«ما حصلش واحد يحب زي ما أنا بس أعرف أحب، وما اتحبش».. الحب في أفلام شاهين
تقول لي صديقتي كلما مرت بأزمة عاطفية «منه لله يوسف شاهين صاحبك، هو اللي علمنا نحب وقالنا إن الحب حلو»، أسمعها وأبتسم وأفكر في داخلي أن شاهين بريء من أزماتك العاطفية يا عزيزتي وأندهش لماذا ترى صديقتي أن شاهين هو من علمنا الحب؟
رغم حبي الشديد لسينما شاهين، لم أدرك من أين أتت صديقتي بهذه النظرية إلا مؤخرًا. بدأت أدرك أن وجود حكاية حب هو عنصر أساسي في كل أفلامه أيًا كان موضوعها؛ سياسية أو اجتماعية أو ذاتية أو حتى كوميدية. الملفت أنه في أغلب أفلامه هناك شخص «حب ولا طالشي»، حكاية حب من طرف واحد. وكثيرًا ما لعب شاهين لعبة مثلث الحب في أفلامه.
المثل الأشهر بالطبع هو قناوي في «باب الحديد» (1958) الذي يحب هنومة (هند رستم)، وترفضه لتتزوج أبو سريع (فريد شوقي) فيستشيط غضبًا، ويقرر الانتقام منها، وهو الدور الذي أداه بنفسه، وأعتبره من أفضل الأداءات التمثيلية في السينما المصرية.
«دا انتِ حتبقي شاكليطة ف بلدنا يا بنت انتِ»
لكن أيضًا إن مررت على مسيرته فسنجد في «صراع في الوادي» (1954) رياض (فريد شوقي) الذي يحب ابنة عمه آمال (فاتن حمامة)، ولكنها تفضل أحمد (عمر الشريف) عليه. ثم في «صراع في الميناء» (1956) ترفض حميدة (فاتن حمامة) ممدوح (أحمد رمزي)، وتختار رجب (عمر الشريف).
وفي «العصفور» (1974) تذوب بهية (محسنة توفيق) في يوسف (صلاح قابيل) الذي لا يكاد يراها، فهو غارق تمامًا في عمله وقضيته. وفي «الأرض» (1970) ترفض وصيفة (نجوى إبراهيم) محمد أفندي (حمدي أحمد) الذي يحبها في صمت، وتميل إلى عبد الهادي (عزت العلايلي).
في «عودة الإبن الضال» (1976)، ورغم قسوته وغلاظته، يركع طلبة (شكري سرحان) أمام فاطمة (سهير المرشدي) طالبًا رضاها، ولكنها ترفضه، وتعيش على أمل أن يعود أخيه (أحمد محرز) الذي رحل عنهم منذ اثني عشر عامًا، ولم يعد، ولكنها لم تنس حبها له، رغم كل ضغوطات أخيه طلبة .
أما في «حدوتة مصرية» (1982) فالأمر أكثر إرباكًا، فالجميع يحب يحيى (شاهين) ويتمنى رضاه، نبأة (رجاء حسين) تتمنى رضاه وهو يتعامل معها أنها فقط صديقة أو معرفة أحيانًا، وهي لا تطمح في المزيد. حتى نصل إلى اللحظة التي تغضب منه وتصرخ فيه:
«ويطلع عين أم اللي تحبك تاني»
ورغم فتور علاقة الحب بين يحيى وزوجته آمال (يسرا) بعد بضع سنوات من الزواج إلا إنها لا تزال تحبه وتنتظره، في الوقت نفسه الذي يتعلق قلبه بالشاب الجزائري مصطفى، فيذهب وراءه إلى الجزائر ليبحث عنه، ويهديه إسطوانة لأم كلثوم، التي يحضر لها حفلًا بعد لقائه بمصطفى، ونشاهد فيه محاولات آمال التودد إليه، ولكن نراه سارحًا بعيد عنها، غارقًا في أغنية أم كلثوم. وجدير بالذكر أن مشهد لقائه بمصطفى في الجزائر محذوف من كل نسخ الفيلم المتداولة ولم يظهر إلا في نسخة الفيلم المرممة.
وبالتوازي مع كل هذا تستمر علاقته مع اعتماد هانم (ليلى شعير) التي رأته لأول مرة مراهقًا، وإنجذبت له جنسيًا، ولم تتوقف علاقتهما حتى بعد زواجه. في الفيلم أيضًا يطلب مهدي يد أخت يحيى التي يحبها، لكن والدته ترفض فينكسر قلبه.
في «اليوم السادس» (1986) أيضًا الأمر معقد جدًا. صدّيقة (داليدا) في منتصف خمسيناتها، علاقتها بزوجها القعيد (حمدي أحمد) معقدة ويبدو أن تاريخها معه يحمل الكثير من الألم لها.
في الوقت نفسه يحبها رفحي صاحب السينما (شاهين) في صمت وتعامله هي كجار ليس أكثر فهي تحب حسن، مدرس حفيدها العشريني، الذي لا يشعر بما تكنه له، ويخبرها أن والدته قد إختارت له عروسته..
«ماما خلاص قررت»
ثم يظهر عوكة (محسن محيي الدين) الذي يتعلق بها ويحاول أن يستميلها خلال رحلتهم إلى الإسكندرية. تقاومه كثيرًا لكنه يصر، حتى تبدأ في أن تميل له قبل أن يفرقهم موت الحفيد وحزنها عليه.
«- لكن هي تتقل وتقول..
- بتبصلي كدا ليه بتبصلي كدا ليه؟»


«ما حصلش واحد يحب زي ما أنا بس أعرف أحب.. وما تحبش..
دا من صغري»
في «المهاجر» (1994)، رغم أن أميهار (محمود حميدة) يحب زوجته سيميهت (يسرا) بشدة إلا إنها تحب رام (خالد النبوي) وتتمناه وهو مشغول بهاتي (حنان ترك) التي سيتزوجها.
« - رام! اوعى تهيني أكتر من كدا
- سيمهيت.. مفيش إهانة إن الواحد يحتاج للتاني»
وصولاً إلى «هي فوضى» (2007) نرى أمين الشرطة حاتم (خالد صالح) يتحول من وحش كاسر إلى حمَل وديع أمام نور (منة شلبي) محاولًا إرضائها بشتى الطرق ولكنها لا تطيقه وتفضل شريف (يوسف الشريف) عليه مما يدفعه للجنون.
كل ما سبق هو عبارة عن أمثلة لمثلثات الحب في أفلامه، يستعرض خلالها شاهين حالة «الحَبّيِّب» المرفوض ويحاول أن يكشف عن جانب مشرق فيه، حتى وإن كان هذا «الحَبّيِّب» شخص مستغل ووضيع كـ حاتم في «هي فوضى» أو قاسٍ ومادي وحقودي كـ طُلبة في «عودة الإبن الضال» أو مختل كـ قناوي في «باب الحديد»، حتى أن «مصطفى -أحد شخصيات حدوتة مصرية- يتحدث عن قناوي، قائلًا «قناوي جميل وحَبّيِّب مفيش منه اتنين».
هكذا رأى شاهين قناوي، البائع الأعرج المكبوت جنسيًا المجنون بحبيبته، بل إنه رأى في كل منا «قناوي»، حينما قال مصطفى أيضًا في الفيلم نفسه: «كل واحد فينا أعرج بطريقته».
حين رأيت «هي فوضى» في السينما لأول مرة، تذكرت قناوي مباشرة، فحاتم مهووس بـ نور نفس هوس قناوي بـ هنومة، ذاك الهوس الذي سيقوده في النهاية لمحاولة قتل، كما قاد قناوي من قبله. ورغم كل ما ارتكبه حاتم خلال الفيلم من تعذيب ورشوة وأفعال كريهة إلا أنه عندما سأله الضابط وهو يبكي وقت احتضاره وفي آخر لحظات حياته «بتعيط ليه دلوقتي»، أجابه: «عشان مش حشوفها تاني». وكانت تلك الجملة المليئة بالحب والوله هي آخر جملة قالها حاتم قبل أن يلفظ آخر نفس له.
«- قول لنور تسامحني
= بتعيط ليه دلوقتي؟ مش إنت اللي عملت كدا في نفسك؟
- بعيط عشان مش حشوفها تاني.»
في حوار تلفزيوني مطلع الألفينات سألته المذيعة ذات الدم الثقيل «حبيت حد من بطلاتك يا joe» فرد شاهين مبتسماً بثقة «طبعًا» ثم استطرد «بس سابتني وراحت إتجوزت القفل التاني»، وقهقه وضحكت المذيعة ضحكتها الشهيرة. كان يتحدث في تلك اللحظة عن فاتن حمامة التي رفضته للتزوج «القفل التاني» أي عمر الشريف! وقتها اندهشت بشدة من ثقته في الحديث عن حبه بشكل علني رغم أنه رجل متزوج. مع الوقت والاطلاع ومشاهدة أفلامه مرات ومرات، بدأت أرى كيف أن شاهين خلال أفلامه حكى بوضوح عن علاقاته ومغامراته بل وميوله المثلية التي ألمح إليها وعبر عنها بشكل مستتر أحيانًا، وواضح في أحيان أخرى. ولكن أبدًا لم يحكِ عنها بخجل. تزوج شاهين بعد قصة حب كما يحكي لنا في «حدوتة مصرية»، الذي يحكي لنا فيه أيضًا عن تعلقه بمصطفى وعلاقته العابرة مع سائق التاكسي في لندن وعلاقته بزوجة الطبيب المشهور.
هذه العلاقات ليست بالضرورة علاقات حدثت بالفعل في الواقع، قد تكون حدثت أو قد تكون علاقات تمنى أن تحدث أو قد تكون كلها محض خيال درامي لكنها بالتأكيد تعبر عن شيء داخل شاهين، عن احتياجه المستمر للحب وانفتاحه عليه، عن قلبه الواسع المفتوح الذي يحب الناس ولا يبالي إن كان من يحبه سائق تاكسي بسيط أو سيدة ارستقراطية تكبره في السن. أَحَب شاهين واستمتع بمشاعر الحب ولم يخجل منها أبدًا بل قدسها وغرق فيها.
«أنا الذي أحبك فأنا المدين لك بكل شيء» هكذا تحدث محمود (عزت العلايلي) بطل «الاختيار» (1970).
يسأله المحاور في أحد البرامج أيضًا في مطلع الألفينات عن أكثر شيء يخاف منه فيرد شاهين بثبات «خايف لما أموت محسن مايمشيش في جنازتي». إن تحدثنا عن شاهين وعن الحب في حياته، فلا يمكن تجنب حكايته مع محسن محي الدين بطل أفلامه في الثمانينيات (إسكندرية ليه؟، اليوم السادس، وداعًا يا بونابرت) والتي أفرد لها فيلمًا كاملاً ألا وهو «إسكندرية كمان وكمان» (1990). يحكي شاهين في هذا الفيلم الذي قام ببطولته بنفسه عن علاقته بمحسن التي انتهت للتو. يقول شاهين أن تجاوز هجران محسن المفاجئ له احتاج منه عامين. كان هذا الفيلم أحد وسائل محاولة تجاوز انتهاء علاقته بمحسن التي استمرت 10 سنوات. أحب شاهين محسن وأعطاه كل شيء، بعد أن رأى شاهين نفسه فيه بل إنه يقول أنه نسخة معدلة منه، أحبه وتعلق به وراهن عليه قبل أن يرحل محسن فجأة ويقرر أن يفض شراكتهما العميقة.
«خد يا علم وخد يا تربية وخد يا حب وإنتماء.. ووله»
في لقاء تلفزيوني في آواخر الثمانينيات وأثناء العمل على سيناريو «إسكندرية كمان وكمان» يتحدث شاهين عن الممثلين قائلًا: «أنا بحبهم بشكل يمكن بيخنقهم.. حبي أكتر من اللزوم.. ودي حاجة قاعد أنا بدرسها في السيناريو الجديد». وبالفعل هو في الفيلم يذوب حباً في «عمرو/محسن» حتى أنه يراه كنصف إله، يشكو ألم غياب حبيبه عنه ويفكر فيه دائمًا ويسأل عنه، لكنه يطرح أيضًا وجهة النظر الأخرى لـ«عمرو/محسن» فنرى عمرو في الفيلم يقول لنادية أن يحيى (شاهين) لا يقبله كما هو لكنه يحب تصوره الشخصي عنه «اسأليه لو بيحبني زي ما أنا ولا معلق على شبح اخترعه في نافوخه؟». يواجه شاهين نفسه في الفيلم بأنايته الزائدة أحيانًا وبأزماته المتعلقة بالحب الزائد أحيانًا أخرى والذي يؤدي في النهاية لنتيجة عكسية كما حدث مع محسن الذي يحاول التصالح مع غيابه عنه.
في رأيي، أن شاهين لم يتجاوز أبدًا علاقته بمحسن. بالطبع أخرج من خلال الفيلم شحنة عاطفية كبيرة مما ساعده على أن يستأنف مسيرته ويستمر في صناعة الأفلام، لكن الجرح الذي تسبب فيه محسن لم يلتئم أبدًا. لم يستطع أن يخرج حبه من قلبه وعاش به إلى آخر يوم في حياته، لذا لم يتردد عندما سأله المحاور عن ما يخشاه وكان الرد أن لا يتواجد محسن في جنازته، رغم أن هذا الحوار كان بعد مرور قرابة ال15 عامًا على انتهاء علاقته به.
حين التقيتُ محسن منذ عدة سنوات وتحدثت معه وسألته عن كيف يشعر حيال أن هناك فيلم يحكي عنه وتحديدًا عن علاقته بشاهين -في إشارة إلى إسكندرية كمان وكمان- فرد علي بتلقائية «فيلم واحد؟ أنا موجود ف أكتر من فيلم»، ثم قال لي إنه يعلم جيدًا أن في فيلم «المصير» (1997)، شخصية عبدالله (هاني سلامة) الموهوب في الرقص، ثم تلتف حوله الجماعات الإسلامية وتوسوس له، فيترك الرقص ويترك أهله ومحبيه وأصدقائه ويتدين، هي شخصية ترمز له ولتجربته.
«ياريتك كنت إنت اللي خلصت عليا زي ما قلت.. مفيش أحلى من الموتة اللي تيجي من إيدك إنت»
لكن أكثر ما لفت انتباهي أثناء حديثي مع محسن هي معلومة عابرة قالها لي ألا وهي أن شاهين ظل يرسل إليه كل سيناريو يكتبه ويشرع في تنفيذه عارضًا عليه أحد الأدوار فيه حتى آخر فيلم له، وإنه أبدًا لم يقبل هذه العروض. لا أعلم مدى صحة المعلومة أو دقتها، لكنها تليق بـ«حَبّيِّب» بقلب واسع لا يعرف الكره كشاهين لذا اخترتُ أن أصدقها.
الآن حين أستعرض كل مثلثات الحب في أفلام شاهين، وكل شخصياتها التي تعيش قصص حب من طرف واحد، وحين أتأمل تعامله مع مفهوم الحب برحابة شديدة وبشفافية واعتزاز، وكيف أنه لم يقصِر الحب والولَه بل والإخلاص في الحب على الشخصيات الجيدة الطيبة لكنه كان رحبًا بما يكفي لكي يرى أن المحبة شيء عظيم وكبير ولا تقتصر على الأشخاص الطيبين بل إن الأشرار قد يحبون أيضًا، فهم بني آدمين لهم قلوب حتى وإن كانت غليظة لكنها تنبض وتحب؛ أتذكر صديقتي وأتفهم اتهامها لشاهين، في كونه سببًا لدخولها علاقات يحذرها الجميع منها، فأفلامه عشمتها وأقنعتها بأن للجميع قلوبًا تحب حتى وإن كانوا أوغادًا.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن