في مؤامرة شبرا: من قتل الجناب الخديوي إلى الاتهام بالشيوعية
الحلقة الأولى من كوكبة «المصريون والسجن: سنوات دامية للمثقفين والجلادين خلف الأسوار»
بالطبع ليس المصريون وحدهم هم الذين لعب السجن والمعتقل وآلات التعذيب والمحاكمات دورًا أساسيًا في حياتهم، فالقمع والانفراد والاستغلال وصراع الطبقات أمور لا تحتاج للتأكيد، بل هي واقع عاشته وتعيشه سائر المجتمعات منذ قرون وسوف يستمر أيضًا، وإن كنت أتمنى ألا يستمر حتى النهاية.
برنامج القراءة الذي أقترحه هنا يطمح للاقتراب من تلك التجربة المخيفة بكل ما فيها من بسالة وانكسار لمن عاشوا خلف الأسوار، من تعذيب وتنكيل اقترب في أحيان كثيرة من القتل، ناهيك عن أن هناك من قُتلوا فعلًا وتم تعذيبهم حتى الموت. ويطمح للاقتراب أيضًا من مستعمرات العقاب ذاتها ومعسكرات الاعتقال في سائر بقاع المحروسة. ومن بين ما يسعى إليه برنامج القراءة الذي أقترحه الكشف عن دهاليز وخفايا نظام التحقيقات والمحاكمات الذي أتاح وسمح بمساخر لا حصر لها، لا تتعلق فقط بإهدار سنوات طويلة من عُمر المعتقلين داخل مستعمرات الاعتقال، بل أتاح أيضًا وسمح بأن تعيش مصر ومثقفوها وقواها الاجتماعية عدة عقود متوالية، في أوهام وضلالات الحكم العسكري المطلق منذ عام 1952 وحتى الآن.
أود أن أؤكد أن التجارب التي توقفت عندها ليست كل التجارب بالطبع، وشهادات المعاصرين لتلك التجارب ليست هي كل الشهادات، لهذا كان لا بد من الاختيار، والحرص على أن يكون الاختيار ممثلًا للصورة العامة التي أسعى من أجل توضيحها والإحاطة بها.
كما أؤكد أيضًا أن ما سوف أتناوله ينصرف إلى الشهادات والوقائع غير الجنائية، ولا يعني هذا أن الأخيرة ليست مهمة أو أقل من غيرها، بل فقط من أجل التركيز ومحاولة الإحاطة بأشكال من النشاط السياسي التي تم تجريمها والإلقاء بمرتكبيها في السجون. وحتى في ما يتعلق بالوقائع التي اعتُبرت جنائية مثل مؤامرة شُبرا، التي اتهم فيها شباب أو حتى صبية طائشون بالتخطيط لقتل الجناب الخديو وعطوفة رئيس الوزراء وجناب اللورد كتشنر عام 1912، أو تجربة أحد أعضاء الجماعة الإسلامية. كان المقصود من تناولهما كشف وإدانة العدوان على حقوق أي إنسان حتى لو كان موقفه السياسي يحتمل الخلاف، بل والإدانة خصوصًا في ما يتعلق بالقتل السياسي أو الاغتيال واستعمال القوة بدلًا من النضال السلمي.
على أي حال، توصلتُ إلى أحد عشر تجربة من التجارب التي امتدت منذ مطلع القرن الماضي وحتى نهايته. الأولى مؤامرة شبرا السابق الإشارة لها، والتي وقعت أحداثها عام 1912 من خلال كتابين أصدرهما المتهم الأول في القضية محمود طاهر العربي. ثم أتوقف طويلًا أمام واحدة من أحط المخازي التي لا يقل تأثيرها وما تركته من بصمات، لا يبلوها الزمن، عن توحش النازية في المعسكرات التي أقامتها للمخالفين واليهود عشية وأثناء الحرب العالمية الثانية.
المقصود هو سجون ومعتقلات الناصرية خلال الفترة من منتصف خمسينيات القرن الماضي وحتى منتصف ستينيات القرن نفسه، في عدد كبير من السجون ومعسكرات الاعتقال. في هذا السياق اخترتُ كتاب سعد زهران «الأوردي .. مذكرات سجين» (الأوردي كلمة تركية تعني الملحق) عن التجربة الدامية في «أوردي» أبو زعبل كنقطة انطلاق، وبجواره وحوله عدد لا بأس به من شهادات المعاصرين الذين سجّلوا تجاربهم.
أما تجربة الواحات، فقد انطلقتُ من كتابين أساسيين: الأول «يوميات الواحات» لصنع الله إبراهيم، و«مدرسة الثوار» لعلي الشوباشي، وبجوارهما وحولهما عدد لا بأس به من شهادات المعاصرين. ولما كانت النساء المناضلات لم يتعرضن لتجربة «الأوردي» أو «الواحات»، فقد اخترتُ كتاب «مذكرات إنجي إفلاطون.. » التي سجلّت التجربة المتزامنة مع تجربة الواحات، في سجن آخر هو سجن القناطر للنساء، وحوله وبجواره عدد لا بأس به أيضًا من الشهادات (وكنت حريصًا في كل التجارب التي تناولتها على شهادات المعاصرين، وليس كل الكتابات التي تناولت مآسي ومخازي الاعتقال). وفي هذا السياق تناولت تجربة نادرة لم تتكرر مطلقًا جرت في الواحات، قام بها اثنان من السجناء بالهروب ونجحا في محاولتهما، وذلك من خلال كتاب «الهروب الكبير من معتقل الواحات» لمحمد أحمد عويضة.
وكنتُ حريصًا أيضًا على تناول شهادة لأحد قادة الإخوان المسلمين، وهو علي عشماوي من خلال مذكراته، وربما تكمن أهميتها في أن عشماوي كان آخر قادة التنظيم الخاص، وشارك سيد قطب، وكان قريبًا منه.
وخلال سبعينيات القرن الماضي، شهدت الحركة اليسارية نهوضًا واضحًا وخرجت إلى الشارع مظاهرات واحتجاجات لافتة، وأعقبها بطبيعة الحال حملات اعتقال طالت العديد من المثقفين والأدباء والفنانين. هنا اخترت كتابين الأول «رسوم الزنزانة» لعز الدين نجيب، الذي سجّل عددا من تجارب السجن والاعتقال خلال سبعينيات القرن المنصرم. والثاني هو كتاب «الإمساك بالقمر» لكاتب هذه السطور، وسجّل فيه تجربتي اعتقال جرتا في ثمانينيات القرن الماضي.
ولتجربة الجماعة الإسلامية اخترت كتاب «الخروج من بوابات الجحيم» لماهر فرغلي،الذي خاض تجربة عضوية الجماعة سابقًا. وأخيرًا توقفت عند عام 1989 الذي شهد واحدة من تجارب الاعتقال الفاضحة لنظام حسني مبارك وسجّلها عبد الخالق فاروق في كتابه «أبو زعبل 1989».
وفي النهاية لا أظن أنني بحاجة إلى تأكيد أن ما أهدف إليه هو فضح وإدانة التعذيب بكافة أشكاله، والعدوان على الكرامة الإنسانية. وإذا كان من حق المجتمع، أي مجتمع، استصدار القوانين والتشريعات التي تنظم سجن من يخالفون القانون من أجل حماية المجتمع، فإن كافة مواثيق حقوق الإنسان الدولية تدين الانتهاك والتعذيب، كما أنه ليس من قبيل المصادفة أن يعتبر القانون المصري أن جرائم التعذيب لا تسقط بالتقادم ويمكن تحريك الدعوى الجنائية في أي وقت.
هذه أول قضية سياسية بعد أن تأسس المكتب السياسي في وزارة الداخلية، إثر بوادر النهوض الوطني، وبعد نحو 30 عامًا على هزيمة انتفاضة عرابي والاحتلال الإنجليزي للبلاد عام 1882. كان إبراهيم ناصف الورداني، من أبناء الحزب الوطني، الذي كان مصطفى كامل وضع لبناته الأولى، قام باغتيال رئيس الوزراء، بطرس باشا غالي، احتجاجًا على تفريطه وموافقته على مد امتياز قناة السويس عام 1910، وخشيت سلطات الاحتلال من انتشار السُخط بسبب عسف الأخير واضطهاده للوطنيين.
رأت «الداخلية» أن المستقبل ينذر بالخطر، وكانت دعاوى مصطفى كامل تلهب الشباب والطلاب صغار السن، وبدأ طلاب المدارس في التململ في مدارسهم، أو إنشاء بعض الجمعيات للنشاط الثقافي أو حتى الاجتماعي، وسرعان ما تتحول تلك الجمعيات إلى المناقشات السياسية ومهاجمة الاحتلال، لذلك تم تأسيس المكتب السياسي لمراقبة ومتابعة هذا النشاط الذي بدأ في التنامي، وتولى ضابط يُدعى فلبيدس بك من أصل شامي قيادته، إلى جانب عمله كمأمور ضبط محافظة مصر أي القاهرة. (في تلك الفترة ولسنوات طويلة حتى أواخر أربعينيات القرن الماضي كانت أغلب قيادات «الداخلية» إنجليز أو أوروبيين عمومًا والبعض منهم كانوا من أصول شامية).
أعتمدُ هنا بشكل أساسي على كتابين أصدرهما محمود طاهر العربي، المتهم الأول في قضية شبرا مع آخرين بالتخطيط ومحاولة قتل الجناب الخديوي وفخامة اللورد كتشنر المعتمد البريطاني وعطوفة رئيس الوزراء، محمد سعيد باشا. الكتاب الأول «12 عامًا في السجون» الصادرعام 1923، وأعادت طبعه دار المحروسة عام 2019، والأخيرة هي الطبعة المتوافرة الآن. والثاني هو كتاب «هذا المجتمع الظالم» مطبعة دار المستقبل بدون تاريخ، لكن المؤلف يذكر في الصفحة الأولى أنه كتبه بعد مرور 27 عامًا على صدور الكتاب الأول عام 1923 أي أنه صدر عام 1950 تقريبًا.

على أي حال، يشير العربي أنه اضطر في الكتاب الأول لأسباب تتعلق بسعيه للحصول على عفو ملكي بعد قضائه مدة العقوبة، يمحو الآثار المترتبة على إدانته وسجنه، وهو ما حدث بالفعل على يد الملك فاروق في يونيو 1940، اضطر إلى أن يذكر فقط ما جرى على النحو الذي تقدم به إلى جهات التحقيق، فيما أضاف في الكتاب الثاني وقائع وحقائق جديدة بعد أن زال السبب، ومع ذلك يمكن من خلال الكتابين معًا الخروج برواية واحدة تجمع بينهما.
ولد العربي عام 1893، وتوفيت أمه في طفولته وعانى -كما يذكر- من قسوة زوجة أبيه. ومن بين الحوادث التي كان حريصًا على أن يوردها وهو تلميذ في المدرسة عام 1910 إغلاق والده لنافذة حجرته بالمسامير بإيعاز من زوجة أبيه، والنافذة تطل على نافذة حجرة حبيبته بنت الجيران، «فجن جنوني وألقيتُ بنفسي من أعلى المنزل طلبًا للموت، وبقيتُ فترة طويلة أعالج مما أصابني» حسبما ذكر. وعلى مدى صفحات الكتاب، من تدبير المؤامرة والتخطيط لها إلى دخوله السجن ليمضي 12 عامًا، سيلاحظ القارئ أن العربي سريعًا ما يفقد صوابه ويخرج عن طوره، ويعاني من خلل واضح ولا يحسب حسابًا لتصرفاته. وفي الوقت نفسه كان متأثرًا بأفكار مصطفى كامل وحريصًا على قراءة جريدة «اللواء» التي أسسها الأخير، كما عقد صداقات مع شباب يماثلونه في أفكاره التي تتلخص في كراهية الاحتلال والعمل على خروج الإنجليز.
وفي المدرسة كان دائم الضجيج والمشاحنات وخصوصا مع مدرسيه الإنجليز، ووصلت أخباره لفلبيدس بك الذي استدعاه وهدده مؤكدًا أنه مراقب واسمه في القائمة السوداء. وتكرر استدعاؤه بسبب إصداره لمجلة «النسيم» دون ترخيص، وواصل مشاغباته إلى الحد الذي دفع ناظر المدرسة لتسليمه لفلبيدس بك في المحافظة. ولم يفرج الأخير عنه إلا بعد وساطات ورجاءات والده.
*
وفي لقاء تم بالمصادفة بينه وبين أحد أصدقائه بدأ التفكير الصبياني في تكوين جمعية للاغتيال السياسي. وانضم إليهما صديق ثالث ثم رابع، وتدربوا في الصحراء على إطلاق النار. ومن المثير للدهشة أن يحصل بسهولة ومن «شخصية حزبية كبيرة محترمة على مسدس محترم أيضًا» حسبما ذكر. وما لبثوا أن بدأوا عملهم بزيارة قبر الورداني (الذي اغتال بطرس باشا غالي). وعلى شاهد القبر وضعوا أيديهم فوق مصحف ومسدس وتعاهدوا على السير في الطريق الذي اختاروه.
تكونت الجمعية من أربعة أشخاص لم يكن العربي واثقًا في أحدهم وداخلته الشكوك منذ اللحظة الأولى، ومع ذلك عقدوا أول اجتماع لهم وقرروا فيه اغتيال اللورد كتشنر ومحمد سعيد باشا رئيس مجلس النظار واقترعوا على اسم منفّذ العملية، ووقعت القرعة على العربي للبدء بقتل سعيد باشا، وتقرر أن يسافر إلى الإسكندرية، حيث كان سعيد آنذاك مع الوزراء في المصيف كالعادة.
وهكذا يبدو الطيش والخفة وعدم تقدير المسؤولية بل واللهو الصبياني واضحًا في كل ما سبق.
على أي حال، في 29 يونيو 1912 ودّع أصدقاءه، بعد أن كتب رسالتين، الأولى لأبيه يعتذر له ويطلب غفرانه، والثانية لحبيبته على الرغم من أنهما كانا متخاصمين، لكنه كان حريصًا على أن يبثها لواعج غرامه، واختتم رسالته قائلًا «اليوم أودعك الوداع الأخير وأستودعك الله وأناشدك أن تذكريني بخير إذا ذُكر خُدّام الوطن»!!
ومن سوء حظه أن الرسالتين وصلتا فيما بعد إلى يد الخديو والسير ونجت المعتمد البريطاني، واعتبرتا -الرسالتان- دليل إدانة وحالتا دون العفو عنه بعد ذلك.
سافر العربي ومعه مسدسه بصحبة زميله في العصابة «واكد» إلى الإسكندرية، ليرشده إلى المدينة التي لم يكن يعرفها مطلقًا، واصطحبه واكد إلى منزل رئيس النظار وديوان الحكومة في زيزينيا والنادي الذي اعتاد سعيد باشا السهر فيه ولعب القمار، مؤكدًا له أن تلك الأماكن الثلاثة التي دلّه عليها هي الأماكن الوحيدة التي يتحرك فيها رئيس النظار.
أما العربي فقد كان معه 140 قرشًا، رأى أن يستبقي منها عشرة قروش فقط، ويعطي الباقي لصاحبه، فهو لا يحتاج للنقود، وبعد ساعات سيكون قتل سعيد باشا وانتهى الأمر، وغادره صاحبه بعد أن ودّعه.

ركب العربي الترام إلى زيزنيا في موعد انصراف رئيس مجلس النظار، وفوجئ به في سيارة مقفلة ومحاطة من جهاتها الأربع براكبي الموتوسيكلات المزودين بالسلاح، ولم يستطع تنفيذ مهمته. كرر المحاولة عدة مرات، وشعر أنه معروف بالنسبة لأفراد الأمن في المنطقة، وأنفق القروش العشرة على ركوب الترام من وإلى زيزنيا.
كان هناك شيء خاطئ فيما يجري، وهو ما تبينه لاحقًا، وسأعود إلى ذلك. على أي حال عضّه الجوع والعطش، وضاعف فشل محاولاته بسبب إحكام الأمن من شعوره بالتوتر والخوف. ولعبت المصادفة دورها عندما التقى بشاب -لا يذكر اسمه- ولم تكن تربط به إلا معرفة بسيطة، فأخبره أنه فقد حافظة نقوده، وكان الشاب كريمًا ونبيلًا لسببين. الأول أنه أطعم العربي واستضافه في بيته وأعطاه ثمن تذكرة العودة بالقطار، والثاني أنه لزم الصمت بعد القبض على العربي فيما بعد، ولم يشأ أن يكون شاهد إثبات على وجوده في الإسكندرية.
اتفقت العصابة واقترعت على عمليتها الثانية وهي محاولة اغتيال اللورد كتشنر المعتمد البريطاني. هناك ثغرات عديدة في رواية العربي، من بينها مثلًا لماذا هو تحديدًا الذي تقع عليه القرعة دائمًا لتنفيذ محاولات الاغتيال؟ وأين أمضى الليلة الأولى في الإسكندرية قبل أن يلتقي بالشاب الذي لم تكن تربطه به إلا معرفة بسيطة؟ ومع هذا واصل محاولاته، وترصد للورد كتشنر في محطة القطار، حيث كان الأخير عائدًا من إحدى مهامه، ووقف بين مستقبليه لكنه لاحظ كيف أنه محاصر من أفراد الأمن وحراسة اللورد، كأنهم يعرفونه ويعرفون مهمته، وحاول تكرار المحاولة مرة أخرى، وكان الفشل من نصيبه أيضًا.
يلاحظ قارئ كتاب العربي، الذي عُني بذكر التفاصيل، أن العصابة كانت تتشكل من صبية يتشاحنون ويغيظون بعضهم بعضًا، ولما كان من بينهم خائن (لم يكتشفوه إلا بعد القبض عليهم)، استغل هذا التشاحن وأشعل نيرانه، حتى تأكد للعربي أن هناك من بينهم من يبلّغ البوليس قبل كل محاولة، سارع بإخبار الزملاء أنه تركهم ولن يواصل ما بدأوه. وافقه زميلاه، فيما رفض الزميل الرابع (الخائن) وحاول إثنائهم. وكما هو واضح كانت خطة الخائن التي سبق له أن تلقاها من فلبيدس بك ضبطهم متلبسين، وهو ما فشلوا فيه حتى الآن، وعٌدلت الخطة بعد فشلها إلى خطة جديدة.
تفاصيل الخطة الجديدة كانت اصطحاب أفراد العصابة إلى بار العائلات في شبرا ليودع بعضهم بعضًا، ويفضّون عصابتهم وينهون كل شيء. كان زميلهم الرابع -الخائن- هو الذي اقترح مكان الوداع بإيعاز من فلبيدس، الذي اختار مكانًا سبق له معرفته، ويستطيع من خلاله التنصت على الشباب. وهكذا توجه الأخير ورجاله إلى بار مجاور، لا يفصل بينه وبين بار العائلات إلا ستار من الحصير.
يؤكد العربي أنهم التقوا في التاسعة مساءً و«أكدنا عدولنا عن الجريمة وتعاهدنا على أن يكون هذا آخر لقاء بيننا وأن ينصرف كل منا إلى عمله الخاص». ويضيف «حقيقة أننا تآمرنا واتفقنا على اغتيال هؤلاء العظماء في ساعة طيش وجنون. ولكن ألم نعدل من تلقاء أنفسنا وقبل أن يظفر البوليس بنا؟» أخرج العربي المسدس الذي كان في حوزته، وأعاده للزميل الذي كان توسط في إحضاره أصلًا، وأقسموا على نسيان ما جرى وألا يقابل أحدهم الآخر وينسون كل شيء.
أثناء اللقاء كان فلبيدس بك ورجاله يختبئون في المقهى المجاور وراء الحصير يستمعون لكل شيء. أما أفراد العصابة الذين أنهوا آخر لقاء بينهم فقد غادروا بار العائلات في الحادية عشرة وركبوا الترام للعودة إلى بيوتهم، وعندما وصل الترام إلى أقرب محطة لقسم البوليس هاجم فلبيدس ورجاله الشباب وألقى القبض عليهم.
*
انشغل الناس بالمحاكمة المثيرة التي تولى التحقيق فيها النائب العام، عبد الخالق ثروت باشا، وشهد فلبيدس ورجاله أنهم استمعوا لأفراد العصابة وهم يتفقون على تنفيذ مؤامرات اغتيال جديدة ومواصلة اتفاقهم الجنائي. وكان فلبيدس أعد أوراقا فضلا عن تقارير تتضمن متابعته للعصابة ومراقبتها، ولذلك تم إدانتهم وحُكم على المتهم الأول العربي بالسجن 15 عامًا.
ومن المثير للدهشة أن العربي التقى بعد خمس سنوات بفلبيدس بك في السجن! الذي حوكم في قضية رشوة واختلاس وأدين هو وزوجته، وإن كان الجناب الخديو تفضل بالعفو عن الأخيرة، فيما حُكم على فلبيدس بخمس سنوات، بعد أن ثبت تقاضيه رشاو وقيامه بالاختلاس.
وبدأت الخيوط تتضح. كان فلبيدس يحصل للمكتب السياسي على مبالغ طائلة كمخصصات رسمية لينفقها على عملائه ومخبريه، وبدلًا من ذلك اختلس أغلب المخصصات ودبّج التقارير المزيفة اللازمة. وبسبب نفوذه كرئيس للمكتب السياسي (وهو الجد الأعلى للقلم السياسي ومباحث أمن الدولة والأمن الوطني) تلقى رشى وعاث فسادًا، وتم الإيقاع به متلبسًا.
وحتى تكتمل المسخرة، كان أول من التقاه فلبيدس بك فور دخوله السجن هو العربي!
وبدلًا من أن ينتقم العربي، كان لديه خطة أخرى.
*
وكان صاحبنا قد تغير خلال السنوات الخمس. دخل السجن وهو لا يزال في الـ18 من عمره، وعانى وتعذب وحُرم وعوقب وألقي به في التأديب (التأديب هو عقوبة داخل العقوبة، أي أن المسجون الذي يخطئ، يعاقب بإلقائه في التأديب، في زنزانة ضيقة بلا فتحات ويحرم تمامًا من مغادرتها خلال المدة المحكوم عليه بها) كما تقلب بين عدة مهن في السجن: خباز وغسال وترزي ونجار.. وغيرها وغيرها. وشهد أشهرًا وسنوات من التضييق والمنع والحجر حسب إدارة السجن، وحسب مزاج السجانين والباشسجانين وكبار المسجونين وصغارهم ممن يعملون في خدمة كبار المسجونين. تعلم حيل السجن وألاعيبه والتحايل على لوائحه، وكان معروفًا بصفة خاصة بسبب الجريمة التي دخل بسببها السجن، وهي محاولة قتل أكبر الرؤوس في البلاد.
فعلى سبيل المثال عمل العربي غسالًا في السجن، وفوجئ أنه مكلّف -مع زملائه- ليس بغسيل ملابس المسجونين فقط، بل أيضًا بغسيل ملابس جيش الاحتلال، وكذلك ملابس عائلات كبار ضباط السجن وفق نظام خاص.
ويصلح ما سجّله في كتابيه «12 عاما في السجون» و«هذا المجتمع الظالم» لأن يكون وثيقة اجتماعية وسياسية لواقع السجون، بل هو من أقدم الوثائق المتاحة. ويمتلك العربي لغة متحررة من ألوان البديع المختلفة، على عكس لغة معاصريه، لذلك فكتابيه -أو وثيقتيه- كاشفتين ومباشرتين. يتبين منهما القارئ الأصول البعيدة لنظام السجون الذي أسسه الاحتلال الإنجليزي وأولاه عنايته الكبرى، كما أن السجون في مصر هي صورة من السجون الإنجليزية من حيث البناء والتقسيم الهندسي، فضلا عن بعض اللوائح المتشابهة.
*
أعود إلى اللقاء «التاريخي» بين الجزار فلبيدس بك والضحية طاهر العربي. حسبما يذكر الأخير فقد استقبله بود وساعده ووفّر له احتياجاته، وكان يملك بحكم أقدميته وتقلّبه في أكثر من صنعة في أكثر من سجن أن يساعد فلبيدس ويوفّر له إقامة مريحة.
وفي النهاية، نجحت جهوده وتمكن من الحصول على مقابل خدماته لفلبيدس باعتراف مكتوب بخط يده بالحقيقة، أي أن شهادته بأن عصابة شبرا كانت تخطط لارتكاب اغتيالات جديدة كانت على خلاف الحقيقة. وقام بتهريبه إلى الخارج، ونُشر في إحدى الصحف الحزبية، لكن خطة العربي لم تنجح، بل تم عقابه وعقاب مأمور السجن الذي نُفي إلى سجن آخر بعيد، بعد تحقيق بسبب خروج ورقة اعتراف فلبيدس من السجن، وعندما حققت إدارة السجن، عدل الأخير عن اعترافه.
من جانب آخر، كان لوالده القريب من بعض دوائر الحكومة صلات بجهات مؤثرة، وحاول استخدامها ليحصل لابنه على عفو، لكنه فشل بسبب الخطابين السابق الإشارة لهما، واللذين كان العربي كتبهما لحبيبته وأبيه قبل سفره إلى الإسكندرية لاغتيال رئيس الوزراء.
وهكذا.. أفرج عنه في 23 يوليو 1923 بعد أن أمضى ثلاثة أرباع المدة، مع نظام خاص للمراقبة يتضمن عدم مغادرة مسكنه قبل شروق الشمس أو بعد غروبها، وأن يعرض نفسه كل يوم جمعة على مركز البوليس التابع له ومعه دفتر المراقبة للتأشير عليه باللازم.
وهنا يكتب العربي صفحات عديدة مفعمة بالحنين لعودته لأبيه وأسرته وبيت العائلة، ولا ينسى أن يسجّل مفاجأته بالتغيرات العاصفة التي حدثت في الشوارع وأنماط الحياة وخصوصا السيارات والنساء السافرات.
اشتغل العربي بالصحافة وخصوصًا في الصحف القريبة من توجهات وأفكار الحزب الوطني، وبدأ في ممارسة حياته الطبيعية، لكن وفاة والده المفاجئة أثرت عليه بشدة فقد كان والده هو العائل الوحيد له، فاضطر إلى مواجهة الحياة القاسية، وانتقل إلى مسكن آخر وضاعف من عمله الصحفي في أكثر من صحيفة.
*
وفي 17 يونيو 1925 عاد إلى السجن مرة أخرى، لكنه عاد هذه المرة متهما بالشيوعية! لم يكن يعرف الشيوعية ولا يدري معناها بدقة ولاتشغله مثل هذه الأفكار، بل يصف كلمة الشيوعية أنها «كريهة» وكل ما جرى أنه كان يتردد على زميله الصحفي في جريدة النظام، رفيق جبور، وهناك تعرّف على صديق له اسمه كونستانتين فايس مراسل جرائد عمالية دولية، حضر إلى مصر لدراسة حالة العمال والفلاحين. وعندما علم الأخير أن العربي مسجون سياسي سابق اهتم بتوثيق علاقته به.
من جانبه، كان العربي يعتقد أنه إنجليزي ولم يعرف أنه روسي الجنسية. وشوهد العربي بصحبته كثيرًا واستضافه في بيته، كما استضاف أصدقاء كونستانتين، ولم يجد العربي غبارًا على هؤلاء الأصدقاء الجدد، بل تعاطف مع حكاياتهم عن الثورة الروسية، وقرأ بعض منشوراتهم وازداد تعاطفه معهم، لكن البوليس ما لبث أن داهم مسكنه وفتّشه وألقى القبض عليه .
كتب العربي: «إذن أنا شيوعي ولم أكن أعرف ذلك. شيوعي خطر يجب وضعه في السجن»!
أمضى العربي 45 يومًا في السجن، ولحُسن حظه كان من بين المضبوطات التي حٌرزت عند القبض عليه أجندة كبيرة سجّل فيها يومياته بالتفصيل على مدى الأشهر الماضية. ولحُسن حظه مرة ثانية قرأها وكيل النيابة الذي حقق معه، وتأكد أنه لا علاقة له بالقضية برمتها!
وأخيرًا، كما سبق أن أشرت، أؤكد أن كتابي العربي من أقدم الوثائق الاجتماعية الكاشفة عن بدايات النظام العقابي من ناحية، والبدايات الباكرة في الوقت نفسه للجهاز الخاص بمكافحة الجريمة السياسية.
تقارير ذات صلة
ما رآه سعد زهران في الأوردي: سلخانة التعذيب لتركيع المخالفين (2-2)
الحلقة الثالثة من كوكبة «المصريون والسجن: سنوات دامية للمثقفين والجلادين خلف الأسوار»
في شهادة تأخرت ثمانين عامًا (2-2): أنا توماس راسل باشا حكمدار بوليس القاهرة
حلقة جديدة من برنامج قراءة «شهود عيان»
في أوراق أحمد عباس صالح: تغريبة بغدادية وأخرى لندنية (2-2)
الحلقة الحادية عشر من برنامج قراءة «شهود عيان»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن