تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
 في سوهاج.. «كورونا» يجتاح 

 في سوهاج.. «كورونا» يجتاح 

كتابة: عبد الباسط عياش 6 دقيقة قراءة
صورة من محافظة سوهاج بحساب وزارة الصحة على فيسبوك

كانت أصوات مكبرات الصوت تصدح في المساجد أثناء صلاة التراويح في مركز دار السلام بسوهاج، عندما سرت شائعة أن «حملة» في طريقها إلى المركز بهدف التأكد من تطبيق الإجراءات الاحترازية لمواجهة فيروس كورونا في المقاهي والشوارع. هنا أغلقت المحلات والمتاجر، وهرع كثيرون لشراء كمامات من أقرب صيدلية.

على مقهى صغير بمدينة دار السلام (65 كيلومتر جنوبي سوهاج)٬ جلست بعد أن اكتشف الجميع أن الحملة ما كانت إلا شائعة كاذبة. عند انتهاء صلاة التراويح٬ جاءت مكبرات الصوت مجددًا لتذيع خبر وفاة أحدهم وهو يردد: «العزاء على المقابر، ولا عزاء للسيدات». من هنا رجّحت أن الميت كان مصابًا بكورونًا.

طلبت شايًا في كوب ورق مقوى (كإجراء احترازي طبعا) وإلى جانبي على الطاولة التالية جلس أحدهم، اسمه عمر، أسمر البشرة، ترك ذقنه دون عناية وهي عادة أولئك الذين يفقدون أحد أقاربهم، ولف شال صوفي رغم حرارة الطقس. لم اسأله، لكن ألقيت له طرف خيط ليحكي عن هذا المرض الذي «لا يعلم به إلا الله». بعد وصلة سب «الفيروس اللعين»، أخبرني عمر أن شقيقه توفي منذ أسبوع متأثرًا بـ«كورنا» قبل أن يصلوا به إلى مستشفى سوهاج العام.

الأسبوع الأول من أبريل، أعلنت وزيرة الصحة هالة زايد، أن سوهاج ضمن سبع محافظات هي الأعلى في إصابات كورونا على مستوى محافظات الجمهورية، وفي المؤتمر التالي في 24 من أبريل، قالت إن المحافظة تشهد زيادة إصابات «طفيفة»، فيما ذكرت وزارة الصحة في بيان يوم 21 أبريل أن حالات الإصابة المؤكدة في المحافظة منذ بداية الجائحة بلغت حوالي سبع آلاف حالة من إجمالي عدد سكان المحافظة والذي يبلغ أكثر من خمسة ملايين مواطن.

الزيادات الكبيرة في أعداد الإصابات بدأت قبل شهرين تقريبًا (بين فبراير ومارس)، إلى أن بلغت الذروة الأسبوع الماضي، بعدما كانت سوهاج من بين المحافظات الأقل تسجيلًا للإصابات بالفيروس، وفقًا للأرقام الرسمية، بنسبة بلغت 2.2 % منذ تفشي الوباء حتى نوفمبر الماضي.

هذه الزيادات تصفها مشاهدات من المحافظة. يقدر مسؤول بأحد المستشفيات الحكومية -فضل إخفاء هويته- أنه يستقبل ما بين 20 إلى 30 حالة اشتباه يوميًا، يتراوح عدد المصابين منهم بـ«كورونا» ما بين عشر و18 حالة٬ يعزل أكثرهم منزليًا. أما الوفيات فمن حالتين إلى ثلاث من الإصابات. ومع ذلك يعتبر حال المستشفى أفضل من غيره بالمحافظة.

وخلال الأسبوعين الماضيين مثلا، تأرجحت نسبة الإصابات في أحد أشهر المستشفيات الخاصة بالمحافظة بين خمس و15 حالة من كل 40 حالة اشتباه٬ بحسب سعد، الإداري بالمستشفى.

مدير أحد المراكز الطبية بمركز دار السلام، أيمن خيامي، يقدر أن 50% من حالات الاشتباه التي تصله في المركز تكون بالفعل مصابة بـ«كورونا»، وما زاد الأمر صعوبة أن بعض الأعراض ليست ظاهرة، وبعضها يظهر دفعة واحدة. ولكثرة الحالات التي مرت عليه، يخمن خيامي أنه لا يوجد بيت في مدينة دار السلام إلا وزاره المرض. 

كما يحكي صيدلاني بإحدى الصيدليات الشهيرة بالخيام (إحدى قرى سوهاج)، أن حجم الأزمة يمكن ملاحظته من زيادة الطلب على الأدوية، ففي السابق «كنا نصرف نحو 20 روشتة يوميًا، لكن منذ الأزمة الأخيرة ارتفعت إلى 60 روشتة في المتوسط». يقول الصيدلي الذي اعتمد عليه الكثيرون تجنبًا لمصاريف الفحوصات الطبية: «نستطيع أن نلمس حجم انتشار الوباء جزئيًا من خلال الروشتات التي نصرفها، والتي تبلغ في بعض الأحيان ثمانية مصابين بكورونا من كل عشرة مرضى».  

الاعتماد على الصيدلي يعد امتدادًا لعدم توفر الموارد اللازمة لإجراء مسحات٬ بحسب مصدر طبي في قنا المحافظة المجاورة٬ التي تشهد هي الأخرى ارتفاعًا في عدد الإصابات ولو لم تصل إلى نفس حدة ما يحدث في سوهاج. «موضوع المسحات ده بقي شيء شبه نادر. حتي مش كل الحالات بيتعمل لها تحاليل وأشعة. إحنا أصلا دلوقت بنشخص وبنعالج على أساس الأعراض».  

يتسائل البعض إن كان تفاقم الوضع في سوهاج مرتبطًا بظهور سلالات جديدة من الفيروس. محمد شيخون٬ المدير السابق لمستشفى سوهاج التعليمي، يقول إن توقعات مواجهة سوهاج فيروس متحور من «كورونا» هو أمر طبيعي٬ خاصة مع ظهور أعراض جديدة مع المصابين، مثل التهاب ملتحمة العين، واحمرارها الشديد. أيضًا، يضيف شيخون٬ في المرحلة الأولى لـ«كورونا»، كانت الإصابة علوية، تصيب الحلق، أما في تلك المرحلة فتصيب الرئتين مباشرة.  

«الأكيد أن في سرعة انتشار كبيرة جدًا ماشوفنهاش من قبل» يقول المصدر الطبي في قنا. ويوضح أن هناك اختلافًا في تطور الأعراض في الأشهر الأخيرة عن بداية تفشي الوباء في مطلع العام الماضي.   

يقول المصدر إن هناك أربعة أشكال لتطور الإصابات. «أول شكل أن الأعراض تيجي بسيطة وتزيد مع الوقت والشفا ياخد وقت كبير. التاني أن الأعراض تيجي بسيطة وبسرعة بسرعة٬ يمكن في أقل من يوم٬ تحصل مضاعفات خطيرة في التنفس. شفنا ناس في التلاتينيات بيروحوا مننا بعد ساعات من التشخيص مع أول أعراض. التالت نوع أعراضه بسيطة وبيتعالج من غير تنفس صناعي ويمكن حتى ميحتاجش أكسجين لكن النوع ده خاين لأن بعد الناس ما تخرج من المستشفى أو تتعمل لها مسحة سلبي٬ بيحصل فجأة جلطة رئة مميتة. النوع الرابع وهو النوع الأكثر انتشارًا بين المزارعين اللي بيشتغلوا في الغيطان، نوع أعراضه بسيطة وبيخف بعلاج خفيف في البيت، وأظن أن النوع ده ممكن يكون النوع الأول لكن لأن الناس بتشتغل في الغيطان فبيكون تعرضها للشحنة الفيروسية ضعيف».  

«هل ده معناه حتمًا أن في سلالات متنوعة؟ معرفش لأن مفيش أي مسح ولا أي اهتمام بأي مسح. ممكن تكون سلالات مختلفة، وممكن يكون الموضوع متعلق بقدرة أشخاص مختلفة على المقاومة لأن الموضوع له علاقة كبيرة بالـ DNA. لاحظنا أن في عائلات بالكامل حالتها بتتدهور بسرعة وفي عائلات بالكامل قدرتها على المقاومة وعلى الشفاء أحسن كتير»، يضيف المصدر الطبي.

عقب اندلاع الأزمة٬ كانت أكثر توقعات الأهالي تشير إلى تدهور الوضع الصحي في سوهاج. لم تأت هذه التوقعات السلبية من فراغ، إذ إن سوهاج إحدى أقل المحافظات توفيرًا للخدمات الطبية، بنسبة أقل من سرير واحد لكل ألف نسمة، حسب بيانات المركزي للإحصاء 2018.

وكانت زايد قد وجهت بزيادة أعداد الأسرّة الداخلية وأسرّة العناية المركزة وأجهزة التنفس الصناعي، وخزانات الأكسجين الطبي لاستيعاب زيادة الإصابات.

انعكس ذلك على استعدادات مكثفة في مستشفيات سوهاج لمواجهة تلك الموجة الشرسة من «كورونا»، سواء بتوفير أسرة عزل، أو بمتابعة العزل منزليًا مع بعض الحالات الأخرى، ففي الـ17 مستشفى المخصص للعزل، زادت الأسرّة الداخلية المخصصة لـ «كورونا» من 441 لتصل إلى 883، وزادت أسرة الرعاية من 86 لتصل إلى 166، وارتفعت أجهزة التنفس من 40 لتصل إلى 60.

وبحسب عضو مجلس نقابة أطباء سوهاج، طارق منصور٬ فإن القطاع الطبي بالمحافظة استعان بأطقم طبية من محافظات أخرى، فقبل يومين قدم 30 طبيبًا إلى سوهاج لدعم القطاع الصحي، فضلًا عن توفير أربعة مراكز لتوزيع لقاحات «كورونا». لكن ما زالت هناك تساؤلات حول كفاية تلك الجهود لاحتواء الموقف.

يرى منصور أن هناك نقصًا في عدد غرف العناية حتى بعد الزيادات الأخيرة، والذي يصل إلى نحو 50%، أما الأسرة فالنقص في أعدادها يبلغ نحو 10%، وذلك حتى تستطيع استيعاب أعداد المصابين بمستشفيات العزل. 

كما يتندر عمر٬ الذي فقد أخوه٬ أن وزارة الصحة وضعت عدة قرارات لزيادة القدرة الاستيعابية للمستشفيات، لكنه لم يستفد شيئًا «أنا كدا استفدت إيه، هم بيركزوا على المناطق المركزية، ومش مهتمين بالمناطق المهمشة اللي زيّنا».

عادات الترابط والتجمعات وإغفال الإجراءات الاحترازية تجعل المناطق الريفية التي تمثل نحو 78.7% من سوهاج أكثر  عرضة لانتشار الفيروس، حسبما يشير عدد من الأطباء بالمحافظة لـ«مدى مصر»، وذلك من خلال رصدهم للمرضى الذين يجرون الفحوصات.

كان نقيب الأطباء بالمحافظة محمود فهمي منصور، قد طالب محافظ سوهاج اللواء طارق الفقي، بتطبيق حظر التجوال لاحتواء الموقف، لكن منصور قال إن هذا الطلب لم يلق استجابة، بحجة أنه يؤثر سلبًا على الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمحافظة. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#فيديو

دور برد

أربع سنوات بعد ظهور جائحة كورونا، يسترجع إسلام زونا مادة تسجيلية صوّرها في الزاوية الحمراء

مدى مصر 1 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن