لبنان.. انتهاء الانتخابات النيابية يرفع خطر الفراغ الحكومي والرئاسي
أغلقت الانتخابات النيابية اللبنانية باب التشكيك في إمكانية عقدها بإعلان نتائجها، أمس، الإثنين، معلنةً سقوط عدد لافت من رموز النظام السياسي اللبناني، مع اختراقات محدودة حققتها المعارضة، وخسارة تيار رئيس الجمهورية (التيار الوطني الحر) صاحب الأغلبية المسيحية لصالح حزب القوات اللبنانية، ما قد يؤدي إلى فراغ حكومي ورئاسي قريب، على وقع انقسام حاد ينتقل من الشارع إلى داخل البرلمان.
وبدأ إعلان النتائج من قبل وزير الداخلية، بسام مولوي، بقوله إنه «رغم كل الصعوبات والتشكيك استطعنا إنجاز الاستحقاق الانتخابي بطريقة جيدة، وكل حملات التشكيك التي تترافق مع فرز النتائج لا تؤثر على عملنا ولا على عمل الموظفين والقضاة الذين وصلوا الليل بالنهار للقيام بواجبهم الوطني للمساهمة بخلاص البلد وإصدار النتائج».
الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات «لادي»، رصدت عددًا من المخالفات خلال العملية الانتخابية، من بينها 27 حالة شراء أصوات و500 حالة دخول رئيس قلم اقتراع مع الناخبين خلف الستار العازل، و623 حالة لدخول مندوبين عن المرشحين لجان الاقتراع، وحوالي 1000 مخالفة أخرى يجري التحقيق فيها.
أبرز ملامح نتائج الانتخابات اللبنانية جاءت بفوز الثنائي الشيعي (حزب الله وحليفه الأقرب حركة أمل) بـ27 مقعدًا، كما فاز حزب القوات اللبنانية بـ19 مقعدًا ليحتل موقع الأغلبية المسيحية بدلًا عن التيار الوطني الحر، الذي انخفضت مقاعده إلى 16، فيما فاز 15 نائبًا من تحالفات حراك «17 تشرين» المعارض للنظام اللبناني.
ومن المنتظر أن تشهد تلك الأرقام زيادات طفيفة عقب انعقاد أولى جلسات المجلس الجديد، عندما تنهي الأحزاب الرئيسية اتفاقات تكوين الكتل النيابية، ومن المتوقع أن تتعادل مقاعد التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية مع حلفائهما بواقع 21 مقعدًا لكل منهما.
لعل أبرز ما أنتجته الانتخابات هو سقوط نائب رئيس مجلس النواب والوزير السابق والنائب من 1992، إيلي الفرزلي، وكذلك خسارة المصرفي، مروان خير الدين، المترشح على قوائم الثنائي الشيعي، وهو المتورط في الاعتداء على الزميل الصحفي، محمد زبيب، بسبب انتقاده لسياسة مصرف لبنان المركزي. وأيضًا خسارة الوزير السابق، وئام وهاب، والنائب والوزير السابق، طلال ارسلان، والنائب منذ 1992، أسعد حردان، وأخيرًا خسارة النائب السابق، زياد أسود، المعروف بعدائه لحراك «17 تشرين»، ودفاعه عن رئيس الجمهورية ميشال عون، وصهره جبران باسيل.
المحلل السياسي ورئيس تحرير موقع «180 بوست»، حسين أيوب، يوضح لـ«مدى مصر» بعضًا من انعكاسات النتائج، قائلًا: «بعد صعود القوات اللبنانية ومنافستها على أغلبية المقاعد المسيحية في البرلمان، أتصور أنه على حزب الله والتيار الوطني الحر مراجعة التفاهم المبرم بينهما (الاتفاق الذي أسس للتحالف بين حزب الله من طرف وبين التيار الوطني الحر كأكبر حزب مسيحي من طرف آخر في 2006)».
ويضيف أيوب: «عندما تنظر للنتائج في البيئات والدوائر المشتركة ستجد أنها سلبية، وتدلل عن أن تفاهم مار مخايل كان تفاهمًا فوقيًا ولم يُعمم نحو الأسفل. سنرى مثلًا خسارة مرشح الثنائي الشيعي، أسعد حردان، في البيئة المسيحية، وخسارة مرشحي حركة أمل والتيار الوطني في جزين، وهي في صلب الجنوب اللبناني، وفي بعبدا مثلًا، وهي منطقة مشتركة، وتمثّل التفاهم بين الحزب والتيار، فاز نائبان للقوات اللبنانية ونائب واحد فقط للتيار الوطني».
التغير الكبير الذي شهدته المقاعد المسيحية في البرلمان لا يلقي بظلاله فقط على سياسات الأحزاب الشيعية، ولكنه ينبئ بفراغ حكومي وشيك. وذلك بعد شهور من تقلد حكومة نجيب ميقاتي للسلطة عقب مرحلة طويلة من الاضطراب أعقبت انتفاضة 17 تشرين/ أكتوبر 2019، وانفجار مرفأ بيروت في 2020، وتفاقم الأزمة الاقتصادية غير المسبوق.
مصدر دبلوماسي أوروبي في بيروت قال لـ«مدى مصر» من جانبه، إن «المؤشرات كلها تقول إن الأشهر القادمة ستكون صعبة على اللبنانيين، وربما تعيدنا لحالة الفراغ الحكومي بعد الفوز الكبير للقوات اللبنانية. من المفترض أن تبدأ الحكومة القادمة في التفاوض من أجل حل الأزمة الاقتصادية التي يمر فيها لبنان، وأي تعطيل حكومي أو رئاسي سيكون له آثارًا سيئة للغاية».
يمتد خطر الفراغ هذا إلى موقع رئاسة الجمهورية، خصوصًا مع المعادلة التي نشأت بوصول الرئيس الحالي ميشال عون إلى الرئاسة بعد سنتين من الفراغ، وتقضي المعادلة بأن الرئيس هو من لديه أكثرية مارونية في البرلمان، وذلك بخلاف آخر رئيسين للبنان، إيميل لحود وميشال سليمان، وكانا قائدين للجيش اللبناني.
يفسّر أيوب: «بالطبع تغير التمثيل المسيحي سيكون له تأثيرات كبيرة. الرئيس عون هو من رفع معادلة الرئيس الماروني القوي، من له أغلبية في مجلس النواب، اليوم بات فيه كتلة مسيحية على رأسها سمير جعجع، ولديها 22 مقعدًا في البرلمان، فكيف ستتصرف الأطراف مع هذا التغير».
على الجهة الأخرى، حصدت التحالفات المحسوبة على انتفاضة «17 تشرين» 14 مقعدًا: خمسة في الجنوب، وثلاثة في بيروت، وثلاثة في جبل الشوف، واثنين في الشمال وعضو واحد في البقاع.
تقول أستاذة السوسيولجيا المساعدة ريما ماجد لـ«مدى مصر»: «الملفت في الانتخابات هو من خسر وليس من ربح. كان هناك توقعات بأن تخترق القوى المعارضة بعشرة مقاعد، بالطبع حصدت القوى أكثر من ذلك وهذا مكسب كبير، لكن خسارة طلال إرسلان، وإيلي الفرزلي، وهما من أعمدة النظام في لبنان، هو ما رفع الآمال ومنح شعور بتحقيق مكسب كبير».
تفسّر ريما أكثر: «الشعور الكبير بالانتصار وبهزيمة بعض رموز النظام ربما يشكل دفعة من أجل استعادة حالة انتفاضة 17 تشرين، خاصة وأن هذه الانتفاضة ليست حركة لحظية وإنما تتجسد بمسار طويل يتضمن تراكمات ومحطات كثيرة، والانتخابات هي واحدة من تلك المحطات. لكن أيضًا يبقى خوف أساسي أن الكتلتين الكبيرتين هما لحزب الله والقوات اللبنانية».
وتكمل: «هذا الأمر يعكس الانقسام في الشارع عموديًا بين مشروع سعودي وآخر إيراني، انقسام واستقطاب على أساس طائفي مدعوم من قوى إقليمية، ومع إطاحة القوات اللبنانية للتيار الوطني الحر فإن هذا الصراع سيصل إلى مجلس النواب، ما يجعلني أفكر في خطر الاقتتال الأهلي».
مع استمرار التأزم الاقتصادي وتدهور الخدمات وانهيار العملة اللبنانية، تأتي نهاية الانتخابات إيذانًا ببداية مرحلة جديدة، تزيدها نتائج تلك الانتخابات تعقيدًا، وترفع المزيد من المخاطر أمام المواطنين. غير أن الانتصارات المحدودة التي حققتها المعارضة في الانتخابات الأخيرة كانت كافية لأن يحتفل آلاف الناخبين.
تقارير ذات صلة
تأخَّر من أجل مكالمة هاتفية لم تحدث.. واشنطن تُعلن وقف إطلاق النار في لبنان
أُعلن وقف إطلاق النار، مساء أمس، دون أن يتم الاتصال بين عون ونتنياهو
ضمن محاولاتها لإفشال محادثات إسلام آباد: إسرائيل تطوق «بنت جبيل»
تحمل «بنت جبيل» أهمية رمزية واستراتيجية وتاريخية لجيش الاحتلال الذي فشل منذ 2006 في السيطرة عليها
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن