قصص من الثورة: علا شهبة وياسمين البرماوي
تنويه: الكومكس يحتوي على سرد تفصيلي لأحداث شديدة العنف.
على مدار 11 عامًا، في كل ذكرى لثورة 25 يناير، كانت المقالات والمنشورات التي يكتبها الناس ويتداولونها تنضح بالنوستالجيا والمرارة، وتجترّ أسئلة حول ما تعلّمناه وما يمكننا تعلمه، مع محدودية المعالجة الجمعية البناءة لأحداث وطروحات تلك الفترة. كان السؤال دائمًا: أي جوانب من هذا التاريخ نطرح للجدل العام؟ وأيها لا نزال عاجزين عن استيعابه؟
فكرنا هذا العام في محاولة لبلورة أحد الجوانب الهامة للثورة تخص نضال الثوريات، وما تعرضن له لكونهن نساء، عبر نشر كوميكس مبني على شهادتي ناشطتين تحدثتا عن تعرضهما للاعتداء الجنسي خلال الاحتجاجات في أواخر 2012، وتمسكتا بضرورة أن تُجابه قوى الثورة المختلفة العنف الذي ينال من النساء بشكل مضاعف في مثل تلك الأحداث.

في نوفمبر 2012، تعرضت الموسيقية ياسمين البرماوي، للضرب والاغتصاب على يد حشد كبير في ميدان التحرير. وبعدها بعدة أيام تعرضت الناشطة وباحثة الأنثروبولوجي، علا شهبة، للضرب والاعتداء الجنسي والاعتقال بواسطة أنصار جماعة الإخوان المسلمين عند القصر الرئاسي.
الشهادات وتقارير الصحفيين والمنظمات الحقوقية ومجموعات المقاومة الأهلية سجّلت تعرض مئات النساء للاعتداء في ظروف مشابهة بين نوفمبر 2012 ويوليو 2013. هؤلاء النساء تعرضن للضرب والتعرية والاغتصاب، وكان ذلك يجرى أحيانًا وسط حشود من مئات الأشخاص بين معتدين ولصوص وهواة التصوير، وآخرين يحاولون إنقاذ الضحية.
مشروع الكوميكس اقترحته البرماوي، ونظمته منال حمزة، أستاذة دراسات النوع الاجتماعي والجنسانية في جامعة ولاية نيومكسيكو، والتي ضمّت شهادتي شهبة والبرماوي إلى كتابها «النساء اللاتي يناهضن العنف الجنسي والثورة المصرية: شهادات نسوية عربية». تعتبر حمزة شهادات النساء عن الاعتداءات الجنسية ضمن تاريخ مشاركتهن في «الثورات المستمرة» في مصر، أداة سياسية لزيادة الوعي وإحداث التغيير.
في الكومكس، تنظر النساء إلى الاعتداءات الجنسية بوصفها تكتيكًا سياسيًا يهدف إلى إثنائهن عن الاحتجاج، وأحد المظاهر العديدة للعنف القائم على النوع المتفشي اجتماعيًا. قالت شهبة خلال نقاش أداره «مدى مصر» في أواخر سنة 2021: لم نكن نتوقع ذلك من رجال في زي غير رسمي. نأمل أن نضع القارئ في مواجهة ما حدث، وتوقعاتنا في ذلك الوقت.
رسمت سلمى الطرزي وريم نجيب شهادتي البرماوي وشهبة بين 2017 و2018، وهذه هي المرّة الأولى التي تنشراها تُنشران فيها. انخرطت هؤلاء النساء في صيرورة عمل تعاوني، تكلمن خلالها لساعات عن تجاربهن، واطّلعن معًا على مسّودات الرسومات. ولأن العنف الجنسي ضد النساء يُقدَّم في الأعمال الإبداعية في أحيان كثيرة بوصفه مثيرًا جنسيًا، فقد كان أحد أثقل هموم النساء كيفية تضمين تفاصيل تلك الروايات وتجنّب حجب تفاصيلها، دون إثارة. قالت الطرزي: ليس بيدنا الكثير، ولا يمكننا التحكم في الموجود بالفعل في عقول الناس.
رسمت نجيب قصة شهبة بالأبيض والأسود، أمّا الطرزي فقد رسمت بالألوان حواراتها مع البرماوي عن الاعتداء، لكن اللوحات التي تصور التجربة نفسها غابت عنها الألوان. وإذا ﻻحظتم انخفاظًا في الجودة التقنية للصور فهذا يعود إلى أنها أعدت بالأساس للنشر الورقي.

كانت كل من شهبة والبرماوي ترى نفسها فاعلة سياسية ملتزمة بالثورة، واستمرت تلك الرؤية بعد الاعتداء عليهما. تعبر الرسومات عن غضب وخذلان شعرتا بهما، خاصة تجاه الأصدقاء والرفاق الثوريين الذين طلبوا منهما عدم الإعلان عن تجربتيهما حفاظًا على صورة ميدان التحرير. تقول البرماوي: «لو كان الرجال الذين اعتدوا علينا يرتدون زيًا رسميًا، لكانوا [الحلفاء المفترضون] أعلنوا في اليوم التالي ما حصل. واضح جدًا كيف كان الأمر يمكن أن يسيّس».
البرماوي وشهبة ونساء عديدات أخريات من اللواتي تحدثن على الإنترنت وفي البرامج التليفزيونية، ساهمن في موجة تعبئة شملت مجموعات أهلية، مثل قوة ضد التحرش وحرّاس التحرير، نظمت فِرَقَ تَدَخُّلٍ لإنقاذ النساء من الاعتداءات بسحبهن جسديًا ومساعدتهن على الوصول إلى مكان آمن، كما قدّموا خدمات طبية وقانونية عند اللزوم.
تلك اللحظة من تاريخ النسوية في مصر محمّلة بالكثير عن العنف الجنسي، خاصة في ما يتعلق بمواجهة التكلفة التراكمية للتحدث علانية ومواجهة التشكيك، وكذلك إرباك الصور النمطية التي يألفها الناس عن ضحايا الاغتصاب، والمغتصبين، والثوّار. تقول شهبة: تحدّثت في التليفزيون بعد ساعات من الاعتداء عليّ، وأتذكر أن امرأة قالت إنها لا تصدقني لأنني كنت أتحدث بهدوء، فتتساءل البرماوي: «لم تصدقك حتى مع الكدمات في وجهك!»
تقول الطرزي، التي ساعدت في تنظيم قوة ضد التحرش وتعرضت هي ذاتها للاعتداء الغوغائي أثناء محاولتها إنقاذ نساء أخريات في ميدان التحرير سنة 2013، «بين من يحيون ذكرى الثورة وجراحها وتضحياتها لا أحد يذكر تلك الاعتداءات أو المجموعات التي كانت تعمل لمواجهتها».
تقول حمزة: «نأمل نحن كمجموعة أن نقدم شهاداتهن على نحو أكثر ديمومة وأيسر من ناحية الإتاحة، وأن نُعلي النضالات الثورية للنساء في ثورة يناير. كما نأمل أن نرسّخ تجاربهن في الذاكرة الجمعية للمصريين والعرب وكل من يناضلون لأجل الكرامة والعدالة والحرية. وآمل أيضًا أن تُعرض الرسومات وتُناقش قريبًا كأعمال فنية قائمة بذاتها، وأن تُنشر القصص بعدة لغات».
تنويه: الكومكس يحتوي على سرد تفصيلي لأحداث شديدة العنف.
يمكنكم مشاهدة كومكس ياسمين البرماوي هنا وعلا شهبة هنا.
الرسومات منشورة بإذن منال حمزة ودار نول للكتب.
تقارير ذات صلة
ثورة يناير.. الذكرى تحت الركام | حوار مع عاطف سعيد
ما هو مبدأ اللا يقينية في تحليل الثورات، وكيف يستخدم لرؤية أعمق للثورة المصرية؟
كنتُ صغيرًا حين قامت ثورة
ذاكرتي لا تحتفظ بصورة أو حدث، لكن ما يترسب في قاعها أثر الكلمة: «ثورة»
الثلاثاء 21 يناير: بالمخالفة للدستور.. تعويضات للنوبيين بدلًا من «العودة»
ينص الدستور على أن «تعمل الدولة على وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلي مناطقهم الأصلية»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن