ما الذي يمثله مهرجان الإسماعيلية لصناع الأفلام في الوقت الحالي؟
تأملات في الدورة الـ26 لمهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة
أكاد أقترب من ناصية تقاطع شارع 26 يوليو مع رمسيس، يخطف نظري عنوان بالبنط العريض: «حتمية حماية ومساعدة السينما». تأخذني عيناي وأصابعي إلى كومة أعداد قديمة من مجلة «الفنون»، التي كانت تصدر عن اتحاد نقابات المهن الفنية. أقلب الأغلفة، أتنقل بين الفهارس، أجد: «حول مهرجان الإسماعيلية» مقال الدكتور رفيق الصبان، في عدد عام 1995 عن الدورة الرابعة لمهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة. أقرر شراء الرزمة، سبعة أعداد تعود إلى نهاية التسعينيات حين توقفت المجلة عن الصدور.
كان الوقت يميل إلى الغروب، وكنت في طريقي للقاء المخرجة والمنتجة هالة جلال -أول امرأة تتولى رئاسة المهرجان- قبل أيام من انطلاقه، فبراير الماضي. كانت تصريحاتها في حوار صحفي حول فريق العمل الذي اختارته للدورة الجديدة -فريق من صناع الأفلام، دون وجود نقاد، كما جرت العادة في الدورات السابقة- جددت الجدل الأزلي حول العلاقة بين صانع الفيلم والناقد وأيهما أحق بتمثيل المشهد.
ضم الفريق مجموعة من أبرز أسماء السينما المستقلة: المخرج مروان عمارة مديرًا لمسابقة الأفلام التسجيلية الطويلة، المخرج أحمد نبيل مديرًا لمسابقة النجوم الجديدة، المخرجة ماجي مرجان مديرة للأفلام القصيرة ومشاركة في إدارة ملتقى الإسماعيلية، بالتعاون مع المخرج مصطفى يوسف.
لكن ما كان يشغلني أكثر من أي شيء آخر هو أن أفهم: ما الذي يمثله مهرجان الإسماعيلية لصناع الأفلام في الوقت الحالي؟
***
عن الدور التاريخي
تعود هالة بذاكرتها إلى عام 1995، عندما كانت قد أنهت دراستها في قسم الإخراج بمعهد السينما، الذي التحقت به بعد بكالوريوس الإعلام، ثم العمل في التلفزيون المصري. تقول: «كان المهرجان واحتنا. كنا لا نزال طلابًا عندما انطلق في أواخر الثمانينيات. كانت سنوات ذهبية».
السينما التسجيلية، كما تصفها، كانت ميدانًا حرًا، ملاذًا للشباب، خاصة صانعات الأفلام اللواتي لم تكن الصناعة مجالًا مفتوحًا أمامهن. تضيف هالة: «بالنسبة لنا في ذلك الحين، كان الإسماعيلية مهرجان الشباب المهمشين، في حين كان مهرجان القاهرة مهرجان الكبار. ولهذا اكتسب الإسماعيلية صيتًا عظيمًا، ليس فقط في مصر، بل في المنطقة العربية أيضًا، لدى صناع الأفلام الذين يشاركوننا نفس الهوى من لبنان وفلسطين والأردن والإمارات وتونس. كنا في بداية الطريق، وكانت لدينا دائمًا عاطفة قوية تجاه هذا المهرجان. أحببناه لأنه كان يعبر عنا. خارج مركزية العاصمة، مختلف، إنساني، لا يتعلق بالفخامة، بل بصوت الناس وصوت صناع الأفلام».

هذا الصوت كان حلمًا للمخرج والناقد هاشم النحاس، حين أسس المهرجان. أراده خارج القاهرة لكسر مركزيتها، وأراده أيضًا معسكرًا ثقافيًا لصنّاع الأفلام. يقول النحاس: «أول ما خطر على ذهني أن يكون المهرجان خارج القاهرة لسببين، أولهما: كسر احتكار القاهرة للنشاط الثقافي وغرس بعض جذوره خارجها، والثاني: أن يكون هذا المهرجان بمثابة معسكر ثقافي يجمع معظم العاملين والمهتمين بالسينما التسجيلية والقصيرة في مصر ليقضوا بعض الأيام معًا، لا يشغلهم غير مشاهدة الأفلام والمناقشات التي يمكن إثارتها حول السينما بعيدًا عن عوامل الجذب الأخرى التي تشتت انتباههم عندما يكونوا في القاهرة».
فكرة وجود مهرجان متخصص في السينما التسجيلية في مصر سبقتها محاولات، ففي عام 1971، أسس الناقد والمؤرخ السينمائي، أحمد الحضري، مهرجانًا للأفلام التسجيلية والقصيرة بالقاهرة، في المركز الفني للصور المرئية الذي لم تكن قاعته تسع لأكثر من 50 مقعدًا، لكنه توقف عام 1979. ثم عادت الفكرة إلى الحياة عام 1988 حين تأسس «المهرجان القومي للأفلام التسجيلية والقصيرة»، في الإسماعيلية، بإدارة النحاس المشرف على الشؤون الفنية بالمركز القومي للسينما، ورئاسة كرم مطاوع، رئيس المركز القومي للسينما آنذاك. أُعطي المهرجان الرقم «11» اعترافًا بدورات الحضري السابقة.
في أبريل 1989، كتبت الناقدة ماجدة موريس في «السفير» اللبنانية تحتفي بأهمية عودة مهرجان الأفلام التسجيلية بعد توقف عشر سنوات، متحدثة عن الإقبال الجماهيري غير المسبوق على المهرجان بعد أن صار مقره مدينة الإسماعيلية: «هل كان مجرد إعادة المهرجان القومي للأفلام التسجيلية والقصيرة إلى الحياة هو المكسب؟ لا. فإن عودته اقترنت باكتسابه بعدًا مهمًا ومميزًا من خلال المكان الجديد في الإسماعيلية. عروض جماهيرية في جامعة قناة السويس والمدارس والمقاهي العامة والنادي الاجتماعي بالمحافظة. الشباب والطلبة والعمال والموظفون هم الجمهور الغالب والمناقش، الذي حرك حماسه الكبير صناع الأفلام ونقادها القادمين من القاهرة. لقد أضافت شعبية عروض المهرجان على الكثير من أفلامه قيمة مضاعفة وأضاءت نقاطًا مهمة بسبب تهافت الجمهور».
في 1991، تولى المخرج والناقد، هاشم النحاس، رئاسة المركز القومي للسينما، وتحت إدارته تحول المهرجان إلى دولي، وصار اسمه على اسم المدينة التي يقام فيها «مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة». ترأس النحاس دوراته الثلاث الأولى حتى 1993، ثم عاد المهرجان بعد توقف في دورته الرابعة برئاسة سمير فريد عام 1995، ليتوقف مجددًا لمدة خمس سنوات حتى عام 2001.
أشارك الرئيسة الجديدة للمهرجان خاطرًا ألح علي: «ألا ترين أن المهرجان فقد شيئًا من تأثيره بالنسبة لصناع الأفلام الباحثين عن صوتهم المستقل كما كان بالنسبة لكم في التسعينيات؟»
تقول هالة بعد تأمل: «خلال السنوات الماضية ظهرت حركة سينمائية مستقلة، لكن المهرجان لم يحتضنها. لم يكن ملعبها، رغم أنه كان يجب أن يكون».
أفكر في ما الذي كان ينبغي أن يتغير؟
عودة دعم الصناعة
خلال تولي المنتج والسيناريست، محمد حفظي، إدارة مهرجان الإسماعيلية لدورتين متتاليتين عامي 2013 و2014، شهد المهرجان ولادة مكون جديد وغير مسبوق في برنامجه، تمثل في «منتدى الإنتاج العربي المشترك للأفلام التسجيلية». وُصف المنتدى آنذاك بأنه «حدث فريد من نوعه في الشرق الأوسط، والأول المتخصص في دعم الأفلام التسجيلية».
جاءت هذه المبادرة كمحاولة لمواكبة وعي جديد أخذ يتشكل في المشهد السينمائي بالمنطقة حول دور المهرجانات كحاضنات لدعم صناعة الأفلام. وقد تزامن هذا التحول مع صعود منصات دعم ناشئة في الخليج، التي بدأت تُشكّل تهديدًا رمزيًا لفكرة ريادة مصر الثقافية التي لطالما كانت حجر الزاوية في سرديتها الإعلامية.
بدأ هذا الوعي الجديد بالتبلور على أرض الواقع في الدورة الـ34 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 2010، عندما تم الإعلان عن الدورة الأولى لـ«ملتقى القاهرة السينمائي» بالتعاون مع شركة أفلام مصر العالمية، والمركز القومي للسينما. لكن الفكرة كانت قد وُلدت قبل هذا التاريخ حين تلقف وزير الثقافة آنذاك، فاروق حسني، اقتراح الرئيس التنفيذي لشركة أفلام مصر العالمية، المنتج والموزع جابي خوري، بتأسيس منصة لدعم سيناريوهات الأفلام المصرية تنطلق من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، لكن حسني اقترح ألا تقتصر على صناع الأفلام المصريين، بل تمتد لتشمل السينمائيين العرب، بحسب نائب رئيس المهرجان، سهير عبد القادر، خلال المؤتمر الصحفي للإعلان عن الملتقى، في يونيو 2010. انطلقت المنصة في الدورة الـ34 ومنسقتها المنتجة ماريان خوري، واستمرت لدورتين قبل أن تتوقف حتى عام 2015.
لكن وجود منصة لدعم إنتاج الأفلام التسجيلية في مصر والعالم العربي تنطلق من مهرجان الإسماعيلية الأعرق في السينما التسجيلية بالمنطقة عام 2013 مثّل إضافة جوهرية ومؤثرة، وكانت واعدة أيضًا، إذ سرعان ما اجتذبت عددًا معتبرًا من مشروعات الأفلام التي اعتبر بعضها من بين أبرز الأفلام التسجيلية التي أنتجت خلال تلك الفترة، كما استطاع حفظي أن يؤمن مشاركة معقولة لداعمين من داخل مصر ومن بعض الدول العربية، بالإضافة إلى خبراء عرب ودوليين. لكن مع رحيل حفظي عن المهرجان، تلاشت فكرة وجود منصة لدعم الأفلام.
لكن المنتدى عاد مجددًا بصورة مختلفة بعد نحو 13 عامًا، مع تولي هالة جلال رئاسة المهرجان في 2025، وإطلاق الدورة الأولى لملتقى الإسماعيلية السينمائي. تقول هالة: «حفظي يفكر بنفس الطريقة. عندما تعمل في صناعة الأفلام تكون مدركًا لأهمية إتاحة دعم حقيقي لصناع السينما. لا يوجد لدينا صندوق دعم حكومي مثل الموجود في كل دول العالم. فحتى لو لم تتمكن المهرجانات بشكل مباشر من توفير الدعم المالي لإنتاج الأفلام، على الأقل تتيح الفرصة للمنتجين لدعم مشروعات الأفلام التسجيلية والقصيرة التي لا يدعمها أحد».
اقتصر الملتقى على دعم صناع الأفلام المصريين، لكنه اتسع ليشمل مشروعات الأفلام القصيرة أيضًا. شارك في الملتقى 15 مشروعًا لصناع أفلام مصريين، وقدمت جوائز مالية واستشارية بدعم من شركات إنتاج مصرية، بالإضافة إلى إتاحة الفرصة لأصحاب المشروعات للقاء خبراء مصريين وعرب ودوليين في جلسات استشارية للتطوير.
الملتقى بحسب هالة هو فرصة جديدة لاستعادة مهرجان الإسماعيلية جزءًا من دوره في أن يكون ملتقى للسينمائيين بشكل عملي، وليس فقط منصة لعرض الأفلام.
تقول هالة: «لا أظن أن هذا الوعي غائب، لكن هناك تحديات. لا يوجد نقص في المشروعات الجيدة ولا السينمائيين الجيدين في مصر. لكن المشكلة الكبرى تكمن في الجانب الاقتصادي، فنحن دولة فقيرة والعالم كله يمر بأزمة اقتصادية. جذب الشركاء والداعمين يحتاج إلى مجهود كبير».
وتضيف: «دعم الفيلم المصري هو جزء أساسي من وجودنا، ويجب الدفاع عنه حتى لا تصبح جميع الأفلام الجيدة غير مصرية، أو يتجه صناع الأفلام المصريين إلى الخارج. لست ضد الإنتاج المشترك، ولكن يجب أن يكون هناك دعم مصري للأفلام المصرية. يحدث هذا في مهرجان القاهرة وفي الجونة على سبيل المثال، فما الذي يمنع أن يحدث ذلك في مهرجان الإسماعيلية مع التركيز على الأفلام التسجيلية والقصيرة؟».

أسألها ما الذي يضمن استمرار التجربة وعدم توقفها مثلما حدث قبل 13 عامًا؟
تقول: «لا شيء. دورنا هو خلق النموذج لعلهم يصدقونه. نحن غير مسؤولين عن وضع سياسة المهرجان، ولكننا وضعنا تصورًا لهذه الدورة. إنه مهرجان المركز القومي للسينما ووزارة الثقافة. أظن أن الوزارة لديها اتجاه لدعم السينما المصرية، لكن السينما المصرية لا تعني فقط الفيلم الروائي الطويل. كما أنها ليست مقتصرة على القاهرة، فخارج العاصمة هناك طاقات عظيمة لكنها بلا فرص».
في مواجهة الرقيب
في النصف الثاني من ديسمبر 2024، أي قبل شهرين من انعقاد الدورة الـ26 لمهرجان الإسماعيلية، وجهت وزارة الثقافة المصرية عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك الشكر لـ«الأستاذ الدكتور خالد عبد الجليل» على جهوده المتميزة خلال توليه رئاسة الإدارة المركزية للرقابة على المصنفات الفنية. ووصفت الوزارة في بيانها رئيس الرقابة السابق بأن «جهوده ساهمت في دعم العمل الثقافي وتعزيز قيم الفن والإبداع».
تولى عبد الجليل منصب رئيس الرقابة منذ نوفمبر 2015، إضافة إلى عدة مناصب أخرى في مجال النشاط السينمائي، بما في ذلك مستشار وزير الثقافة لشؤون السينما، والعضو المنتدب للشركة القابضة للسينما، ورئيس المركز القومي للسينما، ورئيس مهرجان الإسماعيلية السينمائي.
ورغم اعتماد الرقابة رسميًا منذ عام 2016 ما يُعرف بنظام «التصنيف العمري»، الذي تم الترويج له كبديل لمقص الرقيب، حيث يتم من خلاله تحديد الفئات العمرية المناسبة لكل فيلم، بهدف ما قال عبد الجليل إنه «حماية الأجيال المقبلة»، فإن الجهاز طوّر في السنوات الأخيرة آلية لمنع عرض الأفلام خاصة في المهرجانات السينمائية، تعتمد على المماطلة في منح تصاريح العرض دون إبداء أسباب، أو التواصل الشفهي بدلًا من إصدار قرارات كتابية رسمية توضح أسباب المنع.
وقد واجهت أربعة أفلام هذا المصير في مهرجان الإسماعيلية، من بينها ثلاثة أفلام قصيرة لصناع أفلام مصريين تم الإعلان عن عرضها قبل أن تقرر الرقابة عدم إجازتها للعرض. كان من المقرر عرض أحد هذه الأفلام في مسابقة «النجوم الجديدة»، لكن مخرجته اختارت سحبه بعد القرار. كما تم منع فيلم «أحلى من الأرض» للمخرج شريف البنداري، الحاصل على التانيت الفضي في مهرجان قرطاج، والذي شارك في عدة مهرجانات دولية من بينها كليرمون فيران، وتيرانا، وفيسباكو. ووفقًا للناقد طارق الشناوي تم منع الفيلم قبل ذلك من العرض في مهرجان القاهرة والجونة في عهد عبد الجليل. ثالث الأفلام الممنوعة «إخراج مشترك مع شبح» للمخرج محمد صلاح.

وعلى الرغم من نظام التصنيف العمري «حامي الأجيال»، وكذلك إمكانية منح الرقابة تصريحًا بإتاحة بعض الأفلام التي لا ترضى عنها في عروض تقتصر على النقاد والصحفيين، فإن كل هذه الخيارات لم يسمح بأي منها في الدورة الـ26 لمهرجان الإسماعيلية.
اتخذت رئيسة المهرجان قرارًا شجاعًا بالسماح بعرض الأفلام «الممنوعة» على لجان تحكيم المسابقات التي اختيرت بها، وهو ما منحها الحق في التنافس على جوائز المهرجان. في حفل الختام، كان من المصادفات أن أجلس بالقرب من المخرج محمد صلاح، بينما تعلن ممثلة لجنة تحكيم مسابقة الأفلام القصيرة، المبرمجة الفرنسية المخضرمة سولونج بوليه، عن فوز فيلمه «إخراج مشترك مع شبح» بجائزة أفضل فيلم روائي قصير.
التقطت صورة لصلاح وعلى وجهه ابتسامة لا يمكن التعبير عنها بالكلمات، وفي يده الجائزة، تمثال تحوت الذهبي إله الحكمة، الذي يحمل مفتاح الحياة.
ربما أهم ما يقدمه مهرجان سينمائي لصانع أفلام هو دعم حقه في حرية التعبير.

ضفادع بشرية تحلق في الفضاء
في أوائل عام 2022 بالإسكندرية، قرر ثمانية من المغامرين الذين ينتمون إلى نفس الجيل، مواليد التسعينيات، والذين يتشاركون تجربة التكوين الفني التي تتقارب فيها الحدود بين مختلف أنواع الفنون البصرية، أن ينشئوا تعاونية فنية لدعم أحلامهم العامرة بالطموح والفضول. اكتشفوا بالتجربة أن تلك الأحلام لن تتحقق إلا بجهودهم المشتركة. وهكذا وُلدت «True Frog Films» كمساحة جديدة لضفادع بشرية سينمائية تحلق في الفضاء.
فبراير 2025، يحتفل الشبان الثمانية: ضحى حمدي، ويوسف عساف، وعبد الله أيوب، ومارتن إيليا، وزياد فايد، وإيهاب فارس، ويوحنا ناجي، وأنس عبد الله، بعرض ثلاثة أفلام من إنتاج أو شاركت في إنتاجها تعاونيتهم في الدورة الـ26 لمهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة. من بينها الفيلم المصري الوحيد في مسابقة الأفلام الطويلة، «وكان مساء وكان صباحًا يومًا واحدًا» إخراج أحد مؤسسي التعاونية، يوحنا ناجي، بالإضافة إلى «رجل البحر» الفيلم الروائي المشارك في مسابقة الأفلام القصيرة، إخراج عمرو بيومي، وإنتاج «True Frog»، و«عَوَء» إخراج أحمد عصام في مسابقة الطلبة «النجوم الجديدة»، والذي شارك في إنتاجه بالإضافة إلى المعهد العالي للسينما تعاونيتان سكندريتان هما «True Frog» و«Handycam Films».

الأفلام الثلاثة ليست الأولى في سجل التعاونية، إذ سبقتها عدة أفلام ومشروعات بصرية متنوعة. ورغم أن الأسلوب السردي لكل فيلم مختلف، فإن شارة النهاية في كل منها تتضمن أسماء شركاء التعاونية في أدوار مختلفة. إذ لا يعترف أعضاؤها بالحدود بين الأشكال الفنية أو الأدوار التي يقوم بها كل منهم لدعم بعضهم البعض أو المشاركة في دعم صناع أفلام آخرين.
لم يكن مفاجئًا أن يقتنص فيلم يوحنا ناجي جائزة لجنة التحكيم الدولية «فيبرسي» في المهرجان، فقد كانت أصداء عرضه مثيرة للاهتمام. الفيلم يُعد من الأفلام الاستثنائية في تمثيله لمفردات الجيل الجديد وممارساته اليومية ورؤيته للعالم ولصناعة الفن، لا من موقع المراقب بل المنتمي لهذا العالم. لكن وجود فيلم مصري طويل يحمل هذا القدر من التجريب في المسابقة الرسمية للمهرجان لم يكن خيارًا تقليديًا.
يتتبع الفيلم رحلة يوحنا الذي اكتشف أنه لا يمتلك أرشيف فيديو شخصي، ليحاول خلق ذكريات مزيفة باستخدام أشرطة فيديو منزلية مفقودة تم تصويرها بين التسعينيات والألفينيات في أوروبا وإفريقيا وآسيا، بمساعدة برنامج للذكاء الاصطناعي. حتى يظهر أخيرًا أرشيف شخصي حقيقي ينقله إلى الماضي، ليستحضر ذكرى مع والدته الراحلة.
لا يوجد الكثير من أسماء الجهات الإنتاجية على شارة النهاية في الفيلم، الذي اعتمد بالأساس على حماس أعضاء التعاونية في رحلته التي اجتذبت لاحقًا داعمين آخرين للتجربة.
يوحنا الفخور بالتجربة يقول: «كانت التعاونية بالنسبة لنا صرختنا الصغيرة في وجه التحديات الكبيرة أمام تحقيق أحلامنا»، ويضيف: «في 2022، كتب زميلنا مارتن إيليا فيلمًا لم يؤمن به أحد، فقررنا إنتاجه بجهودنا، لتنطلق التعاونية على نفس المنوال. لا يشبه أحدنا الآخر في طريقة التعبير، كما أن المشروعات التي نتحمس لإنتاجها لا تتبع نمطًا واحدًا. يكفي أن يؤمن بها أصحابها، حتى وإن كانوا ينتمون إلى جيل آخر».
يشير يوحنا إلى إنتاج التعاونية لفيلم آخر في المهرجان هو «رجل البحر» للمخرج عمرو بيومي، خريج معهد السينما في منتصف الثمانينيات. لكن بيومي نفسه أنجز واحدًا من أهم أفلامه «رمسيس راح فين» (2019) بالتعاون مع شركة «رحالة فيلمز» الوليدة آنذاك، لمؤسسها المخرج ناجي إسماعيل، خريج المعهد في منتصف الألفية.
ربما تتمثل «الصرخة» التي يتحدث عنها يوحنا في وعي صناع الأفلام بأن التضامن المخلص وغير المشروط هو السبيل الوحيد الممكن. ومن المثير للتأمل أن تعكس دورة واحدة من مهرجان الإسماعيلية الكثير مما ينتظره صناع الأفلام، وربما جمهور الأفلام أيضًا، من مهرجان سينمائي.
غني يا سمسمية
أهديت الدورة الـ26 من مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة لصاحب «صيد العصاري» المخرج والفنان التشكيلي، علي الغزولي، الملقب بشاعر السينما التسجيلية والحاصل على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1994، وكرم المهرجان أسماءً من بين الأبرز في تاريخ السينما التسجيلية: عطيات الأبنودي، وتهاني راشد، والمخرجة اللبنانية نبيهة لطفي، والمخرج والمؤلف سمير وعوف، ومدير التصوير الراحل ماهر راضي. ومن العالم المخرج الكاميروني جان ماري تينو، والمخرج الأمريكي روس كوفمان.
في 11 فبراير 2025 على خشبة مسرح قصر ثقافة الإسماعيلية، اختتمت الدورة الـ26 من مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة، وأعلنت لجان التحكيم جوائز الأفلام. في مسابقة الأفلام القصيرة حصل فيلم «بالاشتراك مع شبح» للمخرج محمد صلاح، على جائزة أفضل فيلم روائي قصير، بينما فاز فيلم «عيد استقلالي» للمخرجة كوستانزا ماجلوف بجائزة لجنة التحكيم الخاصة. كما نال فيلم «الطفل الثاني» للمخرج لوو رنشيواو، تنويهًا خاصًا من لجنة التحكيم.
في التحريك حصل على جائزة أفضل فيلم «حيث يزهر الياسمين دائمًا» للمخرج حسين بستوني، وفاز فيلم «لمسة إلهية» للمخرجين ميلودي بوليسيير، وبوجدان ساماتان، بجائزة لجنة التحكيم الخاصة. أما في فئة الأفلام التسجيلية القصيرة، حصل فيلم «منثور بيروت» للمخرجة اللبنانية فرح نابلسي على جائزة أفضل فيلم، بينما فاز فيلم «روز» للمخرجة أنيكا ماير بجائزة لجنة التحكيم الخاصة. كما حصل فيلم «الخروج من خلال عش الوقواق» للمخرج نيكولا إيليك، على تنويه خاص.

فاز فيلم «خط التماس» للمخرجة سيلفى باليو على الجائزة الرسمية لمسابقة الفيلم التسجيلي الطويل، بينما حصل فيلم «بروناوبارك» للمخرجين فيليكس هيرجيرت، ودومينيك تيستلوف، على جائزة لجنة التحكيم. وحصل على جائزة لجنة الاتحاد الدولي للنقاد فيبريسي فيلم «وكان مساء وكان صباح يومًا واحدًا» للمخرج يوحنا ناجي
أما في مسابقة النجوم الجديدة برئاسة إنصاف وهيبة، وعضوية كل من: إسلام كمال وبسام مرتضى، فقد حصل على جائزة أحسن فيلم «أربعة أيام» للمخرج إسماعيل جميعي، بينما ذهبت جائزة لجنة التحكيم لفيلم «ماما» للمخرجة سمر الفقي، وتنويه خاص لفيلم «داجن» للمخرج يوسف إمام.
لكن على بعد كيلومترين من قصر الثقافة وبالتحديد في «قهوة أبو صباع» بشارع عبد الحكيم عامر، كان الختام غير الرسمي أكثر صخبًا وحميمية، حيث تجمع صناع الأفلام مع أهل المدينة حول موسيقى السمسمية التي ارتبطت في الأذهان بما هو أبعد من تراث فلكلوري، بل وثيقة حية لتاريخ أهل المدينة.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن