تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
في رثاء «التعبير»

في رثاء «التعبير»

كتابة: مدى مصر 17 دقيقة قراءة

ضمن التغييرات التي أدخلتها على نظام الثانوية العامة، ألغت وزارة التربية والتعليم موضوع التعبير بشكله المعروف، لتخلو ورقة أسئلة امتحان اللغة العربية هذا العام من السؤال الذي تصدّرها طوال سنوات.

يرتكز عملنا كصحفيين على الكتابة، كيفية استخدام اللغة في التعبير عن الأفكار، والتحرر من الاسطمبات والقوالب المُستهلكة، فيما يحاول كلٌ منا إيجاد وتطوير أسلوب يميزه. لهذا، ورغم أن فريقنا لا يضم طلابًا في الثانوية العامة، عقدنا في مكتبنا لجنة امتحان لوداع موضوع التعبير بشكله التقليدي.

الخميس الماضي، وعلى هامش اجتماع لفريق الأخبار، طلبنا من الحاضرين أن يكتبوا عن علاقتهم بموضوع التعبير في ما لا يزيد على 300 كلمة. وبانتهاء نصف الساعة التي خصصناها للامتحان كان معنا 11 ورقة إجابة، بالإضافة إلى واحدة أتت من منازلهم.

تلك الإجابات، المُرتبة بحسب توقيت تسليمها، هي وداعات سريعة لموضوع التعبير الذي عرفناه، من طلاب تعرضوا لنظام التعليم المصري في سنوات مختلفة، وأماكن متنوعة: من ساحل العريش إلى ضواحي السنبلاوين، ومن تخوم الزقازيق إلى شوارع ديرب نجم، وصولًا إلى القاهرة بهرمها وزمالكها وهليوبوليسها وحلمية زيتونها، في مدارس حكومية وخاصة ودولية.

وﻷننا اتفقنا على عدم وجود نموذج إجابة، قررنا أن نقدم الإجابات للقارئ كما أتت من الطلاب؛ دونما تحرير أو تدقيق لغوي. ليصححها إن شاء، ويمارس سلطة طالما مورست عليه، أو، وهو الأهم، ليعتبرها دعوة مفتوحة للكتابة والتعبير، احتفاءً بتجربته الخاصة في التعليم المصري، أو تصالحًا مع آثارها.

***

لينا عطالله:

لا أتذكر أي شيء عن موضوع التعبير. ولا سؤال ولا رد ولا موقف ولا أي شيء. 9 سنوات قضيتهم في مدرسة القلب المقدس مصر الجديدة ولا أحمل أي ذاكرة لأي شيء من بعيد أو قريب عن موضوع التعبير. أتذكر فقط تلك اللحظة التي وصلت فيها لمدرستي الثانية٬ مدرسة في قرية صغيرة شمالي إيطاليا. كان برنامج الدراسة المتبع هو البكالوريا الدولية. فور وصولنا٬ شرح لينا المسئولين عن الدراسة أن من شروط التخرج بعد عامين هو تسليم موضوع تعبير طوييييل وحتى يسمى بالانجليزية extended essay ويشار له مع الوقت اختسارا بالـEE. (استدركت لينا بعد ثوانٍ بإيميل صححت فيه الكلمة: اختصارًا).

في البداية٬ لم أشعر بتلك الرهبة التي أخذنا نشعر بها عند قرب موعد التسليم الـ EE.

كنت أتخيل اني محصنة بخبرة موضوع التعبير الذي كان رفيق كل امتحان عربي لسنوات. التعبير لعبتنا.

اخترت أن يكون موضوعي هو كيف دولة اسرائيل تمثل مشروع احتلال. وأخذت اكتب في الكلمات والجمل المخزنة في حصني الجميل٬ حصن موضوع التعبير٬ الى أن كانت الفاجعة. صارحني مشرف الموضوع برداءة مشروعي٬ وأوضح لي أن مشكلته الجوهرية تكمن في خواءه. فهو موضوع طويل٬ ممتليء بالكلمات والجمل٬ ولكنه لا يقول شيء. ثم أخذ ببطء وصبر٫ يعلمني كيف نكتب موضوع نسأل فيه سؤال ونحاول الرد على هذا السؤال بفرضيات قائمة على المعلومات والحجج. وهكذا٬ شرحنا في موضوع التعبير كيف تمثل الدولة سرائيل مشروع احتلال. خرجت من التجربة متذكرة جيدا الدرس ومحاولة تطبيقه على مر الزمان في الجامعة والعمل. خرجت أيضا متناسية ما جاء قبل التجربة عن موضوع التعبير في مدرسة القلب المقدس. ولم يكن هناك فرصة من وقتها لتوديعه كما يجب. وجاءت اليوم هذه الفرصة في هذا الموضوع المجمع في هذا الموقع في هذه اللحظة.

***

محمد حمامة:

أربكتني أخبار إلغاء موضوع التعبير من امتحان الثانوية العامة بداية من هذا العام. اعتبر هذا استهبالًا ولا يمكن أن يؤدي إلى أي تطوير لأي تعليم. لكن الارتباك جاء من تأثير عقدة موضوع التعبير على حياتي منذ الثانوية العامة وحتى تخرجت.

تبدأ الامتحانات دائمًا باللغة العربية. أول امتحان يكون أثقلها. ومثل معظم الطلاب، اعتدت تأجيل كتابة موضوع التعبير في الامتحان إلى النهاية. لم أفكر في هذا كثيرًا حتى حلمت به لأول مرة.

كانت ليلة امتحان اللغة العربية في أول أعوام الثانوية العامة لي في 2002. واجهت صعوبة في النوم لأن أول امتحان هو دائمًا أثقلها. وحين تمكنت أخيرًا من النوم، وجدت نفسي في لجنة الامتحان. كالعادة، قررت تأجيل الإجابة على موضوع التعبير للنهاية. لكن النهاية حضرت سريعًا. فوجئت بالمراقب يقول إنه سيبدأ في لم الورق خلال دقائق. أصابني الفزع: لم أبدأ موضوع التعبير بعد. حاولت كتابته لكن الدقائق انتهت سريعًا. ارتعبت وقررت أنني لن أسمح لهذا بالحدوث. هربت من اللجنة ومعي كراسة الإجابة. توجهت إلى تمثال لفارس ما يمتطي حصانه أمام استاد المنصورة. أجلس تحته لأتمكن من إنهاء موضوع التعبير على رواقة. أبدأ في الكتابة ثم تصدمني الفكرة: كيف أسلم ورقة الإجابة الآن بعدما هربت بها؟ تتحول الرواقة إلى رعب وأستيقظ. الحمد لله أنني لست في الامتحان فعلًا وأن هذا مجرد حلم. غدًا سأحرص على متابعة الوقت والتأكد أنني سأتمكن من كتابته.

تكرر الحلم منذ هذه المرة كل سنة. الثانوية العامة وبعدها ثمانية أعوام في الجامعة (نعم، رسبت في الجامعة أكثر من المعتاد). لم ينتهي هذا حتى تخرجت. دائمًا في ليلة أول امتحان. دائمًا موضوع التعبير. أتذكر هذا الحلم كثيرًا ولا أشعر، بعد كل هذه السنين من التخرج، بأي حنين للفزع الذي لازمني بسببه. الحمد لله أنني تخرجت.

***

عمر سعيد:

لا أتذكر تحديدًَا متى فُرض علينا أن نكتب «في ما لا يزيد عن 30 سطر» بخصوص موضوع ما. الآن، بما أن محررنا طلب منّا كتابة موضوع تعبير عن موضوع التعبير، أتذكر الحيرة أكثر. اكتب لنا عن رحلة الصيف الماضي. أو دور الأم في تدعيم ركائن الأسرة وانعكاس ذلك على استقرار الوطن. أو عن أهمية مكافحة البلهارسيا.

بالطبع لا أذكر شيء عن امتحانات الابتدائية. في الاعدادية كنّا قد كبرنا قليلًا ووثق فينا أستاذ اللغة العربية على السر. مش مهم الكلام ولا تقول ايه. المهم تقول ازاي. موضوع التعبير مهم. أعتقد أن له رُبع درجات الامتحان. حسنًا. نسمع كلام الاستاذ، نسطّر ورقة الاجابة بطريقة تفتح النفس، نصنع عنوانًا ونضع تحته خط في منتصف السطر، ونكثِر من علامات الترقيم، ونقسّم الكلام على عدة فقرات، وربما نبدأ الكتابة بـ «لا أحد يستطيع إنكار أن (الأم مهمة مثلا)».

في الثانوية العامة كنّا قد كبرنا أكثر، ووثق أستاذ اللغة العربية أننا لا يجب أن نضيع درجة واحدة على المهام المطاطة، التي ليس لها إجابة واضحة، مثل التعبير. أستاذ أيمن حلّ المعضلة. سنحفظ موضوعات تعبير. الامتحان لا يخرج عن بضعة عناوين، قد لا تتجاوز الخمسين. نحفظهم جميعًا، نكتبهم بالضبط كما حفظناهم، وتتطابق موضوعات ما يقارب الألف تلميذ.

كان موضوع التعبير هو الفرصة الوحيدة في عشرات الامتحانات التي خضتها على مدار رحلتي في التعليم العام التي تسمح ببعض الخيال، غير أن خيالي غالبًا ما كان يأخذني إلى بعد أيام من الامتحان عندما يمسك مدرس ما نفس الورقة التي أجيب فيها، ليقرأ ما سرحت فيه. كنت أفكر: هل يذهب المدرسين للتصحيح بنفس ثياب العمل؟ هل يمزحون؟ هل يأكلون أثناء التصحيح؟ كان موضوع التعبير هو المدخل الذي أضيع فيه نصف موعد الامتحان دون إجابة.

في الجامعة كنت قد كبرت أكثر، ووثقت أنّي عليّ تطوير دروسًا جديدة في التعبير. درست التجارة، وربما يتخيل البعض أن موضوع التعبير ليس مفيدًا بين دراسة الأرقام وإدارة الأفراد والسلوك الإداري. في الحقيقة، بالعكس، كانت دروس التعبير هي الملهم للحل في امتحانات المواد النظرية. مش مهم الكلام ولا تقول ايه. المهم تقول ازاي. املى كلام. اكتب على سطر وسطر. كبّر هوامش الصفحات. المهم: لا تترك صفحة فارغة.

***

هدير المهدوي:

بعكس الكثيرين، لطالما استهوتني فقرة موضوع التعبير، حتى ما كان منها يدور حول عنوان «فكلنا جميعا للوطن ضحية»، وما أكثرها. بشكل عام لدي الكثير دائما لأقوله، واكتبه بالطبع، يشكو مني جميع مديريني والمشرفين على عملي بسبب طول ما أكتبه صحفيا وأكاديميا، وعلى سذاجة الأمر، عرفني حبي لمواضيع التعبير تلك، أنني أحب الكتابة.

كل مواضيع التعبير الإكليشيهية التي كتبتها وذوقتها بكثير من المبالغات الوطنية والشوفينية والرومانسية، علمتني أمرا آخر غير محبتي للكتابة، علمتني أن المبالغات لا تفيد، كما علمتني مع بداية عملي الصحفي قبل سنوات، ألا أستخدم تلك اللغة الإنشائية الخطابية أبدا مجددا، فإن ساعدتني وأنا طفلة على الحصول على درجة جيدة في الدراسة، بالتأكيد لن تساعدني تحقيق أي نجاح على أرض الواقع.

التغزل في «حلاوة شمسنا وخفة ضلنا والجو عندنا ربيع طول السنة» يناسب الأطفال والمراهقين السذج بالتأكيد، ويناسب منظومة التعليم التي تقتل النقد والإبداع، لأن من علامات النضج الأولى الصعبة في حياة الإنسان المصري، إكتشاف، بالطريق الصعب، أن شمسنا ليست حلوة بهذا القدر، وضلنا ليس خفيفا للدرجة، وأن ربيعنا هو هبة رياح خماسين طويلة.

الحمد لله، كان لدي جزءا صغير من عقلي يعلم أن الأمر هزلي للغاية، لذلك لم أحتفظ بأي من موضوعات التعبير التي كتبتها، ولم أتباهى بها يوما، مهما أثنى عليها مدرسو اللغة العربية.

الذكرى الوحيدة لموضوعات التعبير لم تكن في المدرسة أبدا، لكنني قمت بتطبيق ما أتعلمه في المدرسة حرفيا، حيث جعلتني الصدفة أحضر اجتماعا له علاقة بالعمل العام مع أحد أفراد أسرتي، وكنت بعمر تسع سنوات مثلا، جلست في صمت أتابع وأسمع، وطلبت ورقة وقلم مثل الجميع، وأخذت أكتب وأكتب، كل جمل الطنطنة التي أعرفها، ثم طلبت الكلمة في نهاية الإجتماع، وخطبت في الجميع ما كتبته، ولقى موضوع التعبير هذا تصفيقا حادا، أشعرني بالزهو كأي طفلة معجزة. بقت خطبتي تلك معلقة على حائط المكان الذي جرى فيه الإجتماع، وكلما ذهبت مجددا شعرت بالزهو، لكن مع الوقت أصبح الأمر محرجا للغاية، هكذا كانت كل مواضيع التعبير.

***

سارة سيف الدين:

المرادف لسؤال التعبير، في ذهني، دومًا ما كان احتكام النجاح فيه لوحدة قياس «الشبّر» وبالتالي القدرة على توليد الكلام وبعض الألاعيب مثل تكبير الخط والكتابة على سطر وترك أخر، ليصبح المُصحح محاصر بين خمس ورقات من الكلام لا مفر أمامه من إعطاء درجة كاملة مع إسقاط واحدة دومًا لاحتمالات الأخطاء النحوية التي يتكفل بها أدرينالين لجنة الأمتحان. استراتيجية التعامل مع سؤال التعبير دايمًا واضحة، بجانب الشبّر فلابد من نظرة خاطفة من المصحح على درجات الأسئلة الأخرى التي إن كانت مرتفعة فتعنيّ تأكيد إعطاء الطالب درجات التعبير كاملة ككوتة مُستحقة.

سؤال التعبير كان عبأ على الزمن المخصص للامتحان، فالإجابات على الأسئلة مهمة ماراثونية لتوفير نصف ساعة لكتابة سطور التعبير عن موضوع متكرر دائمًا ما فادني قراءة الصحف القومية ومذاكرتي الجيدة لمعاني المفردات في كل النصوص المُقررة على تعبئة صفحات بالكلام المطلوب.

وعلى الرغم  من أن اللغة أهم وظائفها إن كان الفرد بصدد تعلمها، هو تقديم إجابة رحبّة عن سؤال التعبير بمفهومه الأوسع، إلا أنه دومًا ما كان مُجرد ديباجات: مُقدمة وخاتمة تزودنا الكتب الخارجية بقطع منها جاهزة للحفظ، ورغيٌ بالفصحى.

لاحقًا حين أصبحت اللغة والتعبير سؤال مهم في رأسي، أحببت تذكر ورصد كيف تعلمت اللغة في المدرسة، وأدركت أنني لم أتعلم التعبير فعًلا، لو أن موضوع التعبير حينها كان مثلا عن «اكتب عن شعور زملائك بالتوتر في لجنة الإمتحان» أو «كيف قد تتحايل على مراقب اللجنة» «هل يتيغر شعورك تجاه المكان / الفصل أثناء الدراسة وأثناء الامتحان»، في اعتقادي كان سيكون مُحفزًا حقيقيًا لقدرتنا على التعبير. لو أن هناك حصص للتعبير بمثابة تمرين مستمر على فعل التعبير.

***

محمد طارق:

تأملات غير مكتملة في مقتل مادة التعبير

لا أتذكر بالتحديد العام الذي دخلت فيه مادة التعبير ضمن باكيدج «اللغة العربية» في الدراسة، لكني أذكر جيدًا أن مدرسي اللغة العربية كانوا يطلبون منا كتابة موضوع تعبير مرة في الشهر ضمن الواجبات اليومية، ولم أكتب منهم موضوع تعبير واحد ضمن الواجبات طوال مدة دراستي، كنت أسأل أمي كتابته بدلًا مني بحجة أن الوقت لا يسعفني في إكمال باقي واجبات المواد الأخرى، وكانت تكتبه لي وتضع كراسة الواجب في شنطتي وأنا نائم. واقتصرت علاقتي بالـ«تعبير» في امتحانات اللغة العربية فقط.

تحب أمي اللغة العربية، ونقلت هذا الحب لي، اهتمت بمتابعتي في اللغة منذ بداية التحاقي بالمدرسة، بدأتها مع تدريبي على تمييز الحروف، على ما أتذكر، ثم خصصت وقتًا طويلًا لدروس الإملاء على مدار ثلاث سنوات، أذكر منها جيدًا، وأنا في الصف الثالث الابتدائي، امتحانًا أجرته لي للتدريب علي الكلمات الصعبة، مثل كلمة «زرافة» و«فيل» التي كنت دائمًا أصاب بالتشويش عند كتابتهما على الورق، بحيث أضع ألف قبل اللام الأخيرة في كلمة فيل لتصبح «فيال»، وبعد عام واحد عندما بلغت التاسعة نجحت في جميع اختبارات الإملاء التي كانت تجريها لي.

استمر حبي للغة العربية كمادة أساسية وأضيف لها الرياضيات، حتى أنني لم أذاكر الأولى في نهاية امتحانات الثانوية العامة ولم أنقص سوى درجة واحدة في امتحاناتها على مدار العامين، أخر علاقة لي بمادة التعبير كانت في الثانوية العامة، حين سُئلت عن «الرفاهية التي تنعم بها مصر في عصر مبارك»، آثار السؤال استهزائي بواضع الامتحان خلال اللجنة، وبمزيدًا من الاستهزاء جاوبته كذبًا عن حجم الرفاهية التي يتمتع بها المصريين وقتها، نافيًا الأخبار التي كتبت في الجرائد وقتها عن الوفيات التي تحدث أمام أفران الخبز، والأزمات المتكررة للوقود، والتلاعب بنتائج الانتخابات البرلمانية قبل شهر من دخولي الامتحان.

***

مراد حجازي:

كان ثقيلًا للغاية للدرجة التي كنت أتحاشاه بين وقت الامتحان واتركه للنهاية، لم أفهم الغرض منه نهائيًا، فكيف لطالب داخل لجنة إمتحان على كرسي خشبي يحوم من حوله المراقبون، أن يكون لديه القدرة على الإبداع والتعبير وتركيب الجمل وصياغتها!  هذا ناهيك عن مهابة ورقة الأسئلة ووجع بطن ليلة الامتحان.

المُعقد أكثر في سؤال التعبير بالنسبة لي أنه كان «هُلاميًا» ليس له ملكة لا وجود لمذكرات أو دروس نفهم منها كيف نحل في الامتحان، كنت بدخل الامتحان سؤال التعبير بالنسبة ليا «إنت وحظك، وزي ما تيجي تيجي».

المطلوب كان ملء الورقة البيضاء بالكامل وحشوها بالكلام، المهم وغير المهم، فالأهم أن يملأ الحبر السطور للدرجة التي تُبهر عين المصحح ليقول: الولد ده شكله فاهم. خاصة هناك أسطورة تقول أن موضوع التعبير يُصحح بالنظر فقط دون قراءة من المصحح.

للتحايل على هذه المهمة الثقيلة، كان المدرسين يعطونا فقرات جاهزة يمكن أن تتناسب مع كل الموضوعات، ولأني كنت فاشلًا في الحفظ كنت استخدم حيلة أخرى وهي تكبير خَطي حتى أملأ الصفحة، مع تَسطيرها وتزويقها جيدًا من على الأطراف حتى تكتمل الحيلة على المصحح وتنبهر عيناه.

***

عثمان الشرنوبي:

وداعا، منقذي.

أتذكّر شيئا واحدا عن موضوع التعبير في سنوات المدرسة، وهو أنه كان ينقذني من النحو الذي لم أكن بارعا فيه حتى آخر سنة درست فيها العربية في مؤسسة تعليمية. كرهني مستر حلمي، مدرسي الكريه للغة العربية في المرحلة الإعدادية، في النحو. كان يصر مرارا بأنني غبي، وبعد طرحه أحد أصدقائي أرضا وركله لدقائق أمام الفصل كله تأكّدت أن المشكلة ليست في. التعبير، بالمقارنة، كان متنفسا لي، فكنت أشعر بحرية في تكوين الفقرات، حتى وإن كان السياق محكوم. كانت مساحة ضيقة للحرية داخل سجن مناهج اللغة العربية الجامدة. وأتذكّر أنني كنت أحصل على درجات مرتفعة فيه، وكان وقع كلمة «اكتب» عليّ أخفّ كثيرا من «إعرب».

في الجامعة، نظرا لعدم دراستي المقرر الثانوي لللغة العربية كوني من الحاصلين على الشهادة البريطانية الثانوية، توجّب علي الجلوس لامتحان تحديد مستوى لت ما هحديد ما هي المواد العربية المقررة علي كي أتخرّج، وكان الامتحان مقسّم لجزئين، جزء من أسئلة متعددة الاختيارات، تركيزها على الإعراب (حاصلين، حاصلون، الخ)، والجزء الثاني كان التعبير. نظرا لعدم اقترابي من القواعد العربية والنحو منذ اجتيازي الإعدادية، كان أسلوبي في الإجابة في الجزء الأول اعتباطيا، معتمدا بعض الشئ على الإحساس. أمّا التعبير، والذي جاء في موضوع سياسي وأنا في أوائل سنوات اهتمامي بالسياسة، فعشت حياتي. النتيجة؟ أعفيت من المواد العربية. أنقذني التعبير مرة أخرى.

وداعا يا تعبير. كنت خير صديق.

***

أحمد وائل:

حبيت المشاركة من منازلهم في هذا الموضوع:

بالعودة بالذاكرة إلى أيام امتحانات العربي، لا أذكر أني كنت طفلًا، ومراهقًا فيما بعد، يكره سؤال التعبير. لكن عندي ضيق تكون بأثر رجعي حول زنق كلمة جميلة مثل «التعبير» في تجربة امتحان اللغة العربية، رغم ارتباطه بالخيال الحرّ، ورغبة الإنسان في التعبير عن نفسه.

أذكر تحايلي على السؤال عبر تقديم الثيمة المطلوبة في قالب حكائي، كواحد يظن أن همه كيف تحكي حكاية. حكاية بسيطة، فرصة للتمرين على الكتابة لقارئ مجهول، هي في الحقيقة لجنة قراءة مجهولة، تحدد ما هو صح بدرجات، رغم ذلك كنت أحاول فصل نفسي عن حالة الامتحان، واكتب حكاية في الإجابة عن هذا السؤال.

رغم ذلك، فسدت اللعبة بسبب نصائح بعض المدرسين حول ضرورة ذكر إنجازات الحكومة والرئيس في أي موضوع تعبير لضمان الدرجة الكاملة. حين أتأمل تلك النصائح الآن، أراها خطيرة، كأنك تحرج المصحح، في منتصف تسعينيات القرن الماضي، بوضعه أمام سؤال مثل: كيف لا تمنح أيها الموظف البسيط الإشادة بالرئيس مبارك الدرجة كاملة؟

لكني لم أستجب لهذه النصائح، مفضلًا أن ألعب، وأكتب حكاية بلا إشادة بأحد، حكاية بسيطة تفرغ التوتر، وتحول لحظة الامتحان إلى تمرين في الكتابة، تعبير بجد.

أرجو للجميع التوفيق في الامتحان.

محبتي،

أ.و.

***

بيسان كساب:

زخارف النيش المذهب 

«موضوع تعبير» سبة نطلقها نحن الصحفيون على قصة صحفية نريد التسفيه منها، لنصور كيف استبدلت المعلومات والآراء التي يفترض أن يجدها القارئ في القصة إلى زخارف لغوية مضحكة ومبتذلة كتلك التي كان المدرسون يحشون بها رؤوسنا لنجد ما نملأ به المساحة السطور التي يفترض أن يستهلكها موضوع التعبير.

كنا مصطرين للتعبير عن قضية يختارها واضع الامتحان لا نحن، وكثيرا ما كانت القضية سياسية من قبيل دور مصر في القضية الفلسطينية مثلا، فكان من غير المتخيل أن تكتب رأيك أصلا وانما كان العادي أن تكتب ما تتضمنه نشرة الساعة التاسعة -وقتما كان لتلك النشرة أهمية تذكر. لكن المضحك حقا هو أن الكيفية التي تكتب بها مضمون نشرة الساعة التاسعة عن دور مصر في القضية الفلسطينية، كان هو الآخر مصمما بحيث يحتوي على عدد من الزخارف اللغوية لا يقل عن تلك الزخارف التي قد تجدها في «نيش» مذهب في ورش دمياط للأثاث. لنتفق اذن أن الزخارف هي «القويمة» في النيش المذهب: لا قيمة لها إلا التأكيد على أننا «مكلفين».

سيختفي موضوع التعبير من حياتنا لينقذني هذا القرار من البحث عن مبرر يقنع آنس  إبني- وقتما كان سيحين دوره في الالتحاق بركب «التعبير» عما في نفس مصحيي اللغة العربية لا عما في نفسه، بأن عليه أن يتقبل كل هذا  النيش المذهب لضمان الحصول على درجات التعبير. لكنيي سأفتقد موضوع التعبير كما أفتقد الآن لأسباب غير مفهومة عصير «بيست» ورحلاتي مع أبي لاستوديو كوداك لتحميض الصور الفوتوغرافية و«الابوليتات» غير المبررة في ملابس أمي.

هل هذا هو كل شئ؟ مجرد نوبة نوستالجيا بلهاء؟ أم أني تخيلت لوهلة في المقابل، أنه كان بامكاني أن اخلق مع آنس تعبيرا جديدا يتسع لأكثر مما يتسع إليه نيش مذهب من دمياط.

***

رنا ممدوح:

لا تعبير بعد اليوم

لم أتخلص أبدًا من التوتر والرهبة من الامتحانات، فرغم مرور سنوات كثيرة على تخرجي من الجامعة، إلا أن الأخبار الخاصة بالاستعداد للامتحانات الثانوية العامة أو بدءها كفيلة بإثارة قولوني.

مع نشر أخبار عن إلغاء سؤال التعبير في امتحان اللغة العربية لطلاب الصف الثالث الثانوي لهذا العام، بدا لي القرار في الوهلة الأولى مريحًا.

 ربما يساهم في طمأنة الطلاب الذين يشاركوني التوتر، على الأقل لا توجد مخاطرة للتفكير في موضوع بعيد عن المنهج، والتعبير بالكلمات المناسبة عن موقفي منه في وقت محدد.

أتذكر جيدًا نصائح مدرسي اللغة العربية في مرحلة الثانوية العامة؛ (كل ما تكتب أكتر تاخد درجات أكبر)  مع توضيح أن ( محدش بياخد الدرجة النهائية)، ( موضوع التعبير لازم يكون له مقدمة ومتن وخاتمه).

لم ألتزم بتلك النصائح، ولم أبدأ الكتابة بأن الموضوع (المطلوب الكتابة فيه) على درجة كبيرة من الأهمية و(يجب على الدولة أن تفعل كذا وكذا) وفقا للديباجة التي كان يصر المدرسون على أنها السبيل الوحيد لضمان درجات التعبير.

 وفي المقابل كنت أروق لنصيحة والدي عند الإجابة على سؤال التعبير (هو في أسهل من أن الواحد يحس بحاجة ويعبر عنها)

***

أسامة يوسف:

فِجل يا فِجل

في جدولة حصص المراجعة النهائية قبل امتحان اللغة العربية، خصص الأستاذ أسامة سماحة نصف حصة للحديث عن موضوع التعبير. كان طلبته قلقين من عدم تطرقه طوال العام إلى كيفية الإجابة عن هذا السؤال. على عكس مدرسين آخرين طلبوا من تلاميذهم تسليم نماذج لمواضيع ليصححوها، وآخرين أجبروا طلبتهم على حفظ أبيات شعرٍ وأمثلة وأحاديث عامة تصلح للاستخدام في الكتابة عن حب الوطن أو عن النادي الأهلي إن شئت. لم يفعل سماحة ذلك.

كنت قد اخترت أن آخذ دروسي الخصوصية مع سماحة الدرعمي - خريج دار العلوم - لتعامله بخفة وبذكاء مع اللغة. لم يطلب مني أبدًا أن أحفظ قواعد النحو والبلاغة، بل كان يفتح نصوص عشوائية في أي كتاب ويطلب منا التعامل معها نحويًا وبلاغيًا هكذا: «أنت حاسس إعرابها الصح إيه؟».

في حصة التعبير، جلسنا على مقاعد حجرة الدرس الخشبية، ومراوح السقف تدور من فوقنا لتلطيف حرارة الصيف البادئ، ووقف أستاذ أسامة يخبرنا بنصائحه للتعامل مع السؤال الكابوسي: «أنت فاكر إن إحنا وإحنا بنصحح ورقكم بنقرا الموضوع؟ أنت عارف أنا بيبقى مطلوب مني أصحح كام ورقة في اليوم؟ التصحيح بيبقى بالشكل. اكتب اللي انت عايزه بس خلي بالك من المقدمة. عارف قواعد علامات الترقيم اعملها، بس لو مش عارف؟ خلص كتابة وبعدين زيّن الورقة بفصلات ونقط. ما تبقاش حمار وتعمل صفين فصلات بطول الورقة. اعملها على شكل رجل غراب؛ فصلتين في سطر، فصلة سطر، كده… عايز تكتب بيت شعر ومش في دماغك؟ ألف انت بيت شعر واكتب إن شا الله تكتب «فِجل يا فِجل»، بس ما تبقاش بهيمة وتكتب «قال أحمد شوقي فِجل يا فِجل» قول قال الشاعر وسيبه مجهّل».

استمر سماحة في نصائحه بينما نضحك. أذكره دائمًا بمحبة لدوره في تشكيل علاقتي باللغة وقواعدها، ولخفته ولطفه. وأذكره الآن ضاحكًا بعد إدراك الدولة أن: «أنت فاكر إن إحنا وإحنا بنصحح ورقكم بنقرا الموضوع؟».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#بودكاست

يعني إيه الـUSAID يقف في مصر؟

نلقي نظرة سريعة على بعض آثار القرارات التنفيذية التي أخذها ترامب لتقليص المعونة الأمريكية على مصر

عثمان الشرنوبي و فرح فنجري 1 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن