لماذا تداعب الشركات العقارية في العاصمة الجديدة أحلام الطبقة المتوسطة؟
يخطط سامح وصفي*، المهندس الثلاثيني في شركة أوراسكوم للإنشاءات، لإنفاق 60% من راتبه كأقساط لشقة صغيرة في العاصمة الإدارية الجديدة إذا استقر رأيه النهائي -كما هو مرجح- على شرائها.
اختار وصفي، بناءً على نقاشاته مع شركة سمسرة كبيرة، تمثل وسيطًا بين الشركات العقارية والعملاء، شقة يبلغ سعر المتر فيها 15 ألف جنيه، ولا تتجاوز مساحتها 80 مترًا. ما يعني أن إجمالي سعرها يصل إلى مليون و200 ألف جنيه، وهو سعر يبدو مرتفعًا طبعًا قياسًا لمساحة الشقة، لكن «تسهيلات السداد» هي كلمة السر هنا.
بناءً على خطة سداد مغرية للغاية دغدغت طموحات وصفي في اقتناء عقار في العاصمة الجديدة، أصبح الأمر مقنعًا: مقدم سداد لا يتجاوز 10% من إجمالي السعر، وخطة سداد تصل إلى عشر سنوات.
بالنسبة له، تمثل الشقة فرصة استثمارية جيدة. خطته أن توفر له الشقة الجديدة بعد استلامها دخلًا شهريًا عبر الإيجار يتراوح بين 10-12 ألف جنيه بعد استلامها بعد أربع سنوات تقريبًا، بسبب قربها من فرع إحدى الجامعات الأجنبية في العاصمة الإدارية الجديدة ستجذب مستأجرين من الطلبة الخليجيين الأغنياء ممن سيفضلون الالتحاق بهذه الجامعة عن السفر للتعليم في الغرب حيث مصروفات السكن قد تكون أعلى بكثير.
تلك السنوات العشر -مدة سداد أقساط الشقة- تمثل الواقع الجديد الذي خلقته العاصمة الإدارية الجديدة، كما تخبرنا فريدة*، الموظفة في قطاع التسويق في نفس شركة التطوير العقاري التي ينوي وصفي شراء شقته منها.
يعتمد سوق العقارات إجمالًا على نمط البيع المسبق للوحدات قيد الإنشاء، وهو ما يسمى بـ«بيع الوحدات على الخطة»، ما يجعل التقدم في إنجاز المشروعات مرتبطًا بحجم الإقبال على شراء الوحدات.
لكن العاصمة الإدارية الجديدة فرضت واقعًا جديدًا على الشركات أجبرها على أسلوب مختلف في العمل، توسع في استهداف شرائح أكبر من الطبقة المتوسطة بتسهيلات غير مسبوقة في السداد. ورغم الفرص التي يمنحها هذا الواقع الجديد لهذه الشريحة، إلا أنها لا تخلو من مخاطر مستقبلية.
قبل العاصمة الإدارية، توضح فريدة، أن الحد الأقصى لمدد سداد أقساط الوحدات السكنية كان عادة لا يتجاوز سبع سنوات، باستثناء حالات نادرة للغاية لمطورين عقاريين تمكنوا من اجتياز هذا الحد من قبيل شركة طلعت مصطفى مثلًا، لكونها شركة عملاقة تمتلك ملاءة مالية تسمح لها باجتياز مراحل كثيرة من مشروعاتها استنادًا للسيولة المتوفرة لديها لا إلى السيولة المتوفرة من أقساط العملاء.
لكن الوضع اختلف في حالة العاصمة الإدارية. معظم الشركات العاملة في العاصمة الجديدة شركات صغيرة حصلت على أراضٍ صغيرة. بحسب أرقام صرح بها المتحدث الرسمي باسم العاصمة الإدارية الجديدة خالد الحسيني لـ«مدى مصر»، فإن 71 شركة فقط من أصل 238 شركة تعمل في العاصمة حصلت على قطع أراض تزيد مساحتها عن خمسة فدادين.
رغم هذا، فإن «التسهيلات في السداد أصبح من المعتاد تمامًا أن تتجاوز العشر سنوات، ومقدم السداد يصل إلى صفر في أحيان كثيرة، كما أن ما يسمى بدفعة السداد وهي النسبة من إجمالي سعر العقار التي يشترط أن يكون العميل قد سددها لاستلام العقار أخذت تنخفض لتصل إلى نحو 60% بعدما كان المعتاد أن تتراوح بين 70-75%، وأصبح من المعتاد أن تقبل الشركات دفعة هزيلة للحجز قد لا تتجاوز عشرة آلاف جنيه في بعض الأحيان وهو ما كان من المستحيل القبول به في الماضي»، تقول فريدة.
تبعًا لبيانات من موقع «invest-gate» المتخصص في تحليلات السوق العقاري، تعود إلى يناير 2019، يتضح أن الغالبية العظمى من الشركات التي تعمل في العاصمة الإدارية الجديدة تتيح خطط سداد تسمح بمقدم سداد يبلغ 10% من إجمالي سعر الوحدات. كما أن نسبة كبيرة من الشركات تتيح خطة لا تتضمن مقدم سداد أصلًا، كما يتضح من الشكل التالي الذي يظهر مدى انتشار مقدمات السداد -وفقًا لنسبها إلى إجمالي السعر- بين الشركات العقارية العاملة في العاصمة الإدارية الجديدة.

وفضلًا عن ذلك، «انتشر نمط جديد من التسهيلات في العاصمة الإدارية يسمح لمن يملك مدخرات قد لا تتجاوز إجمالًا 100 ألف جنيه فقط أن يستثمرها في شراء وحدات تجارية لتأجيرها عبر ما يسمى بالبيع على المشاع» كما تقول فريدة، موضحة أن «هذا النمط من التسهيلات قائم على بيع أنصبة من الوحدات التجارية على أن تبقى تلك الوحدات تحت إدارة الشركة العقارية التي تطرحها لتأجيرها لصالح أصحاب الأنصبة الذين يحصلون مقابل أنصبتهم على نسبة من الإيجار وفقًا لنسبة ملكيتهم في الوحدة التجارية».
حتى الفائدة لا يُعلن عنها بالطريقة التقليدية وإنما بـ«أسلوب معكوس»، بحسب تعبير فريدة، حيث تُسوق الوحدات باعتبار سعرها الإجمالي هو السعر الأصلي دون فوائد. وفي المقابل، يحصل العميل الذي يسدد قيمة الوحدة دفعة واحدة على خصم يتراوح بين 30-35%، وكلما طالت مدة السداد انخفض الخصم، أي أن الفائدة تحسب من البداية في سعر الوحدة الإجمالي، ولذلك لا يتم الحديث عن سعر فائدة عند عرضها للبيع.
تقول فريدة إن السبب وراء هذا «السباق المحموم بين الشركات على تقديم التسهيلات على بيع العقارات في العاصمة الإدارية» كما تصفه هو حاجة شركات التطوير العقاري الشديدة لاجتذاب العملاء بأي ثمن بسبب الحاجة الملحة إلى سيولة من العملاء لاستخدامها في تنفيذ المشاريع، في ظل شروط زمنية مشددة من الدولة -ممثلة في شركة العاصمة الإدارية- لإتمام المشروعات، وإلا تعرضت الشركات لسحب الأراضي منها.
هذه الشروط الزمنية المشددة من الدولة هي أمر مستجد ومرتبط بشكل استثنائي بالعاصمة الإدارية بالذات، بحسب فريدة التي عملت في السابق في شركة أوراسكوم للتنمية في مشروعات خارج العاصمة الإدارية. وتضيف «الشركات وجدت نفسها في وضع صعب جدًا من حيث المنافسة بسبب حجم العرض الضخم للغاية من العقارات في فترة زمنية ضيقة، وهو ما يفسر كل هذا التنافس على تقديم التسهيلات في السداد».
كان أحمد زكى عابدين، رئيس شركة العاصمة الإدارية الجديدة، قال في أكتوبر من العام الماضي إن شركته سحبت أراضٍ من أربع شركات عقارية داخل العاصمة، «بسبب تقصيرها في تنفيذ الجدول الزمنى الذى وضعته شركة العاصمة الإدارية، لتنفيذ المشروعات»، حسبما نقلت عنه جريدة «اليوم السابع».
بحسب تعبير رئيس مجلس إدارة شركة مصر إيطاليا للتطوير العقاري، هاني العسال، في تصريحات صحفية في يناير الماضي، فإن «الشركات العقارية واجهت العديد من التحديات خلال المرحلة الأولى [من العاصمة الإدارية الجديدة] نتج عنها تعثر العديد من الكيانات».
ولتصور الحجم الاستثنائي من المعروض من وحدات عقارية في العاصمة الإدارية، يوضح الشكل التالي مساحة العاصمة الإدارية الجديدة قياسًا لكل المدن الجديدة منذ إطلاق الجيل الأول من تلك المدن في السبعينيات من القرن الماضي.

يظهر من الشكل أن مساحة العاصمة الجديدة تفوق مساحة ثاني أكبر مدينة جديدة، وهي مدينة السادات التي كان مقدرًا لها في البداية أن تلعب دور العاصمة الجديدة، بنحو 50 ألف فدان أو ما يزيد عن 40% من حجم مدينة السادات. كما تبلغ مساحة العاصمة الجديدة ضعف مساحة القاهرة الجديدة.
أجبر هذا الحجم الكبير للمعروض من العقارات الشركات على تغيير استراتيجيتها والتوجه لاستهداف شرائح مختلفة. «العرض الكبير للغاية من العقارات يعني أن هناك ضرورة عملية لاجتذاب الطبقة الوسطى لشراء عقارات فاخرة لأن الطبقات الأعلى لا يمكن أن تمتص كل هذا المعروض في مدة زمنية قصيرة»، يقول أبو الحسن نصار، رئيس المركز الاستشاري للخبراء العقاريين وخبير التقييم العقارى بالمحاكم الاقتصادية وهيئة الرقابة المالية، لـ«مدى مصر»، موضحًا أن ذلك هو ما جعل التسابق على التسهيلات في السداد أمرًا حتميًا بحسب رأيه.
سمحت التسهيلات في السداد على هذا النحو باجتذاب الطبقة المتوسطة للعاصمة الإدارية الجديدة ومحاولتها انتهاز فرصة التسهيلات للنفاذ إلى «عاصمة الأغنياء» التي يبلغ متوسط سعر المتر مربع فيها 11.8 ألف جنيه وهو ما يجعلها أعلى سعرًا من كل المجتمعات العمرانية الجديدة الأخرى، مثل القاهرة الجديدة (10450 جنيهًا للمتر) والشيخ زايد (10500 جنيه للمتر) و6 أكتوبر (7650 جنيهًا للمتر)، تبعًا لبيانات «عقار ماب» محرك البحث عن العقارات. وأقبلت تلك الطبقة على شراء وحدات سكنية وغير سكنية مرتفعة السعر نسبيًا لكنها لم تعد بعيدة عن متناولها كما كان الأمر في السابق.
إلى جانب هذا، تشير فريدة إلى إنه «بعكس ما قد يبدو من أن العاصمة الإدارية الجديدة تجتذب الفئات الأعلى، إلا أن الحقيقة التي يلاحظها العاملون في المجال العقاري هو أن القطاع الأكبر من الفئات الأعلى لا يزال مترددًا في شراء عقارات في العاصمة الإدارية الجديدة، لأن تلك الفئات لا ترغب فقط في شراء عقار فاخر، بل تشترط عادة شراء عقار فاخر من شركة تطوير عقاري ذات سابقة أعمال معروفة، وهو أمر غير متوفر حتى الآن في العاصمة الإدارية إلا في شركتين فقط، ولأن مساحة الأراضي التي طرحت من قبل الحكومة للتطوير في وقت محدود كانت شاسعة للغاية، تدفق عدد كبير للغاية من شركات التطوير العقاري التي تأسست حديثًا فقط لغرض الاستثمار في العاصمة الجديدة، فيما كانت غير مغرية للاستثمار بالنسبة للطبقة الأعلى».
لكن إقبال قطاع كبير من الطبقة الوسطى على الاستفادة من التسهيلات الكبيرة التي تتيحها الشركات، كما يرى نصار، «جعل الكثير من أبناء هذه الطبقة لا يراعي احتمالات التخلف عن السداد الكبيرة في ظل طول مدة سداد الأقساط، فكلما طالت مدة سداد الأقساط كلما زادت المخاطر طبعًا. في ظل المغريات الكبيرة التي تقدمها الشركات لجذب المشترين بأي ثمن، على نحو يتجاهل معه الأفراد من أبناء الطبقة الوسطى احتمالات تعثرهم في السداد الأمر الذي يعني سحب الوحدات منهم واستردادهم ما دفعوه دون أي أرباح كانت ستتحقق لهم لو أنهم استغلوا أموالهم في أي وعاء ادخاري آخر طوال تلك السنوات». ويضيف نصار «لكن الأخطر طبعًا هو ما سيواجهه سوق العقارات في الوقت الذي تضطر فيه الشركات لاسترداد عدد ضخم من العقارات ما يعني تراكم المعروض من العقارات محدثًا فقاعة عقارية».
الخطة الاستثمارية لوصفي تبدو محكمة لكنها تتجاهل احتمالات أي مخاطر قد يواجهها دخله في المستقبل. أي عجز في السداد خلال هذه السنوات قد تتسبب في انهيارها.
تقارير ذات صلة
«النيل» في مزاد الجيش
مع بداية التحول للنيوليبرالية في بدايات الألفينيات، تغيرت فلسفة الدولة في التعامل مع الفراغ العام.
شقة أصبحت كنيسة.. حتى لا تتكرر مأساة «أبو سيفين»
لماذا استمر تحويل المنازل إلى كنائس في إمبابة؟
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن