حق الأم في تسجيل أبنائها.. تعددت الأحكام القضائية و«مزاج» الموظف واحد
تداولت مواقع صحفية السبت الماضي خبر شهادة أصدرتها المحكمة الإدارية العليا في يونيو الجاري تفيد بعدم طعن الحكومة على حكم سابق صادر من محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية، أكد على حق زوجة في استخراج أوراق طفلها الثبوتية، وأقر بأنه لا يجوز لزوجها وأهله حرمان الزوجة من ذلك، طالما قدمت الزوجة عقد زواج شرعي.
شهادة الإدارية العليا تعني أن الحكم أصبح نهائيًا ولا يجوز الطعن عليه. وتعود القضية إلى العام 2013 في دمنهور، حيث تعرضت الزوجة «ر. ا. م» لإهانات على يد زوجها «أ. ع. ط» وأسرته، فتركت منزل الزوجية أثناء حملها، وأنجبت الطفل نور، إلا أن الزوج أبلغ مكتب الصحة في دمنهور أن يكون تسجيل المولود عن طريقه فقط، وبالفعل، امتنع المكتب عن تسجيل الطفل.
لجأت الأم للقضاء، وصدر حكم في مارس 2015 من محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية يقضي «بوقف تنفيذ قرار الحكومة السلبي بالامتناع عن إثبات واقعة ميلاد طفل في السجلات المعدة لقيد المواليد، وإلزام الحكومة بإثبات واقعة ميلاد الطفل المذكور في سجلات المواليد وتسليم والدته شهادة قيد ميلاده دون الاعتداد باعتراض والده وعائلته باعتباره إيذاءً بدنيًا ونفسيًا للأم»
وعلى الرغم من الاحتفاء الذي استقبل به مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي الحكم، إلا إنه ليس الأول من نوعه. لكن هذا الحكم إقرار بنهائيته من الإدارية العليا، حسبما أوضح المحامي عبدالفتاح يحيى لـ«مدى مصر» مضيفًا أنه مع تواتر الأحكام القضائية في هذا الصدد تتحول إلى مبدأ قضائي راسخ وملزم لموظفي السجل المدني ومكاتب الصحة بتسجيل الميلاد للأطفال بواسطة أمهاتهم، طالما قدمن وثيقة زواج وإخطارًا بالميلاد.
لكن، وفي انتظار رسوخ المبدأ القضائي، تواجه النساء واقعًا مظلمًا حين يتعلق بتسجيل وثائق أطفالهن، يكشف عن مساحة كبيرة من السلطة الاجتماعية يمكن للرجال استخدامها بشكل عملي، حتى مع غياب أي نصوص قانونية تنتزع هذا الحق من النساء.
ليلى (اسم مستعار) 25 سنة، واحدة من هؤلاء النساء. في أكتوبر 2017، تركت ليلى منزل الزوجية في طنطا، بعد ثلاثة أشهر من الزواج، وهي حامل بعد تعرضها لإهانات شديدة من زوجها وأسرته. وبعد أن وضعت طفلتها في مارس 2018، ولمدة عام، عانت الأم وطفلتها بسبب عدم السماح لها باستخراج شهادة ميلاد للطفلة، بحسب ما حكته لـ«مدى مصر».
حين ولدت ليلى طفلتها، اتصلت بأسرة زوجها لأن زوجها سافر بعد الانفصال، ليحضروا إلى المستشفى لكتابة الإخطار، لكنهم رفضوا الحضور، فكتب الطبيب الإخطار بسبب حاجة الطفلة لتطعيم في ذلك اليوم. وفي اليوم التالي حاول شقيق ليلى تسجيلها في مكتب الصحة في طنطا، فرفضوا إلا بحضور الأب أو أسرته، إلا أن شقيق الأب افتعل مشكلة في مكتب الصحة، ما جعل مكتب الصحة يرفض تسجيل الطفلة واستخراج شهادة ميلاد، بينما تشاجرت أسرة الأب أيضًا مع طبيب المستشفى لكتابته إخطار ميلاد الطفلة بدون حضورهم.
بشكل ودي، اتفقت ليلى مع أطباء المستشفى على أن تحصل طفلتها على التطعيمات الضرورية، لكن دون أوراق رسمية أو شهادة صحية «عشان البنت مالهاش ذنب» بينما توجهت ليلى لتحرير محضر إثبات حالة رفض تسجيل الطفلة في مكتب الصحة في مركز الشرطة. لم يكن أمام ليلى سوى دعوى قضائية لإثبات نسب الطفلة.
منذ مارس 2018 حتى فبراير 2019، قضت الأم والطفلة أوقاتًا صعبة للغاية، فالطفلة ولدت بمشاكل صحية كثيرة، بالذات مع الضغط الذي تعرضت له الأم في الحمل والولادة، فهي لم تكن ترضع بشكل طبيعي، وولدت بضغط الدم وفتق في المعدة، وأمراض أخرى، عانت فيها الأم الأمرين بالذات مع عدم وجود شهادة ميلاد.
«احنا حطينا البنت في الحضانة مرتين بواسطة، عشان مفيش شهادة ميلاد» تقول ليلى، مضيفة أن بسبب صعوبات الرضاعة أيضًا اضطرت للاستعانة باللبن الصناعي، وبسبب عدم وجود شهادة ميلاد، لم تستطع ليلى شراء لبن الأطفال المدعوم، تقول «أنا كنت بدفع ألافات بس في اللبن الصناعي» وتضيف أنها لم تكن تستطيع التحرك بسهولة، خوفًا من أن يطلب شرطي أوراق ثبوت الطفلة، ويأخذها منها ظنًا أنها «خاطفاها»
لكن هناك ما هو أكثر إيلامًا كما تروي ليلى «أنا كنت متابعة مع دكتورة في بركة السبع، وفي يوم وهي [الطفلة] عندها أربع شهور، تعبت جدًا، والدكتورة كانت مسافرة، بعتلها قالتلي لازم يتعلقلها محاليل وتركب كانيولا، رحت بيها مستشفى، طلبوا شهادة ميلاد، ولما قلتلهم معييش بصولي وحش وقالولي هي مش بنتك ولا إيه؟ أول ما الممرضات لفوا خدتها ومشيت، ودخت على ما لقيت دكتور يرضى يعلق لها محاليل»
بعد عشرة أشهر من ميلاد الطفلة ومن جلسات المحاكم في قضية إثبات النسب، عاد زوج ليلى، الذي كان قد طلقها قبل سبعة أشهر، وحرر ضدها محضرًا كيديًا بأنها هي التي لا تريد تسجيل الطفلة، وفي الجلسة الأولى لنظر دعواه تلك، نهره وكيل النيابة، بحسب ليلى، وأجبره على إمضاء إقرار هو وليلى للذهاب سويًا للسجل المدني لتسجيل الطفلة، وتحجج الزوج بعدم موافقته سابقًا بسبب اختيار الأم اسمًا للطفلة لم يوافق عليه، بينما يرغب هو في تسمية الطفلة على اسم والدته، فاختار وكيل النيابة اسمًا ثالثا للطفلة.
بعد شهر ونصف صدرت شهادة ميلاد الطفلة بالفعل، في فبراير 2019، بعد أن كانت «ساقطة قيد».. «لما خدت شهادة الميلاد مكنتش مصدقة نفسي، مسكت شهادة الميلاد بإيدي ورفعت إيدي فوق في وسط السجل المدني» تقول ليلى، مضيفة «طلعت شهادتين تانيين وبروزت واحدة فيهم وعلقتها»
يتكرر هذا الواقع بتفاصيل مختلفة. قبل عامين، ترافع يحيى عن زوجة أنكر زوجها نسب الطفل له، بعد خلافات زوجية أثناء الحمل، كما رفض أيضًا مكتب الصحة تسجيل الطفل. اضطرت الأم لرفع دعوى إثبات نسب استغرقت عام ونصف حتى حُكم لصالح الزوجة باستخراج شهادة ميلاد للطفل لم تتمكن خلالها من منح طفلها التطعيمات الضرورية التي يحتاج إليها، بحسب يحيى. يحدث هذا في حالات الزواج الرسمي، وبالتالي يمكن تخيل أن صعوبة تسجيل الأطفال والولاية التعليمية تتضاعف في حالات الزواج غير الرسمي أو الأطفال بدون زواج.
تشير المحامية عزة سليمان إلى أن كل هذا يحدث على الرغم من عدم وجود قوانين تمنع تسجيل الأم لأطفالها. لكن مكاتب الصحة والسجل المدني عادة ما يسألونها «وانتي جوزك فين؟» وبعد تسجيل الأطفال الذي يستغرق عام أو أكثر، عبر دعاوى قضائية، تواجه الأمهات صعوبات أخرى في تسجيل المدارس أو النقل من مدرسة إلى أخرى بسبب عدم أحقيتها في الولاية التعليمية.
لهذا يرى المحامون أن هذه الأحكام تمثل تطورًا إيجابيًا. سليمان اعتبرت أنها تبعث «رسالة للسجل المدني إن الستات عندها حقوق، وتقدر تسجل طفلها بزواج رسمي. حاجة تعصب إن الستات ماتقدرش تاخد قسيمة الجواز وتروح تسجل البيبي بتاعها، كأنها وعاء» بحسب رأيها، فإن الأحكام المماثلة تعكس قيم القانون وتغيرًا في الثقافة.
أشارت حيثيات الحكم إلى أن «الدستور ارتقى بحقوق الطفل وجعل لكل طفل الحق فى اسم وأوراق ثبوتية وإلزم الدولة في جميع أجهزتها أن تعمل على تحقيق المصلحة الفضلى للطفل في كافة الإجراءات التي تتخذ حياله، ولكل طفل الحق في أن يكون له اسم يميزه، ويسجل هذا الاسم عند الميلاد في سجلات المواليد وفقًا لأحكام هذا القانون»
ينص قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 والمعدل بقانون 126 لسنة 2008 في مادته الرابعة على أن «للطفل الحق في نسبه إلى والديه الشرعيين والتمتع برعايتهما» وله الحق في إثبات نسبه الشرعي إليهما بكافة وسائل الإثبات بما فيها الوسائل العلمية المشروعة، فيما تنص المادة الرابعة عشر من القانون على أن التبليغ عن المواليد يجب أن يتم خلال 15 يومًا من تاريخ حدوث الولادة، أما المادة الخامسة عشر فتعطي الأب والأم حق التبليغ، وتشترط المادة على الأم «إثبات العلاقة الزوجية على النحو الذي تبينه اللائحة التنفيذية»
وتنص المادة 80 من الدستور المصري على أن «لكل طفل الحق في اسم وأوراق ثبوتية، وتطعيم إجباري مجاني، ورعاية صحية وأسرية أو بديلة، وتغذية أساسية، ومأوى آمن، وتربية دينية، وتنمية وجدانية ومعرفية»
يرى يحيى أنه تنفيذًا لهذه الأحكام القضائية يتوجب على وزراء الصحة والداخلية إصدار تعليمات في الكتاب الدوري تلزم جميع موظفيها بالسماح للأم بتسجيل أطفالها. وتتفق معه سليمان، موضحة أن هناك ضرورة الآن لتوعية موظفي السجل المدني ومكاتب الصحة وإلزامهم بقبول تسجيل الأطفال من خلال أمهاتهم، وأن يكون هناك آلية إدارية لمحاسبة من يخالف القانون ويرفض التسجيل، مضيفة أن هناك حاجة ملحة لمفوضية عدم التمييز، لأن قضية مثل هذه القضية، ستكون إحدى أهم مهامها.
تقارير ذات صلة
«القيصرية».. وباء «الوضع»
في هذا البودكاست من «مدى مصر»، تتبع هبة أنيس الارتفاع المفرط لنسب الولادة القيصرية
(1) في «تحرير المرأة» لقاسم أمين: الاستبداد علة العلل
الحلقة الأولى من برنامج قراءة لكتب لا تزال حية وتثير العواصف
قصص من الثورة: علا شهبة وياسمين البرماوي
تنويه: الكومكس يحتوي على سرد تفصيلي لأحداث شديدة العنف.
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن