تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«في الشعر الجاهلي» لطه حسين: عاصفة مستمرة

«في الشعر الجاهلي» لطه حسين: عاصفة مستمرة

الحلقة الثالثة من برنامج قراءة لكتب لا تزال حية وتثير العواصف

كتابة: محمود الورداني 12 دقيقة قراءة

«كوكبة» هي سلسلة برمجة أدبية وفنية، يقدّم فيها كل مرة المبرمج/ة توليفة لعدد من الأعمال الفكرية أو الإبداعية، تحت ثيمة معينة، لتكون بمثابة اقتراح لبرنامج قراءة أو مشاهدة. 

برنامج القراءة الذي اخترته هنا «من كتب القرن الماضي»، يضم ستة كتب صدرت جميعها في القرن الماضي، ويمكن اعتبارها من أهم كتب ذلك القرن، الذي ما زلنا -على هذا النحو أو ذاك- نتأثر بتداعياته. كما أن الكتب ذاتها التي تم اختيارها ما زلنا على هذا النحو أو ذاك أيضًا نعيش تداعياتها. والهدف الأساسي من استعادة تلك الكتب التي مضى على بعضها ما يزيد على مئة عام، هو أن تتسلّم الأجيال الجديدة إرثها ولا تسمع عنه فقط، أو حتى تتعرف عليه من السطح فقط.

أما الكتب الستة فهي: تحرير المرأة لقاسم أمين، الشعر الجاهلي لطه حسين، الإسلام وأصول الحكم للشيخ علي عبد الرازق، فتح العرب لمصر لألفريد بتلر وترجمة فريد أبو حديد، أيام لها تاريخ لأحمد بهاء الدين، وأخيرًا أولاد حارتنا لنجيب محفوظ.

لقراءة مقدمة البرنامج كاملة وحلقة «تحرير المرأة» لقاسم أمين. ولـ حلقة «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق.

caption

«للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا، ولكن ورود هذين الاسمين في القرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلا عن إثبات أن هذه القصة التي تحدثت بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة وإنشاء العرب المستعربة منها، ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعًا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة أخرى». 

«… ونوع آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين، وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه في قريش. فلأمر ما اقتنع الناس أن النبي يجب أن يكون من صفوة بني هاشم بني عبد مناف، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قصي، وأن تكون قصي صفوة قريش، وقريش صفوة العرب والعرب صفوة الإنسانية».

«وشاعت في العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام يجدد دين إبراهيم. ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب في عصر من العصور، ثم أعرضت عنه لما أضلها به المضلون وانصرفت إلى عبادة الأوثان».

الفقرات الثلاث السابقة وردت في صفحات مختلفة من كتاب طه حسين «في الشعر الجاهلي» الصادر عام 1926، وأظنها تحتوي على كل ما أثار الأزهر، فهي تنسف بجسارة وبلا تردد كل ما هو ثابت في الفكر والثقافة العربيين، خصوصًا فيما يتعلق بالأساطير التي ارتبطت بالدين. وهي أيضًا، الفقرات الثلاث، التي اعتمد عليها وناقشها باستفاضة محمد نور بك، رئيس نيابة مصر، الذي حقق مع طه حسين، وأصدر قراره التاريخي بحفظ التحقيق على النحو الذي أوضحه فيما بعد.

وقبل مناقشة الكتاب ورحلته والقضايا التي أثارها، وتفاصيل التحقيق مع الكاتب والهجوم، بل والتهجم على الكتاب، أود في البداية أن أقدم لمحات موجزة من سيرة طه حسين (1889-1973). وكما هو معروف، كف بصره وهو بعد صبي وابن أسرة رقيقة الحال في إحدى قرى المنيا. التحق بالدراسة في الأزهر بعد أن بلغ الثالثة عشرة، برفقة أخيه وتحت رعايته بسبب فقدانه البصر. وبعد ست سنوات ضاق بالحلقات المعقودة في الأزهر بسبب المناهج القديمة المفروضة على الطلاب، ومع ذلك أتيح له الاستماع إلى بعض دروس المجدد الكبير، الشيخ محمد عبده.

من جانب آخر استمر طه حسين في رفضه استكمال دراسته، حتى فتحت الجامعة الأهلية أبوابها عام 1908، فاتجه إليها على الفور، ليستمع إلى دروس كان يلقيها كبار المستشرقين من فرنسا وإيطاليا وألمانيا. وفي العام نفسه قرر أن يتعلم الفرنسية ليتمكن من متابعة الدروس التي كان يلقيها لويس كليمان، أستاذ الأدب الفرنسي.

وبين عامي 1908-1914 درس في الجامعة الأهلية، وأعد أول رسالة علمية بالجامعة، ونال عنها درجة الدكتوراه تحت عنوان «ذكرى أبي العلاء». ولما أعلنت الجامعة عن بعثات للدراسة بالخارج، حرص على أن يكون أحد المبعوثين لدراسة الفلسفة أو التاريخ، وكتب إلى رئيس الجامعة أكثر من مرة، قبل أن ينال الموافقة، لأن سفره كان يقتضي تدبير مخصصات أخرى لمرافق له بسبب فقدانه للبصر. على أي حال، أخيرًا عبر البحر إلى فرنسا وهو في الخامسة والعشرين.

caption

اتجه هناك على الفور إلى الأصول، فتعلم اليونانية واللاتينية وأتقنهما، كما درس تاريخ العصور الوسطى الأوروبية، والتحق كذلك بدورة دراسية حول الفيلسوف الفرنسي ديكارت. وفي الوقت نفسه لم تنقطع صلته بثقافته العربية والإسلامية، فتابع محاضرات المستشرقين حول تفسير القرآن، ثم أعد رسالته في فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، وأشرف عليه واحد من أعلام الفكر الإنساني، وهو إميل دوركهايم، أحد أساطين علم الاجتماع ومؤسسيه الكبار.

عاد بصحبة السيدة سوزان، التي تعرّف عليها هناك، واستأنف حياته العلمية بالجامعة أستاذًا للتاريخ القديم، كما بدأ في نشر سلسلة من المقالات في جريدة السياسة بين عامي 1922 و1924 حول الحياة الأدبية في صدر العصر العباسي الأول. وفي العام التالي تحولت الجامعة إلى مؤسسة رسمية تمولها الدولة وتشرف عليها إشرافًا كاملًا، وعُهد له بتدريس الأدب العربي، وألقى سلسلة من المحاضرات عن الشعر الجاهلي، وهي المحاضرات التي جمعها ونشرها في العام التالي، وأثارت صخبًا وغبارًا شمل مصر كلها.

أما الكتاب نفسه «في الشعر الجاهلي» فيناقش صحة ما أطلق عليه الشعر الجاهلي، مؤكدًا أن الشعر الذي ينسب إلى الجاهليين -أي قبل الإسلام- أكثره منتحل ومختلق بعد ظهور الإسلام ولا يعبر عن حياة الجاهليين، وما يمكن أن نطمئن إليه كشعر جاهلي قليل جدًا، بل إن شعر العمالقة أمثال عنترة وامرؤ القيس وطرفة بن العبد، ليس أكثر من «انتحال انتحله الرواة أو اختلقه النحاة أو حتى من اختراع المتكلمين والمحدثين والمفسرين» على حد تعبير طه حسين.

تقديم الكتاب

ويستنتج من ذلك أن الشعر والأدب الجاهلي عمومًا لا يصوّر حياة الجاهليين بكل دقائقها دينيًا وعقليًا وسياسيًا. إن حياة العرب قبل الإسلام كما حدد «إنما تُلتمس في القرآن، وليس في الشعر الجاهلي، الذي وضعت كثرته بعد الإسلام» وخصوصًا في القرن الثاني الهجري، قرن التدوين والجمع.

أما السؤال الذي ينبغي أن يُطرح في هذا السياق هو: لماذا جرى انتحال الشعر الجاهلي ونسبه لغير قائليه؟

ثمة خمسة أسباب يوردها إجابة على السؤال:

الأول: السياسة، والمقصود بها السياسة العصبية القبلية، فقد أرادت القبائل في صراعها بعد استتباب الإسلام أن تنسب لنفسها أمجادًا قديمة تزهو بها، فوضعت أشعارًا نسبتها للجاهليين من شعرائها، فاليهود والنصارى مثلًا وضعوا بعد الإسلام الكثير من القصائد ونسبوها إلى الجاهليين.

ثاني تلك الأسباب: الشعوبية. فبعض علماء اللغة والرواة في العصر العباسي وضعوا شعرًا يمجّد الماضي الفارسي، وجعلوه على ألسنة الشعراء الجاهليين تقربًا من الوزراء الفرس الذين استوزرهم الخلفاء العباسيون.

ثالثًا: القصاصون الذين وضعوا شعرًا ادّعوا قِدمه ونسبوه إلى الجاهليين، وتغنوا فيه بالأمجاد الغابرة لأحداث أمم وشعوب وقبائل بائدة.

وبينما يضيف إلى ما سبق الدور الذي لعبه القصاصون، هناك دور لا يقل تأثيرًا لعبه الرواة، وأخيرًا فإن السبب الخامس هو فساد الرواة، الذين كانوا يستهدفون الكسب والتربح السريع بأي وسيلة.

يستند طه حسين إلى تاريخ اللغة العربية ذاته، فلغة عرب الجنوب الحميرية كانت تختلف عن لغة عرب الشمال الفصحى في نحوها وصرفها وقواعدها، مما دعاه للشك فيما نُسب إلى شعراء الجنوب الجاهليين من شعر كُتب بلغة الشمال. ولا بد هنا أن يأخذ القارئ في اعتباره أن طه حسين كان يتناول واقع اللغة قبل الإسلام، بعد أن درس مناهج التحقيق الحديثة في العلوم الإنسانية، والتي تبدأ بالشك كطريق لليقين، كما تقضي بضرورة التجرد من العاطفة والهوى، وهو المنهج الذي كان قد درس أسسه في فرنسا.

من جانب آخر، يجب الإشارة إلى أن طه حسين ليس أول من شكك في صحة الشعر الجاهلي. فابن هشام صاحب أضخم وأهم سيرة نبوية، كان قد تحرّج في القرن الثاني الهجري من قبول صحة أشعار نُسبت إلى الجاهليين. كذلك نبّه ابن سلام الجمحي، في أهم عمل لشعر تلك الحقبة « طبقات فحول الشعراء»، إلى فساد بعض الرواة، وهو ما أكده مصطفى صادق الرافعي في كتابه «تاريخ آداب العرب» الصادر عام 1911 .

وينتهي إلى ملاحظتين أساسيتين في آخر كتابه، الأولى أنه حتى لو كان ما درسه لم ينته إلى نتيجة تاريخية صحيحة، فإنه فرض يحسن أن يقف عنده الباحثون ويجتهدون في تحقيقه. أما الفرض الذي يشير إليه فهو أن أقدم الشعراء يمنيون أو ربعيون، وما يروى من أخبارهم يدل على أن قبائلهم كانت تعيش في نجد والعراق والجزيرة، أي في البلاد التي تتصل بالفرس.

الملاحظة الثانية المترتبة على ما سبق أن الكتاب قد يترك في نفس قارئه أثرًا مؤلمًا لشكه الأدبي الذي طرحه في كل مواضع الكتاب، ويضيف أنه لا يقصد الهدم ويتعمده، ويضيف أنه لا موجب للخوف على الأدب العربي والقرآن الذي يتصل به هذا الأدب، ثم يوجه للقراء الكلمات التالية:

«فلهؤلاء نقول إن هذا الشك لا ضرر منه ولا بأس به، لأن الشك مصدر اليقين ليس غير، بل لأنه قد آن للأدب العربي وعلومه أن تقوم على أساس متين. وخير للأدب العربي أن يُزال منه في غير رفق ولا لين ما لا يستطيع الحياة ويصلح لها، من أن  يبقى مثقلًا بهذه الأثقال التي تضر أكثر مما تنفع وتعوق عن الحركة أكثر مما تُمكّن منها».

ويضيف: «ولسنا نخشى على القرآن من هذا النوع من الشك والهدم بأسًا، فنحن نخالف أشد الخلاف أولئك الذين يعتقدون أن القرآن في حاجة إلى الشعر الجاهلي لتصح عربيته وتثبت ألفاظه. نخالفهم في ذلك أشد الخلاف لأن أحدًا لم ينكر أن العرب قد فهموا القرآن حين سمعوه تُتلى عليهم آياته. وإذا لم ينكر أحد أن النبي عربي وإذا لم ينكر أحد أن العرب قد فهموا القرآن حين سمعوه، فأي خوف على عربية القرآن من أن يبطل هذا الشعر الجاهلي أو هذا الشعر الذي يُضاف للجاهليين؟»

وقبل أن أنتقل إلى جانب آخر، لا بد من الإشارة إلى أن أزمة كتاب الشيخ علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» كان قد مرّ عليها أقل من سنة، وهي الأزمة التي أطاحت بحلم الملك فؤاد في الخلافة بعد سقوطها في تركيا، وأطاحت أيضًا بخطة الاحتلال الإنجليزي في المزيد من إحكام القبضة. كانت حرية البحث العلمي أيضًا قد أصيبت في مقتل. وبدا وكأن الحكم المطلق على وشك أن يفرض بطشه وقمعه على الجميع.

على أنه من المهم الإشارة أيضًا إلى أن طه حسين لم يخشَ شيئًا، ولم ترهبه محكمة التفتيش التي كانت منصوبة منذ أشهر قليلة للشيخ علي عبد الرازق، وأسفرت عن إخراج الأخير من زمرة العلماء وعزله وفصله من وظيفته كقاضٍ. 

على أي حال، في 30 مايو 1926 تقدم الشيخ حسنين، الطالب بالقسم العالي بالأزهر، ببلاغ لسعادة النائب العمومي، يتهم فيه الدكتور طه حسين الأستاذ بالجامعة المصرية بتأليف كتاب أسماه «في الشعر الجاهلي» ونشره على الجمهور. وفي هذا الكتاب طعن صريح في القرآن، حيث نسب الخرافة لهذا الكتاب السماوي الكريم… إلى آخر البلاغ. وما لبث شيخ الأزهر أن أرسل خطابًا للنائب العام يبلغه فيه بما انتهى إليه علماء الأزهر عن «كتاب ألّفه طه حسين، المدرس بالجامعة المصرية، أسماه في الشعر الجاهلي وكذّب فيه القرآن، وطعن على النبي وأهاج بذلك ثائرة المتدينين».

من جانب آخر، لم يستطع شيخ الأزهر أن يكرر ما سبق أن فعله مع الشيخ علي عبد الرازق، عندما بادر بعقد لجنة كبار العلماء التي قامت بعزل الأخير وإخراجه من زمرة علماء الأزهر، لسبب بسيط هو أن طه حسين لم يكن تابعًا للأزهر بأية صورة من الصور، فقد تخرج في الأزهر وحصل على درجته العلمية من فرنسا.

وهكذا نجا طه حسين من مخالب الأزهر، التي كانت قد أجهزت لتوّها على الشيخ علي عبد الرازق، وبقى أن يمثل أمام جهات التحقيق التي وصل إليها أكثر من بلاغ. وهنا أود الإشارة إلى أن هناك مصادفة شبه قدرية، وهي أن يتولى التحقيق رجل مثقف واسع الاطلاع، يؤمن بالحرية ويعرف جيدًا دوره باعتباره ممثلًا للمجتمع في التحقيق، ولا يهاب الحق أو يتأثر بغوغائية الشيخ حسنين أو غيره ممن سارعوا بتقديم البلاغات.

والأستاذ محمد نور بك، رئيس نيابة مصر، هو هذا الرجل. ومنذ اللحظة الأولى عندما استدعى «المتهم» للتحقيق علم أنه خارج البلاد كعادته في كل إجازة صيفية يسافر مع زوجته إلى أوروبا. وهنا لم يأمر بإبلاغ الموانئ والمطارات بوضعه على قوائم الترقب للقبض عليه فور وصوله، بل اكتفى بإرجاء التحقيق إلى ما بعد عودته.

من جانب آخر، كان الروائي الراحل، خيري شلبي، قد عثر بالمصادفة على سور الأزبكية الذي كان مشهورًا ببيع الكتب القديمة، على نسخة قديمة من نص التحقيق الذي أجراه نور بك، فقام بتحقيقه وتقديمه وأصدرته عام 1972 المؤسسة العربية للدراسات والنشر اللبنانية.

وكما سيرى القارئ، فإن نور بك لم يحقق مع المتهم بل ناقشه مناقشة ندّية بين مفكرين. فعلى سبيل المثال يورد الاتهامات ثم يعلّق: «ومن حيث إن العبارات التي يقول المبلّغون إن فيها طعنًا على الدين الإسلامي، إنما جاءت في سياق كلام على موضوعات كلها متعلقة بالغرض الذي ألّف من أجله، فلأجل الفصل في هذه الشكوى لا يجوز انتزاع تلك العبارات من موضوعها والنظر إليها منفصلة، وإنما الواجب توصلًا إلى تقديرها تقديرًا صحيحًا بحثها حيث هي في موضعها من الكتاب، ومناقشتها في السياق الذي وردت فيه، وبذلك يمكن الوقوف على قصد المؤلف منها وتقدير مسئوليته تقديرًا صحيحًا».

ومن المثير للدهشة حقًا أن نور بك رجع إلى أمهات الكتب مثل الطبري وإلى المؤلفات المعاصرة ليناقش ويحاجج طه حسين، وحين يناقش ما ذكره المبلّغون من أن طه حسين طعن على النبي، يقوم بتوضيح السياق الذي ورد فيه الكلام عن الدين وانتحال الشعر وعلّق على هذا قائلًا بالنص «ونحن لا نرى اعتراضًا على بحثه على هذا النحو من حيث هو، وإنما كل ما نلاحظه عليه أنه تكلّم فيما يختص بأسرة النبي ونسبه في قريش بعبارة خالية من كل احترام، بل وبشكل تهكمي غير لائق، ولا يوجد في بحثه ما يدعوه لإيراد العبارة على هذا النحو». فهو لا يحابي المؤلف أو ينحاز له، بل يُعمل عقله ويقرأ في عدد من المصادر ليصل إلى قناعة عقلية، محافظًا على احترامه وتقديره للبحث العلمي، فيسأل مثلًا:

«هل يمكن لحضرتكم الآن تعريف اللغة الجاهلية الفصحى ولغة حمير وبيان الفرق بين لغة حمير ولغة عدنان ومدى الفرق، وذِكر بعض أمثلة تساعد على فهم ذلك؟»

ويسأل أيضًا في موضع تالٍ:

«هل يمكن لحضرتكم أن تبيّنوا لنا هذه المراجع أو تقدموها لنا؟»

فيجيبه «المتهم»:

« أنا لا أقدم شيئًا..»

ولايعتبر الأستاذ نور إن إجابة طه حسين تشكّل إساءة لرمز القضاء في شخصه، بل إن من حقه أن يمتنع عن تقديم المراجع فيعود لسؤاله مرة أخرى:

«هل يمكن لحضرتكم أن تبينوا لنا أي وقت كانت موجودة اللغة الحميرية ومبدأ وجودها إن أمكن؟»

ويجيبه:

«مبدأ وجودها ليس من السهل تحديده، ولكن لا شك أنها كانت معروفة قبل القرن الأول للمسيح وظلت تتكلم إلى ما بعد الإسلام، ولكن ظهور الإسلام وسيادة اللغة القرشية قد محيا هذه اللغة شيئًا فشيئًا، كما محيا غيرها من اللغات المختلفة في البلاد العربية وغير العربية وأقر مكانها لغة القرآن».

وينتهي نور بك إلى القول في نهاية التحقيق:

«وحيث إنه مما تقدم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين، بل إن العبارات الماسة بالدين التي أوردها في بعض المواضع من كتابه إنما قد أوردها على سبيل البحث العلمي مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها. وحيث إنه مع ذلك يكون القصد الجنائي غير متوافر.

فلذلك تحفظ الأوراق إداريًا.

محمد نور بك

رئيس نيابة مصر/ القاهرة في 30 مارس 1927

وأخيرًا، اضطر طه حسين مع كل ذلك إلى حذف فقرتين صريحتين فيهما إشارة واضحة إلى الجانب الأسطوري فيما يتعلق بما قيل عن قصة إبراهيم وإسماعيل وبناء الكعبة، كما غيّر عنوان الكتب إلى «في الأدب الجاهلي» بدلًا من «في الشعر الجاهلي».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن