لنلعب مع العالم
#121 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
كما ترى العالم مجنون، لسنا قادرين على تغييره، كما طالب ماركس، ولن نفهمه كما فسر چيچك، لذا ربما علينا أن نلعب معه، كما يدعونا محمد ياسر في هذا الديتوكس.
أن نستيقظ في عالم بديل خيالي، نحل في جسد وروح، ونطور ذلك الكائن الذي نلعب به ونصلح عالمه.
#لعب
تحدث كارل ماركس عن فكرة تغيير العالم، لا محاولة فهمه كما فعل الفلاسفة الآخرون، ثم تحدث سلافوي جيجك عن قلب تلك الأطروحة، بأن نحاول فهم العالم بدلًا من محاولة تغييره، لأننا حاولنا تغييره سريعًا وفشلنا.
فلنفترض خطأ أطروحة ماركس، وأننا بالفعل أمام عالم مُدمَّر لم نفهمه جيدًا، فالخطوة المنطقية الأولى هي جمع المعلومات وتطبيق أُسس معرفية لفهمه حتى نتمكن من الوصول إلى كيفية للتعامل معه وإصلاحه.
ظللت سنوات طويلة من حياتي مؤمنًا بأن أكون جميلًا كي أرى الوجود جميلًا، مثلما كُتب على سور مدرستي الابتدائية نقلًا لشِعر إيليا أبو ماضي، ومع تطور مفهوم الجمال عبر السنين في مخيلتي، وزيادة الجنون الحادث في العالم، والذي نتعرّض له بشكل إجباري، لم تعد تلك النصيحة مُجدية. حسنًا، لأنطلق في رحلة معرفية موسعة للتعلّم عن نشأة الكون، وأصول الإنسان، وتطور الأفكار والفلسفة وعلم النفس التطوري، وأتعلم التفكير النقدي وأجرب أساليب معيشة صحية وأتابع صفحات انستجرام النفسية التي تخبرني عن الجوستنج والجاس لايتنج وما العلامات التي تقول إنني عالق في علاقة غير صحية وعشرة أسباب تؤكد بشكل قاطع أنني مصاب بالقلق، وغيرها. وأصدق العلم والخرافة في نفس الوقت، مَن سيعطي نتيجة مفيدة سوف أتبعه. المهم أن كل هذه المدارات التي أتوه بداخلها في محاولات للوصول لاستنتاجات تجعل الوجود أكثر راحة، لكن يمكن أن يطول الجدال حول مدى جماله. حتى على نطاق أضيق، أذكر الطبيب النفسي الذي واظبت على مقابلته لفترة طويلة، ظل ينخرب في أحداث طفولتي ليبحث عن جذور ممتدة وعميقة لأزماتي الحالية، تركتُ له الأبواب مفتوحة، ولكن الأمر تحول إلى متاهة في النهاية، كل باب يؤدي إلى آخر، وكل مرآة ليست بالضرورة تعكس حقيقة الأشياء، وجع دماغ، حتى وصلت لاستنتاج أن هذا الرجل يتعبني أكثر مما يرشدني.
والآن لنفترض أن لديك الفرصة للنظر إلى عالم بديل لعالمنا، لكنه نظريًا مشابه في الخراب، ومصمم ليستمر في التساقط حتى نقطة نهايته، ووظيفتك فيه هي إصلاح عالمك الشخصي، المتأثر بالتبعية بالبيئة المحيطة به، لكنك لا تتذكر أي شيء، لا عن حياتك ولا عن هذا العالم الخيالي، فما العمل؟
عليك التورط في لعبة ديسكو إليسيوم، التي تقدم عالمًا صغيرًا أجوف، على حافة الانهيار، بالكاد يتماسك ليكمل بقاءه.

هي لعبة روائية طويلة خلقت نموذجًا لشخصية أساسية انسحقت تمامًا في أثناء ذلك الانهيار وتبعاته، تائهة بين أشباح ماضيها وماضي العالم الذي تعيش فيه، بلا طرق محددة للخروج إلى النور، وأنت، المحرك الأساسي للأحداث، يتوجب عليك البحث والتنقيب عن تاريخ هذا العالم وتاريخ شخصيتك، لرسم سياق زمني عن وجودك بشخصيتك الحالية في هذا المكان بصورته الحالية، واستنتاج مسارات منطقية لتتحرك بداخلها حتى تحقق لنفسك وللعالم من حولك أقل قدر من العدالة.
لاحظ أن العالم من حولك هو عالم بديل له تاريخه وصراعاته وأيديولوجياته الخاصة، ليبرالية وأخلاقية وشيوعية وفاشية، إضراب عمال، وشركات متخصصة في صناعة أزمات وكوارث اقتصادية في دول العالم الثالث، ونظريات حول العنصرية والمثلية الجنسية، شوارع قبيحة تسكنها أنواع غرائبية من الفنون والمخدرات، وجريمة قتل. عالم منسوج بتعقيد ودقة، يحتوي على مقدارين متساويين من الظلام والجمال، هذا العالم حاول التغيّر سريعًا حتى تهاوى على ذاته، صنعه بشر يدورون في مدارات مشابهة ويحملون أزمات مشابهة وانعكست رؤيتهم للعالم في النموذج المصنوع في اللعبة. لكن عالم اللعبة ملموم، يمكن فهمه بالكامل عبر اللعبة، وقراءة تاريخه القديم والحديث وجمع مصطلحاته ومفاهيمه المحدودة.
تنتمي اللعبة إلى فئة CRPG، وتدور داخل بيئة خيالية تتحكم بها عبر شخصية أو أكثر، وتعتمد على نظام الارتقاء عبر جمع نقاط خبرة، أو أسلحة، أو معلومات، أو غيرها، وتكوّن للعبة خصائص محددة من مصطلحات وآليات حركة وإعدادات، ويشكل السرد الجزء الأهم في تعريف الفئة، بحيث تتوقف عن تحقيق التقدم في مناطق معينة منها لأنك لا تمتلك المعلومات الكافية من القصة لدخول ذلك الجزء. ويشبه نظام اللعبة ألعاب تقمص الشخصيات الورقية مثل «دنجنز آند دراجونز» التي تعتمد على راوٍ يحكي اللعبة ويقدم لك الاختيارات، ونظام زهر منطقي بعض الشيء يعطيك احتمالات فوزك أو هزيمتك في تحقيق أهداف ما أو تفوقك في محادثة أو لكْم شخص ضعف حجمك، بناءً على معطيات في اللعبة وطبيعة شخصيتك ومراكز قوتك وضعفك. كل شيء في اللعبة يُكتب على الشاشة لتتفاعل معه وتختار ردة فعلك تجاهه، سواء صوت الراوي أو محادثات الشخصيات، أو صوتك الداخلي، أو حتى أحلامك. وبهذا يمكن للمحادثة أن تذهب في عدة مسارات، حسب اختياراتك ووفقًا لما يناسب ما تسعى إليه. وما يميز هذه اللعبة عن كل ألعاب فئتها وكل الألعاب بشكل عام، هو نظام تطور الشخصية، في الغالب تسير الشخصية الأساسية لتجمع نقاط تسمح لها بزيادة القوة البدنية، المرونة، الذكاء، أو زيادة الضرر الناتج عن الأسلحة، أو البحث عن درع معين ليعطيك أفضلية في القتال، لكن نظام الترقية في ديسكو إليسيوم مقسم إلى أربع فئات: الذكاء، والروح، والجسد، والحواس. كل فئة تحمل تحتها ستة عناصر أخرى، فمثلًا الذكاء مقسم إلى منطق، موسوعية، بلاغة، دراما، تصور، وحساب بصري. وهكذا، من خلال 24 مكوِّنًا لوجودك، يمكنك بناء أي شخصية حسب توجهاتك أو رغباتك، أنت تبدأ اللعبة بشخصية فاقدة للذاكرة، أي من الصفر، وربما نتفق أنها من السالب بعدما تستكشف القليل من عالم اللعبة، يمكنك أن تكون شرطي سريع البديهة ومتأمل لكن ببنية جسدية ضعيفة، يمكنك أن تكون متحدثًا لبقًا يحبك مَن يحادثك وتستطيع استخلاص المعلومات من المستجوبين، وأيضًا تجذب النساء بسهولة لكن ربما تضحي بقوة إدراكك للعالم وتحليلك لمسارح الجريمة، بهذا الشكل سوف يسير الأمر، لن تحصل على كل شيء. لذا فنظام الزهر في اللعبة يعتمد على صفاتك الشخصية، لا يمكنك ركل باب وكسره عندما تكون ذكيًا، لكن يمكنك استخدام بنسة شعر لفتح القفل عوضًا عن ذلك.
بُنيت اللعبة في عالم خرب، حاول تغيير نفسه سريعًا ليتطور متطلعًا إلى صورة مشوشة من عالم مثالي، جميع الدول تتنافس لتنضم إلى العالم الأول، الحكومات فاسدة ويتحكم الرأسماليون في كل شيء، بالإضافة إلى تاريخ طويل من الحروب، بشكل روائي مذهل يحدث كل هذا، وفي عشرات المسارات تدور الأحداث وتدور حولها في هوية المحقق، والتي تنجح بالتدريج في جذبك إليها والتعلق بها، وتتشبث بكل ما حولك حتى تستطيع الوقوف على قدميك مرة أخرى وجمع شتاتك من كل مكان.
في البداية تستفيق في غرفة فندق صغيرة، وتشعر كأن مخك مقليًا إثر ليلة عنيفة من الخمر والمخدرات، الأجواء حولك والطريقة التي يستجيب بها بؤبؤ عينك للضوء تعطيك سياقًا بسيطًا عما يحدث، الملابس متناثرة في كل مكان، وربطة العنق مُعلقة على إحدى ريش مروحة السقف، وفجأة تدرك أنك لا تتذكر اسمك، وبعد لحظات يكتمل الإدراك بأنك لا تتذكر حتى عناصر وجودك الأساسية، ولا أي شيء على الإطلاق. هكذا تبدأ اللعبة، هذه هي الشخصية التي عليك تقمصها، أن تحِل داخل جسد وروح في قاع المأساة الإنسانية، وتعامل بهما. الفكرة حتى هذه المرحلة من اللعبة قد تبدو مثيرة بعض الشيء، لكن بمجرد الخروج للعالم من غرفتك، تتفتح أمامك عوالم من الأفكار المثيرة لتكتشفها، أول شيء أنك شرطي مُطلّق وجئت هنا للعمل على قضية قتل، والجثة مازالت في مكانها منذ أسبوع، وقد أضعت شارتك وسلاحك وسيارتك. تفضل، هذه معطياتك، تعامل مع العالم. أستطيع داخل هذا العالم قراءة شخصية الشرطي التي أتقمصها بسهولة، بل لدي القدرة لتطوير صفاتي الشخصية، بشكل أسهل كثيرًا من الطريقة التي يسير بها الأمر في الواقع، على حسب متطلباتي في العالم الذي أعيشه، وهنا أتاحت لي اللعبة تجربة مصغرة من التجربة التي أخوضها في حياتي، تجربة استطيع فيها لمس نتائج حقيقية تبث الأمل في النموذج الذي أعيشه. وحتى في مرحلة ما من اللعب اكتشفت أن نفوري من شخصية الشرطي ومحاولات تقويمه وإصلاحه في ديسكو إليسيوم ما هو إلا خوفًا من مواجهة التشابه بين توهاني في عالمي وتوهانه في عالمه.
بسبب رسومات الشخصيات واختيارات الألوان التي تبدو زيتية إلى حد كبير، شعرت بقتامة جميلة بعض الشيء، كتلك التي يستقبلها الإنسان عند النظر إلى لوحة كئيبة من لوحات جويا أو الاستماع لموسيقى جادسبيد يو بلاك إمبرور. مع ذلك، فإن طريقة الرسم في اللعبة أقرب إلى المدرسة الانطباعية. كل الأشياء تذوب على بعضها، الرسومات والمحادثات والموسيقى وأصوات المدينة، بطريقة ساحرة، وجدت نفسي أتجول داخل هذا العالم مندمجًا معه كأني جزء من بنيته. وشعرت بفضول شديد تجاه فكرة بناء شخصية مختلفة عني، طالما أن هذا ممكنًا، إن كنت في الحياة أتحدث بلطفٍ مع الناس، ربما سأجرب شيئًا آخر مع بشر هذه المدينة. هذا الفضول والشعور السريع بالانتماء للمكان مع شعوري بالشفقة تجاه الشرطي الذي بدأ العالم بالنسبة إليه هذا الصباح، دفعوني للانطلاق في مغامرة ديسكو إليسيوم، أحد أجمل وأذكى التجارب التي خضتها في حياتي.
بشكل طبيعي لا أحمّل الألعاب أكثر من كونها مصدر متعة، عالم آخر يساعد على تمضية وقت لطيف بعيد عن العالم الحقيقي، لكن ديسكو إليسيوم تتخطى المتعة المجردة، أدبيًا وفنيًا. ساعدتني اللعبة بلغتها الأدبية والوصفية في فتح مجالات واسعة من الخيال، وحثتني على التأمل في مسارات وأنماط تفكيري وطرق تعاملي مع تحليل المعلومات التي يستقبلها عقلي بشكل يومي، وكيف تؤثر هذه الأنماط، بإنتقائها لما هو مهم، في طبيعة يومي ومزاجي، مثل الأصوات العقلية التي تتدافع لتضع عشرات الاختيارات المنطقية والهوائية والمبنية على مشاعر غير صحية والمحافظة والمتحررة وغيرها، عندما تكون كل الأصناف مُتاحة على المائدة، وعند اللحظة التي يتم الشروع في اتباع مسار أحد هذه الأنماط، ساعدتني اللعبة في التركيز على تلك اللحظات واتباع جذورها التي جعلت من اتخاذ هذا القرار فكرة صائبة وصالحة لوجودي. مثلًا عند وقوع حدث معين، يبدأ العقل في التحليل استنادًا إلى المعطيات وبناءً على الخبرات السابقة، وتتابع الأفكار لاتخاذ رد فعل، درامي أو منطقي أو تأملي أو فلسفي أو معرفي أو عاطفي أو غيرها، كل فكرة ربما ستجد داخل أركان العقل طريقة ما لاثبات فعاليتها، وأنها الأجدر بالاختيار لذلك الموقف، وهنا أتجنب أن أفرط في التفكير لأنه لن ينتهي، لذا التقط أقرب رد فعل. ولكن من منظور ديسكو إليسيوم، كل هذه الأصوات هي ردود أفعال حيوية وكيميائية ليست بالضرورة أن تكون مرتبطة بقلق الإفراط في التفكير، لكنها باحتمالية كبيرة مرتبطة بالطبيعة التأملية للمعلومات، وبقدرة العقل على الإلمام على أكبر قدر من جوانبها والزوايا التي يمكن النظر منها، يمكنني القول إنه من خلال هذه التجربة قد كسرت الرابطة المخيفة بين الإفراط في التفكير بشكل عام والتوتر الملازم له، وبناء مصفاة أفضل للتمييز بين التفكير الضار المصحوب بالبارانويا، والتفكير التأملي الذي يساعد على بقاء ألطف. أيضًا لفتت انتباهي إلى بعض صفاتي الشخصية الأصيلة التي لم أستطع حتى التخلص منها في عالم خيالي. مثلًا قررت للمحقق أن الأمور ستسير بالطريقة التي أراها نافعة لنفسي. حتى عندما تأملت كثيرًا في حياتي وفقًا لاختياراتي في اللعبة، ووجدت انعكاسات عدة لي في حياة الشرطي التي اخترتها، رغم أنني منذ البداية كنت قد قررت أنني سأختار نمط شخصية مختلف عني، لأرى الحياة بعيونه. بتحليل النظام الأخلاقي للعبة وفلسفتها التي تبدو في البداية وكأنها تعطي حرية التصرف، وبالنظر لعواقب الاختيارات، فطنت إلى أن الأمور ليست كما تبدو عليه، رغم وجود آلاف الاختيارات، لكن هناك مسارًا واحدًا محددٌ بالفعل.
في إحدى مسارات اللعبة، توجد الثيمة الشهيرة للرأسمالي البدين الذي يريد بناء مجتمع راقٍ في إحدى الضواحي الفقيرة، وبالطبع الجميع قد وقّع على بيع منزله، عدا اثنين، شابة في أواخر العشرينيات وسيدة عجوز، ولتحقيق مصلحة ما تخصك، يتوجب عليك جمع التوقيعين، ستفتح اللعبة لك مسارين، الأول هو الإقناع، والآخر هو الخداع، اخترتُ الخداع. وأقول بصدق إن خداع تلك السيدة العجوز لم يكن حقيقيًا في العالم الذي أعيشه، لكن الشعور بالذنب تجاه ما فعلت انتقل من عالمها إلى عالمي. يمثل هذا الانتقال جودة تجربة ديسكو إليسيوم، ككتابة وفلسفة ورسومات وأصوات وحكاية، ويلخص إعجابي الشديد ببراعة دمج كل هذه الأدوات داخل وسيط فني واحد استطاع أن يخطفني بداخله لساعات طويلة.
و#سلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن