علينا بعد ما سعر الزريعة زاد من 2500 جنيه للقيراط الموسم اللي فات بقى بـ7 آلاف جنيه الموسم دا، وإيجار الفدان اللي زاد لـ17 ألف جنيه بدل 12 السنة اللي فاتت، لكن الموسم الجاي مش هزرع، علشان لو ناس زرعت كتير كالعادة هتخسر معايا»، يقول المزارع.
وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يبلغ المتوسط السنوي لزراعات البصل نحو 250 ألف فدان. هذه المساحات قادرة على إنتاج نحو 3.6 مليون طن، يحتاج السوق المحلي إلى نحو 2.7 مليون طن، ونحو 500 ألف طن صادرات سنوية في المتوسط، في حين يتم تخزين نحو 400 ألف طن للموسم التالي.
رئيس شركة الأندلسية للحاصلات الزراعية، أحمد قورة، يقول إن المساحات التقديرية للموسم الأخير تراجعت النصف تقريبًا، ولم تَصدر بعد إحصاءات حكومية رسمية للمساحات الفعلية، والعام الجاري نرى زراعات كثيرة جدًا مع بدء الموسم الزراعي في نهاية نوفمبر الماضي، والذي يستمر حتى نهاية ديسمبر الجاري، وسنري كميات كبيرة جدًا في موسم الحصاد في مايو المقبل، وهو ما سيقلل أسعار الجملة إلى 12 جنيهًا تقريبًا.
ويرى رئيس شركة جليلة لتصدير الحاصلات الزراعية، فهمي جليلة، أنه بالإضافة إلى تراجع الإنتاج، فإن تخزين المنتجات الزراعية مثل البصل والثوم يُعرِض جزءًا منها للتلف بسبب التغيرات المناخية التي نشهدها في الأونة الأخيرة، بالإضافة إلى أن المخزون يتعرض للتقلص في الوزن لانسحاب الماء منه تدريجيًا، وبالتالي تكاليف أعلى تستدعي زيادة الأسعار للتعويض، ويجب أن نعتبر بذلك في أثناء حساب الاحتياجات الفعلية السنوية للأسواق.
وفق بيانات «التعبئة والإحصاء» يفقد محصول البصل سنويًا ما يزيد على 500 ألف طن خلال فترة الحصاد، وعلى مدار موسم التسويق، بسبب سوء التسويق والتخزين.
كما أن تكلفة الإنتاج الزراعي كانت واحدة من أبرز أسباب ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية عامة في الفترة الأخيرة، ومنها البصل، بحسب جليلة: «أسعار الأسمدة والمبيدات وتكلفة الأيدي العاملة المتنامية أبرز دليل على ذلك».
جمال صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعي في جامعة القاهرة، يقول إن كل ذلك يأتي وسط انعدام التوعية بأهمية نظرية العرض والطلب وتأثيرها المباشر على التكاليف والأرباح، أو التعرف بدقة وبشكل سنوي على الاحتياجات الحقيقية من المحصول، سواء للسوق المحلي أو التصدير.
تراجع الإنتاج في موسم الحصاد الأخير صاحبه ارتفاعًا في التصدير، الذي نزح كميات كبيرة من المحصول القليل إلى الأسواق الخارجية، ما زاد الطين بلة في السوق المحلي.
في تصريحات سابقة لـ«مدى مصر»، قدّر رئيس المجلس التصديري للحاصلات الزراعية، عبد الحميد الدمرداش، نمو صادرات البصل خلال الموسم التصديري الماضي (من سبتمبر 2022 إلى أغسطس 2023)، مقارنة بالموسم السابق، على أساس الكمية بنحو 100% وصولًا إلى 600 ألف طن، وعلى أساس القيمة بنحو 141%، صعودًا إلى 217 مليون دولار، بصورة وضعت مصر في المرتبة السادسة عالميًا على قائمة أبرز الدول المصدرة للمحصول.
انتبهت الحكومة لمشكلة التصدير، فأصدرت في 19 سبتمبر الماضي قرارًا بحظر تصدير البصل بجميع أنواعه لمدة ثلاثة أشهر، واستثنت منه البصل المصنع، الذي يصل إلى عشرة آلاف طن سنويًا مُنتَجة من نحو 80 ألف طن من البصل الطازج. لكن، تطبيق القرار تأجل إلى الأول من أكتوبر بطلب من المصدرين.
جاء حظر التصدير متأخرًا، ولم يؤثر على حجم الشحنات المتعاقد عليها قبل صدور قرار الحظر، وفق رئيس لجنة البصل والثوم بالمجلس التصديري للحاصلات الزراعية، عز جودة، الذي أوضح أن فترة الحظر (سبتمبر - ديسمبر) لا تشهد أصلًا عمليات تصدير ذات شأن، لأنها تتزامن مع بداية الزراعة، وجرت العادة على أن تُحدَد اتفاقات التصدير عقب التعرف على المساحات المنزرعة للموسم الجديد، ثم تبدأ تعاقدات التصدير.
يبدو أن رأي جودة تردد صداه لدى الحكومة، فمدت قرار الحظر ثلاثة أشهر أخرى، تنتهي في مارس المقبل، ما يعني عمليًا حظر التصدير قبل موسم الحصاد القادم الذي يبدأ في أبريل.
رئيس إحدى شركات تجارة البصل، قال لـ«مدى مصر»، بعدما طلب عدم ذكر اسمه، إن تعرف الحكومة على حجم الإنتاج في كل موسم، واتخاذ قرارات منع التصدير من عدمه بناءً على ذلك، يُعد أحد سبل التصدي للأزمات الموسمية في المحاصيل الزراعية، مضيفًا: «الحكومة لو منعت التصدير بدري من الموسم الماضي بناءً على قياسها حجم الإنتاج المتوقع في ظل تراجع المساحات اللي مفروض إن وزارة الزراعة يكون عندها علم بيه، كانت هتوفر 600 ألف طن، 80% منها تم تصديره بنظام البيع بالعمولة».
يقوم نظام «العمولة» على لجوء المُصدّر إلى بيع سلعته في أحد الأسواق الخارجية عبر تاجر في هذا السوق مقابل نسبة يُحصّلها هذا التاجر من إجمالي المبيعات.
مؤخرًا، توسع المصدرون المصريون في اتباع نظام العمولة -رغم مخاطر النصب الكبيرة من قبل المستوردين (السماسرة)- والابتعاد عن النظم الأخرى -أشهرها خطابات الاعتماد أو المستندات الاعتمادية- تحت إشراف النظام المصرفي، الأكثر أمانًا، لكن الأكثر تعقيدًا أيضًا، من حيث الإجراءات والإمكانات المادية المطلوبة رسميًا لعقد صفقات التصدير.
في نظام «العمولة»، يصبح من مصلحة المُصدّر بيع أكبر كمية ممكنة من سلعته في سوق خارجي (أغلبها في الدول العربية) لتحقيق مكاسب أكثر، حتى لو قَبِل بسعر أقل لبضاعته، لأن فارق صرف العملة في ظل التدهور غير المسبوق لقيمة الجنيه المصري سيعوضه، بالإضافة إلى حصوله على نسبة الدعم الحكومي للمصدرين، والتي تتراوح بين 6 و12% من إجمالي عائدات التصدير، حسب المحصول. من ناحية أخرى، من مصلحة المستورد (السمسار) طرح أكبر كمية ممكنة من السلعة في سوقه المحلي لتحقيق ميزة تنافسية تمكنه من البيع أكثر، وبالتالي حصوله على نسبة عمولة أعلى.
مع الوقت، وتكالب المُصدّرون على هذا النظام، تُغرق الأسواق المُستورِدة بالسلعة المصرية، فتنخفض أسعارها هناك، فيما ترتفع هنا نتيجة شح المعروض في السوق المحلي بعد نزح كميات كبيرة من السلعة إلى الأسواق الخارجية، إلى جانب الأسباب الأخرى المتعلقة بضعف الإنتاج بسبب عشوائية الدورات الزراعية.
يوضح رئيس الشركة: «فيه كميات كبيرة من البصل اتصدرت بسعر 3500 جنيه للطن، يعني 3 جنيه ونص للكيلو، والبصل المصري علشان بيتصدر للخليح بنظام العمولة راح بسعر رخيص قوي».
وأوضح: «مش معنى انك عاوز تصدر أكتر انك تخسف بسعر منتجك الأرض من خلال البيع بالعمولة، لأن دا بيضعف التنافسية في الأسواق لما بيزيد عدد المُصدرين وتزيد كميات التصدير بصورة أكبر من حاجة السوق المستورد، فدا بيرفع المعروض ويخفض أسعاره هناك، وفي بعض الأحيان بيوصل السعر في الخارج أقل من السعر في مصر في صورة غير مفهومة».
رئيس شركة اكسترا جلوبال، أحمد فرحات، يوضح أن التصدير بالعمولة يحرم المستهلك المحلي من معروض سلعي أكبر بأسعار أقل، إذ يتم توجيه كميات أكبر للأسواق الخارجية لا تستفيد منها السوق المحلية، ولا يستفيد منها الاقتصاد بعائد أفضل، قائلًا: «لو هتصدر اتنين كيلو بعشرة جنيه، وسعر الكيلو في التصدير أصلًا 10 جنيه، صدر كيلو بالطريق السليم وخلي التاني للسوق المحلي، ودا ديما هيوفر معروض أكتر بسعر أنسب، لكن النظام دا مفيش قوانين حكومية تمنعه، وعلشان كدا دايمًا شغال حتى في سلع زي الموالح اللي بردوا بنخسر من قيمتها بالطريقة نفسها».
يقول قورة إن «زراعات البصل السنة دي فيها توسع كبير على حساب محصول القمح… شايفين في كفر الشيخ والغربية ناس بتحرث القمح بعد ما اتزرع علشان تزرع مكانه بصل، ودا بعد الأسعار الكبيرة اللي وصل ليها سعر البصل في الأسبوعين الأخيرين».
وأضاف أنه رغم ارتفاع المساحات المتوقع زراعتها، من المرجح أن سعر الطن في موسم الحصاد الجديد لن يقل عن عشرة آلاف جنيه من أرض الفلاح، نتيجة زيادة تكلفة فدان البصل هذا العام، والتي لن تقل عن 55 ألف جنيه، لإنتاج 15 طنًا في المتوسط، بالإضافة إلى عدم وجود مخزون من الموسم الأخير.
ويقول صيام إن تكرار الأزمات هو ما يفقد السيطرة على الأسواق، وبالتالي الأسعار والتضخم، وتوجد حلولًا كثيرة لتحقيق التوازن وحل المعضلة التي تواجه الحكومة كل عدة مواسم من خلال وضع السياسات الزراعية المناسبة للاقتصاد، وأيضًا للقدرة على الاستفادة من القدرات الزراعية اقتصاديًا.
تقارير ذات صلة
«الكشري».. الثمن الخفي للسيادة الغذائية المسلوبة
وجبة تعكس علاقة مصر بأرضها وسكانها وواقع الاستعمار الاقتصادي الذي أعاد تشكيل مائدتنا
ليالي قطاف الياسمين
ذهبنا إلى حقول شبرا بلولة ليلًا وسجّلنا تجربة قطاف الياسمين الشاقة كما هي في الواقع
+%170 زيادة في إيجارات أراضي «الأوقاف» و«الإصلاح الزراعي».. «تعظيم إيرادات الدولة» يهدد صغار المزارعين
هدف الزيادات كان تعظيم العائد من الأصول التي تديرها الدولة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن