لماذا شعرنا بأكثر من زلزال مؤخرًا؟.. دردشة مع الرئيس الأسبق لقسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية
«خمسة زلازل في يومين وستة في أسبوعين سجلتها أجهزة الشبكة القومية للزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، منذ 12 وحتى 21 أكتوبر الجاري، ست هزات أرضية، تجاوز اثنان منها ست درجات على مقياس ريختر.
تباين إحساس المواطنين بالقاهرة وعدد من المحافظات تجاهها. فبينما شعرت الغالبية بالهزة الأرضية التي سجلها المعهد في السابعة والنصف من صباح الثلاثاء الماضي، 19 أكتوبر، بقوة 6.2 درجة، لم يشعر الكثيرون بالهزات الأربعة التي تلتها يومي الأربعاء والخميس الماضيين، والتي تراوحت قوتها ما بين 3.2 وحتى 3.9.
لم تسبب الهزات الأرضية الأخيرة أية أضرار، إلا أن تزامنها مع الذكرى الـ29 للزلزال الذي ضرب مصر في 12 أكتوبر 1992، وأسفر عن وفاة 500 شخص، وإصابة 6500 آخرين، وانهيار وتضرر آلاف المباني، كان كفيلًا باستدعاء مشاعر الخوف والقلق مما قد تخفيه لنا الزلازل المتكررة مؤخرًا.
عن أسباب تكرار حدوث الزلازل في مصر في الأيام الأخيرة، وما يترتب عليها من آثار على المباني والمنشآت، حاور «مدى مصر» الرئيس الأسبق لقسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، عوض حسوب.
مدى مصر: ما الفارق بين زلزالي أكتوبر 2021 و1992؟
عوض حسوب: الزلزال الأخير مركزه يقع في شرق البحر المتوسط ويبعد عن القاهرة آلاف الكيلو مترات، وهو من الزلازل البينية interplate earthquake التي تحدث على حواف الصفائح التكتونية (الغلاف الصخري للأرض) وتأثيره على مصر ضعيف للغاية نظرًا لبعد المسافة عن مركزه. أما زلزال 92 فكان نشاط محلي داخل طبقات الأرض، مركزه في منطقة دهشور التي تعتبر منطقة متوسطة النشاط الزلزالي، نتيجة وجود شروخ وفوالق بسيطة ليس لها علاقة بالنشاط الزلزالي الذي يقع في مناطق البحر المتوسط والبحر الأحمر، ويسمى intraplate earthquake.
ورغم أن الزلزال الأخير كانت قوته 6.2 درجة على مقياس ريختر، إلا أن بُعد مركزه عن مصر ساهم في عدم إحداث أية خسائر، فيما سبب زلزال 1992 الذي لم تزد قوته عن 5.8 درجة فقط آثار مدمرة بسبب قرب مركزه من القاهرة.
م.م: ولكن، ما أسباب تكرار الشعور بالزلازل في مصر مؤخرًا؟
ع.ح: لأننا نتأثر بمنطقة شرق المتوسط النشطة زلزاليًا وهذه المنطقة بها نشاط زلزالي، وهذا النشاط له دورة زمنية، تنشط فتحدث الزلزال ثم تفرغ الطاقة الموجودة. والنشاط يحدث من خلال الشروخ والفوالق الموجودة داخل طبقات الأرض، ثم تهدأ المنطقة وتعود لتجميع الطاقة مرة أخرى، لأن الأرض لا تقف وإنما مستمرة في الدوران، والزحف بين الصفائح القارية الذي يسبب الزلازل مستمر أيضًا.
م.م: ما هي الأماكن المتوقع حدوث فيها زلازل في مصر؟
ع.ح: بشكل عام مصر آمنة وبعيدة عن نشاط الأحزمة الزلزالية، وأقرب منطقة يتوقع حدوث زلزال فيها بقوة 6.5 أو 7 على بعد 800 كيلومتر من القاهرة من ناحية البحر الأحمر في منطقة خليج العقبة، حيث يوجد بها نشاط زلزالي ولكنه يتردد على فترات طويلة، وينتج عنه زلزال قوي كل 150 أو 200 عام. سبق وسجل خليج العقبة زلزال بقوة 7.2 درجة على مقياس ريختر عام 1955، ولكن لم يسبب أي أضرار بشرية لأن المنطقة وقتها لم تكن مأهولة بالسكان، والتأثير كله تركز في منطقة خليج العقبة، وكان الإحساس به في القاهرة ومنطقة وادي النيل والدلتا بسيط. المنطقة الثانية تقع على بعد 600 أو 550 كيلو من الإسكندرية، من ناحية إيطاليا وتركيا.
كل المناطق النشطة زلزاليًا في مصر بعيدة عن العمران، المتمركز في الدلتا ووادي النيل، ولهذا نجد أن المباني التي يتم إنشاؤها في سيناء مثلًا بالقرب من الخليج العربي معظمها دور واحد أو اثنين ومعظمها بسيط لا يتأثر بحركة الزلازل، وفي حالة بناء عمارات عالية يجب وضع التصميمات التي تراعي الكود الزلزالي.
تسجل أجهزة المعهد القومي للبحوث المنتشرة في 70 محطة على مستوى الجمهورية زلازل شبه يومية في مصر والمناطق المحيطة بها، ولكن غالبيتها صغيرة بمقياس واحد أو اثنين ريختر لا يشعر بها المواطنون. منطقة أبو الدباب الموجودة على البحر الأحمر مثلًا يحدث فيها زلازل يوميًا، ولكنها زلازل غير محسوسة صغيره قوتها واحد أو 1.2 أو اثنين، وكل 70 أو 100 سنة تقريبًا يحدث فيها زلزال قوته حوالي خمس درجات على مقياس ريختر.
م.م: لماذا تختلف حدة الشعور بالزلزال من شخص لآخر؟
ع.ح: إحساسنا بالاهتزازات تحكمه عدة عوامل أبرزها موقع الإنسان من الزلزال، فالذي يعيش على طبقات النيل والدلتا «الطمي» ليس كمن يعيش على الكتل الصخرية مثل المقطم والصحراء الغربية.
كتلة الطمي تُكَّبر الموجة الزلزالية، وبالتالي نشعر بها أكثر لأنها طبقة هشة ومفككة، ولهذا يشعر سكان القرى المجاورة للنيل بالزلازل بشكل أكبر من سكان المناطق الصخرية. الأمر الثاني هو أن الشخص الذي يعيش في بناء بالدور الأرضي أو الأول يشعر بهزة الزلزال أقل من الشخص الذي يعيش في أي من الأدوار العليا لنفس البناء. حركة الشخص أيضًا تؤثر في إحساسه من عدمه بالزلزال، فإذا كان الشخص في حالة ثبات يشعر أكثر، ولكن إذا كان يتحرك أو يمشي في الشارع فإحساسه بالهزة يقل. فضلًا عن وجود اختلافات في إحساس الأشخاص على اختلاف درجة تأثر أجسادهم بالموجات المختلفة للزلازل.
م.م: هل نستطيع التنبؤ بالزلازل؟
ع.ح: في الظواهر الطبيعية، مثل الزلازل، التنبؤ يمكن أن يكون بثلاث أمور: الموقع، والقوة، والموعد. علماء الزلازل نجحوا بصورة كبيرة في تحديد مكان حدوث الزلازل وقوتها وهذه الدراسات مفيدة جدًا لتحديد أماكن إقامة المشروعات القومية لكل الدول، ولكن ما زال أمر التنبؤ بموعد حدوث الزلزال لم يصل له أحد، فسبق وتحدث الصينيون عن قربهم من اكتشاف تقنية للتنبؤ بموعد حدوث الزلازل.
م.م: ما هو دور علماء الزلازل تجاه المناطق التي يتواجد بها نشاط زلزالي؟
ع.ح: الأساتذة والباحثون بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية يتعاونون مع مهندسي المركز القومي لبحوث البناء التابع لوزارة الإسكان لوضع وتحديث كود الزلازل في كل منطقة، وخصوصًا القريبة من منطقة نشاط زلزالي باستمرار لتحديد قواعد البناء بها، خصوصًا أن الزلازل لم تمنع دولة مثل اليابان من بناء ناطحات السحاب في أماكن نشطة زلزاليًا باستخدام أكواد بناء مناسبة.
وقبل تعمير أي منطقة جديدة، يُجري المعهد دراساته لتحديد الكود الزلزالي للمنطقة، وأكبر قوة متوقع حدوثها للهزة فيها، وتحديد المخاطر المحتملة، ومواصفات البنايات المناسبة لتلك المنطقة، وهذا ما حدث مثلًا لمنطقة العاصمة الإدارية الجديدة، حيث تم دراسته بالكامل وقُدمت الاستشارات الخاصة بمواصفات البنايات به ومواصفات الارتفاعات بها. وقبل العاصمة أجرينا دراسات مماثلة بشأن منطقة محور قناة السويس، وفي سيناء، وفي الجنوب في أسوان حول السد العالي، وفي محطة الضبعة، إلى جانب دراسة النشاط الزلزالي باستمرار في المناطق القريبة من المحاجر ومصانع الأسمنت تحسبًا للمخاطر.
تقارير ذات صلة
سيول الصعيد تُنذر: شيءٌ ما يتغير
الأمطار الغزيرة والسيول ظاهرة لا تتكرر بشكل دوري في مصر، لكنها مألوفة في مناطق معينة
«هذه أمور تحدث»| الكتابة على أنقاض الزلزال
مراجعة لمجموعة صلاح باديس القصصية
هل تنجح ولادة «الأحوال الشخصية» هذه المرة.. أم يتجدد الوأد؟
هل ينجح التوجيه الرئاسي في كسر جمود قانون عمره 100 عام
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن