«قلبي ومفتاحه»: وكأن ملاذنا الوحيد أصبح في الهروب إلى خيالات الحب
قبل أسبوع واحد من بداية شهر رمضان، وجدتني أجلس مع أصدقاء، أحكي لهم ذكرى قديمة، عن حبيب قديم، وأنا في المراهقة. بابتسامة حالمة، أخذت أتذكر أن الفتى كان يسكن أمام مدرستي الثانوية، وأنني كنت أقضي صباحات طويلة، أجلس في الفصل أنظر إلى الشباك بجانبي، وأتأمل البناية على الناحية الأخرى، من الشارع، حيث يسكن المراهق الحبيب. رويت لهم أنني أرسم من الشباك قصة حب كاملة في مخيلتي، بسيناريو واضح لحكايتي، التي لم تجد لنفسها موقعًا على أرض الواقع.
تبدأ الرواية المتخيلة بالفتي، وقد أصيب بدور برد جراء هواء ديسمبر البارد، الذي لفحه وهو في الطريق إلى مدرسته المجاورة لمدرستي. اعتاد أن يرتدي قميصًا لبنيًا وجاكت قطني خفيف جدًا، أيًا كانت برودة الجو. ألمح المعطف من بعيد محاولة حفظ ملامحه وتفاصيله في الدقيقتين، التي نمر خلالهما أمام بعضنا البعض، على رصيف الشارع، الفاصل بين مدرستينا، حيث نلتقي يوميًا، في طريق عودتنا، بعد انتهاء اليوم الدراسى.
من الشباك أتصور أنه مريض اليوم، ويجلس في غرفته يشرب الحساء، وينظر هو الآخر من شباكه المطل على شباك فصلي. يشاور لي بيده أن أنزل من الفصل، وألتقيه في مدخل العمارة. تغريني المغامرة، فأقفز من فوق سور المدرسة العالي، أثناء الفسحة، وأعبر الشارع إلى بنايته القديمة. تحت السلم أجده هناك، في روب شتوي، يليق بسكان وسط البلد، ينتظرني وهو يسعل. أضع كف يدي على جبينه، وأتأكد أنه بالفعل يعاني من الحمي. يطلب مني، ودون مقدمات، أن نهرب سويًا اليوم من أهلنا. نرحل بعيدًا. نذهب إلى مرسى مطروح في الشتاء. طالما كانت لدي فانتازيا الهروب إلى مرسى مطروح في ديسمبر. وهناك نكمل تعليمنا ونعمل فى فصل الصيف، ونتزوج، ونعيش مطاردين إلى الأبد. أشفق عليه من تخاريف الحمى. أرفض وأكاد أن أتركه. ولكنه يعترف لي بحبه، ويعطيني ورقة مطوية، بها موعد لقائنا ليلًا، في محطة رمسيس.
ليلًا أفكر كثيرًا، وحدي في غرفة المراهقة. أردت دومًا الهروب مع حبيب العمر، وأنا في الخامسة عشر من عمري. أحضِر شنطة صغيرة، وأقفز من بلكون غرفتي، وأقابله وفقًا للورقة المطوية. في محطة مصر. كان يرتدي نفس الجاكت القطني الخفيف. أحبه أكثر، وأشفق عليه أكثر وأكثر. نركض سويًا خلف القطار، الذي يكاد يرحل ويتركنا. ولكننا في السيناريو الخيالي وفي كل سيناريوهات الأفلام الرومانسية، نلحق به في آخر لحظة. وفي الكابينة أعترف له أنا بحبي. نرقص سويًا على أغاني مصطفى قمر، حتى ننام من تعب الهروب. تشرق الشمس ونحن على مدخل المدينة الساحلية.
من نافذة الفصل أفكر في تبعات المغامرة. أخلق عالمًا من الأشرار، كارهي الحب البرئ، الذين سيحاولون إيجادنا والتفرقة بيننا. أفكر في حبيبي المراهق كبطل ينقذني، وأفكر في ذاتي كجبانة تخذله. أسرح أكثر، وأخلق نهايات عدة للقصة. مرة نهاية مخجلة، تشعرني بالحزن المؤقت، لأطردها من شباك الفصل، وأعاود التفكير في نهاية تنتصر لذاتي الشجاعة ولحبي الوليد. كل ذلك قبل أن أعود إلى شرح المدرس، لمادة الفيزياء، التي لم أكن أفهم منها شيئًا، وبكيت حقًا رعبًا في ليلة امتحانها، بشكل أذهل والداي وقتها. وذلك قبل أن أعاود وأفكر في ذلك الحبيب، لأهدئ من روعي، في الصباح التالي، وأتمكن من جمع ذاتي والدخول بالفعل إلى الجنة امتحان المادة.
ففي سن الخامسة عشر حيث الخوف من مجهول الدخول في مرحلة البلوغ والنضج، لم يكن لدي أي ملاذ سوى الهروب إلى خيالات الحب.
تذكرت تلك الجلسة مع الأصدقاء، عندما وصلت إلى رُبع أحداث مسلسل «قلبي ومفتاحه»، كتابة تامر محسن ومها الوزير، وإخراج تامر محسن، والذي عُرض في النصف الأول من الموسم الرمضاني. مع الحلقة الخامسة أدركت أمرًا ما، أطاح بعيدًا عن رأسي كل الأسئلة المؤرقة، التي تشاركها الجَمع على السوشيال ميديا. كنت بدأت أشعر ببعض عدم الراحة أنا نفسي. أرقتني بعض الملاحظات، على تصرفات بطل المسلسل عزت، وتطور خطه الدرامي الرئيسي، المتعلق بقصة حبه بميار. طرأت بعض الأسئلة على ذهني، متأثرة بتعليقات وتحليلات مبكرة للأصدقاء، على صفحاتهم الشخصية. فرغم وقوعي في غرام المسلسل منذ حلقته الأولى، إلا أنني لم يسعني سوى التأثر اللحظي بأسئلة، بدت لي منطقية، طَرَحها الجمع حولي.
انقسم الجَمع أمامي إلى مجموعتين، الأولى طارت لفوق، حتى لم تعد أرجلها تلمس الأرض، وقد بدأت عملية إقلاعها منذ نزول الفيديو الدعائي للمسلسل، قبل رمضان بعدة أيام، الذي يمكنني وصفه بأريحية بأنه غريب. فيديو غريب يؤسس لمسلسل غرائبي. لم نعتد أبدًا أن تكون مدة الفيديو الدعائى لمسلسل رمضاني أقل من دقيقة، فيها مشهد واحد فقط، لأبطاله الأساسيين، دون أي تلميح أو إشارة للقصة. في المشهد، تطلب البطلة من البطل أن يتزوجها، فيوافق على الفور. يتبع طلبها سؤالها للبطل عن اسمه. يُعرٍّفها بنفسه وكأنهما التقيا للتو. يشكران بعضهما البعض، ويؤكدان على لقاء يوم الأربعاء، لإتمام الزواج. يظهر عنوان المسلسل مع موسيقى الأغنية المستلهم منها العنوان. أغنية لها وقع عاطفي، وتأثير رومانسي لحظي، لا يمكن إنكاره.
طارت المجموعة الأولى بهذا الإعلان وطاروا معه. احتفوا كثيرا بخفة دم وغرابة المشهد. تحمسوا لما هو قادم، دون أي قدرة على تخيّل القصة. لم أستطع بدوري تخيل القصة. أثلج المشهد خيالي، ولم يعطه أية مساحة لتخيل أي تصورات عن الشخصيات أو المكان أو الظرف، الذي جعل من طلب الزواج يأتي بهذه الغرابة. ولكن الحقيقة، علي أن أعترف، لم أهتم مطلقًا في هذه اللحظة بالتفكير في القصة أو مسار الأحداث المتوقع تتبُّعه، خلال الـ15 يومًا القادمين. فكما نقول بلغة السوق التجارى للأفكار، «اشتريت». بعد هذه الدقيقة ولسبب عاطفي بالأساس، قررت أنني سأتابع عزت وميار أيًا كانت قصتهما. أفكر اليوم وبعد انتهاء رمضان، أن السبب لم يكن عاطفيًا وفقط، ولكنه كان متعلقًا بذكاء، أراه حادًا، في تقديم دقيق لأسلوب أو ما يسمى «تون» المسلسل، والذي أعتقد أنه أهم من القصة، في هذا النوع من المسلسلات تحديدًا.
أما المجموعة الثانية، ففي اعتقادي أنها تجاهلت تمامًا محتوى الفيديو الدعائي، والتون الذي أكد عليه، وتشبثوا فقط باسم تامر محسن وعلاقتهم الوطيدة به، وتاريخه المتين معهم، في رمضان. محسن يقدم أعمال دراما اجتماعية غارقة في الواقعية، ذات شخصيات معقدة واضحة المعالم، نقضي ليالينا كل رمضان نحلل سويًا تصرفاتها وأفعالها. نشعر بالقلق والحزن والتوتر، ونطرح على أنفسنا أسئلة وجودية، بوجودهم في حياتنا، بل ونرى ذواتنا في أبطال الأعمال.
في أول خمس حلقات لم ير أحد ذاته في شخصية عزت. سألت المجموعتان سؤالًا ملح للغاية: من هو عزت؟ طرحت المجموعة الطائرة السؤال دون انتظار حقيقي للإجابة، فقد كانوا بالفعل وقعوا في غرامه، وتقبلوا منه كل التصرفات البلهاء، التي يمارسها في الحب والعمل والعلاقات الأسرية. بينما تساءلت المجموعة الثانية بقدر من النقد والتحليل والرغبة الحقيقية في إيجاد إجابة تشفع لمحسن، فارسهم في الدراما الرمضانية. أخذوا يبحثون مع بداية المسلسل بإبرة في كوم قش، عن أي «واقع» يستطيعون من خلاله ممارسة تفاعلهم وتعاطيهم المعتاد، مع مسلسل رمضاني، كتابة مها الوزير وإخراج تامر محسن.
وقفت أنا حائرة بين المجموعتين. طرتُ قليلًا مع قصة الحب الهائمة. فمن لا يحب الحب؟ ولكني أردت ككاتبة بالأساس أن أتعاطى مع «واقع» المسلسل وأفهم «حقيقة» كل تصرف يقوم به الأبطال، وكل تطور درامي يقع في كل حلقة. أجتمع ثانية مع الأصدقاء، ولا نستطيع تحليل تصرفات عزت وميار وأسعد، مثلما اعتدنا أن نفعل مع هَنا وحازم والشيخ مؤنس، وقبلهم مع سوني وسمير وتُقى. مثلثات حب يخلقها تامر محسن، في كل رمضان، تجعل من الحب نفسه، كفعل يرغب فيه الجميع ويسعون له طوال الوقت، أمرًا معقدًا وصعبًا وقاسيًا قسوة أبطاله على أنفسهم.
وهنا مسكت بأول الخيط. لم يكن عزت قاسيًا على نفسه أبدًا. لم يخجل منذ الحلقة الأولى من فشله على جميع المستويات. يتحدث عن بلوغ سن منتصف العمر، وكبت رغباته العاطفية والجنسية، وفقده لشركته، وخداعه لأمه، بأريحية تبدو غرائبية، ولكنها ليست خجولة، مثل خجل سمير وسوني وحازم ومؤنس والمستر أكرم.
ذلك الخجل الذي نجد أنفسنا فيه منذ أولى مشاهد الحلقات الأولى، من المسلسلات الملحمية السابق ذكرها. جميعنا لدينا نواقص نخجل منها، تعقد حياتنا، وتُصعب رحلتنا، وتجعل مصائرنا دائمًا على المحك. أما عزت فلم يكن لديه شيء على المحك. نبدأ الحلقة الأولى وهو خاسر لكل شيء، ولا يبحث عن شيء. مثلنا جميعا في هذه اللحظة المعطوبة من حياتنا. أكد الجميع أنه كشخصية درامية ليس له دافع. هو دائمًا مفعول به. رد فعل لما يحدث حوله من أمه وخاله ورب عمله، وبالأساس من حبيبته الجديدة، التي التقاها توًا. ريشة في مهب الريح، لا يأخذ أي قرارات ولا يبادر بأي أفعال. أجيب في ذهني أنه في ذلك مثلنا جميعًا.
أقضى سادس نهار رمضان أفكر في دوافع عزت. أريد أن أعلق عند الأصدقاء، وأدافع عن شعور قوي يقودني لتقبل الشخصية، بل والحكاية بأكملها، ولكني لا أعرف كيفية توصيف أفكاري في كلمات، يمكن بها خلق مناقشة موضوعية حول المسلسل.
ما هي دوافع عزت كشخصية درامية؟ أتعامل مع الحلقات الخمس الأولى كلعبة ألغاز، قطع متناثرة تنتظر من يجمعها بشكل له منطق، فتصبح الصورة واضحة ولها معنى. في هذا النهار حاولت أن أفند واُعَرّف قطع اللغز.
بالأساس لدينا بطل وصل إلى سن الأربعين، قدمه لنا الكاتب منذ اللحظة الأولى على أنه فشل على جميع الأصعدة قبل بدء أحداث المسلسل. هي ليست قصة انهزام، ولكن البطل، ومنذ الدقيقة الأولى في الحلقة الأولى، منهزم بالفعل. فشل مهني بفقده لمشروعه الخاص، تبعه فشل مادي بتكالب الديون، وتبع ذلك كله، وهو الأهم، فشل عاطفي.
تربط قطع اللعبة ربطًا وثيقًا بين الفشل المادي والعاطفي. فبفقد عزت لمكانته المهنية والمادية، نزل طبقتين اجتماعيتين. بتحليل بسيط، نفهم أن عزت كان بالأساس يطمح إلى الارتقاء سلمة عن طبقة أسرته. فبنظرة سريعة على تقديم الشخصيات، نفهم أن صديقه المقرب وخطيبته السابقة ينتميان إلى طبقة أعلى اجتماعيًا من الطبقة التي تنتمي لها عائلته. وبتعرضه لانهيار مادي، نزَل عزت، ليس فقط عن الطبقة التي كان يطمح لها، بل وكاد أن يصل إليها، ولكنه حتى نزل درجة عن طبقة أسرته. وضح ذلك جليًا في اختياره للعروس التي اصطحبها للنادي للقاء والدته. تبدو أقل منه في المستوى الاجتماعي والثقافي والتعليمي.
يؤكد لنا الصناع أن الفشل المادي أصبح مؤخرًا في مصر يعني نزولًا في الطبقة الاجتماعية لا رجعة فيه. نعرف أن الخطيبة السابقة تركته، بسبب ذلك النزول «الدائم» في الطبقة، وهو الأمر الذى لن تقبله ولن تتحمله.
رجل في منتصف العمر لم يحقق أي شيء من قائمة الإنجازات المتوقعة، من الرجل المصري في الأربعين، ومضطر الآن أن يداري ذلك عن أسرته. ما بين والدته التي لا تعرف شيئًا عن تفاصيل حياته، وبين خاله الذى يبوح له بكل أسراره، يبدأ عزت المسلسل مغتربًا تمامًا عن عائلته ومضطرًا للتعامل مع خداعهم أو إحباطهم كل يوم.
أُكوِّن صورة لعزت تظهر واضحة الآن، ولكنها تقف وسط تكوين ما زالت أطرافه غير مكتملة. حول عزت مجال عام، لا يزال فارغًا. قطع أخرى متناثرة، ولكنها سهلة التجميع. فنحن جميعًا نعرفها جيدًا. تسبح الشخصية في إطار سياسي واقتصادي واضح الملامح. واقع له علاقة بالأساس بظرف اقتصادي محدّد متعلّق بقرارات تعويم الجنيه المصري المتتالية، وما تبع ذلك من آثار، تدور في فلك أزمة الدولار. يخسر عزت شركته الصغيرة التي أسسها قبل سنوات قليلة بسبب هذه الأزمة تحديدًا، التي ستصبح هي نفسها المجال العام الذي يسبح فيه «شرير» المسلسل، أسعد، خصم عزت في القصة الدرامية. يعمل أسعد في تجارة العملة، مستغلًا أزمة الدولار في البلاد، والتي بخلاف أثرها على عزت، ساعدت أسعد في الارتقاء المادي وتحقيق مكاسب كبيرة، ظهرت واضحة على حياته وحياة أسرته.
وهنا تكتمل شخصية عزت، كبطل منهزم في عالم واضح الملامح. ولكن كل بطل مهزوم، في كل المسلسلات، تأتى له لحظة ويفيق وينفض من على كتفيه تراب الهزائم ويضع لنفسه هدفًا، حتى لو زائفًا، ويسعى لتحقيقه، إنما عزت ليس له أي هدف. أؤمن تمامًا أن هذا أمر مقصود، يقدمه لنا الصناع عن وعي.
أجد تشابهًا كبيرًا بين تعامل عزت مع واقعه القاسي وبين تعامل أغلب جيلنا مع نفس هذا الواقع. نسبح جميعنا في قسوة تزداد قسوة، تجعل من السعي وراء الأهداف أمرًا يقترب إلى العبث بل والسذاجة أحيانًا.
واقع محلي وإقليمي وبالتأكيد دولي، يجعل كل الآمال بعيدة. نشعر بالإرهاق الشديد ونحن على مشارف الأربعين. أرى الصناع هناك معنا يشعرون هم أنفسهم بنفس هذا الإرهاق. ولذلك خلقا عزت كشخصية مرهقةَ، بلا هدف مادي أو احتياج عاطفي. شخصية متصالحة تمامًا مع واقعها، تحاول فقط أن تناور. يناور عزت ذلك الواقع بهدف البقاء على قيد الحياة. مثله في ذلك مثل لاعب الكرة، على مشارف الاعتزال، اكتسب بعض الوزن وخسر أغلب المهارات. ذلك اللاعب الذى يستمر في مناورة المنافسين، في مبارياته الختامية، دون أي محاولة للركض ناحية المرمى وتسديد الكرة، لإحراز أي مكسب.
يناور عزت والدته، ويناور خاله، ويناور رغبته الملحة في الزواج، ويناور ظروفه المادية بالعمل كسائق أوبر. يناور صاحب معرض السيارات بشراء عربية أقل كثيرًا من تلك التي حلم بها، ويعتقد أنه يستحقها. يناور ابنة خاله التي تحبه في صمت وهو يعرف. ويناور الشرير أسعد ويعمل معه ويلتزم تجاهه وينضم لفريقه، فقط ليحاول ويعيش ويستمر.
لا مكان لأي أهداف حقيقية على أرض واقع عزت يسعى تجاهها في الحلقة الأولى. نراه فقط يسبح كسمكة زينة في عالمه الذي نسبح فيه جميعنا معه.
وهنا يبدو لي جليًا أن تامر محسن يطرح علينا حلًا واحدًا أخيرًا نعيش به اللحظة الراهنة ونتعايش من خلالها؛ الهروب إلى خيالات الحب.
مع إعادة مشاهدة الحلقة الأولى، اعتقدت تمام الاعتقاد أن كل ما حدث بعد حادث السيارة الأوبر، كان من قبيل خيال عزت. سرح عزت في مرآة سيارته ونظر إلى ميار، التي ركبت معه كأي زبونة، وأعجب بها إعجابًا لحظيًا، وتخيل كل التالي. تخيل قيامه بحادث سيارة، مغامرة جديدة في شوارع القاهرة تحرك المياه الراكدة في مسبح سمك الزينة. تَخيل عزت بداية مغامرة تقوده لكل أحداث المسلسل التي علق عليها البعض بأنها «غير واقعية».
أحداث بالفعل لا تمت للواقع بصلة، ولكن يخلقها خيال عزت للهروب. فحتى خيار المناورة وجب أن يكون معه متنفسًا وإلا متنا جميعًا. وهنا يطرح لنا الصناع المتنفس، خلق سيناريو خيالي لقصة حب، نحقق داخلها كل أحلام المراهقة. ففي الأربعين من عمرنا نعيد إنتاج مشاعر عمر الخامسة عشر. نواجه مجهولًا متعلقًا بمرحلة عمرية جديدة، ونحاول الهروب من حسابات الواقع المخيف باللجوء لقصص وهمية، تدور بالأساس حول الحب، نكون فيها آخرين غير ذواتنا، أو ذواتنا كما نحلم بها ونأمل لها، ولكن يتعسر تحقيقها أو حتى السعي لتحقيقها، في ذلك المسبح الضيق.
يحقق السيناريو المتخيل لقصة حب عزت وميار كل فانتازيا الرجال عن الحب. يخلق عالمًا بأكمله يشبه مقتطفات الفانتازيا التي يعترف بها الرجال أمامنا من وقت إلى آخر، فنضحك عليهم وعلى خيالاتهم الساذجة. ففي خيال عزت، يصبح شخصًا غير منهزم، بطلًا محبوبًا، مرغوبًا، موثوقًا فيه، تسأله امرأة جميلة كاملة الأنوثة الزواج منها، دون حتى أن تعرف له اسم. زواج يتم بعد يومين في فندق كبير، عرفي دون أهل أو فرح أو مصاريف وتكاليف الالتزامات مادية. زواج لا يتم فعليًا ليلتها، لأن ما فائدة الخيال دون خلق مغامرات وهمية.
توقف الجميع عند مشهد ميار وهي تطلب الطلاق من عزت وترحل ليلة كتب الكتاب. طالبوا عزت أن يواجهها، ويسألها، ويمسك في خناقها، بدلًا من تطليقها فعليًا وتركها ترحل في سلام. في الخيال، لا مجال أبدًا للمواجهات. لا مكان للأسئلة التي تجعل السارح في خياله يفيق على واقعه.
في السيناريو المتخيل لقصة حُبي الوليدة وأنا في الخامسة عشر، لم أواجه الفتى حين طلب مني الهروب معه إلى البحر. تركته ورحلت دون مواجهة أو سؤال. وذلك فقط، لأعود إليه ثانية في محطة مصر ليلًا. عادت ميار إلى عزت. تركها الأخير دون مواجهة، لأنه يعرف، أنه في خياله يريد أن يكون ذلك الحبيب الذي لا يمكن أن يُنسى. نسيته خطيبة قديمة في واقعه العاطفي المرير، ولذلك هنا في السيناريو الخاص به، سيصبح لا يمكن نسيانه أو تخطيه.
تستمر أفعال عزت اللا واقعية، ويزداد صراخ الجماهير التي لا تصدق ما يفعله تامر محسن بهم، ولكن محسن في رأيي، يعرف تمامًا ما يفعله. فعزت، كأي رجل، يريد أن يكون مغامر، مثل علاء الدين وعلي بابا وعلي الزيبق، وكل رجال الأساطير والحكايات الشعبية.
يقابل الشرير، يتعاون معه، يخدعه، يحاول الهروب منه فيقع في قبضة البوليس. يخرج بأعجوبة ويواجه الأشرار ثانية وهو أقوى وأذكى. يتخلل ذلك تطور قصة حبه بالمحبوبة. يرتدي بيجاما ساتان ويقف معها على سطح بيت مليء بالورود الجميلة، ساعة عصاري يرقصان سويًا، في حب وسعادة خالصة. فانتازيا جديدة متعارف عليها لأي قصة حب.
حتى رغبة عزت المدفونة في الارتقاء المهني، تأتي من خلال خيالات الحب التي تكون الشرارة التي تساعده على تحقيق نجاح سريع، وغير مبرر. فهو فقط جزء من السيناريو المتخيل في رأسه. تأتى ميار بكل حنيتها ودعمها وتعطي لعزت فكرة بسيطة، تقترب للسذاجة، يحولها هو في خلال أسابيع قليلة لخلطة نجاح في خيال كل منا. يحول عزت الشيء الوحيد «الكُبّة» الذى يتقن فعله، وهو الفيزياء، إلى توليفة تجعل منه نجمًا محبوبًا على السوشيال ميديا من قبل الأجيال الأصغر.
يدخل عزت مع اقتراب النهاية إلى قاعة ضخمة في النادي، فيسقف ويهلل لوصوله عدد لا نهائي من الشباب الأصغر. أنا شخصيًا أحلم أن أثير إعجاب الشباب الصغير، وأن أصبح نجمة في أوساطهم. أمر لم ولن يحدث سوى في الخيال. وهنا يعود عزت كمراهق في الخامسة عشر من عمره يحقق خيالات الماضي، حلم المراهق الصغير في أن تزوره حبيبة في منزل أسرته، في غياب أمه، فتدخل غرفة نومه الصغيرة، ويمارس معها الحب هناك، بدلًا من استذكار دروسه.
يفيق عزت من سكرات الحب ويعود ثانية لمواجهة الأشرار، كأي بطل حدوتة خيالية. تتعقد الأمور على الحبيبة، التي تختار عزت فوق كل شيء، فيهرب بها وابنها من البلكونة. ففي الخيال هو ليس فقط حبيب جميل، ولكنه كذلك أب ليس له مثيل. يرحلان سويًا إلى البيت على البحر في الشتاء. يهربان قبل مغامرة أخيرة. مغامرة نعرف جميعًا ان عزت لن يقع في شركها. فقد تأكد لنا منذ تم القبض عليه أنه سيخرج منها مثلما حدث في السابق. فقد عرف الجمهور بأكمله تون المسلسل عندما وصلنا إلى هذه المرحلة من الحلقات الأخيرة. بكل الدلالات السابقة، تأكد لنا أن الحب سينتصر. فإذا كان الانهزام محيط، فمحسن يؤكد لنا أن في الخيال، سننتصر للحب، الذى أصبح هو الآخر مصدرًا للهزيمة في الواقع.
انعكس كل ذلك، من وجهة نظري، بإتقان شديد على تون المسلسل وأسلوب السرد. وهو الأمر الذي كان واضحًا للغاية مع الإعلان الدعائي للعمل، والذى بدا وقتها غريبًا ومربكًا للجميع.
بدا لي تون المسلسل وكأنه مرآة تعكس «هطل الحب». ذلك الشيء الساذج، والطيب، والمؤثر، والشجاع، الذى يصاحب الحب، خاصة في بداياته.
أرى مع كل حلقة فراشات بدايات الحب، تطير فوق منطقة اللّبينى، حيث لا شيء طيب على الإطلاق. فعالم المسلسل واضح المعالم، مغروس في الأرض، تستطيع أن تمد يدك وتلمسه بسهولة. عالم واقعي جدًا، تم تأسيس إطاره على بيوت العائلة، التي لا يزال أغلبنا يسكن فيها تحت قبضتهم، ولا يستطيعون الفرار من منظومة الأسرة. تلك الوظائف التي على المحك، والمشاريع الصغيرة المنهارة بفعل الأوضاع الاقتصادية. وهناك في المقابل، مشاريع أخرى مزدهرة، من الواجهة معرض للأجهزة الكهربائية وفي الخلفية معقل لتجارة العملة، جثث مدفونة تحت البلاط، وأب يبحث عن ابنه المفقود، وزوجة تريد الطلاق من زوج نرجسي، متزوج بدوره من أخرى ولكنه مهووس بطليقته، فتاة تخرجت للتو من الجامعة الأمريكية، ممزقة بين طبقة أهلها الاجتماعية والطبقة التي وجدت نفسها وسطها في الجامعة، تسأل نفسها يوميًا هل تتزوج رجلًا يشبه أخاها الذى تكرهه أم تتزوج آخر، مختلف، مثل عزت، لا يقبلها ولا يقبل أخيها وأهلها والعالم الذى تنتمى فعليًا له في الجذور.
كل تلك الأسئلة، وكل ذلك الألم المحيط بالواقع، المرسوم بإحكام شديد، لا يصبح له أي وجود أو معنى. يتبخر تمامًا، بفعل نار خيالات الحب. ففي القصة، يَقبل عزت ميار كما هي، يواجه معها الشرير ويهزمه في عقر داره. يُخرِج الجثة من تحت الأرض ويعيد الابن، حتى لو كان ميتًا، إلى أبيه. يعطي أمل، وإجابة للأخت الحائرة، ويساعد العدالة في القبض على القاتل أسعد وإدخاله السجن. ينفصل عن أهله، ويساعد ميار في الانفصال عن أهلها. كل المشاكل تٌحل وكل الأسئلة تجد لها إجابات.
يحدث كل ذلك بشكل «أهطل»، يشبه تمامًا الحب في جوهره. الحب الصافي الخالي من أي تخطيط لمستقبل. الحب من أجل الحب، الذي يستهدف فقط الحصول على انتباه المحبوب، وإعجابه، وحبه لك في المقابل. ولتحقيق هذا، يقوم المحب بكل الأفعال الساذجة، غير المبررة، التي ليس لديها أي منطق ولا يمكن شرحها بعقلانية. تتحرك كل الخيوط الدرامية وفقًا لهذا التون بإحكام شديد دون أن يُفقد في أي لحظة لصالح الواقع المبرر. تتحرك الأحداث، ويتطور السرد وفقًا لأفعال المُحبين، فقط للحصول على حب المحبوب. وفي اعتقادي أن كل تلك الأفعال بالأساس محكومة الصنع في خيال عزت المرفرف فوق سماء كل تلك الكباري والمحاور في حى الهرم، حيث يبدو محبوسًا طوال اليوم في تلك السيارة الرخيصة، والتي أصبح داخلها مجرد «أسطى».
تأكدت لي نظريتي عندما بدأ الجمهور يلعب معي على السوشيال ميديا لعبة حل الألغاز. بدأوا أنفسهم في ربط أسماء الحلقات، التي تشير إلى أفلام حب شهيرة في السينما العربية، بـ«واقع» المسلسل الذي خٌلق من خيال جامح. فقدوا الأمل في إيجاد منطق لكل تلك الأحداث، فسعوا إلى إيجاد خيارات بديلة ظهرت في عناوين الحلقات المقتبسة من الأفلام، التي تنتهي جميعها بلا استثناء، بانهزام تام للحب، عندما يصبح هدفًا يسعى له البطل بشكل عقلاني وواقعي. بين «المتوحشة»، و«الحب فوق هضبة الهرم»، و«موعد على العشاء» و«حبيبي دائمًا»، ينهزم الحب، ويموت الأحباء ويرحل الجميع خاسرين، بعدما سعوا لاكتمال قصص عشقهم، التي لا تكتمل.
ومع نهاية الحلقة الأخيرة، حيث البحر، والحضن، والأمان، والمستقبل السعيد، أيقنت تمامًا أن المسلسل يطرح لنا طرحًا يتفوق على كل الطروحات في المسلسلات السابقة.
لا يطرح المسلسل «الحب» في ذاته كحل ينتشلنا من أحزاننا، ولكن الهروب من واقع الحب إلى خياله. فالحل ليس في الحب نفسه، ولكنه في خيالاتنا نحن عن الحب. يقترح علينا صناع العمل ضرورة انتصار الحب في مخيلتنا، لنستطيع الاستمرار في المناورة، والتعامل مع انهزامات الواقع، التي قد يكون الحب ذاته، جزءًا منها.
تقارير ذات صلة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
«مرحبا دولة»: رحلة البحث عن «الشرطي الموظف» في الدراما
الجانب العبثي من حياة «البوليس»
«الريس بيتفرج».. إعلام ودراما الدولة في انتظار رصاصة الرحمة
ترقب وسيناريوهات غامضة لـ«المتحدة» بعد تصريحات الرئيس
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
