كواليس «الشَقا المضاعف»: عن تعويم «إيفر جيفن» وما بعده
أعلن رئيس هيئة قناة السويس، أسامة ربيع، أمس، عن صرف مكافآت لنحو 800 من العاملين بالقناة، الذين شاركوا في تعويم السفينة البنمية «إيفر جيفن»، وهي العملية التي استغرقت أسبوعًا، وحظيت بمتابعة لافتة محليًا وعالميًا، في ما كان المشاركون فيها يواجهون اختبارًا هو اﻷكبر من نوعه بالنسبة لهم، حسبما يقول مصدر ملاحي من القناة تحدث مع «مدى مصر» عن تفاصيل «أسبوع اﻷزمة».
المصدر، الذي طلب عدم ذِكر اسمه، أوضح أن الحادث كان الأول بهذا الحجم الذي تواجهه الهيئة، ويقول: «أول مرة في التاريخ مركب تشحط بالحجم ده، حمولة المركب كبيرة، وشحطت من قُدام ومن ورا، والغاطس كبير، مقدمة السفينة غطست 11 متر في التربة في الضفة الشرقية للقنال، والدفة في مؤخرة المركب شحطت في الضفة الغربية».
ويضيف: «بيحصل شحوط وجنوح طبعًا، بس مش بنفس الحجم، معظم الأوقات بيحصل في التفريعة القديمة أو الجديدة، وبياخدله ساعة ولا اتنين، وحتى لو اتقفلت، فالتانية بتبقى شغالة، وإحنا بنتعامل معاها بسرعة رهيبة، والقاطرات بتلحقها بدري. فالهيئة متعودة وعندها الإمكانات والخبرة، لكن حجم الأزمة والمركب والطريقة اللي جنحت بيها هو اللي كان كبير».

تعد «إيفر جيفن»، المبنية في 2018، من أكبر سفن الشحن في العالم، بطول يصل إلى 400 متر، وعرض 59 مترًا، ويصل وزنها وهي فارغة إلى نحو 200 ألف طن، وهي تتسع لنحو 20 ألف حاوية، وقد «شحطت بعد محطة الشلوفة البحرية قُرب السويس»، بحسب المصدر الملاحي، الذي يقول إن تلك المنطقة هي الأضيق في القناة، بعرض 250 مترًا، تمتد لحوالي 30 كيلومترًا، بدءًا من مدخل القناة وحتى كبريت (محافظة السويس).
منذ جنوح السفينة، أو شحوطها، في الثامنة والنصف من صباح الثلاثاء، 23 مارس الماضي، كان أمام العاملين في القناة بديلين، بحسب المصدر: «البديل الأول إننا نعمل خلخلة، يعني نهزّ المركب يمين وشمال عشان نحركها، وده مع شغل التكريك (إزاحة التربة)».
كانت الخطة هي «لف السفينة عكس عقارب الساعة»، بأن يتمّ تكريك مقدمتها مع السحب من الأمام والدفع من الخلف، وبالتوازي تكريك الدفة في المؤخرة مع السحب من الخلف والدفع من الأمام، وتنفيذ ذلك أثناء فترة أعلى منسوب للمدّ خلال اليوم، أخذًا في الاعتبار قوة التيار واتجاهه، وهو البديل الذي كان صعبًا، خاصة في اﻷيام اﻷولى، «عشان القاطرات الكبيرة كلها كانت في الشمال، واللي في الجنوب كانت قاطرات صغيرة، كمان المركب شحطت في أعلى مستويات المدّ، لو كانت شحطت مع الجَزر، كانت هتعلى مع المدّ، وخلخلتها هتبقى أسهل».
أما البديل الثاني فكان تخفيف الحمولة، وهو اﻷمر الذي قد يستغرق شهورًا، بحسب المصدر، الذي يوضح أن الهيئة غير مُجهزة بمعدات للتعامل مع حمولات بهذا الحجم. «الأوناش البحرية ما تقدرش تخفف الحمولة دي»، ما جعل الاستمرار في البديل اﻷول هو الخيار المتاح.
يشير المصدر إلى أنه حين بدأت الأزمة، كانت هناك ثلاث سفن تعبر القناة موجودة خلف السفينة الجانحة في الجزء الضيق من القناة والذي يصفه بأنه «مش آمن ومش مُمهد لربط المراكب، وكمان التيار كان عالي، فكان فيه قاطرات بتأمن السفن دي عشان ما تشحطش»، لكن في اليوم التالي بدأت الهيئة في سحب هذه السفن لأماكن انتظار بعيدة عن السفينة الجانحة، واستمر السحب حتى يوم الجمعة الماضي.
بخصوص المعدات التي شاركت في عملية التعويم، يقول المصدر إن الكراكة «العاشر من رمضان» كانت الأولى التي وصلت للموقع، فيما وصلت الكراكة الثانية، الأكبر حجمًا، «مشهور» في اليوم التالي، وكانت الكراكة الأساسية التي قامت بإزاحة التربة حول السفينة تمهيدًا لتحريكها، في الوقت نفسه كانت الحفارات تعمل في الضفة نفسها لإزاحة التربة.
شحنت هيئة القناة كل طاقتها لحل الأزمة، وبخلاف سفن التكريك، كان هناك عدد كبير من القاطرات التي انضمّت لها قاطرات أخرى مدنية وخاصة من مُدن القناة، ثم قاطرتان أجنبيتان، وقاطرة من القوات البحرية، بحسب المصدر.
في أول أيام الجنوح، الثلاثاء قبل الماضي، شاركت 12 قاطرة في محاولات تحرير السفينة، وهي: «بركة 1» و«مساعد 2» و «مساعد 3» و«سلام 6» و« سلام 7» و«سلام 9» و«أ بهجت» و«مصاحب 2» و«تحيا مصر 1» و«تحيا مصر 2» و«سفيتزر بورسعيد 1» و«سفيتزر بورسعيد 2»، وعلى مدار اﻷيام التالية انضمّ عدد آخر من القاطرات، بإجمالي 22 قاطرة شاركت في العملية طوال أسبوع اﻷزمة.
يوضح المصدر أن الحظ السيئ لعب دورًا في طول عملية تحريك السفينة، بتواجد جميع القاطرات اﻷكبر في قوة الشدّ في الجانب الشمالي من القناة، فيما تواجدت قاطرات أصغر جنوب السفينة، ما شكّل صعوبة في السحب والدفع، من الجهة الجنوبية، وهي الصعوبة التي قلّت بوصول القاطرة الهولندية «ألب جارد»، بقوة 285 طن شد، يوم اﻷحد الماضي، بعد يوم من انضمام القاطرة «مصطفى محمود»، التابعة للقوات البحرية ومن تصميم الهيئة، والقاطرة «عبد الحميد يوسف» -التابعة لـ«قناة السويس»- في أول أيام عملهما على الإطلاق.
«القاطرة الهولندية جَت من الجنوب وحررت الدفة الخلفية، فده سهّل الخلخلة»، يقول المصدر، موضحًا أن القاطرة الهولندية لم تحرر السفينة وحدها، بل كانت إضافة مهمة لجهود السحب والدفع والتكريك التي استمرت لأيام تحت إدارة مصرية على حد قوله.
لم تكن عملية تحرير السفينة بالسهولة التي تبدو عليها حين يشرحها المصدر نظريًا، بل كانت عملًا شاقًا لا يخلو من المخاطر، حسب قوله: «الشدّ له مخاطر؛ زي إن سلك يتقطع يخبط في حد يموته، وفيه حوادث سابقة لده. وممكن حد في لحظة شَدّ أو دفع يقع في البحر، بس كان فيه إجراءات الأمان العادية».
في الساعة الثانية من فجر الإثنين، 29 مارس الماضي، تحرّر الجزء الجنوبي من السفينة، وابتعدت عن الضفة الغربية حوالي 102 مترًا، ولأن التيار كان مُرتفعا بحسب المصدر، تحركت السفينة قليلًا عائدة لوضعها العرضي في المجرى الملاحي، لكنها لم تشحط مُجددًا، واستمر تعديل المسار حتى عصر اليوم التالي.
خلال أسبوع اﻷزمة بدأ المتابعون في التعرّف على أسماء القاطرات والكراكات والسفن التي شاركت في عملية التعويم، في حين كانت هناك مساحة أقل للتعرّف على الأفراد القائمين على إدارة تلك الآلات، والذين لم يكن أسبوع اﻷزمة مختلفًا كثيرًا عمّا اعتادوا عليه في عملهم، ﻷن «الناس في البحر متعودة ع الشَقا، شُغل البحر شديد، لكن ده كان شَقا مضاعف»، بحسب مصدرنا الملاحي.
يقول المصدر: «ما كانش فيه وقت راحة، لازم نطلّع السفينة. شُغل على مدار الساعة. الناس بتقسّم نفسها في الورديات، عشان حد ينامله ساعة ولا اتنين ويقوم يكمّل، لكن فيه ناس ما نامتش خالص. الورديات أصلًا بتكون 3-4 أيام في القاطرات، وفي الكراكات أكتر من كده، ممكن توصل أسبوع، لكن ما بيبقاش الشغل عالحامي كده. كان مجهود وضغط كبير».
وعن حجم ومستوى المشاركة يقول: «لمّا الأزمة حصلت كان فيه فنيين ميكانيكا وكهربا ومهندسين وبحرية وقباطنة. في العادي مثلًا بيكون الطاقم في الوردية الواحدة على القاطرة الصغيرة حوالي 9 أشخاص، و15 شخص في القاطرة الكبيرة، لكن عشان الأزمة حصل استدعاء لفنيين ولحّامين ومهندسين، وكمان كل مديرين الهيئة، ورئيس الهيئة، كلهم كانوا موجودين أيام الأزمة».
في وسط هذا الضغط، كانت طريقة العاملين في تشجيع بعضهم هي إطلاق سرائن القاطرات البحرية، يقول المصدر، مضيفًا أنه عند انتهاء الأزمة كانت هناك «هيصة بقى وكله هنّا بعضه، وكلموا أهاليهم وصحابهم بلغوهم بالخبر، وشغلوا سراين القاطرات احتفالًا». وعن إحساسه الشخصي يقول المصدر: «كنت فرحان وفخور جدًا. إحنا عملناها بإيدينا والحاجة طلعت مننا كمصريين.. المصريين عملوا إنجاز كبير وعالمي، وأنقذوا العالم من مأساة. الواحد حَس قد إيه القنال ده بتاعنا. إحساس بالفخر رهيب».

لم يكن هذا الإنجاز هو نهاية العمل الشاق بالنسبة للعاملين في هيئة قناة السويس، فبعد أسبوع التعويم لا يزال العاملون في الهيئة يبذلون جهدًا في عبور السفن التي علقت في البحيرات المُرة بسبب قطع «إيفر جيفن» المجرى الملاحي الرئيسي.
يقول المصدر: «لسه فيه ضغط عشان المراكب اللي في الانتظار، لكن ضغط المراكب المتأخّرة ده الضغط الخفيف. كده كده الشغل 24 ساعة في اليوم، بس دلوقتي ضغط القوافل أضعاف أضعاف».
ويوضح أن القاطرات البحرية التي حررت السفينة عادت لدورها الطبيعي في تأمين السفن المنتظرة «على طول». في الظروف العادية، تتبادل في المتوسط 50 سفينة المرور في هذا الجزء من المجرى الملاحي، يقول المصدر: «المراكب اللي جاية من بورسعيد بتستنى في البحيرات لغاية ما المراكب اللي جاية من السويس توصل البحيرات، وبعدين يتحركوا».
بلغ عدد السفن العالقة حتى تحرير السفينة الجانحة، 422 سفينة، تواجدت في بحيرة التمساح والبحيرات المُرة ومناطق الانتظار بالقناة، ومع وصول «إيفر جيفن» للبحيرات تمهيدًا لفحصها، استعادت القناة حركة الملاحة، لتمرّ أول 113 سفينة خلال الـ 24 ساعة الأولى بعد تعويم «إيفر جيفن»، تلاها عبور 81 سفينة للقناة، أمس.
بخلاف ما جذبته من اهتمام بالقناة وإشادة بمجهودات العاملين فيها، كشفت أزمة «إيفر جيفن» أيضًا عن حاجة «قناة السويس» لبعض الإجراءات الإضافية، لتعامل أفضل مع مواقف مماثلة، خاصة في ضوء التطور الحادث في أحجام السفن، بحسب وائل قدّور، العضو السابق بمجلس إدارة هيئة القناة.
يقول قدّور إن أسطول قاطرات القناة في حاجة إلى تطوير بما يتلائم مع أحجام السفن الحالية، فضلًا عن ضرورة وضع قواعد إضافية لعبور السفن الضخمة، موضحًا أنه نتيجة التطور في مجال الشحن البحري خلال العقد الأخير، زادت سعة السفن من 11 ألف إلى 24 ألف حاوية في سنوات قليلة، بينما لم يتطور أسطول القاطرات التابع للهيئة بشكل كافٍ لمواكبة تلك الزيادة، بدليل الاستعانة بقاطرة هولندية بقوة شدّ تبلغ 285 طنًا أثناء محاولة تعويم «إيفر جيفن».
ويلفت قدّور إلى إن «قناة السويس» كانت دائمًا تواكب تطور أحجام السفن، ففي التسعينيات -على سبيل المثال- صنّعت الهيئة القاطرتين «عزت عادل» و«بركة» بقوة شدّ تبلغ 160 طنًا لكل منهما، ما جعلهما من أكبر القاطرات على مستوى العالم في ذلك الوقت.
كشف رئيس الهيئة أسامة ربيع، الإثنين الماضي، عن خطة لتوفير قاطرات تصل قوة شدّها إلى 250 و300 طن، من خلال التعاقد مع شركة صينية لبناء قاطرتين في ترسانتها في الصين، وبناء ثلاث قاطرات أخرى في مصر.
بخلاف أحجام القاطرات، يرى قدّور أن هناك ضرورة لمراجعة قواعد المرور في قناة السويس بحيث تتجنب الهيئة عبور السفن الضخمة إذا بلغت سرعة الريح حدًا معينًا، حفاظًا على السفينة وعلى القناة كذلك. على أن تنتظر تلك السفن لحين انخفاض سرعة الرياح مُجددًا إلى الحد الآمن الذي يسمح بالتحكم الكامل في السفينة. ويفسّر قدّور هذا الأمر بأن السفن أصبحت تتوسع في حمل الحاويات بشكل رأسي، مما يجعلها عُرضة للتأثر بالريح بشكل أكبر، وهو ما يجب أن يُؤخذ في الاعتبار أثناء المرور في القناة.
تقارير ذات صلة
مصر ترفض التصورات المقترحة لموطئ قدم أمريكي في البحر الأحمر
تسعى تل أبيب وواشنطن إلى إقامة وجود عسكري دائم للولايات المتحدة في البحر الأحمر
ارتفاع وفيات الأطباء إلى 99 بسبب الفيروس | التحقيق مع المتهم باعتداءات جنسية.. وواقعة تحرش في «فنون جميلة»
قال عضو نقابة إن عدد الأطباء المحبوسين بسبب تعبيرهم عن آرائهم في طريقة إدارة جائحة «كورونا» وصل إلى 7
بحد أقصى 10 آلاف جنيه لليوم.. الحكومة تُسعّر علاج «كورونا» في المستشفيات الخاصة
في دعوى قضائية.. محمد سلطان يحمل «الببلاوي» وآخرين مسؤولية تعرضه لـ«التعذيب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن