لا ترى بحرًا ولا تسمع موجًا
#جو عام
في هذا الديتوكس يكتب الروائي إبراهيم عبد المجيد عن البحر الذي لازمه منذ صغره، فلا توجد طفولة في الإسكندرية بعيدة عن بحرها. ولم تنقطع صلة صاحب «لا أحد ينام في الإسكندرية» بالبحر مع سكنه بالقاهرة، بل قوّتها طلعات مستمرة، أغلبها في غير أوقات الصيف تشمل المشي والصيد. ويسرد ذكريات تعود لنشأته، مرورًا بحكاية غرقه وإنقاذه في 1961، كما تشمل أحوال ضيوف البحر، وحال المدنية، وما طال شواطئها من تسوير وحجب.
#قراءة
في عام 2001 أمضيت ثلاثة أشهر في مدينة لاروشيل الفرنسية التي تقع على المحيط الأطلنطي في إطار برنامج لإقامة الكُتّاب. كانت روايتان قد صدرتا لي بالفرنسية في نفس العام هما «بيت الياسمين» و«لا أحد ينام فى الإسكندرية»، فكانت بعض برامج الإذاعة أو التلفزيون الفرنسي تعقد معي لقاءات. سؤال لا أنساه في لقاء، ونحن نقف على شاطئ المحيط؛ «ما الفرق بين شعورك هنا على الأطلنطي، وشعورك في الإسكندرية على البحر المتوسط؟» أجبتُ أن المحيط غامض يجعلني أشعر بالتيه فأنا لا أعرف ما وارءه، بينما على شاطئ المتوسط في الإسكندرية أشعر بالثقة في نفسي، فتحت قدميَّ تاريخ من العظماء. حروب وقصص حب وقتل حقًا، لكنه تاريخ عظيم. تحت قدميّ كليوباترا وانطونيوس، والإسكندر، والقيصر، وقصص ملأت الدنيا، فنزول الماء جلسات معهم.
وحدث أني لم أنزل إلى الماء رغم وجود شواطئ مغرية بما فيها من جَمَال وبشر. تركت ذلك لولديّ الشابين الصغيرين وقتها الذين صحبتهما معي.
وفي يوم، قررت العودة إلى الصيد الذي عشقته في الإسكندرية، فاشتريت ثلاث ماكينات صيد وثلاث بوصات وجهزتها لنصطاد. خرجنا إلى الشاطئ فوجدنا الماء في حالة جزر وقد تراجع أمتارًا كبيرة، وليس أمامنا إلا الرمال. ضحكتُ وقلت لنفسي سمعنى المحيط فغضب مني، وقلت لابنيَّ اتركا الصنارة على الرمل ونجلس كأننا نصطاد. صار الفرنسيون العابرون علينا ينظرون إلينا مندهشين ضاحكين. لقد رأوا ثلاثة مجانين.
***
لا توجد طفولة في الإسكندرية بعيدة عن البحر. حين كانت المنطقة الشرقية في الإسكندرية ليس بها إلا كبائن خشبية للمصطافين -سيدي بشر والعصافرة والمندرة- كانت الأرض خلفها رمالًا، نادرًا ما تجد فيها محلًا أو بيتًا، وكانت شواطئ مثل ستانلي أو ميامي قبلها تعني ذهابًا إليها، لأن أهل الإسكندرية في وسطها وغربها أكثر. كان أبعد الأحياء جنوبًا عن البحر مثل كرموز أو غيط العنب، يعني 20 دقيقة في الترام أو الأوتوبيس لتصل إلى محطة الرمل أو المنشية، فينفتح الأفق أمامك بالبحر. كانت الشواطئ مفتوحة لا تكلفك إلا الذهاب. ومن ثم كان يوم البحر حفلًا موسيقيًا نعود منه بالذكريات الحلوة عما رأيناه من جَمَال. بدءًا من النساء والبنات، إلى الطعام الذي أكلناه، والألعاب التي لعبناها مثل الراكت فوق الرمال، وحتى المرأة المسكينة دائمًا التي تبحث عن طفلها الذي تاه منها. أما حين ينقذ عمال الإنقاذ أحدًا كان يغرق، فكنا نتجمع حولهم صامتين بعد أن يخرجوه ويحاولون إعادة التنفس إليه، لكن مدركين أنه سيتنفس، فتتسع شفاهنا بالفرح حين يحدث ذلك.
كنت مثل غيري مع أصحابي الصبية نترك حينا، كرموز، ونتجه إلى شاطئ الأنفوشي. الشاطئ الأكثر شعبية، وكأننا كنّا نعرف -ولم نكن نعرف ونحن صغار- أن الإسكندر الأكبر بنى الإسكندرية حين أوصل ما بين الجزيرتين القديمتين راكودا -كرموز فيما بعد- وفاروس التي هي الأنفوشي.
عرفنا أن كثيرًا من الشواطئ الأخرى أجمل، فأخذنا طريقنا إلى شاطئ الشاطبي، وهناك غرقتُ تحت الكازينو القديم وأنقذني عمال الإنقاذ. كان يومًا عجيبًا عرفت فيه أني ناجح في الشهادة الإعدادية، فذهبت مع أصحابي احتفل. كازينو الشاطبي القديم كان مرفوعًا على أعمدة خرسانية فوق الماء بعيدًا قليلًا عن الشاطئ. أخذني الفضول أن أسبح بين الأعمدة. لا أذكر هل كان الموج سببًا في غرقي أم غيره، لكن لم أنس وجه مَن حاول إنقاذي وأنا تحت الماء. كنت أرى وجهه مثل وجه شيطان رغم أن عينيَّ مغلقتان. لم ينه الرؤية غير حملي فاقد الوعي إلى غرفة الإسعاف على الشاطئ، ومنها خرجت سليمًا فلم أنزل الماء بقية اليوم. كان ذلك في صيف عام 1961، ومن يومها إذا نزلت البحر لا أبتعد كثيرًا عن الشاطئ. أصابني رهاب الغرق، لكن لم أتوقف عن الذهاب.
نروح الشاطبي؟ لا ستانلي فيه بنات أحلى.
نذهب إلى ستانلي فنجد كبائن جميلة أمامها بشر آخرين، فنعرف أن في الدنيا للناس مقامات.
لم أغامر بالذهاب إلى الشواطئ البعيدة في الشرق مثل العصافرة وسيدي بشر والمندرة إلا متأخرًا، بعد أن صرت أعيش في القاهرة، وصار لي شقة في العصافرة ذلك الوقت. كانت هذه الأماكن المملوءة بالرمال قديمًا، قد مُسخت بالبناء منذ أواخر السبعينيات، وامتد البناء أيضًا إلى جنوب السكة الحديد. هذه الأماكن التي كانت شهرتها بمصطافيها من خارج الإسكندرية في الصيف. أما في الشتاء فلا يذهب إليها إلا مَن معه امرأة أو فتاة، يغامران باللقاء في الأرض الخالية البعيدة عن العمران. لكن هذه الشواطئ أصابها ما أصاب مصر كلها فصارت كل الفتيات محجبات والنساء مثلهن أو منقبات، والرجال ينزلن المياه بالشورتات وانتهى زمن المايوهات. تغيّرت ثقافة المدينة مع المد الوهابي والسلفي. المياه أيضًا مليئة بالنساء بالجلابيب أو البنطلونات والتيشيرتات. لم يكن ارتداء الفتيات للمايوهات مثيرًا للرجال، ربما نظرة واحدة بالصدفة لأنها مرّت أمامه فلا تحرش حتى بنظرة ثانية، وإذا جرى حديث بينهما، فالعيون على الوجوه لا تنزل عنها.. هكذا كان الجميع تقريبًا. لم يكن التحرش إلا في زحام الترام أو الأتوبيسات التي كانت مزدحمة رغم قلة عدد السكان. لكن لو صرخت فتاة أو امرأة فالويل للمتحرش من الركاب. كان ما يثير الضحك هو أن تنزل امرأة إلى الماء بالجلباب. الأمر انعكس تمامًا. لا أنسى يومًا منذ حوالي عشرين سنة، كنت استريح على الصخور جوار سور المنتزه من الخارج، ورأيت عددًا رهيبًا من الرجال والشباب يأتون ناحيتي من بعيد مسرعين. تصورت أنهم يطاردون لصًا، ثم رأيت أمامهما فتاتين ترتديان مايوه بكيني تجريان. اقتربتا مني وانتهى شاطئ المندرة فالمسافة قليلة، فوجدت نفسي أقف أخذهما في ظهري وأتصدى للرجال والشباب، صارخًا ومهددًا بالموبايل في يدي أني سأتصل بالبوليس ولن أتركهم. كانت الفتاتان كما وضح لي أجنبيتين. عاد الرجال والشباب منكسرين وغاضبين. سألت الفتاتين بالانجليزية من أين هما، وعرفت أنهما روسيتان تنزلان في فندق قريب من بيت صديقة مصرية لهما، وأنهما ذهبتا إلى كافتيريا على الشاطئ خلعتا فيها ملابسهما، وقبل أن تنزلا إلى الماء، جرى ما جرى. شرحت لهما أن النزول الآمن لهما يكون في شاطئ المنتزه أو المعمورة أو بيانكي في العجمي، فعلى طول الإسكندرية لا مايوهات، فنحن ولاية تابعة للمملكة العربية السعودية! ابتسمتا، ومشيتُ معهما أنظر حولي حتى الكافتيريا التي خلعتا فيها ملابسهما فارتدتاها، وخرجت معهما إلى الشارع أوقفت لهما تاكسي تركباه. حولي من بعيد شباب يحاول أن يقترب ليلمسهما وكلما نظرت حولي توقفوا. تغيّرت أحوال البلاد.
***
يأخذني هذا التغيّر إلى طريق الكورنيش نفسه. مثل أي سكندري، فالإسكندرية تعني لي الشتاء وليس الصيف. هل في الشتاء نبتعد عن البحر؟ على العكس يبدو البحر هدفًا أجمل، ففيه نصطاد السمك في الصباح الباكر، أو حتى بالليل وسط الظلام ونور النجوم في السماء. لكني كنت أحب الصيد في الخريف أكثر، حيث أقف في أي مكان أرى قوس القزح أمامي من المنتزه إلى الأنفوشي.. أي يحضن المدينة كلها. كان الشتاء يعني لي الخروج من البيت إلى الشاطئ كثيرًا في المساء. الإسكندرية في الصيف تكون عالية الرطوبة ممتلئة بالزائرين. وفي الشتاء كانت لنا. صارت في الشتاء لأهلها الآن أيضًا، لكن الزحام شديد.
حتى نهاية السبعينيات، حين بدأت الهجرة الكبرى من الريف إلى المدينة، كان الشاطئ حافلًا بالملاهي الليلية وقاعات الموسيقى، من محطة الرمل إلي ميامي تقريبًا، وكانت هوايتي أن أترك البيت بعد المطر، وأذهب إلى محطة الرمل أمشي على الرصيف الأيمن، على يميني العمارات القديمة شبه الخالية من السكان، وعلى يساري البحر أسمع الموج وأشم رائحة اليود تصل إليّ. أمرُّ بيدي طوال الطريق على جدران العمارات أشعر ببرودتها، فتملأ روحي بالحركة والاتساع. ومن الملهى الليلي إلى الآخر أرى نساءً ورجالًا يقفون أمامه يدعونني للدخول رغم صغر سني، لكن طولي وجسدي كان يشي بالعكس. ابتسم، واستمر أمشي وأرى التاكسيات والسيارات القليلة ينزل منها رجال ونساء يدخلون إلى الملاهي.
لم يكن صوت الموج فقط هو ما أسمعه، لكن الموج نفسه كان يتجاوز سور الكورنيش حين يصطدم به، ويرتفع ويعبر الشارع فتشعر أنه سيصل إليك وتبتسم، لكنه ينتهي قبل الرصيف الذي أمشي عليه، وتلتهمه البلاعات التي تنتظره فى شغف كما تنتظر المطر. في ثوان، تصفو أرض الشارع وترى دائمًا الأسفلت القديم. طبعًا لن أحكي ماذا جرى للبلاعات وكيف كانت قديمًا نوعان؛ نوع للمطر ومياه البحر، ونوع للصرف الصحي، وكيف جمعوا بينها في الثمانينيات في طريق واحد لا أدري لماذا، فلم تعد تتتسع لشيء، وصارت تقذف ما فيها ويمتليء الشارع بالمياه. الحكايات عما جرى مؤلمة تحدثتُ عنها كثيرًا في روايات ومقالات، ويكفي أن أقول إنه تم التخلص من كل الملاهي الليلية، لتصبح كافتريات لا تقدم المشروبات الكحولية، أو صالات أفراح، أو عمارات عالية تحجب عن المدينة الهواء. يهمني البحر الذي لم أبتعد عنه حتى في الشتاء، بل لعلني فى الشتاء كنت أحبه أكثر. ليس أجمل من رؤية قوس القزح في الخريف فوق المياه، ولا أجمل من رؤية طيور النورس وأنت جالس على شاطئ المكس وهي تحلق عاليًا، وتهبط تلتقط الأسماك من بين الماء، وتصعد. طبعًا الآن حُجب الشاطئ من الشاطبي حتى المنتزه فلا ترى بحرًا، ولا تسمع موجًا. مدينة بها حوالي ست ملايين نسمة حُرموا من البحر. لم يبق من بحر الإسكندرية تراه بعينيك غير الميناء الشرقية التي تمتد من السلسلة إلى الأنفوشي، ترى بها بواخر الصيد الصغيرة التي تنطلق إلى البحر في النهار، وتحتها آثار غارقة من العصور القديمة، وأتمنى ألا يصلوا إليها ويبنون فوقها، فيضيع البحر عن المدينة القديمة بعد أن ضاع عن المدينة الأحدث التي شغلت المناطق الرملية قبل المنتزه.
طبعًا لم أنس بعد أن صرت أستطيع دفع تذكرة الملهي الليلي أن أدخل بعضها. كانت الفرق الموسيقية من العالم تأتي إلى بعضها مثل «أتينيوس» أو «كازينو الشاطبي» أو «الاجلون» أو غيرها، ومَن يريد أن يعرف فليعد إلى صحافة الأربعينيات والخمسينيات ليقرأ إعلانات الفنون. كازينو الشاطبي بالذات كانت به جلسة الأحباء بالنهار، ونحن طلاب في كلية الآداب القريبة، البحر حولنا لا ينتهي يحملنا إلى جنة بعيدة فيزداد حلمنا. كم من المرات مشيت في الشتاء أمر على الملاهي وأضع كفي على الجدران؟ آلاف المرات، لم يكن الشتاء شتاءً إلا بالخروج إلى الشاطئ ورؤية البحر بالنهار أو بالليل. وفي الليل والنهار تتسع الأحلام.
***
ليس لسكندري مهما ابتعد عن غربها أن يهمل الذهاب إلى شاطئ العجمي. كنت انتقلت إلى القاهرة في السبعينيات فصار ذهابي إلى الإسكندرية يعني، إلي جوار شواطئ سيدي بشر والعصافرة حيث كانت لنا شقة هناك، شاطئ العجمي. البيطاش وجواره بيانكي الذي رغم أنه لأصحاب الفلل أو سكان بيانكي، كان مفتوحًا لا يفصله عن البيطاش غير حبل ممتد ذلك الوقت. لكى تدخل إلى شاطئ بيانكي لا بد أن تدخل من بين الفلل والسكان، لكن ذلك الوقت كان يمكن أن تدخله من المياه، وطبعًا لن تجلس فيه. يمكن أن تمشي فترى فنانين وفنانات، وتضحك مثلنا حين تشاهد ونساء وفتيات ينمن على الرمال على بطونهن وقد فككن عقدة سوتيان البكيني من الخلف، لتصل الشمس إلى الخيط الرفيع من ظهرهن فيكتسب سمارًا مثل بقية الجسد، «حتى الخيط الرفيع مش سايبينه.. بيعرضوه للشمس» كان بعضنا يقول ونضحك. لكن العجمي كان ولا يزال شاطئًا غير آمن، فكان يعاودني فيه رهاب الماء فلا أتقدم في المياه كثيرًا. يُقال إن الشيخ العجمي أو محمد عجمي البيطاش، المغربي الأصل والذي يُنسب المكان إليه، كان لا يحب أن تنزل الماء النساء لذلك يغرقن. لكني دائمًا ما رأيت أكثر الغرقى من الأولاد والرجال. غلبته النساء!
لم تكن الدنيا كما هي الآن. كان الأتوبيس مثلًا يخرج من محطة الرمل إلى العجمي كل ساعة كأنه قطار سفر. على طول الساحل الشمالي، وخاصة بعد الدخيلة وشاطئها الصغير أشجار التين والنخيل. بين الساحل الشمالي وشاطئ العجمي تمتد أشجار التين على الجهتين، حتى أنك إذا نزلت إليها وأخذت قليلًا من التين، لا يأخذ منك صاحب الأرض أو حارسها البدوي أي نقود، بل يهديه لك. وكما حدث في الإسكندرية حدث في العجمي. بيعت الأراضي شيئًا فشيئًا وامتلأت بالفلل، ثم بيعت الفلل وهُدمت لتُبنى مكانها العمارات. غلبت العشوائية التي جعلت الشارع الذي لا يزيد عن ستة أمتار ترتفع فيه عمارات لعشرة أدوار. أما الطريق إلى البيطاش نفسه فصار ممتلئًا بالمحلات والمطاعم، وطبعًا السيارات. لم أعد أذهب لا إلى البيطاش أو بيانكي. صرت أذهب إلي سيدي كرير حيث الخلاء أكثر، لكن للأسف لم يعد هناك خلاء. اكتفيت من سنوات ذهابي الطويلة إلى العجمي بما كتبته في رواية مثل «أداجيو». كل الشواطئ المفتوحة صارت أحلامًا ضائعة، ودخولها بثمن، والجلوس عليها بثمن. لم أختبر من القرى السياحية أي قرية رغم أن لي معارف في بعضها. لا أحب أن أكون ضيفًا في الساحل على أحد، ليس لدي سبب واضح لذلك إلا هكذا خلقني الله. القرية الوحيدة التي جربتها كانت «جرين بيتش» منذ سنوات. كانت نقابة السينمائيين تستأجر بعض شققها للأعضاء. ومارست عادتي، ومشيت على الشاطئ فوجدت شخصًا يناديني «أنت يا اللي ماشي» لم أهتم طبعًا، وتصورت أنه ينادي غيري، فكرر النداء. سألته لماذا يناديني بهذا العنف، فقال إنني جئت من قرية أخري وشواطئ هذه القرية لسكانها فقط. كدنا نشتبك وتركته لأستمر في طريقي. أدركت كيف وصلت ثقافة مَن بَنى هذه القرى إلى ساكنيها، بينما الشواطئ والهواء ملك للناس جميعًا. تذكرت تاريخ الساحل الذي كان في العصور القديمة ساحل الغلال ومصدر غذاء العالم، ولم يعد حتي مصدر غذاء للمصريين. لفتت نظري منذ أسابيع صورة على السوشال ميديا لمجموعة قليلة من الناس الفقراء تنظر من فوق سور قرية مارينا إلى ما بداخلها. إنهم لا يعرفون أنه حتى مارينا لم تعد كما كانت وهجرها الكثيرون إلي غيرها، لكني تذكرت سكان ألمانيا الشرقية ينظرون من فوق السور العازل لها على ألمانيا الغربية، حتى جاء اليوم الذي قفزوا فيه من فوق السور وحطموه.
هل انتهت علاقتي بالشاطئ والبحر؟ أجل. تقريبًا لا أغادر البيت بالقاهرة في الصيف، ونسيت الإسكندرية والساحل. أذهب في الشتاء وأعود لعادتي القديمة وهي المشي على الكورنيش وسط البرد، رغم أن المسافة التي يمكن أن أري فيها الشاطئ محددة من محطة الرمل إلى الأنفوشي، وصارت تغنيني في هذا العُمر عن النزول إلى الماء، أستعيد بها ذكريات كتبتها، وأسعد بالإطلال علي سفن الصيد المركونة في الماء، يرقص بها الموج خالية، صاعدة هابطة في مكانها، تذكرني أنه لا يزال في الدنيا هواء وماء، بعد أن تم حجب بقية الشاطئ عن المدينة.
#وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن