قمة الدوحة.. وحدة عربية صورية
في 9 سبتمبر، استحوذت مشاهد قصف إسرائيل للدوحة على الأخبار، بينما اعتلى وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، المنصة محاولًا استيعاب هذا التطور غير المسبوق: قصفت إسرائيل دولة خليجية. ألقى كلمة وبدأ بتلقي الأسئلة، وعلى وجهه ملامح الذهول.
بالنسبة للوزير القطري ومسؤولين في عواصم المنطقة، شكّلت الضربة التي استهدفت وفد حركة حماس المفاوض في محادثات وقف إطلاق النار المتعثرة نقطة تحول واضحة في حرب الإبادة المستمرة منذ ما يقرب العامين على غزة، والتي امتدت نيرانها حتى الآن إلى تونس وسوريا ولبنان واليمن وإيران.
من على المنصة، تكلم الوزير القطري بما كان يدور في أذهان الجميع: «نتنياهو قال إنه يريد إعادة تشكيل الشرق الأوسط. هل هذه رسالة بأنه سيعيد تشكيل الخليج أيضًا؟».
هذا السؤال وما يليه من مخاوف -إذا كان الخليج يمكن استهدافه، حليف الولايات المتحدة الذي اعتُبر لفترة طويلة بمنأى عن الضربات الإسرائيلية، فمن في مأمن؟- دفع إلى اتخاذ خطوات فورية. توالت زيارات قادة الخليج الطارئة إلى الدوحة، كان أبرزها حاكم الإمارات، محمد بن زايد. وسرعان ما دارت الماكينة الدبلوماسية والإعلامية. بدايةً، عُقد اجتماع لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي الأحد الماضي، تلاه قمة عربية إسلامية في الدوحة الاثنين لتنسيق رد حازم.
وبينما طرح بعض المراقبين تصوراتهم بأن هذه ستكون اللحظة المناسبة لإعادة إحياء جبهة عربية موحدة تفككت في السنوات الأخيرة، ذكرت الصحافة الإسرائيلية أن مصر أبدت استعدادها لتولي زمام المبادرة في تشكيل قوة عربية تابعة للناتو، وهو ما ترددت فيه سابقًا.
لكن حين صدر البيان الختامي مساء الاثنين الماضي، لم تظهر أي بوادر وحدة إلا في الصورة المرفقة به، والتي أظهرت رؤساء الدول العربية والإسلامية -مع غياب لافت للرئيس الإماراتي محمد بن زايد- وهم يقفون جنبًا إلى جنب.
غير آبه بهذا الاستعراض الفوتوغرافي للوحدة، أعطى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الضوء الأخضر لتصعيد كبير في غزو مدينة غزة، مساء الاثنين، بعد ساعات قليلة فقط من دعوة القمة الهزيلة إلى وقف حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية.
وهكذا، بدلًا من إحياء الوحدة العربية، أوضحت القمة ما قاله مصدر في جامعة الدول العربية لـ«مدى مصر» قبيل انعقادها: «العلاقات العربية الإسرائيلية تُدار الآن على أساس ثنائي».
تحدث «مدى مصر» مع دبلوماسيين ومصادر في مصر والخليج والمنطقة حول الاجتماع، والرهانات الكامنة وراءه، وسبب فشله في حشد ردة فعل أكثر قوة.
***
انتشر الذعر الدبلوماسي عقب قصف الدوحة سريعًا. مصر وتركيا، اللتان تستضيفان قادة من «حماس» سواء بشكل مؤقت أو دائم، سارعتا إلى إعلان أنهما ستردان بقوة إذا ما حاولت إسرائيل نقل هجماتها إلى أراضيهما.
المتحدث باسم وزارة الدفاع التركية، الأدميرال زكي أكتورك، حذّر في 11 سبتمبر الجاري من أن إسرائيل «ستُوسع نطاق هجماتها المتهورة، كما فعلت في قطر، وستجرّ المنطقة بأكملها، بما في ذلك مصر، إلى كارثة».
وفي اليوم نفسه، صرّح مسؤول مصري لـ«ـCNN» أن القاهرة وجّهت رسالة إلى الولايات المتحدة مفادها أن أي محاولة إسرائيلية للعمل على الأراضي المصرية ستكون لها «عواقب وخيمة».
لكن بينما اتخذت القاهرة وأنقرة خطوات لإثناء إسرائيل عن التفكير في انتهاك سيادتهما، كان في حساباتهما أيضًا مسألة استمرار وجود «حماس» في عاصمتيهما.
أوضح مسؤول مصري مطلع لـ«مدى مصر»، الجمعة الماضي، أن «هناك أفكار مطروحة الآن حول كيفية المضي قدمًا لتجنب حالة فوضى ضخمة في المنطقة»، مضيفًا أن هذه المقترحات يجري مناقشتها مع الولايات المتحدة. «جوهر هذه الأفكار هو خروج حماس من غزة وجميع العواصم التي تستضيفها، واللجوء إلى دول تحظى بضمانات قاطعة من الولايات المتحدة بأن إسرائيل لن تستهدف هؤلاء القادة. لكن المشكلة تكمن في أن حركة حماس من غير المرجح أن تقبل استراتيجية تخارج لقادتها دون وقف إطلاق نار طويل الأمد في غزة، يتضمن قدرًا من الانسحاب للقوات الإسرائيلية».
وأكد دبلوماسي إقليمي أن تركيا وقطر تواصلتا أيضًا مع الولايات المتحدة، ودار نقاش بين العواصم المستضيفة لقيادات «حماس» حول «ما يجب القيام به، بما يتجاوز النقل المؤقت لشخصيات حماس والإجراءات الأمنية المشددة التي فُرضت عقب الهجوم على الدوحة».
أحبطت إسرائيل محادثات وقف إطلاق النار أكثر من مرة، وكان استهداف الوفد المفاوض في الدوحة أبرزها، كما صرح نتنياهو مرارًا بأن إسرائيل «ليس لديها خيار سوى إكمال المهمة وهزيمة حماس». وتماشيًا مع هذا الموقف العدائي، ووفقًا للدبلوماسي الإقليمي، لم تردّ إسرائيل بأي نوع من التأكيدات على مطالب الامتناع عن استهداف شخصيات الحركة في الدول التي تستضيفهم.
ومع ذلك، فإن استمرار التهديد لا يعني أن الدول المعنية مستعدة للتخلي فورًا عن استضافة مسؤولي «حماس»، فوجود قادة الحركة لديها يمثل ورقة ضغط دبلوماسية مهمة لمصر وقطر وتركيا.
وفيما يخص الدوحة تحديدًا، يقول مصدر الجامعة العربية عن هذه الديناميكية: «اليوم، لا يبدو أن قطر تريد فقدان دورها كوسيط رئيسي أو فقدان نفوذها على حماس من خلال إبقاء عاصمتها المكان المختار لكبار قادتها أو فقدان علاقتها الاستراتيجية مع واشنطن».
لكن هناك دول أخرى في المنطقة أقل تعاطفًا بكثير مع «حماس» وما يرتبط بذلك من مساع لكسب النفوذ.
ربما كانت قطر تتوقع تضامنًا أكبر. يقول المصدر في جامعة الدول العربية إنه «من المهم إدراك أنه عندما يتعلق الأمر بالعلاقات مع إسرائيل، فإن الدول العربية اتفقت منذ فترة طويلة على أن يكون هذا خيارًا سياديًا لكل دولة على حدة».
هذا الموقف عبّر عنه الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، حسام زكي، بلهجة أكثر حزمًا في حديثه مع «الجزيرة»، حين قال إن المناخ الحالي غير مواتٍ لتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، موضحًا أن تفعيل أي اتفاقيات من هذا النوع يعني أن الدول العربية لديها «تعريف لعدو مشترك يتم تفعيل هذه الاتفاقية ضده».
وتجلّى عدم التوافق هذا خلال القمة الأخيرة.
قبل اجتماع الدوحة، كانت قطر تتطلع إلى أن تخرج القمة بخطوات قانونية لمحاسبة نتنياهو على الهجوم على عاصمتها، يقول مصدر جامعة الدول العربية. لكن مساء الأحد، حين سُرّبت مسودة البيان الختامي، والتي حصل «مدى مصر» على نسخة منها، لم تكن هناك أي خطوات عملية مقترحة، قانونية أو غيرها.
عند نشر البيان الختامي، مساء الاثنين، تضمن النص إضافتين بارزتين. دعت النقطة 15 جميع الدول إلى «اتخاذ كافة التدابير القانونية والفعالة الممكنة لمنع إسرائيل من مواصلة أعمالها ضد الشعب الفلسطيني، بما في ذلك دعم الجهود الرامية إلى إنهاء إفلاتها من العقاب ومساءلتها عن آثارها وجرائمها، وفرض العقوبات عليها، وتعليق تزويدها بالأسلحة والذخائر والمواد العسكرية أو نقلها أو عبورها، بما في ذلك المواد ذات الاستخدام المزدوج، ومراجعة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية معها، ومباشرة الإجراءات القانونية ضدها».
ودعت النقطة 16 جميع الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي إلى «النظر في مدى توافق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة مع ميثاقها، بالنظر إلى انتهاكاتها الواضحة لشروط العضوية والاستخفاف المستمر بقرارات الأمم المتحدة، مع التنسيق في الجهود الرامية إلى تعليق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة».
وفقًا لمسؤول مصري مطلع على مداولات القمة، فإن القطريين طرحوا هاتين النقطتين على الطاولة في البداية بصيغ أكثر حزمًا، لكن الإمارات طلبت إدخال تعديلات، واستمر الجانبان في التفاوض على اللغة النهائية حتى وقت متأخر من المساء قبل صدور البيان الختامي بصيغته الحالية.
***
بسبب عجزها عن الضغط على إسرائيل، بدا أن قطر سلّمت بأنه لا خيار أمامها سوى تعميق علاقاتها مع الولايات المتحدة في أعقاب الهجوم، وهي التي تعتمد عليها بالفعل في دفاعها.
بعد اختتام محادثاته مع نتنياهو، التي تزامنت مع قمة الدوحة، قال وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو: «لدينا شراكة وثيقة مع القطريين. في الواقع، نعمل على اتفاقية تعاون دفاعي مُعزّزة، ونحن على وشك وضع اللمسات النهائية عليها».
ولم تمض ساعات على اختتام القمة حتى صعّدت إسرائيل غزوها المستمر منذ شهر لمدينة غزة، حيث يعيش أكثر من مليون فلسطيني.
بحلول صباح الثلاثاء، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قصف أكثر من 800 هدف لـ«حماس» ومئات الأشخاص في أنحاء مدينة غزة مساء الاثنين، بينما أعلن مسؤولون في تل أبيب عن مستوى عملياتي جديد ضمن خطة «عربات جدعون 2» الرامية إلى السيطرة على أكثر مدن القطاع اكتظاظًا بالسكان.
وفي خضم التقدم المطرد للعنف الإسرائيلي تجاه الأحياء المكتظة في وسط وغرب المدينة الساحلية، عبّر العديد من السكان الذين تحدث إليهم «مدى مصر» الثلاثاء الماضي عن ارتباكهم ويأسهم وهم يفكرون في تكلفة وآلام رحلة نزوح أخرى نحو مستقبل غامض في جنوب القطاع، حيث تفتقر المناطق المكتظة أصلًا إلى القدرة على استيعاب هذا العدد الكبير من النازحين الجدد.
«السؤال الأهم الآن هو غزة»، يقول المسؤول المصري بعد الهجمة على العاصمة القطرية، مقللًا من احتمالية شن ضربات أخرى جديدة على عواصم عربية في المدى القريب.
لا يزال الوضع ملحًا، الآن أكثر من أي وقت مضى، حيث لم يترتب على هجوم الدوحة ولا قمتها تغيير يُذكر في الواقع الراهن.
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن