كورتيزول
#263| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
تكتب بسنت أحمد، من موقعها كشريكة في الجريمة، عن أثر التوتر ودفقات الكورتيزول على القلب والتصرفات، فنرى كيف تؤدي دفقة هرمونية إلى ما لا يُحمد عقباه.
#دليل #قراءة
يعيدني مشهد سائق التوكتوك وهو معلق بين الحياة والموت إلى مأساتي الخاصة، فوران دماغي بينما يفور الدم من فمه، الضوضاء حولنا، الكلاكسات الزاعقة في انتظار حل الأزمة التي خلقتُها بنفسي، تضغط مباشرة على وتري الحساس، وعندما بدأت تخفت في أذني، عرفت حينها أني فقدت السيطرة على جسدي من جديد. يعود الغضب.. يعود.
لم تكن مجرد دخلة شيطان على الطريق العام، انتهت بسقوط الطرف الأضعف أرضًا وحسب، بل إعلانًا عن انتصار الغضب في معركتنا التي لم تبدأ داخل التوكتوك ذلك اليوم، بل تمتد عبر تاريخ من المعاناة مع شبحي الأثير، نوبات الغضب، يبدو الأمر في البداية أنني مجرد فتاة غاضبة، أتنحنح لأصلح سنوات الصمت، ما إن يبدأ صوتي في الخروج حتى تتشكل كلماتي بوضوح، تشبه السكاكين، خالية من أي تردد، التردد الذي يخلق مساحات تسع الآخرين، تعودت أن أبني دروعًا من الكلمات، في النهاية أُجرح، ينزف الآخر وينسحب بهدوء، ليتركني أتعامل مع خوفي ونشوة النصر التي تتركني متعبة، ولعنة الذنب التي تلازمني كعضو أسود بجسدي، كل انفجارة تخلف خلية، قطعة زائدة تتنقل بأنحاء جسمي مثل كالو، يصيبني بالتقزز.
تبهرني قدرتي الجسدية في نوبات الغضب.. أحاول تذكر متى بالتحديد كتمت أول بذرة غضب بأحشائي، أعود كثيرًا للماضي، لا شيء، مجرد مشاهد متقطعة، مُضاءة بمصباح نيون أحمر، لون الغضب.
***
في صباح الحادث المشؤوم قرأتُ عن فتاة، في مثل عمري أشعل الغضب شعرها باللون الأحمر، تتحدث عن نوبات غضبها غير المُحتملة، لكنها تترول عن الأمر، حين تقول إن جينات أبيها تصرخ بداخلها، تصبح يومًا تلو الآخر تجسيدًا لأبيها الغاضب، أفكر في أبي، فهو لا يغضب، لا يحمل تلك الصفة المنسوبة للرجولة، بل هادئ بشكل مخيف، مع هذا ماذا لو أن سكون أبي هو بالتحديد سبب نوبات غضبي، بدأ الأمر بتوسل دائم لأن يتحرك.
نضجت تدريجيًا وكل ما حولي شارك في تغذية غضبي، لكن جسدي الضئيل لم يكن يحتمل، تضرر قلبي سريعًا، أصبحت نوبات الغضب مصاحبة لآلام في الصدر، مع شعور بالاختناق، كان عليّ التوقف، لم أربط في البداية ما يحدث لجسدي بالغضب، لكن مع اتباع نصائح طبيب القلب، وقياس الضغط بشكل روتيني، اكتشفنا في ليلة حزينة إصابتي بالضغط العالي، أكملت أمي الحلقة المفقودة في الخريطة الذهنية لطبيبي، وأخبرته عن غضبي المستفحل، النار التي تأكل بيتنا، أعطاني دواءً، وهددني إن لم أكبح زمام نفسي، سيضطر -آسفًا- أن يعطيني مهدئات، الفكرة رعبت أمي، «البنات اللي على وش جواز متاخدش مُهدئات»، صار إلزاميًا عليّ تعلّم الـ meditation، غصتُ في اليوجا، أتمدد على سجادة كُحلية عند التاسعة صباحًا، وعندما تنبسط عضلاتي أرتعب، أشعر أنني غادرت، وكأن كل هذا التوتر والجاهزية لأثور هما الرابط الوحيد بيني وبين الوجود، كأني أحمل روحي بمشقة، وإن ارتخيت ستسقط، وربما تنكسر، وربما أموت.
لم تنجح اليوجا، فيكفيني الخروج من البيت لتنهار ساعات طويلة من السرحان، حتى اكتشفت في ذلك اليوم أن الميديتيشن لا يفيد.
***
ضوضاء مرعبة، أبواق متداخلة ومتقاطعة مع كلاكس التوكتوك الضعيف الذي اخترته اليوم لينقلني إلى العمل، مسرسع يشبه شتيمة لفتى مراهق، يرد عليه بوق طــويــــل وحاد كامرأة غاضبة يصدر من عربية نقل شيفورليه، مَن يراها لا يصدق أبدًا أنها قادرة على عبور هذا المفترق الضيق دون أن تنقلب وتفطس التوكتوك أسفلها، يشاهد تلك المواجهة غير المتكافئة عشرات السيارات مختلفة الألوان والأحجام، من الكيا السبورتاج للهيونداي الشهيرة، وبينها فيات خضراء؛ سيارتي المفضلة كأنها من الخمسينات أو شيء من هذا القبيل، صوتها رزين يشبه صوت صالح سليم، تستغفر لا تزعق، تقول بهدوء: مش معقول كده يا جماعة، ورانا أشغال، أستطيع ترجمتها هكذا من مكاني في التوكتوك المتسبب في تلك المصيبة، مارشدير غير متكافئ بالمرة، الطريق الضيق لن يسعنا معًا، إما عربية النقل تكمل في طريقها وتفعصنا أو يرضخ عقل سائق التوكتوك ويعود بظهره الى الخلف. وأنا في الوسط أحدق بمصيري المرعب، العربية النقل تبدو عن قرب ضخمة، ننظر نحوها من مكاننا كمَن ينظر إلى كائن أسطوري على وشك أن يأكله، ولكني حاولت تهدأته صلي عالنبي يسطا، ارجع إنت، خليك الكبير (هو ليس الكبير بالطبع) ولكنه أصر أن يمر من هنا، يخرق النقل طولًا ويعبر، فحسب وجهة نظره -المحترمة طبعًا- فإن النقل غير مسموح له بالسير في هذه الساعة من الظهيرة، ولا عبر تلك الطرق الصغيرة أيضًا على كل حال.
احتد النقاش، كلاكس التوكتوك غير المسموع أمام سرينة النقل المرعب، لكن الرعب حصل عندما قرر السائق الترجل من عليائه، والنزول حتى يحل مشكلته مع سائق التوكتوك وجهًا لوجه.
خفتُ على سائقي، كأنه فجأة أصبح يهمني، لا أعلم لماذا قلقت حقًا، لم نكن عِشرة، بل تجمعنا خمس دقائق منذ بداية المشوار، ولكن القدر جمعنا، صرنا بالنتيجة في صف واحد أمام عدو لم نختره، أو لأنه فقط شاب صغير طائش، يبدو على كتفيه المقوسين، أنه يحمل ما لا يطيق، بينما يسوق التوكتوك لساعات.
لم يتردد عندما لمح سائق النقل أبو كرش يفتح باب سيارته، حتى نزل من التوكتوك وهو يسبه بأمه، هنا توقف الزمان.
عندما تنطلق تلك السبة بالتحديد، حين يتم استدعاء أكثر عضو خصوصية عند أم الخصم، يحدث upgrade مباشر نحو المرحلة التالية من العراك، ينسحب الشيطان بحركة سينمائية ليترك الميدان خاليًا للعيون التي تطلق شررًا إنسانيًا لا يغلبه أي شر.
أعرف تلك الاندفاعة، محملة بالأدرينالين، الدم تفجر من عروقه ودماغه خرج عن السيطرة، أسمع ضربات قلبه من مكاني، ليس خوفًا، بل اندفاعًا محملًا بكل الكراهية التي اختزنها، إنه يتذكر الكف التي مخضت قفاه، والإهانات التي يصطبح ويتمسى عليها، كرش سائق النقل استفزه، يذكره بكرش أبيه.
«يا قاتل يا مقتول»، وأصوات أخرى من دائرة مركزها الطرفين المتلاحمَين، نصيحة بصوت أنثوي بالترجل من التوكتوك والابتعاد عن ساحة المعركة تمامًا، لكني رفضت بيع شريكي في الميدان، شعور ما بالذنب أعرفه يتفتح داخلي، فأنا السبب في مصير هذا الفتى المسكين، دللته على هذا المسار الضيق هربًا من الزحام الذي يلتف حول بلدتي، مستغلة قدرة التوكتوك حتى أصل في موعدي، لن أترك التوكتوك مهما حصل، يكفيني أن ينظر خلفه مدفوعًا بلكمة قوية فيراني هناك ملتزمة بعهد لم نقطعه، لن أبيعك يا صديقي مهما حصل.
صار ينتفض، أعرف تلك الرعشة هي قمة نوبة الغضب، أسمع ضربات قلبي من مقعدي في التوكتوك، ليس خوفًا، بل اندماجًا بالمشهد، أنا أصيلة في نوبات الغضب لدرجة أنها تعديني بسهولة، وجهه الأحمر يصب حرارة، وسائق النقل أمامه بهدوء الخبير يخترق حدود جسده بكرشه، يقترب منه وبيد غير متوقعة يصفعه صفعة غير متكافئة تتفجر على إثرها شعيرات دموية تعاني في الحفاظ على السائل الأحمر داخلها، عروقه النافرة تعده بقوة لا يعلم عن وجودها شيئًا، يحتاج أعوامًا ليكتشفها، ويروضها، عيناي ترمشان من الألم، شيء ما يربطني بصاحب التوكتوك المسكين، لوهلة كنته، أصبحنا بمعجزة إلهية جسدًا واحدًا، أشعر تمامًا بما يشعر به، بألمه، بغضبه.
يسبه، يقفز بوجهه لأنه رجل كبير ومش عاوز يمد إيده عليه. قلبه، قلبي، انكمشت على نفسي تمامًا، عضلاتي جاهزة لحمل التوكتوك والمغادرة بسلام، نسيت في لحظة وصايا الطبيب العشر، زارتني فكرة عابرة أنني إن نجوت سأحتاج للمهدئات وأخذل أمي، أفرزت الغدة الكظرية ما لا ينتهي من هرمون الكورتيزول، لم يتحمله قلبي المريض الذي قرر أن يوقف تلك المهزلة بأن ينسحب تمامًا، ألم في كتفي الأيسر، تبعته نغزات غير محتملة بصدري، وقعتُ، وقع، كنا معًا بسيارة الإسعاف.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن