تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
كمين المنام

كمين المنام

كتابة: محمد العتر 6 دقيقة قراءة
تصوير: سهير شرارة

#جو عام

حين يفرض النوم سلطانه على المرء، يُرفع الحجاب وتنطلق كل المخاوف والهواجس والوساوس بسلطان اللاوعي، يسقط المرء في كمين نُصب له في المنام، حيث كل الذكريات التي نهرب منها تكون حاضرة. وفي هذا الديتوكس يشاركنا محمد العتر ما بدل حاله وشقلب كيانه داخل هذا الكمين، ولنقرأ أحلام فترة العصاري

#دليل #قراءة#وجوديات

هل يُمكن الهروب من الأحلام إن كان كل شيء مخزن في الذاكرة؟ يُحاجج البعض بأن ذاكرةً ما في الإنسان تحفظ نشأته التاريخية، أي جذره وأصله الأول منذ آلاف السنين، وربما حتى طرده من الجنّة. هل يكمن هنا مصدر الخيال؟ جنّة ما، صورة لا عقلانية عن زمكان مختلف بالكليّة عمّا تحسسه الجين البشري تاريخيًا؟ وارد.

العلاقة المرتبكة بالأحلام كانت سببًا في قرارٍ بالتخفف منها عبر الكتابة عنها، أو هكذا ظننتُ. قلتُ إن الأحلام كانت في حياتي دائمًا بحضور ثقيل في أحيان، خفيف في أخرى؛ كمُلهمة، مُعلّمة، ومدد خيال ومضللة. 

قررتُ مفارقتها لأنني حين ظننت أن بيننا، أنا والأحلام، أُلفة الحضور وقت الحاجة؛ خيّبت ظني. حسنًا، أعلم أن المسألة هنا مرتبطة أيضًا بالذاكرة، وكذلك بالوعي. كانت الذاكرة مشوشة جدًا، وكان الوعي مرتبكًا لأقصى درجة، ولم يكن بإمكاني تذكر أي شيء أراه وأنا نائم بنصف جفون مغلقة. 

هذا الدويتو بين الجسدي والنفسي-الروحاني لم يرُق لي، فتجاهلته، وغاضبت الأحلام، رغم أنها أنقذتني وسط معمعة البحث المضني غير الناجح عنها، عندما قررَّتْ بمفردها، دون تشاورٍ بيننا، أن تخبرني بما سيطمئنني. فقدتُ إذًا السيطرة على أحلامي، لا تشكيلها، بل حتى استدعاءها.. استدعاؤها أيًا كان مضمونها ورسائلها المُرمّزة.

لم تكن محاولة التخفف مما مثلته الأحلام لي هاجسًا، ناجحةً سوى في صناعة هاجس آخر. بصراحة لا فائدة من الهروب، والأحلام لا تترك مجالًا للهروب بطريقةٍ ما.

لكنني أدركتُ مسألة أخرى تخص الأحلام: إلى جانب أنها معين لا ينضب من الخيال المشوب بكل ما هو واقعي، فهي إذًا تخييل للواقع؛ أنها تتمثل بمستويات الوعي الإنساني، وهي هنا صُوَر الذاكرة: ذاكرة الجسد، ذاكرة النفس، وذاكرة الخيال التي هي مزيجٌ بين ذاكرة الجسد والنفس، لكنها تعطي بُعدًا استشرافيًا؛ العين الثالثة، أو ربما الحكمة.

تُعزز الأحلام الخيالَ وتُعطيه مبرراته، مثل الأساطير تمامًا، فلا طائل من وضع اعتبار للزمان مثلًا، فالحكاية في الحلم كالأسطورة، تسيل في الزمان والمكان. والحُلم كالأسطورة أيضًا؛ يُجرّد المعنى، فالذكر أنثى والأنثى ذكر، أو كلاهما كائن واحد كاملٌ بالمعنى الأفلاطوني. ربما إذًا لم تكن كل الأساطير إلا متواليات أحلام، بكل ما حملته من حكمة ما مُرمّزة، أو مروية على لسان ما لا ينطق عادةً.

كذلك، تُذكّرنا الأحلام في سكرة الهروب الجميلة أن هناك مخاوف مستقرة في الأعماق، مُعلّقة، نتفارق معها باستدعاء لذّة الخفة والدنيا ريشة في هوا، أو تذكرنا بمخاوف وهواجس أخرى صنعناها حالًا؛ نُراكم الخوف والقلق لتجنب الخوف والقلق، ثُمّ يأتي حلم يقض مضاجعنا وعلوقيّة أنفسنا، ويُذكّرنا بأن في اللاوعي ما لم نشتبك معه بجدية.

وهكذا فعلت الأحلام معي، حين كنتُ أظنّ أنني أصبتُ القطيعة معها، أو على الأقل تخففت منها. حدث الأمر كالآتي: لتدارك تداعيات إرهاق شِفتات العمل الصباحية مع اضطرابات النوم التقليدية والأرق؛ قررتُ السماح لجسدي بالنوم ولو نصف ساعة تعويضًا، آخر النهار، ليستعيد بعض نشاطه لمواجهة أرق آخر الليل. كانت نصف الساعة بوابة عبر زمنية عبر نفسية. قررتْ نفسي على ما يبدو أنها قد اكتفت من الكتمان وأنه حان وقت المكاشفة يا بليد.

رأيتُ حُلمًا والثاني. تفاجأتُ من الأول بصراحة، وبعد الثاني قررتُ استلهام خورخي بورخيس وإيفالد فليسار، وكل مَن كتب بالأحلام وأخفى الأمر وكأنه فضيحة. سأمارس أنا الفضيحة بالنيابة عنكم يا زملاء: 

الحلم الأول: السجن

كاد أن يصطدم بي شادي الناجي من بطن الحوت، سرحًا، وأنا أتمشى على دراجة في المعادي. ألقيتُ عليه التحيّة، وهنأته على الخروج من السجن، لمّا سألني عن الطريق إلى موقف السلام. بعد إرشاده: «امشي على طول»؛ أكملتُ طريقي حتى قطَعها سُرادق أسود بلا كهارب. كان عليّ المرور من خلاله، لكنهم أوقفوني، كانوا بملابس ملكية، فعرفتهم.

أخذوا الدراجة، واقتادوني إلى الذين جلسوا أرضًا على أمل الفرج، فوجدتُ إلى جواري صديقًا لم أفهم سبب وجوده، ولم يُعرني كثير اهتمام. 

شعوري مُكثّف جدًا بوجودي هنا. أحاول التمالك على أملٍ وعدني به مَن اقتادني للجلوس، أنه حين يأتي الباشا سيدعني أكمل طريقي. ولم يعدني بإرجاع الدراجة. 

لم أتمالك نفسي. كنت أفرك قلقًا. وفي صدري صهد، وصداعٌ في مقدمة الرأس. ولم أتوقع أن محاولتي لأكون رياضيًا يتمشى على دراجته في المعادي، ستقودني للحبس مجددًا.

حضر الباشا، كانوا بشواتٍ، جلوسًا على كَراسٍ بلاستيكية بوجوه هازئة. أين رأيتها قبل الآن؟ قمتُ للذي اقتادني، أترجاه بالباشا/وات وعدَهُ. لم يكن هُزؤهم خدعة. بل الوعد الخدعة؛ صدّقتٌ أنهم سيطلقون سراحي بمجرد وصول الباشا. لقد صدّقت مثل ذلك قبل الآن. متى كان ذلك؟ هل يبدو ذلك مهمًا؟ لم يكن ليحدث شيء على كل حال لو لم أُخدع، لا فرق. لكنني انهرت. لم يحتمل عقلي فأيقظني. 

دخنتُ سيجارة وتذكرت أنني كدت أنسى، وهذا لا يفيد. كل شيء لا يزال في ذهني باقيًا.

الحلم الثاني: الوحدة

الوحدة التي أنكر خوفي منها، وأتقرب لها زلفى؛ تطارد ذاكرتي. 

كثرة التنقل توّهت المُكاشفة. لم يكن بوسع أهلي غير ذلك. لم يكن بالإمكان أبدع مما كان. لكن نَفسي تحايلت عليّ؛ حان وقت المكاشفة: لم أحظَ بصداقات ممتدةٍ طفلًا، لكثرة تنقلنا يا ماما، بسبب الغربة يا بابا. هذه الغربة فيّ استحالت اغترابًا مُقيمًا. لا تذهب الطفولة إلى أي مكان. 

أبكي لأنني فاقدٌ للحيلة، لكن جهازيَ العصبي لم يحتمل، فأيقظني. رُحت للحمّام وحلقت شاربي؛ لازلتُ قلقًا من الفقد؛ ولم يكن الشنب يحظى بأفضل سوكسيه.

الحلم الثالث: الذنب

زجاجة النبيذ التي اشتريتها سرًا، ووصلتني بالدليفري خلسةً، ودفعتُ ثمنها ضعفًا؛ تكسرت بهدوء بعد أن صببت منها في كأس لا تشبه كؤوس النبيذ، صببتُ شرابًا لا يُشبه لون النبيذ الأحمر، كان أبيضَ بنقطة حمراء تُشبه دمًا متجلطًا عند رأس قُمعٍ أو قمة فرْج أو في وريدٍ شفاف.

شعرتُ بوخزةٍ في إصبع قدمي الكبير، لكنني تجاهلته اكتشافًا للسائل الذي صُبّ في الكأس الغريبة، مبرِّرًا بياضه بكثافة البرودة. لكن إصبعي خزّني زيادة، فنظرتُ لأجد زجاجة النبيذ تكسرت بهدوء على السجادة، وعليها سال الشرابُ. 

انهمر العرق من كفيَ؛ توترت من التفكير في مسألة التنظيف سريعًا ليبقى الأمر برمته سرًا. لم يحتمل عقلي فأيقظني. ابتسمتُ فرحًا أن نفسي قررت أن تريحني من لبختي، وتدُلني مخاطبةً، لولا أنني لم أفهم أيضًا ما أرادت أن تخبرني به عبر زجاجة نبيذ تكسرت بهدوء بعد أن اشتريتها سرًا.

الحلم الرابع: السجن مكرر

أعرف هذه المرة أنني، يُحتمل، أن أكون في حلم. لكنّ دخول البواب شقتي دون استئذان، وعدم إعارته إياي اهتمام لما استنكرتُ جلافته وابتسامته التي يقول بها أنا بيه؛ أنْسَتني احتمال الحلم، وخوّفتني، وزاد الخوف حين رأيتُ ذلك الشخص المُدوّر بملابسه الميري البيضاء يدلف إلى الشقة في إثر البواب، وأنا أحاول هباءً منعه، دفعًا بكتفي للباب. ربما كان عليّ فعل ذلك أيضًا في المرة الأولى، لكن مفاجأة الشخص غير المدور بملابسه الملكي جمّدتني. 

ازداد القلق. أعرف هذا الشعور جيدًا، وأعرف الشعور الذي سيليه والذي سيلي ما سيليه. لم يحتمل عقلي، فأيقظني. 

هل هي ثلاثة أمور فقط أردتي إخباري بها فتُدوّرين الأحلام بصيغٍ مختلفة بينها؟ سأنام غدًا في نفس التوقيت. كوني إذًا أوضح حين تخاطبيني عنكِ حُلمًا.

بينما كنت أنتظر المزيد من كشوفات النفس، جاء الحلم الخامس كمخمضة. لا أتذكر منه شيئًا سوى مشاعر مكثّفة من القلق والخوف والرجاء، وألوان باهرة لم أميّز تفاصيلها، تُذكّرني بألوان حلم قديم ظننت فيه أنني رأيت الرب. 

هذا المزيج من المشاعر المتداخلة والألوان الباهرة، دفعني للتساؤل عن تجليات الرب في الحيرة، وعلى ما يبدو لم يحتمل عقلي ذلك، فأيقظني من يقظة محتملة.

وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن