في السنابسة.. ضحايا على مذبح «اليومية»
قبل أيام، أصبح هم أهالي قرية كفر السنابسة بمحافظة المنوفية تجميع 18 نعشًا لاستقبال جثامين بناتهم اللاتي فقدن أراوحهن بين حطام سيارة أجرة كانت تقلهم عبر الطريق الإقليمي إلى العمل في مزارع الصحراء. وفي جنازة مهيبة، شيع آلاف المواطنين الفتيات، اللواتي كن في بداية حياتهن، إلى مثواهن الأخير، ثم تحولت القرية إلى مأتم كبير، مستمر حتى الآن.
حين وصلتُ إلى السنابسة، كان الحديث حول الأسباب المباشرة للحادث، وفي القلب منها سوء الطريق والمسؤول عنه، قد توارى -في أحاديث السرادقات- خلف صب اللعنات على نظام العمل باليومية الحاكم لحياة سكان الكفر، وخصوصًا النساء. كان من المنتظر أن تعود كل ضحية بـ130 جنيهًا نظير 12 ساعة عمل.
«الـ130 دي بنتخانق عليها»، قالت عبير، العاملة الزراعية، بصوت زاعق وسط مجلس عزاء ميادة، إحدى ضحايا الحادث.
ساعدتني حوارات النساء في عزاء ميادة، 18 سنة، على فهم، ليس فقط فجيعة مقتل الفتيات الـ18، بل مأساة حياتهن، أو بالأحرى ما تعنيه الـ130 جنيهًا في سياق «نظام» اجتماعي كامل قائم على العمل باليومية، سواء في العمل الزراعي، الذي اتفق معظم أهالي القرية على أن النساء يمثلن غالبيته، أو غيره من الأعمال التي يضطلع بها الذكور وحدهم، والتي تتركز في أعمال مرتبطة بالمعمار غالبًا، مثل نجار مسلح أو مبيض محارة، أو كما يقولون «بدراعه»، وهو المصطلح المستخدم للإشارة إلى تشكيلة يصعب حصرها من شتى الأعمال، التي يمكن للرجال العمل بها دون النساء، ومن ضمنها مثلًا النقل بـ«المكنة» الدراجة النارية، وهي أحد الأنشطة التي كان يقوم بها والد ميادة قبل أن تنتهي رخصته ويعجز عن تجديدها.
تفتت الملكية الزراعية في القرية إلى حد أن وصلت في حالات كثيرة إلى صفر تقريبًا، حسبما اتفقت المصادر، هو ما جعل العمل الزراعي في أراضي الكفر هامشي للغاية، فيمكن لفرد أو اثنين على أقصى تقدير في كل الأسرة العمل في أرض المملوكة لها، فيما البقية ليس أمامهم سوى البحث عن مصادر للعمل بـ«اليومية»، خاصة أن ارتفاع تكلفة الزراعة نفسها خفضت بشدة من الدخل الذي يمكن أن تحققه تلك الأراضي، في حين تجاوز عدد سكان الكفر 22 ألف نسمة، وفقًا لعمدة القرية، محمد علام.
في مجلس العزاء، أعادت النسوة مرارًا حكاية كل منهن في نفس القصة، التي انتهت هذه المرة بمقتل ميادة وزميلاتها، قصة العمل في «الجبل» أو «الأرض الصفرا»، وهو المصطلح الذي يستخدمونه في السنابسة لوصف الأراضي الصحراوية المستصلحة، والممتدة على مساحات كبيرة بعيدًا عن نطاق محافظة المنوفية على الأغلب، أو بمعنى آخر بعيدًا عن «الأرض السودا» الطينية.
«الأرض الصفرا» المقصودة هنا تقع في أراضي مستصلحة في نطاق محافظة البحيرة، وأخرى في نطاق مدينة السادات -التابعة للمنوفية، كما يقول فرج غريب، عم ميادة الذي كان يستقبل المُعزيين في عزاء الرجال.
مع نضج المحصول، ينقسم العمل في «الجبل» إلى مهمتين: الأولى هي الحصاد في الحقل. والثانية، العمل في فرز وتغليف وتعبئة ووزن المحاصيل في محطات الإعداد للتصدير.
كانت ميادة، باعتبارها فتاة غير متزوجة، تعمل في المحطات، لكون العمل هناك يمتد لوقت متأخر نسبيًا مقارنة بالعمل في الأرض: «أنا بخرج بدري عشان بروح الأرض، بخرج من الفجر وأرجع على الساعة اتنين» تقول عبير، مضيفة: «إحنا الحريم [المتزوجات] بنرجع بدري عشان العيال والطبيخ، البنات [غير المتزوجات] بقى دي بتخرج على الساعة ستة سبعة الصبح وبترجع على ثمانية بالليل». ثم ارتفع صوتها غاضبًا: «من ساعة الحادثة وانا خايفة اطلع والنهاردة ملقتش تمن الفطار».
أصل يومية العامل/ة الزراعي/ة في كفر السنابسة 200 جنيه، يخصم منها مقاول الأنفار 20 جنيهًا نظير أتعابه، و50 أخرى نظير المواصلات. «لو اشتغلتي لوحدك [وليس عن طريق مقاول] يتضحك عليكي ويتخصم منك ومتاخديش فلوسك كاملة.. جوزي خد فلوسه ناقصة عشان راح مع نفسه من غير مقاول وقالوا له الطماطم اترفضت [من المستوردين]» تشرح المعزيات أهمية العمل عبر مقاول. ومما يعزز دور المقاول ما علمته لاحقًا من أن العمال باليومية لا يتلقون أجورهم بشكل يومي، بل كل 15 يومًا كمبلغ مجمع.
تقول المعزيات إن تكلفة المواصلات قد تزيد إذا كان العدد في الميكروباص أقل من حد معين، لأن مقابل النقل سيتوزع على عدد أقل من العاملات، ولهذا السبب تقول عبير إن العاملات أنفسهن ينظرن إلى زيادة العدد في الميكروباص باعتباره أمرًا يصب في مصلحتهن.
لكن القواعد عمومًا غائبة في هذا السياق، لأن زيادة العدد عن حد معين قد لا تعني تخفيض الـ50 جنيهًا، كما تحاول النسوة شرح الأمر، ومن بينهن اثنتان من زميلات ميادة، خرجتا في نفس اليوم في ميكروباص آخر من قرية مجاورة، وعادتا بسلام إلى منازليهما من «محطة السعد» التي كانتا تعملان بها قبل أن تعلما بالخبر فور وصولهما. تملصت الفتاتان من الاستطراد في الحديث عن المحطة وملاكها وظروف العمل بها، حيث كانتا تؤكدان على نفي العلاقة بين نزولهما إلى العمل والفقر.
بالبحث عن محطة السعد، تضم أكثر من شركة تحمل نفس الاسم: مؤسسة السعد للتصدير، مكتب السعد فروت للاستيراد والتصدير، شركة السعد لتجارة وإنتاج وفرز وتعبئة وتبريد وتجميد وتصدير الحاصلات الزراعية من موالح وفاكھة وخضار.
أحد أفراد أسرة ميادة، تأكد من إحدى زميلاتها، اللاتي استقللن سيارة أخرى إلى المحطة، أن الحادث وقع فيما كانت سيارة ميادة متجهة إلى البحيرة، ما يرجح أن تكون الشركة اللائي كن يتوجهن إليها هي «السعد للحاصلات الزراعية»، الموجودة في مركز إدكو بالبحيرة.

بعد إنهاء دراستها المتوسطة، عملت ميادة في المحطة طوال العام، بعدما كانت تعمل في الصيف فقط. المعتاد أن تعمل الفتيات فقط خلال الإجازة الصيفية وغيرها من الإجازات الدراسية في «الجبل».
في الصيف تزداد أعداد العمالة الزراعية اليومية حين تنضم أعداد كبيرة من الطالبات والطلبة للعمل، في حين يشهد موسم الشتاء العكس، ولهذا السبب يمكن أن يصل الأجر اليومي في الشتاء إلى 150 جنيهًا.
إحدى المعزيات قالت إن مستويات الأجور تلك ثابتة بلا فارق يذكر بين أصحاب العمل المختلفين، مضيفة: «كلهم متفقين، لا يمكن هتلاقي واحد بيديكي 130 والتاني 140، وإلا هتروحي للتاني.. كلهم زي بعض».
تُقى ابنة خالة ميادة، واحدة من العمالة التي تضخ في سوق العمل صيفًا، كونها لم تتعدَ 15 سنة، وأتمت هذا العام الدراسة الإعدادية، كما تقول أمها صباح في عزائها.
تلجأ الفتيات للعمل في الصيف للمساهمة في توفير مصاريف الدراسة، خاصة مع الوصول لمرحلة الثانوي العام، وهو ما كانت تطمح إليه تُقى، لكنها اصطدمت بالحقيقة التي واجهتها بها أمها من ثقل مصروفات الثانوي العام أو غيره من البدائل كالدبلومات، وهي بدائل كلها مكلفة بسبب تكلفة الانتقال، بغض النظر عن تكلفة الدروس الخصوصية.
تعود التكلفة المرتفعة إلى الحاجة للخروج من الكفر للوصول إلى المدارس الثانوية بأنواعها المختلفة، فأقربها هي المدرسة الثانوية في قرية سدود التي يحتاج الوصول إليها الانتقال بتوكتوك، أما بقية البدائل فأبعد.
في السناسبة لا يوجد سوى مدرسة إعدادية واحدة، ما يسهم في زيادة كثافة الفصول بطبيعة الحال ويضاعف الاعتماد على الدروس الخصوصية، كما أوضح لـ«مدى مصر» أحد الأهالي، الذي يعمل مدرسًا، وطلب عدم ذكر اسمه.
ولهذا السبب، كانت الدروس الخصوصية لتُقى -بالإضافة إلى الكتب الخارجية- تكلف الأسرة تقريبًا نحو 1500 جنيه شهريًا، حسبما تقول والدتها صباح، مضيفة: «يعني بيدونا 'تكافل وكرامة' وندفعه كله وندفع قده كمان مرة دروس». «الريس اللي بيغلي كل حاجة علينا مش عارف يصلح طريق؟» تتساءل غاضبة، في إشارة للطريق الإقليمي الذي أودى بحياة ابنتها.
مروة أيضًا، كانت ضمن العمالة التي تصب في سوق العمل صيفًا، كونها كانت مستمرة في استكمال تعليمها في معهد فني تجاري، على أمل أن تستطيع في يوم من الأيام أن تلتحق بكلية التجارة، حسبما أخبرنا والدها الذي كان يتلقى عزاءها أمام منزله، الذي يقع على بعد أمتار من منزل تُقى.
بحزن، تحدث والد مروة عن إقبالها على هذا العمل بدافع من رغبتها الشديدة في استكمال تعليمها، خاصة مع تراجع دخل الأسرة في ظل متاعب صحية ألمت به، ما جعل يوميته -من أعمال متفرقة- التي لا تتجاوز 200 جنيه، متقطعة.
يتدخل الخال في الحديث مفتخرًا بمروة وصديقاتها وبنات البلد: «إحنا بناتنا مفيش زيها، هم يعني بيطلعوا ليه مش عشان يساعدوا أهاليهم.. مكانتش طالعة عشان كده ولا كده». هذا الفخر تكرر كثيرًا في أحاديث متفرقة طوال اليوم مع أهالي كفر السنابسة.
هذا الشعور يعبر عنه بوضوح أكبر أحد أقارب عائلتي تُقى وميادة قائلًا: «ما هو مش صح اللي إحنا فيه طبعًا.. كل يوم البنات بتطلع أكتر وأكتر غصب عنها مع الغلا.. لقيت البنات طالعين في العيد اللي فات، بسأل واحدة منهم على فين يا بت في العيد قالت لي اليومية النهاردة 3 طاقات يعني يمكن في التلات أيام بألف جنيه يرضيك يعني نسيبهم»، مضيفًا: «مكانش الحال كده من كام سنة».
ولهذا، كان الجميع متفقًا، ليس فقط على مطالبة الدولة بفرص عمل، بل بفرص عمل موجهة للنساء بالذات، تسمح لهن بالبقاء في قريتهن، والكل بما فيهم عمدة القرية كان يرى في تأسيس مشغل تحديدًا يعد حلًا، لأن توقف النساء عن العمل في بلدة ريفية كتلك كان أمرًا غير مطروحًا.
العمل لتمويل الدراسة كان مضاعفًا في حالة الأختين شيماء وجنى. كانت شيماء، وهي الأكبر سنًا انتهت بالفعل دراسة الدبلوم، أما جنى فقد وصلت قبل وفاتها للشهادة الإعدادية.
كانت شيماء تعمل طول العام حتى قبل الانتهاء من الدراسة، لتمويل دراستها -في أيام الإجازات الأسبوعية- وفي أيام تتغيب خصيصًا من المدرسة، ولاحقًا انضمت إليها جنى في الإجازة الصيفية، فيما استمر عمل شيماء في الدراسة للإنفاق على تعليم جنى.
ملك، التي كان عزاؤها على بعد أمتار من عزاء شيماء وجنى، كانت على العكس، يأست من استكمال دراستها بعدما ارتفعت تكلفة المعيشة في الوقت الذي اضطر فيه والدها للتقاعد من عمله في مصنع بشاي للصلب في مدينة السادات، إثر إصابة في ساقه بفعل مرض السكري، وهو ما كان سببًا في إقبالها على العمل بشكل مستمر لمساندة الأسرة، خاصة أن الشركة لم تصرف للأب أي مكافأة.
في كل العزاءات التي حضرتها كان الغضب مسيطرًا. لهذا قرر عدد معتبر من الأهالي عدم حضور العزاء المجمع، الذي أقامه عمدة القرية في منزله واستضاف فيه محافظ المنوفية، وكان السبب المتكرر الذي ردده عدد من الأهالي هو تجاهل المحافظ لزيارتهم في منازلهم كما تقتضي تقاليد العزاء، فضلًا عن انتقاداتهم لغياب أي تنظيم لجنازات الضحايا، ما جعل إتمام طقوس دفن 18 فتاة في يوم واحد أمرًا شاقًا ومهينًا للجثامين من وجهة نظرهم، في ظل تدافع أهالي القرية في طرق ضيقة للغاية، بالإضافة إلى غضبهم من غياب المحافظ عن حضور الجنازة.
يروى أحدهم، وهو شاهد عيان، أن المحافظ أبلغ بضرورة المرور على منازل أهالي الضحايا، لكن إحدى نساء القرية واجهته مستنكرة قدومه للقرية قائلة: «انتوا جايين بعد إيه.. بعد ما خربتوها»، فعاد أدراجه.
لم يعقّب العمدة على انتقادات بعض الأهالي حول هذا العزاء المجمع، لكنه اعترف في حديثه مع «مدى مصر» بكل ما أوضحه الأهالي من أسباب لفقرهم؛ من غياب فرص العمل إلى الحرمان من الخدمات، وعلى رأسها الخدمات الصحية، مضيفًا: «الوحدة الصحية هنا كارثة» في إشارة لفقر تلك الوحدة الشديد، وهو الأمر الذي أيده عدد كبير من الأهالي.
يقول العمدة إنه حاول التفاوض مع المسؤولين لضم القرية إلى برنامج «حياة كريمة»، وهو الأمر الذي لم يتقرر بعد، لكن ما كان علام سعيدًا به هو الإعلان عن أن وزارة القوى العاملة وجهت 300 ألف جنيه لكل ضحية، فيما وجهت وزارة التضامن الاجتماعي 200 ألف جنيه أخرى لكل أسرة، بالإضافة إلى 100 ألف جنيه من مؤسسة أحمد عز الخيرية.
تقارير ذات صلة
حرية الظهور
ياسر علوان يصور، وجون مولينو ينظّر، وأشرف عمر يترجم
حد أدنى للأجور مع إيقاف التنفيذ
إسكات مطالب العمال بالقبضة الأمنية وتقاعس «العمل» عن إنفاذ قرار الحد الأدنى للأجور
ساعة «العمل المؤقت».. أدنى من «الحد الأدنى»
في فبراير الماضي أقر المجلس القومي للأجور حدًا أدنى لأجور العمل المؤقت عند 28 جنيهًا للساعة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن