مانيفستو عن مستقبل الأدب
هذا النص ضمن «تقليب» #20 «مُنتهى الأدب»
شهورٌ وأنا صامتٌ أشاهد ما يحدث من إبادة في غزة، توقفت خلالها عن الكتابة، حتى فهمت بمرور الوقت أن هذا الصمت والتوقف كان حتميًا، وأن تعطيل مكنة الكتابة وضرب مفك في تروسها يكون أحيانًا أهم من دورانها بلا معنى، حتى لو كان في هذا تهديد لعلاقة الواحد بالكتابة من الأساس، وهذا جيد، أن نضع ممارساتنا على المحك لنرى كيف بإمكانها أن تقول شيئًا جديدًا عن واقعنا. وهو ما ترتب عليه: العودة لأسئلة الصفر، تغيرات تدريجية في نوعية القراءات وتبدلات في الذائقة الفنية، وسؤال عن ماذا سيحدث للكتابة وكيف ستتأثر؟ وهذا سؤال للمستقبل.
لكن في البداية من الضروري التوضيح أن الكتب والأعمال الفنية التي سأتحدث عنها لا تتناول غزة من قريب أو بعيد، أو حتى كُتبت أو انتُجت بوعي ما بعد 7 أكتوبر، ما أطمح إليه هنا يتجاوز عروض ومراجعات الكتب لما هو أبعد: استشراف مستقبل الأدب. هو محاولة صريحة لالتقاط ما يمكن أن تكون عليه حساسية الأدب والفن بعد الإبادة وما ترتب عليها من أحداث كبرى، نعيشها حتى الآن. وهو رهان على قدرة الفن على تجاوز خطية الزمن، لتتجاور أزمنة متنوعة وغير متوقعة في لحظة واحدة. والأكيد أن التغيرات التي طرأت على ذائقتي خلال هذه الفترة لم تكن كلها وليدة الإبادة بشكل واضح ومفاجئ، فأنا اتلمس جذور لها فيما يسبق ذلك، لكن ما حدث خلال هذه الفترة هو تكثيف هذه الذائقة بوضوح ودفعها للأمام.
لم أعد أحتمل قراءة أعمال أدبية غارقة في الفانتازيا. ما وجدتني منجذبًا لقراءته هو أعمال أدبية تجاور الواقع، أشخاص ينخربون في أيامهم وخبراتهم ومجتمعاتهم وتاريخهم العام، ليقولوا لنا ما يُعيننا على فهم أنفسنا والعالم، لذلك كان الانكفاء على قراءة أعمال أني آرنو والشحتفة على سيرة ضوء حسين البرغوثي الأزرق والانشغال بأعمال صدرت حديثاً تقارب هذه الحساسية مثل ديوك نائل الطوخي وكتاكيته، وبيت الولد لمالك رابح، وأصدقاء هشام مطر. مع إعادة اكتشاف جماليات المباشرة وفُحْشها، الضرب الخاطف في الوجه، أن تُقال الأشياء بحدة ووضوح وقسوة، دون مواربة أو الدخول في ألعاب طويلة (أحيانًا، لا تُحيل إلا لنفسها). وهي مغامرة فنية مليئة بالفخاخ والتوهمات، لكنها إذا تحققت، يكون وقعها خطيرًا. الأكيد أنني صرتُ أكثر يقينًا من أن الكتابة هي الوجود السياسي للكاتب في العالم. ففي ظل الترسيخ لصورة المثقف الذي ينسحب من العالم ويستمتع بـ«الجمال» في غرفته مع كتابه ليُعالج نفسه من القسوة والقبح، ما نحتاجه الآن هو حضور في العالم، يعني أن تفتح كتابًا لترى ما هربت منه أمام عينيك وتواجهه. لتتذكر ما نسيته.
بعد كل ما حدث ورأيناه، يبدو أن الالتفات عن الواقع أصبح خيانة، لا تحتمل. وهنا يرجع الفن ليستعيد أدواره ومسؤولياته (التي تحرر منها مؤقتًا ورزخ تحت سطوة تنظيرات ما بعد حداثية تفصل الفن عن السياسة والمجتمع، وتضع المتعة الضيقة في المركز من كل شيء)، ويربطنا مرة أخرى بالواقع والحياة، لا ليصبرنا عليه أو يلهينا عنه، لكن ليجعلنا نحدق فيه بعيون جديدة.
وأحيانا يجد الواحد نفسه يميل إلى قراءات معينة لا يفهم منطقها في لحظتها، لكن العقل يضع منطقًا لشعوره وميله مع الوقت، فيفهم. هذا ما حدث بالضبط مع العودة لقراءة مؤلفات مارتن هايدجر.
إذا كنا نعيش في عالم يُمكن فيه أن ترتكب مجزرة مستشفى المعمداني وتُباد عائلات بأكملها من السجل المدني وتتبخر فيه جثث الفلسطينيين فلا يجد أقاربهم أشلاء يَرثُوها، فنحن على المحك الذي يجعلنا في أشد الحاجة للعودة إلى أسئلة الوجود الأساسية: ما معنى الوجود الإنساني في العالم اليوم؟ وما الذي يميز هذا الوجود في لحظة يُحط فيها من كرامته إلى هذا الحد؟ نحتاج إلى البدء من هنا: فهم شروط الوجود ومعناه وعلاقتنا بالآخر والعالم الذي نوجد فيه. العودة هنا ليست عودة للقديم أبدًا، بل هي شق مسار للمستقبل من خلال أسئلة تبدو للوهلة الأولى بديهية ومحسومة، لكنها ضاعت منا ونسيناها ونحن لا ندري.
العودة إلى الوجود «البِكر»، البراءة الأولى للعالم. لا أقصد أبدًا العودة لنزعة نقائية أو «الإرادة عديمة المعنى لإحياء ما مضى، بل الاستعداد اليقظ للدهشة إزاء ما يقبل علينا انطلاقًا من الفجر المبكر»[1]. يدفعنا هايدجر إلى ما هو جذري: الانفتاح على الحقيقة والتصميم عليها، الانتباه للوجود والإنصات للنداء القادم من بعيد، والاندهاش من العالم الذي نوجد فيه أثناء السير في الطريق، حتى لا نتوه، فننكمش داخل ذوات مُغلقة على نفسها يَتَحجب عنها الوجود، فنفتح عيوننا ونسير في الدنيا ونحن لا نبصر.
ومع وصول الواحد إلى أسئلة الوجود فهو يفكر بالضرورة في الموت، فكما يقول عبد الغفار مكاوي شارحًا هايدجر ومقتبسه «الموت أسلوبُ وجود أو كينونة يتحمَّله الموجود-الإنساني ما بقي كائنًا»، و«بقدر ما يكون الموت، يكون أساسًا موتي أنا»[2]، لكن ماذا عن موت إبادي مُتسارع ومُصمم بأحدث التكنولوجيات والأسلحة، مدعوم بالمال والصمت وغطاء من الإمبريالية الكبرى، ويُذاع على شاشات الهواتف لايف؟ ما أريد قوله هنا إن الموت في غزة هو موت تقني مُهندس ويخضع لمنهجية مُنظمة تبدأ من التجويع حتى تدمير القطاع الصحي والبنية التحتية، فهو ليس خبرة وجودية فريدة بالمعنى الذي نتأمله لنفهمه أو نفر منه، بل شيء لا منطق له إلا الكراهية والعبث والإصرار على الحط من قيمة الإنسان حتى في موته. المهانة بعينها.
لهذا كان انشغالي على مدار الشهرين الماضيين بفيلم «صراط» (2025) للمخرج أوليفر لاكس، الذي رأيتُ فيه حساسية وجودية وسياسية تلتقط ما نختبره في عالمنا اليوم من استشراف للنهاية وعبثية الموت والقتل الجماعي: نحن في صحراء المغرب، في حفلة خَبط. والناس ترقص بين الجبال بجروح مفتوحة ولا ترى، تنز دمًا لا لون له ولا رائحة. ترقص بأجساد مبتورة ومعطوبة، مألوفة لأعيننا جيدًا. ترقص على موسيقى تكنو وإلكترونيك تحتوى عنف العالم وتنظمه لتضخه ثانية في الأجساد المُنهكة، ليتوحد الجميع في الرقص إلى حد تبدو معه الأجساد هي ما تُنتج الأصوات وتوزعها مع حركاتها المتوترة والمفرطة. لا وعيهم مُنفك ومتصل في كُلية أكبر. رقصتهم لا تنكفئ على متعة خاصة فقط، بل هي رقصة دينية، في جماعيتها تتلمس شفاءً ما. يرقصون بحثًا عن خلاص لا يأتي، مثل مؤمنين مُخلصين ومعذبين جدًا. إنهم «في» العالم أكثر مما يجب، لكن العالم صار في منزلة يوم القيامة، والواقع هو صحراء وريق ناشف.
نستشرف في الفيلم نهاية العالم: هناك، تقريبًا، حرب عالمية ثالثة ستبدأ، أو بدأت، هناك نهاية ما قادمة من بعيد ونعرفها جميعًا، ما زالت بلا اسم. وفي حوار بين شخصيتين في الفيلم عندما يستمعان إلى الأخبار في راديو الحافلة الضخمة التي يفرون بها على الحدود، تسأل: هل هذه نهاية العالم؟ فيرد عليها الآخر: نحن بالفعل نعيش نهاية العالم منذ زمن طويل.
سيهربون على الحدود من الجيش الذي يخرب عليهم حفلتهم، ويمنعهم من الذهاب لحفلة الخَبط التالية، ويريد ترحيلهم إلى دولهم نظرًا للأحداث الكبرى، لكن سيموت معظمهم قبل الوصول، ميتات عبثية وراء بعضها في حقل ألغام في صحراء العالم. خطوة واحدة بريئة على الأرض يسقط فيها الإنسان من الصراط ويفنى. سيشهدون بعضهم وهم ينفجرون ويصيرون أشلاءً، ليلخص الفيلم كل ما نحسه في العالم من حولنا: مهانة الموت في الصحراء التي تحيط بنا ويخيم عليها الحروب والدمار. ويشير إلى مسار للنجاة: رقصة جماعية سياسية ومُهلوسة، بأجساد مبتورة لم تعد تبحث عما فقدته من لحم وعظام، تستلهم الخبرة الوجدانية لما هو ديني، ومشاعية الإخوة والتضامن، لدحر عدمية الحروب والدمار والفناء.
وإذا كان أوليفر لاكس يختار القيامة كموقع ليرينا عالمنا اليوم، اختار يوسف رخا البرزخ في روايته «إنك ذاهب إلى البار»، حيث يرى أشخاص حقائق ويموتون من أجلها، حقائق يمكن أن تكون خبرة حب مُدمرة وجذرية أو ذُهان يُخرب نظام كل شيء. مؤمنون مخبولون في طريقهم للبار، والبار هو محطة استراحة هادئة ومفزعة قبل القيامة. نحن نسمع طوال الرواية تراك موسيقي لصوت دافئ وأسيان، يهمس لنايف بالحقيقة، يواجهه في الحد الفاصل بين عالمين، وهو يُفارق، ليشير له على مواضع الوجع في حياته وعالمه. والحقيقة هنا، وعلى مدار المقال، لا تعني الصواب وعكسها الخطأ، بل هي انفتاح ضروري للخارج يتملكك فتتبعه وتسير وراءه، ولا تستطيع الإفلات منه أبدًا.
نايف مات في حادث ولم يعِ موته بَعد. ينتحب ولا يعرف لماذا. الصوت في دماغ نايف هو وعيه وقد انقسم على نفسه، وعي يفارق وينسحب تدريجيًا، ومن هذا الموقع المتطرف يواجه صاحبه والقارئ معًا في نفس الوقت. الصوت خارج وداخل نايف، تشعر وأنت تقرأ أنه يهمس لكَ في أذنك بكلام عن الحب والموت، والواقع الاجتماعي والسياسي. ورغم أن الرواية يغلب عليها الطابع الوجودي، وتدور في برزخ بأماكن وأحداث أقرب لألوان مشوهة قادمة من بعيد ولا تتضح أبدًا، فهي تشير بحساسيتها إلى أسئلة اللحظة.
وخلال هذه الفترة، لاحظت أيضًا أن أغلب الأعمال التي شغلتني يجمعها ما يمكن وصفه بالتراجيدي: أعمال ترزخ شخصياتها تحت وطأة قدر قاسٍ لا فكاك منه، يعيشون لحظات درامية قصوى يواجهون فيها شروطًا أكبر وأعقد منهم. مُلقى بهم هنا، في العالم، وحيدون وممزقون جدًا لدرجة مفزعة أحيانًا. والتراجيدي يترافق معه شعور بالجليل، يتكثف في اللحظات القصوى، التي يواجه فيها الإنسان شروط غير مسبوقة بشجاعة أو بانسحاق مميت. وفي التراجيدي هناك ما هو أخلاقي بالضرورة، وهو ما نفهمه من أرسطو في كتابه «فن الشعر»، فوقع هذا الزخم الشعوري لا يكون أثره على الإنسان هين أو عديم المعنى أبدًا. أقول هذا لأنني انخرطتُ أيضًا في النصف الثاني من العام الماضي في قراءة تراجيديات سوفقليس، وكانت تراجيديا «أوديب ملكًا» ذات أثر جليل على نفسي، وبعيدًا عن القراءة الضيقة التي يقدمها فرويد لهذه التراجيديا في تفسيره وسطوتها على الخيال، تحمل هذه التراجيديا ما هو أكبر من المسألة العائلية والرغبة المكبوتة عميقًا في انتهاك المُحرم، فهي تراجيديا عن شخص مُبصر لكنه لا يرى، وعندما يرى فعلًا يخرق عينيه لأن حقيقة ما رآه لا تُحتمل. هو يعيش ضد-قدره بشجاعة، لكن قدره ينطبق عليه في النهاية ويدفعه نحو الحد الأقصى للمواجهة، الذي يكتشف عنده الحقيقة. أنا ذُهلت من أوديب، ومن هذه القداسة التي تُكرسها التراجيديا للمشاعر الإنسانية في لحظات الخطر.
لكن ألسنا ما نعيشه هو التراجيديا بعينها؟ ما نراه حولنا في كل مكان. الآن تفتتح أمريكا وآلتها الإبادية دورة جديدة من حروب المنطقة، بسلسلة هجمات جوية على إيران، سمتها أمريكا بعملية «الغضب الملحمي/Epic Fury» (لاحظ دلالة الاسم وثقله الرمزي)، لترد إيران باستهدافات تتطال أهداف في عدة دول عربية، ليعيش الكثير من سكان المنطقة في رعب وخوف، ويتبدد عند الجميع وهم أن أخطار وتهديدات الحرب بعيدة وستظل «هناك».
لكن من هذا الموقع الخطر تحديدًا سيولد الأدب من جديد: سياسي جدًا، مجاور للواقع، حِسه شعري، يستلهم من التراجيديا التي نعيشها الموقع الذي عليه أن يكون فيه، مُنتبه للوجود وسط إحكام تقني متنامي، بذيء في مُباشرته وتصريحه، بذيء في العموم.
وعند الإشارة إلى «الإحكام التقني» علينا التوقف قليلاً للتوضيح، بما أن سؤال التقنية هو سؤال مُلح الآن، خاصة بعد النقلة المُدهشة التي أحدثتها النماذج اللغوية الكبيرة (Large Language Models) وتطبيقاتها مثل شات جي بي تي وجوجل جيميناي، وما ترتب عليه من تداخل الذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة اليومية للفرد، واقتحامه مختلف المجالات من الحروب إلى كتابة القصائد.
تطرح تطبيقات الذكاء الاصطناعي اليوم أسئلة صعبة تضرب بعمق في جذر سؤال الكتابة، فقد أصبحت الآلة (وهنا جوهر النقلة) قادرة على الإبداع، وتمتلك ذاكرة أطول وتستوعب كمًا ضخمًا ومتنوعًا وغير منظم من المعلومات، فتُنتج نصوصًا «معيارية»، مما يشكل تهديدًا واضحًا للكُتّاب، نراه على هيئة منشورات مذعورة يوميًا كلما نفتح الفيسبوك، خاصة مع استفحال قدرات الذكاء الاصطناعي على محاكاة النصوص والأساليب والمدارس الأدبية، بل ومحاكة التصور العام والشائع عن التجريب في الأدب[3]. لكن قبل الفَصل في نقطة «التهديد الإبداعي»، هناك تهديد آخر على مستوى وجودي بنفس القدر من الأهمية ويتقاطع مع سؤالنا عن الإبداع، وهو ما يلتقطه مارتن هايدجر بوضوح منذ الخمسينيات في نصه التأسيسي «سؤال عن التقنية». فهو يلاحظ كيف أن التطور التكنولوجي الحديث يُدخلنا (الإنسان والطبيعة) في تغيرات حتمية، تُعيد تعريف ماهية الإنسان والطبيعة تمامًا. فالتكنولوجيا تُحول الطبيعة والإنسان إلى «رصيد» في مخزون دائم، يخضع للتنظيم والضبط والتأمين والسيطرة المتنامية، يُستعمل ويُستهلك. وهذا ليس خطرًا أو شيئًا شيطانيًا في حد ذاته، إنما «الخطر الأقصى»، على حد تعبيره، هو التماهي التام مع كون الواحد رصيدًا أو مخزونًا، تابعًا بشكل كامل لهذه «الاستثارة» التقنية التي تناديه وتحفزه طوال الوقت، فيأتي ويحضر. الخطر هو الإكراه المستمر على الانخراط في الممارسة التقنية والانكفاء عليها، فلا «يصادف الإنسان ذاته -أي ماهيته- في أي مكان»[4]. فهو تابع دائم وجاهز للاستثارة والاستحضار والاستجابة. وعند مقاربة هذه الرؤية للحظتنا الحالية، نرى أن جوهر الأزمة هو عدم إدراك ما الذي يفرق فعلًا بيننا وبين الآلة. وهذا ما يهمني تحديدًا في سؤالي عن الكتابة اليوم وفي المستقبل، أن تغيب عن الواحد الأسئلة المُلحة فينشغل بما هو «أداتي» في التقنية (أي قدرتها هنا على تمثيل المعرفة -Knowledge Representation- وإنتاج الأدب) وينسى نفسه، فلا ينتبه إلى ما يفرقه عن الآلة، وهي أشياء، يشغلني منها اثنين الآن في سياق الحديث عن الإبداع في الأدب والفن:
أولها، القدرة على الصمت. يعني القدرة على أن نكبح أنفسنا ونعطبها، وهو بشكل ما اعتراض، ومساحة للتفكير. انسحاب للداخل وانفتاح ضروري على الخارج. لن تطلب من «شات جي بي تي» أن يكتب لك شيئًا وسيقول آسف أو يتجاهل طلبك لفترة. هناك قرف أحيانًا في الإنتاج الذي يحدث رغم كل شيء، وهو ما أشعر معه أن كل كاتب أصبح في عالمنا اليوم «رائد أعمال» يمتلك «بيزنيس» صغير، يديره ويطوره وعليه أن يتربح منه بالعافية في كل وقت ورغم كل سياق، حتى لو رمزيًا. وتفقد الكتابة هنا هذه الحساسية: أن تنفجع من العالم وتصمت، لتسأل نفسها الأسئلة الصعبة التي يمكن أن تقوض بُنيانها كله.
ثانيها، القدرة على إبداع الجديد والجذري، يعني إنتاج الدهشة الحسية والفكرية التي تَقطع مع بنية الإرث الثقافي والفني، ومن ثَم تُحدث نقلة نوعية، لتُراكم على هذا الإرث من جديد لكن في مسار مختلف لما هو مألوف. إذا كانت صيرورة الإنسان تتقاطع مع التكنولوجيا، والآلة جزء من لحمنا، لكننا نمتلك «خارج» هو عالم متغير يصنعنا ونصنعه، ومستقبل لم يأت: أمل يختمر ويأس أكيد. ونمتلك «داخل» هو حياة نفسية معقدة وشعور وخبرة مُعاشة، وبتقاطع الداخل والخارج تحدث الحياة، وننتج أدبًا وفنًا. نحب ونموت. وإبداع الجديد والجذري، الهواء المنعش، هو أقل ما يشغل الكتاب والفنانين الآن، نحن نعيش في أفق «العادي» و«الجميل»، بما يترتب عليه من تشابه ونحت، والفنانين تحولوا إلى فنيين متخصصين في أمور تقنية محددة. وهذا ما ينتج الإرباك الشديد من الذكاء الاصطناعي، لأنه أصبح يقوم بهذا الدور بكفاءة ويتطور بثبات.
ما أريد أن أقوله هنا هو إن التوقف المتكرر والمُهدد عن الكتابة، الذي تحدثت عنه في بداية المقال، كان مهمًا في العودة الضرورية لأسئلة الصفر، كسؤال التقنية وعلاقتنا بها، وتلك الأسئلة هي شرط من شروط الولوج إلى العالم الجديد الذي سيولد ومخاضه صعب وعنيف ومُحبط، وهو ما يحتاج منا إلى خلخلة الأسئلة والإجابات التي حسمناها سواء في معنى الوجود أو الكتابة.
هوامش
[1] سؤال عن التقنية، كتابات أساسية (الجزء الثاني)، مارتن هايدجر، ترجمة وتحرير: إسماعيل المصدق.
[2] نداء الحقيقة: مع ثلاثة نصوص عن الحقيقة لهايدجر، عبد الغفار مكاوي.
[3] انظر مثال على ذلك: نص أدبي عن الوحدة، وهذه كانت الإجابة عند سؤاله عن مصدر نصوصه.
[4] سؤال عن التقنية، كتابات أساسية (الجزء الثاني)، مارتن هايدجر، ترجمة وتحرير: إسماعيل المصدق.
تقارير ذات صلة
عن معاني المخيم الفلسطيني
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #21 «مُنتهى الأدب»
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن