تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
قضاة الغد تختارهم الأكاديمية العسكرية

قضاة الغد تختارهم الأكاديمية العسكرية

توجيهات رئاسية بنقل صلاحيات اختبار واختيار المعينين الجدد في القضاء إلى الأكاديمية العسكرية

كتابة: رنا ممدوح 8 دقيقة قراءة

بعد إلحاح وسائل الإعلام المملوكة للشركة المتحدة على نشر محتوى دعائي للأكاديمية العسكرية المصرية «فخر لكل المصريين»، للترويج للدورات التدريبية المؤهلة للمدنيين للعمل في الحكومة، بثت قناة «دي إم سي»، في 18 يناير الجاري، لقاءً أجرته الإعلامية، إسعاد يونس، مع عدد من خريجي هذه الدورات، شمل مستشارين ومستشارات، وملحقًا دبلوماسيًا، ومدير مدرسة، وباحثة قانونية بمصلحة الجمارك، وأحد أئمة وزارة الأوقاف.

جاء اللقاء في توقيت كانت فيه رئاسة الجمهورية تُعد قواعد جديدة للالتحاق بالأكاديمية، وفيما تساءلت يونس على الهواء: «الدولة عايزة إيه؟»، كان مدير مكتب رئيس الجمهورية، المستشار عمر مروان، أبلغ قبلها بساعات رؤساء الجهات والهيئات القضائية بتوجيهات رئاسية جديدة تقضي بنقل سلطة الاختيار والتعيين من تلك الجهات والهيئات إلى الأكاديمية العسكرية.

caption
caption

وقال نائب لرئيس محكمة النقض، واثنان من نواب رئيسي هيئتي قضايا الدولة والنيابة الإدارية، لـ«مدى مصر»، إن مروان عقد اجتماعًا، خلال الأيام الماضية، مع رؤساء محكمة النقض، ومجلس الدولة، وهيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة، في قصر الاتحادية، وأبلغهم بتوجيهات رئيس الجمهورية بنقل جميع إجراءات تعيين أعضاء الهيئات القضائية، وفي مقدمتهم أعضاء النيابة العامة، إلى الأكاديمية العسكرية، بدلًا من دار القضاء العالي ومقار باقي الجهات والهيئات القضائية.

وبحسب المستشارين الثلاثة، الذين تحدثوا لـ«مدى مصر» بشكل منفصل وفضلوا عدم ذكر أسمائهم، حدد مروان خلال الاجتماع الإجراءات الجديدة، موضحًا أنه تقرر إلغاء اختيارات دفعة حقوق 2022، التي بدأت إجراءات تعيينها في فبراير 2023، على أن يعاد اختيار المرشحين للتعيين من جديد بمعرفة الأكاديمية العسكرية، كما تقرر إلغاء مقابلات تمهيدية للمتقدمين بالنيابة العامة الخاصة بدفعة 2024، أمام عضو بالتفتيش القضائي، بدأت منذ العاشر من يناير الجاري، على أن تُستكمل باقي الإجراءات داخل الأكاديمية. وبحسب أحد المتقدمين لشغل وظيفة معاون نيابة شملت مقابلات التفتيش القضائي التي عقدت حتى العاشر من يناير التأكد من استكمال الأوراق المطلوبة للتعيين، وأسئلة عن العائلة، وقياس الوزن والطول.

بموجب التوجيهات الجديدة فإن آلية التعيين ستتغير جذريًا، إذ لم تعد الجهات والهيئات القضائية هي المسؤولة عن اختيار المرشحين للتعيين لديها، وإجراء الاختبارات القانونية لهم، ثم إحالة من نجحوا في اجتيازها إلى الأكاديمية العسكرية للحصول على الدورة التدريبية المؤهلة للتعيين، بل ستبدأ جميع إجراءات التعيين وتنتهي داخل الأكاديمية نفسها، حسبما قال المستشارون الثلاثة، الذين أوضحوا أن خريجي كليات الحقوق سيتوجهون أولًا إلى الأكاديمية العسكرية لإجراء اختبارات الكشف الطبي، والكشف الرياضي، والكشف النفسي، والتحقق من تناسق الطول والوزن، فضلًا عن التحريات الأمنية. وبعد اجتياز هذه المراحل، تحال أسماء المقبولين إلى مجلس القضاء الأعلى، الذي يتولى اختبارهم في المواد القانونية من خلال «اللجنة السباعية» المكونة من أقدم سبعة مستشارين بكل جهة وهيئة قضائية، على أن يُمنح كل مرشح درجة في الاختبار القانوني.

وترسل اللجنة درجات المرشحين إلى الأكاديمية العسكرية، التي تتولى بدورها إجراء التقييم النهائي لكل متقدم استنادًا إلى نتائج جميع الاختبارات، وتُعدّ كشفًا نهائيًا بأسماء من تقرر قبولهم للالتحاق بالدورة التدريبية المؤهلة للتعيين، قبل أن ترسله إلى مجلس القضاء الأعلى لاعتماده. وفي المرحلة الأخيرة، ترفع الأكاديمية كشفًا بأسماء مجتازي الدورة إلى رئيس الجمهورية، لإصدار القرار الجمهوري بتعيينهم.

المسار الذي سيسلكه خريجو كليات الحقوق من أجل التعيين، بحسب نواب بمحكمة النقض وهيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة، تحدثوا لـ«مدى مصر»

ونقلت وسائل إعلام  عن ما وصفته بيانًا داخليًا لنادي القضاة، أن الأخير قرر عقد اجتماع طارئ عام، اليوم، للمداولة والتشاور، تمهيدًا لاتخاذ إجراءات لاحقة، وبالفعل دعا إلى جمعية عمومية غير عادية، حُدد لها السادس من فبراير المقبل، لمناقشة ما وصفه البيان بـ«أمر جسيم» يمس شؤون القضاء واستقلاله، دون تحديده.

عضو بنادي القضاة أوضح لـ«مدى مصر» بعدما طلب عدم ذكر اسمه، أن اجتماع النادي اليوم يهدف إلى التعبير عن غضب القضاة إزاء التوجه الرئاسي الأخير الذي يقف خلفه مدير مكتب رئيس الجمهورية ووزير العدل، مشيرًا إلى أن القضاة يطالبون بالتراجع عن منح الأكاديمية العسكرية أي دور إضافي في تعيين القضاة، لافتًا إلى أن مفاوضات تجري حاليًا بين مجلس القضاء الأعلى وعدة جهات بالدولة للتراجع عن هذا التوجه الجديد. 

حاول «مدى مصر» التواصل هاتفيًا مع رئيس نادي قضاة مصر، المستشار أبو الحسن فتحي قايد، للاستفسار عن آلية تعامل القضاة مع التوجيهات الرئاسية الجديدة، وما إذا كانوا سيمتثلون لها أو سيعارضونها، إلا أننا لم نتلق ردًا حتى كتابة هذه السطور. 

التوجيهات التي نقلها مروان إلى رؤساء الجهات والهيئات القضائية، ورافقها التأكيد على أنها غير قابلة للنقاش وواجبة التنفيذ الفوري، أثارت غضبًا واسعًا بين كثير من القضاة، وعلى رأسهم قضاة محكمة النقض، الذين وصفوها بأنها «اغتيال لاستقلال القضاء، وتجفيف لمنابع العدالة»، بحسب نائب آخر لرئيس محكمة النقض تحدث لـ«مدى مصر»، طالبًا عدم ذكر اسمه.

وقال المصدر نفسه: «العدالة لا تدار بالأوامر، ولا تقام بالصمت، ولا تصان بالخضوع وقبول الأمر الواقع، وإنما تقوم على المداولة الحرة، والاجتهاد المسؤول، والعقل المستقل، والضمير الحي. إنه وهم خطير أن يعتقد البعض أن العدالة يمكن أن تتحقق بأيدٍ مرتعشة، أو بعقولٍ خائفة، أو بقضاةٍ لا يملكون الحق في التعبير عن رفضهم لأوضاع خاطئة تحيط بهم وتمس كرامتهم واستقلالهم»، مشددًا على أن قبول القضاة التنازل عن استقلالهم، يومًا بعد يوم، يفرغ العدالة من مضمونها، ويحوّلهم من سلطة ضامنة للحقوق إلى مجرد أداة صامتة، فاقدة لروحها ورسالتها، بينما يدفع المجتمع ثمن ذلك.

من جهته، اعتبر رئيس المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، ناصر أمين، أن التوجيهات الجديدة، في حال صحتها، ستكون أكبر كارثة تتعرض لها السلطة القضائية في مصر منذ إنشائها، مشددًا في حديثه لـ«مدى مصر» على أن إخضاع تعيينات وترقيات القضاة بشكل كامل للأكاديمية العسكرية يقضي على أي استقلال قضائي متبقي في مصر. 

وأضاف أمين أن التوجيهات تمنح السلطة التنفيذية سيطرة كاملة على جميع مفاصل السلطة القضائية في مصر بما يخالف الدستور وقانون السلطة القضائية ومبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال القضاء، قائلًا: «نحن أمام هجوم غير مسبوق يستهدف وجود السلطة القضائية، وليس استقلالها فقط، بما يقضي على فكرة الفصل بين السلطات كأساس من أسس الحكم الدستوري، ويجعل مصر تُدار عبر سلطة واحدة فقط وهي السلطة التنفيذية».

كانت الأكاديمية العسكرية فرضت، بداية من يناير 2025، رسومًا إلزامية لتدريب المعينين بالجهات والهيئات القضائية بلغت 112 ألف جنيه للذكور، و120 ألفًا للإناث، بحسب ما أكده خمسة من  المستشارين والقضاة والقاضيات الجدد لـ«مدى مصر»، مشيرين إلى أن قرارات تعيينهم في الجهات والهيئات القضائية (مجلس الدولة، والنيابة العامة، والنيابة الإدارية، وقضايا الدولة) لم تُصدَر إلا بعد سداد هذه الرسوم.

سبق ذلك، في أبريل 2023، بدء الأكاديمية العسكرية مهمة تدريب المرشحين للعمل بالوظائف الحكومية، بعد إصدار أمين عام مجلس الوزراء، اللواء أسامة سعد، خطابًا دوريًا حصل «مدى مصر» على نسخة منه آنذاك، تضمن توجيهًا رئاسيًا لمجلس الوزراء يُلزم مؤسسات الدولة بحصول الراغبين في التعيين بالحكومة على دورة تأهيل داخل الكلية الحربية لمدة ستة أشهر كشرط أساسي للتعيين. 

وقبل صدور الخطاب، حضر الرئيس، عبد الفتاح السيسي، بنفسه عددًا من الاختبارات التي أُجريت داخل الأكاديمية العسكرية لاختيار موظفين مدنيين للعمل بالدولة، بدءًا من فبراير 2023، وهي الخطوة التي بررها آنذاك وزير النقل، كامل الوزير، بقوله: «نستهدف تعيين موظفين أكفاء ووطنيين». 

وردًا على مخاوف من عسكرة القطاعات المدنية، قال الوزير: «أهلًا وسهلًا بالعسكرة لو أن اختيار الموظفين سيكون وفق هذه الطريقة. ما العيب في أن نعلم المتقدمين الأمن لكي نحميهم ونحصّنهم من الشرور؟».

caption
caption
caption

تبع ذلك حضور الرئيس السيسي اختبارات أخرى داخل الأكاديمية العسكرية لعدد من المتقدمين لشغل وظائف متنوعة، شملت مدرسين، وأئمة أوقاف، وملحقين دبلوماسيين، وقضاة، وغيرهم. وحدد السيسي الهدف من تدريب العاملين في الوظائف المدنية داخل الأكاديمية العسكرية، خلال زيارته لها في 26 سبتمبر 2025، بأنه «بناء وإعداد وتأهيل شخصية مشعة. سواء كان شابًا أو شابة، فإن تأثيره يمتد إلى أسرته ومجتمعه»، وأوضح أنه يستهدف، خلال السنوات العشر المقبلة، تدريب نحو 100 ألف من العاملين في الوظائف المدنية، ليمتد أثرهم إلى أسرهم، ليصل العدد إلى نحو نصف مليون شخص، على حد تقديره، بالإضافة إلى تأثير الإعلام ومنابر المساجد والكنائس، مضيفًا: «مع بعضنا، كلنا نقدر نحقق الأثر أو الهدف اللي إحنا عايزينه لبلدنا، أنا واللي بعد مني».

وأشار نائب آخر لرئيس هيئة قضايا الدولة لـ«مدى مصر» إلى أن دور الأكاديمية لم يقتصر على اختيار المعينين الجدد، وإنما امتد إلى سلطة ترقية الدفعات التي عينت قبل بدء العمل بالدورات العسكرية، حيث بدأ التحاق المرشحين بدورات الأكاديمية في يونيو 2024، فيما حُرم قرابة 100 مستشار ومستشارة بهيئة قضايا الدولة وحدها، من دفعات 2017 و2018، ممن عُينوا بموجب القرار الجمهوري رقمَ 207 لسنة 2023، من الترقية من درجة مندوب مساعد إلى مندوب بسبب عدم اجتيازهم للاختبارات المؤهلة لحضور الدورة التدريبية في الأكاديمية، وهو ما جعل رئيس الجمهورية يصدر قراره رقم 429 لسنة 2025، في أغسطس الماضي، باستبعادهم من الترقية، وترقية من اجتاز دورة الأكاديمية فقط.

وكانت هيئة مفوضي الدولة بمحكمة القضاء الإداري أوصت في عشرات الدعاوى القضائية التي أقيمت أمام محكمة القضاء الإداري بداية من أكتوبر 2025 بإلغاء قرار رئيس الجمهورية، معتبرة، في تقارير المفوضين التي حصل «مدى مصر» على نسخة منها أن اجتياز دورة الأكاديمية العسكرية ليس شرطًا قانونيًا لترقية عضو هيئة قضايا الدولة إلى الوظيفة الأعلى سواء في قانون هيئة قضايا الدولة رقم 75 لسنة 1963 أو في قانون إنشاء الأكاديمية العسكرية المصرية رقم 149 لسنة 2022، ومن ثم فإن اجتياز دورة الأكاديمية العسكرية لا يصلح سببًا للترقية أو مانعًا يحول دونها.

عن الكاتب

رنا ممدوح

صحفية مصرية متخصصة في الشؤون القضائية والبرلمانية.  عملت لصالح عدد من الصحف المصرية والعربية، منها «الدستور»  و«التحرير» و«المقال» و«الأخبار» [اللبنانية] و«السفير العربي». وذلك بالإضافة إلى عملها كمراسلة لوكالة الأنباء الروسية…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن