كود التدوين المخفي
#141 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
في هذا الديتوكس تقدم هبة أنيس دليلًا، إذا التزمنا به يمكننا العيش في مساحة افتراضية آمنة، وما أحوجنا لذلك، نتمنى للجميع النجاة من المهالك.
#دليل
كلما جلست أمام شاشة اللابتوب، تبدأ أصابعي كتابة منشور تضامني مع معتقل، ثم أعود للوراء ليستقر كتفي على المقعد، متذكرة السيدة الخمسينية التي قابلتها في إحدى طوابير الانتظار أمام سجن طرة، لا أعرف اسمها، بل كل ما أعرفه عنها أن نجلها يقبع وراء هذا السور الكبير الذي كان يضم حينها زوجي، لأنه كتب بوستًا على فيسبوك، فتعود أصابعي للبحث عن منشور آخر، ربما حول تربية الأطفال، أو كيفية إنقاص الوزن.
على مدار ثلاث سنوات وسبعة أشهر، أثناء زياراتي لزوجي، طبيب الأسنان وليد شوقي، التقيت أسر سجناء عدة، منهم المعروفين والمجهولين، ومع ساعات الانتظار لبدء الزيارة، كنّا نتبادل الأحاديث، ليأتي السؤال الأول دائمًا «جوزك/ ابنك.. جاي في إيه؟» ليتبعه الرد: «كان بيكتب على فيسبوك»، ليس بالضرورة أن يحمل ما يكتبه الشخص طابعًا سياسيًا، ولكن هناك من حُبس لانتقاده الإجراءات الاحترازية في فترة كورونا، أو نشر فيديوهات للرقص عبر الفضاء الإلكتروني مثلًا.
في الماضي، كان الإنترنت فضاءً واسعًا يمكنك من خلاله التعبير، إما بمنشور عن معتقل قريب أو حملات تدوين عن معتقلين لا تعرفهم، أو حشد فاعليات إلكترونية، لتتحول تلك الفعاليات لخطر يهدد صاحبها، ويقوده لدائرة معروفة بدايتها، ولكن لا نعرف نهايتها؛ اختفاء لأيام أو شهور، ثم ظهور في فلك دائرة من الجدران الحديدية، لا يعرف صاحبها نهايتها لمجرد كتابته على فيسبوك، أو حتى لأنه أعاد مشاركة تدوينات كنّا نراها في الماضي مادة للسخرية عبر الفضاء الإلكتروني الواسع، كمنشورات «الخونة والعملاء» لتتحول تلك المادة التي كانت ساخرة إلى اتهام مدون في ورق قضية.
أثناء حبس زوجي كنت أدوّن عنه، متجاهلة التحذيرات التي كانت تأتيني من الأسرة والزملاء، ولأن النار مبتحرقش إلا اللي ماسكها تابعت التدوين، مع الحرص على تدوينات إنسانية كما نصح بعض الزملاء، دون انتقاد للنظام، لأن هذه المنشورات يُحتمل أن تعرض مَن بالداخل لمضايقات، هكذا قال لي المقربون، وكأن هناك مَن يأتي كل يوم ويتفحص حساباتنا الشخصية، لينظر عما دوّننا اليوم، أو حتى ماذا أعدنا مشاركته.
لا أعلم مَن الذي يقوم بمراقبة حسابي، ولكني صرت اطهّر مساحتي الخاصة، مُفلترةً قائمة الأصدقاء، محددة من يمكنه رؤية المنشورات، أو مَن يُفضل حذفه.
ومع انتهاء الكابوس وخروج زوجي لا أجرؤ على الكتابة تضامنًا مع آخرين، بل أخذلهم كما خُذلت قبلهم، حين كنت أنتظر من مقربين بوستًا داعمًا أثناء حبس زوجي.
أفكر جيدًا قبل نشر أو إعادة مشاركة أي محتوى، هل سيغضب أحدهم؟ ولكن مَن أحدهم؟
لا أعلم، أتخيل شخصًا يرتدى نظارة سوداء يراقب الفضاء الإلكتروني، ليرفع تقريره عنا وفق كتاباتنا، وأرى نفسي بعيني الخيال محبوسة انتظر زيارة من أسرتي وهي تتجاذب أطراف الحديث مع أسر أخرى عن سبب حبسي، «بوست فيسبوك»، فأعود للوراء على مقعدي ناظرة لطفلتي التي أتمت عامها الخامس، وأبحث عن منشور لا خلاف عليه مثل نكتة، أو ترحيب واحتفاء بجهود الدولة في محاولات إخلاء سبيل البعض.
لكن إحساس الخذلان لمَن في الداخل، يدفعني أحيانًا لنشر تدوينة، وبعدها أتلقى رسالة من صديقة مقربة: «امسحي البوست إحنا مَصدقنا خلصنا»، دون تفكير تتجه يدي حاذفة المنشور خوفًا من تكرار تجربة قاسية، ربما يكون هذا المنشور طوق نجاة لمَن بالداخل عندما يستمر الحديث عنه، لكنني غير قادرة على حمل هذا الطوق، بل خائفة من حمله.
أصبحت أخشى الحديث قرب الهاتف المحمول، لأن الميكرفونات -كما يردد البعض- تسجل الأحاديث، وهو الأمر الذي يظهر عند الحديث عن شراء منتج أو البحث عن علامة تجارية لتجد إعلاناتها تحاصرك، فأنت لست وحدك، وهذا الفضاء ليس ملكك، فكل ما تفكر فيه، أو تسعى إليه يشاركك فيه غيرك، ليتخطى الأمر حاجز التعبير عن الرأي أو حتى التضامن الرمزي، لنحاصر بالخوف من الحديث، والبحث عن تطبيقات أكثر أمانًا تساعدنا على الحديث بحرية، لأن تطبيقاتنا مراقبة، مثلها مثل منشوراتنا وأفكارنا.
ومن الخوف من دخول السجن بسبب بوست، أو الخوف من المراقبة من مجهول، أصبح تطهير الحساب الشخصي أمرًا متكررًا، مثل تطهيره من منشورات تتحدث بسخرية عن حقوق النساء، أو الترحيب بسجن المعارضين، فتتجه أصابعي بشكل لا إرادي لحذف صاحب المنشور، وكأنني أبحث عن مساحة آمنة، مع استمرار فلترة مَن بداخلها.
في النهاية، وضع لنا مَن يراقبونا كودًا غير معلن نسير عليه، سواء نحن من بالخارج، أو من كان داخل السجن ونجا من التجربة، فالقليل منهم مَن يعاود نشاطه بالكتابة أو التدوين، ليس بسبب تعليمات صادرة له، ولكن بسبب الخوف من التجربة مجددًا، ليصبح الكود معممًا على الجميع، وأبسط أساليب الدعم مع الآخرين أصبحت نقطة خطر لا يقترب منها إلا الشجاع، القادر على دفع تكلفتها عند حدوثها، أما أنا فلست شجاعة واعترف، لكني وصلت لطريقة مجربة، ويُمكن لغيري استعارتها، إن كان يعاني من مزيج الخوف والخذلان مثلي:
تجاهل من وما يؤذيك من منشورات وأشخاص، طهر مساحتك التي من المفترض أن تكون خاصة، ثم أكتب ما تريد، تضامن مع مَن تحب، أرو له حكايات جمعتكما أو تحلم بتحقيقها معه، طالب بحريته وحقوقه، سيريحك ذلك قليلًا، وستشعر أنك أزحت جزءًا من هموم قلبك المُثقِلة، ولكن قبل الضغط على نشر، اجعل المنشور only me، حتى لا يستطيع أحد الذين لا نعرفهم مراقبة المنشور أو توظيفه ضدك، أعلم أنه لن يصل لصاحبه، ولكنها محاولة وسط مساحة كبيرة من الخوف، نسعى خلالها للتغلب على جزء، ولو صغير، من الانكسارات والهزائم التي أصبحت تتحكم في تصرفاتنا، وفضائنا غير الخاص.
و#سلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن