ليه لأ فعلًا؟.. تقبل شعبي ودعم رسمي يفتحان آفاق كفالة الأطفال
بعد تجربتي زواج لم تثمرا أطفالًا، قررت لميا، 32 عامًا، في 2016 كفالة طفل ليشاركها منزلها في مدينة بورسعيد. حاولت لميا إنهاء الإجراءات المطلوبة مرارًا خلال الأعوام الماضية. وكادت العقبة القانونية التي تشترط حد أدنى لعمر الأم المتقدمة للكفالة 45 عامًا أن تثنيها عن قرارها، قبل أن تقرأ بالصدفة تجربة لأم كافلة في نفس ظروفها تقريبًا على صفحة تشجع على كفالة الأطفال. ثم عرفت عن تعديلات قانون الطفل والتخلص من عائق السن الذي واجهها من قبل، فقررت على الفور البدء في الإجراءات.
بعدما تجاوزت لميا عائق السن، تقدمت بأوراقها مرتين لكفالة طفل رضيع، ولكن طلبها رُفض في المرتين دون إبداء أسباب، ثم طلب منها موظف -بشكل غير رسمي- اختيار بنت للكفالة بدلًا من ولد كشرط للموافقة على أوراقها في المرة الثالثة. استجابت لميا لطلب الموظف، فنالت الموافقة سريعًا. وبعد الموافقة، مُنحت تأشيرة في مارس الماضي، يمكنها بموجبها البحث عن طفلة في كل دور الرعاية الحكومية والخاصة، بشرط أن تكون الطفلة أكبر من ثلاثة أشهر وقت التبني، للتأكد من عدم وجود أسرة لها.
بدأت لميا رحلة البحث عن طفلة في دور الرعاية، لتكتشف خلال بحثها عدم قانونية رفض اللجنة لطلبها. وبناءً على ذلك شكت، ووافقت اللجنة على طلبها وتمكنت من كفالة عمر، بعقد كفالة، وهو ما يثبت كفالة الأسرة للطفل، ومسؤوليتها عنه قانونيًا.
يعيش في دور الرعاية في مصر أكثر من 12 ألف طفل، و16 ألف آخرين بلا مأوى، كما تشير التقديرات الرسمية. ورغم رغبة العديد من الأسر في كفالة عدد من هؤلاء الأطفال، إلا أن عقبات تشريعية وبيروقراطية ودينية واجتماعية تسببت في تعطيلها.
بعض هذه العقبات التشريعية والاجتماعية بدأت في التبدل خلال الأعوام الأخيرة بفضل تغييرات متتابعة في قوانين احتضان وكفالة الأطفال، وتوسع الفتاوى الدينية في تعريف الحلال فيما يخص الكفالة، وأعمال فنية فتحت نقاشًا مجتمعيًا واسعًا حول الموضوع. ورغم أن عددًا من العقبات لا يزال مؤثرًا، إلا أن الإقبال على الكفالة تزايد، ووصلت طلباتها إلى مستوى غير مسبوق، بحسب التقديرات الرسمية.
أحد العوامل التي ساهمت بشكل كبير في التقبل المجتمعي لفكرة الكفالة تمثل في مختلف المبادرات التي نشطت خلال الأعوام الماضية لتغيير الصور النمطية عنها والمساهمة في تطوير البنية التشريعية التي تسمح بها.
مؤسسة يلا كفالة، إحدى هذه المبادرات، تتخذ من شقة صغيرة بالدور الأرضي في أحد منازل حي المعادي مقرًا لها. في واحدة من فعالياتها الشهر الماضي، احتلت ألعاب متنوعة الأرض، يلهو بجوارها أطفال في أعمار مختلفة، بينما تتسامر أسرهم في غرفة الاستقبال. يضحك الأطفال بصوت مسموع وهم ينتقون ما يريدون من ملابس من تلالها المكومة فوق المكاتب المتناثرة في أحد أركان الغرفة. للوهلة الأولى تحسبهم أفراد عائلة واحدة كبيرة تجمعوا بعد غياب. لكن، في الحقيقة، هذه هي المرة الأولى التي يلتقون فيها ببعضهم. ما يجمع هذه الأسر هو كفالة أطفال يتامى قبل أن تعرف أسرهم البديلة طريق الكفالة في مصر.

هذا المكان هو مقر المؤسسة التي اتخذت من تشجيع ومساعدة الأسر لكفالة الأطفال في المنازل هدفًا لها. أما الأهالي فهم أسر بديلة تجمعت لتقديم متعلقات أطفالها الأكبر سنًا إلى مَن هم أصغر منهم، وهو واحد من أنشطة متعددة مشابهة تنظمها المؤسسة، حتى قبل إشهارها رسميًا أواخر يونيو الماضي.
أُسست «يلا كفالة» على يد رشا مكي، التي احتضنت ابنها مصطفى منذ نحو ست سنوات. في هذا الوقت لم تكن فكرة كفالة الأطفال في المنازل منتشرة في مصر كما هو الحال الآن. حين شاركت مكي تجربتها مع الكفالة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، انهالت عليها الاستفسارات حيال صعوبة الإجراءات، والتحريم الديني للتبني، لتبدأ بعدها في خطوات متسارعة للتعريف بالكفالة من خلال الإنترنت، لتكلل هذه الخطوات بإنشاء «يلا كفالة» في محل إقامتها مع ابنها بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم إشهار فرع آخر لها بمصر.
مثل «يلا كفالة»، ظهرت مبادرات متنوعة، تحوّل بعضها لمؤسسات مثل «الاحتضان في مصر»، سعت على مدار السنوات القليلة الماضية لتصحيح الخلط ما بين مصطلحي الكفالة والتبني، والتأكيد على شرعية كفالة الأطفال في المنازل.
دفعت المجهودات الجادة لهذه المبادرات وتأثيرها الواضح على زيادة أعداد الأسر الراغبة في الكفالة وزارة التضامن الاجتماعي إلى فتح باب للتعاون معها والاستماع إلى مقترحات وشكاوى مسؤولي هذه المبادرات لتحسين عملية الكفالة في مصر، بل تعديل قانون الطفل و«منظومة الأسر البديلة» التي بدأت عام 1959، لتيسير إجراءات الكفالة.
حين بدأت مكي تجربتها واجهت قوانين أصابها الجمود، وفتاوى حرمت التبني، استنادًا إلى حرمانية نسب الطفل إلى أسرته الجديدة وهو ما يُعد اختلاطًا للأنساب. ورغم قانونية الكفالة في المنازل إلا أنها اقتصرت -حتى سنوات قليلة مضت- على التكفل ماديًا بالطفل أثناء وجوده في دور الرعاية فقط بسبب العرف وبعض الفتاوى، بحسب حديث مروة إبراهيم، أم كافلة وأحد القائمين على «يلا كفالة»، لـ«مدى مصر»
ظهرت فكرة الأسر البديلة للمرة الأولى في تعديلات قانون الطفل عام 1959، ولكنها جاءت مشروطة بتقييدات صعبة، حدّت من انتشار الكفالة في شكلها الحالي لمدة تقارب نصف قرن.
ولكن مع ظهور هذه المبادرات، تبنى أصحابها تغيير مصطلح التبني، ليصبح «الكفالة» أو «الاحتضان»، ما ساهم في انفتاح المؤسسات الدينية على القبول به، بعد الإفتاء أكثر من مرة بجواز إرضاع الأم أو أختها أو حتى والدتها للطفل المكفول لمنح الكفالة الصبغة الشرعية. دفع هذا بعض دور الرعاية لاشتراط رضاعة الأطفال المكفولين أربع مرات على الأقل (الرضعات الشرعية) وهي العملية التي تحتاج للمتابعة مع طبيب متخصص لوصف محفزات صناعية تساعد في إفراز اللبن.
الانفتاح الديني جاء مصحوبًا بالتعديل في قوانين الطفل في مصر التي تطورت تدريجيًا بعد جمود لسنوات طويلة. سُمح بالكفالة للمرأة المطلقة أو الأرملة أو التي لم يسبق لها الزواج في المنظومة منذ 2010. وفي 2016، خُفض سن المرأة المسموح لها بالكفالة من 45 إلى 30 عامًا.
وفي 2018، عدّلت الوزارة المزيد من الشروط لتسهيل عملية الكفالة، وألغت شرط حصول الأبوين على مؤهل عال، وسمحت للأسر بتحديد سن الطفل، وفتحت باب التقديم على طلب الكفالة إلكترونيًا.
آخر تحديث للبنية التشريعية جاء في يونيو 2020 بقرار رئيس مجلس الوزراء أدخل بموجبه تعديلات تخص نظام الأسر البديلة على اللائحة التنفيذية لقانون الطفل. التعديلات هذه المرة خفضت سن الكفالة للأسر لتجعله 21 عامًا بدلًا من 25، وأعفت هذه الأسر من شرط مرور ثلاثة أعوام على زواج في حالة وجود تحاليل تفيد بعدم قدرة الزوجين على الإنجاب. كما سمح القرار باستثناء تجاوز أحد الوالدين سن 60 عامًا وفقًا لتقييم الوزارة، وأعطت للأسرة الكافلة الولاية التعليمية والوصاية الكاملة على أطفالها، بالإضافة إلى منح الطفل الاسم الأول للأم فقط في شهادة الميلاد، وإضافة اسم الأب أو لقب عائلته فقط.

شمل القرار كذلك تغيير كل من شرط «الزوجين مصريين» ليكون أحدهما مصريًا، وخفض المبلغ المطلوب إيداعه للطفل قبل الكفالة من خمسة إلى ثلاثة آلاف جنيه. كما شملت التعديلات الأخيرة المُسميات المُستخدمة في القوانين السابقة، وكان أبرزها وضع «الأطفال المعثور عليهم» بدلًا من «اللقطاء» واستُخدمت «الأسر البديلة الكافلة» محل «الأسر البديلة» واستُبدلت «كريمي النسب» بـ«مجهولي النسب.»
تبدأ خطوات الكفالة بتقديم الطلب إما من خلال الموقع الإلكتروني أو في مديرية التضامن التابعة للمنطقة، وتستمر الإجراءات نحو أربعة أشهر. خلال هذه الفترة تواجه الأسر الكافلة صعوبات تتعلق بالبيروقراطية، وأحيانًا بأهواء الموظفين ورؤيتهم الشخصية والدينية للكفالة.
بعد تلقي الوزارة طلب الكفالة، وفي حالة استيفاء الطلب للشروط، تحدد «التضامن» موعدًا لزيارة منزل طالب الكفالة للتأكد من كونه مناسبًا لاستقبال طفل من عدمه. وفي حالة الموافقة، ينتقل الطلب لمرحلة جديدة وهي تحديد موعد آخر للجنة تقر الموافقة النهائية.
تمثل هذه الإجراءات البيروقراطية واحدة من أهم الصعوبات التي تواجه محاولات الكفالة الآن. هبة، 45 عامًا، بذلت مجهودًا كبيرًا لتجاوز هذه الإجراءات. كانت تبحث عن طفلة رضيعة، وهو ما يضعها على قائمة الانتظار لزيادة الطلب على هذا السن. بحثت لفترة طويلة حتى وجدت طفلة في دار رعاية بسوهاج، لكن موظفة الشؤون التابعة للمنطقة والمسؤولة عن متابعة كافة الإجراءات رفضت بشكل قاطع الذهاب إلى هناك لبُعد المسافة من القاهرة.
طلبت الموظفة من هبة نقل الطفلة إلى دار رعاية في الإسكندرية ستخرج منه طفلة أخرى للكفالة في نفس الوقت «علشان يكون مشوار واحد» تقول هبة التي تكفلت بنفقات النقل من سوهاج إلى الإسكندرية خوفًا من أن يتعطل طلبها.
ورغم حصول موظفي الشؤون على بدل للسفر أو للتحركات، أقلت هبة بسيارتها الخاصة الموظفة من منزلها في القاهرة إلى الإسكندرية لإنهاء الإجراءات هناك، ثم أوصلتها في رحلة العودة حتى منزلها مجددًا. فكرت هبة في أن تشكو الموظفة، لكن نصحها البعض بتجنب ذلك، لأن هذه الموظفة ستكون مسؤولة عن متابعة ابنتها معها حتى زواجها، ولذلك نأت بنفسها عن المشاكل «لو تمنها فلوس مش مشكلة، المهم بنتي تكون في حضني.»
من جانبه، رفض المتحدث الإعلامي لوزارة التضامن الاجتماعي، شادي عبد الله، الرد على استفسارات «مدى مصر» بخصوص التعنت البيروقراطي الذي تواجهه بعض الأسر.

إحباطات وطلبات الموظفين ليست العائق الوحيد أمام طالبي وطالبات الكفالة، فهذا التطور في أعداد الأسر الكافلة في مصر لم يرق لبعض دور الرعاية الخاصة للأطفال. «الدور دي عايزة تخلّي الأطفال عندها علشان يقدروا يتاجروا بيهم ويجيلهم تبرعات على اسم الأطفال، ويسرقوا منها اللي يحبوه» تقول هبة.
على مدار السنوات الماضية، رفض العديد من دور الرعاية الخاصة فتح الكفالة الخارجية للأطفال بالمخالفة للقانون. تكرر الرفض في محافظات مختلفة عبر إنكار وجود أطفال في السن المطلوب للكفالة، وفقًا لأسر تحدثت لـ«مدى مصر». دفع هذا المؤسسات الداعمة للكفالة إلى أن تشكو هذه الدور لدى «التضامن»، ما أجبر بعضها على فتح الكفالة الخارجية، حسبما قالت مروة إبراهيم لـ«مدى مصر»
كذلك تواجه بعض الأسر الكافلة صعوبات في إلحاق أبنائها بالكفالة بالعملية التعليمية. بعض الأسر أشارت إلى رفض بعض المدارس الخاصة انضمام أبناء هذه الأسر لها فور علمها بأنهم مكفولون، لذا تجهز مؤسسة يلا كفالة قائمة بكل المدارس التي تنتهج نفس الطريقة، ومن المقرر أن تبلغ وزارة التربية والتعليم بهذه القائمة.
وبعيدًا عن موظفي «التضامن» ودور الرعاية، حاربت بعض الأمهات بمفردهن لانتزاع حقوقهن أثناء الرعاية. عملت إبراهيم بإحدى شركات القطاع العام لسنوات طويلة قبل كفالة ابنها. وبعد كفالته كان يحتاج للرعاية، وهو ما لم تستطع توفيره بالتزامن مع العمل، خصوصًا أنها غير متزوجة، لذا قررت طلب إجازة رعاية طفل. قوبل طلبها بالرفض عدة مرات قبل الحصول على الموافقة بعد صراعات «الموظف كان بيقولي زمايلك بييجوا ياخدوها علشان يراعوا ولادهم بعد الولادة، وأنا كنت برد إنه هي إجازة رعاية طفل مش بالضرورة أكون أنا والدته، المهم إني برعاه.»
رغم أن هذه الصعوبات تسببت في إثناء بعض الأسر عن قرار الكفالة، لكنها لم تمنع التغيّر الكبير الذي يشهده المجتمع رسميًا وشعبيًا، والرغبة المتزايدة للعديد من الأسر في كفالة الأطفال.
مع الانفتاح والتصحيح في المصطلحات والقانون، تحمّست آلاف الأسر الراغبة في كفالة الأطفال إلى تقديم طلبات الكفالة، فتلقت الوزارة 2500 طلب منذ إقرار التعديلات الأخيرة في يونيو 2020 وحتى الشهر الماضي، وهو أكبر عدد طلبات قُدّم في سنة واحدة في تاريخ «التضامن». فيما يبلغ إجمالي الأسر الكافلة في المنظومة أكثر من 11 ألف أسرة. «كانوا مستنين بس إشارة علشان يقدروا يحققوا حلمهم بكفالة طفل» تقول إبراهيم.
لميا كانت واحدة من هؤلاء. عرفت أن عمر، ابنها، وُلد أواخر أغسطس الماضي في نفس الشهر الذي تقدمت فيه بطلب الكفالة أول مرة، واستمرت إجراءات الكفالة نحو تسعة أشهر، كأنه حمل طبيعي. «الصعوبات اللي واجهتها خلتني أحس إني كنت حامل فيه» تقول، «علشان كده بحس إنه ربنا بعته ليا بعد كل التعب ده.»
تقارير ذات صلة
فيديو| أم وبنتها
مع أنها غير متزوجة، هي أيضًا أم لمهادة، التي احتضنتها من دار رعاية أطفال في القاهرة
حق الأم في تسجيل أبنائها.. تعددت الأحكام القضائية و«مزاج» الموظف واحد
لا يجوز للزوج وأهله حرمان الزوجة من تسجيل الطفل، طالما قدمت عقد زواج شرعي.
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن