تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
في الإمساك بالقمر: عندما استمرت حملات الشتاء

في الإمساك بالقمر: عندما استمرت حملات الشتاء

الحلقة  الحادية عشر من برنامج قراءة «المصريون والسجن: سنوات دامية للمثقفين والجلادين خلف الأسوار» 

كتابة: محمود الورداني 16 دقيقة قراءة

 بالطبع ليس المصريون وحدهم هم الذين لعب السجن والمعتقل وآلات التعذيب والمحاكمات دورًا أساسيًا في حياتهم، فالقمع والانفراد والاستغلال وصراع الطبقات أمور لا تحتاج للتأكيد، بل هي واقع عاشته وتعيشه سائر المجتمعات منذ قرون وسوف يستمر أيضًا، وإن كنت أتمنى ألا يستمر حتى النهاية.

برنامج القراءة الذي أقترحه هنا يطمح للاقتراب من تلك التجربة المخيفة بكل ما فيها من بسالة وانكسار لمن عاشوا خلف الأسوار، من تعذيب وتنكيل اقترب في أحيان كثيرة من القتل، ناهيك عن أن هناك من قُتلوا فعلًا وتم تعذيبهم حتى الموت. ويطمح للاقتراب أيضًا من مستعمرات العقاب ذاتها ومعسكرات الاعتقال في سائر بقاع المحروسة. ومن بين ما يسعى إليه برنامج القراءة الذي أقترحه الكشف عن دهاليز وخفايا نظام التحقيقات والمحاكمات الذي أتاح وسمح بمساخر لا حصر لها، لا تتعلق فقط بإهدار سنوات طويلة من عُمر المعتقلين داخل مستعمرات الاعتقال، بل أتاح أيضًا وسمح بأن تعيش مصر ومثقفوها وقواها الاجتماعية عدة عقود متوالية، في أوهام وضلالات الحكم العسكري المطلق منذ عام 1952 وحتى الآن.

في الحلقة الأولى تناولت مؤامرة شبرا، التي اتهم فيها شباب بالتخطيط لقتل الجناب الخديو عام 1912. وفي الثانية والثالثة اخترت كتاب سعد زهران «الأوردي .. مذكرات سجين» عن التجربة الدامية في «أوردي» أبو زعبل كنقطة انطلاق. وفي الرابعة والخامسة تناولت تجربة «الواحات»، منطلقًا من كتابين هما «يوميات الواحات» لصنع الله إبراهيم، وكتاب «الحياة الثقافية في سجن الواحات» لعلي الشوباشي. وبالموازاة اخترت للحلقتين  السادسة والسابعة «مذكرات إنجي إفلاطون التي سجلّت التجربة المتزامنة مع تجربة «الواحات»، في سجن آخر هو سجن القناطر للنساء، وحوله وبجواره عدد لا بأس به من الشهادات. وللحلقة الثامنة تناولت تجربة نادرة لم تتكرر، حين قام اثنان من السجناء بالهروب من معتقل الواحات. وفي الحلقة التاسعة تناولت شهادة لآخر قادة التنظيم الخاص للإخوان المسلمين. 

ومن الحلقة العاشرة انتقلت للسبعينيات، حيث شهدت الحركة اليسارية نهوضًا واضحًا، وخرجت إلى الشارع  مظاهرات واحتجاجات لافتة، وأعقبها بطبيعة الحال حملات اعتقال طالت العديد من المثقفين والأدباء والفنانين. وبدأت بكتاب «رسوم الزنزانة» لعز الدين نجيب، ثم هنا، وعلى حلقتين، أعود لكتابي «الإمساك بالقمر»، الذي سجلت فيه تجربتي اعتقال جرتا في ثمانينيات القرن الماضي.

صدر كتاب «الإمساك بالقمر» عن دار الشروق، عام 2021، ويحمل عنوانًا جانبيًا: «فصول من سيرة زماننا». كانت فصول هذا الكتاب نُشرت منجمة في جريدة «أخبار الأدب»، أسبوعيًا بين فبراير 2017 ويوليو 2019، أما الأحداث التي يتناولها فأقدمها يعود إلى عام 1970، بينما ما سأعرضه هنا من فصوله بتصرف، يعود إلى عامي 1980 و1982 تاريخ الحبستين اللتين جرتا لي، الأولى في آخر حكم السادات والثانية في مطلع حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك.

كتاب الإمساك بالقمر

لم أكن حُبست من قبل إلا أسبوعًا واحدًا في 24 يناير 1972، عندما تم فض اعتصام طلاب جامعة القاهرة في يناير 1972، الذي جرى احتجاجًا على استمرار الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967، وتم اعتقال قرابة ألف من الطالبات والطلاب المعتصمين، وبعد أسبوع أمضيناه في معهد أمناء الشرطة في حلوان (وكان قد تم إخلاؤه خصيصًا لنا) أفرج عن القسم الأعظم، فيما استمر اعتقال من اعتبروا قيادات للاعتصام في سجن القلعة ومن بينهم، أحمد عبد الله رزة، وزين العابدين فؤاد، وأحمد بهاء شعبان، وغيرهم.

لا يمكن اعتبار الأسبوع الذي أمضيته في معهد أمناء الشرطة حبسًا أو اعتقالًا. فمن اعتقلونا كانوا مرتبكين من حجم الجريمة التي اقترفوها، خصوصًا أن الأيام التالية للاعتصام شهدت اندلاع المظاهرات الصاخبة التي انطلقت من جامعتي القاهرة وعين شمس، وانتقل الاعتصام من جامعة القاهرة إلى الكعكة الحجرية في ميدان التحرير، وكان يتم تفريقه بالقوة، ليعود في اليوم التالي، واستمر ذلك عدة أيام. ونحن في معهد أمناء الشرطة كنا أكثر صخبًا ووصل الأمر إلى قيامنا بإضراب عن الطعام، وهي خبرات اكتشفناها للمرة الأولى.

  *

أما الاعتقال الأول فجرى بعد ذلك بثمان سنوات، وبالتحديد في 16 يناير 1980 (كانت حملات الشتاء التي تقوم بها أجهزة الأمن تحوّلت إلى ما يشبه التقليد السنوي، حيث تنطلق تجريدة لاعتقال من هم في كشوف الداخلية لعدة أشهر كفيلة بإحداث قدر كبير من الفوضى والاضطراب في صفوف المناضلين والناشطين، وليس ضروريًا على الإطلاق أن تكون هناك أدلة أو أحراز أو محاضر، فالمهم هو إحداث أكبر قدر من الاضطراب وهروب البعض وإشغال المحامين والأهالي.. إلخ).

وكنتُ أعمل وأقيم أنا وعائشة في واحة الخارجة بالوادي الجديد، تنفيذا لأوامر إدارية أصدرها رئيس الوزراء بإبعاد كل من اتهم أو أدين في انتفاضة يناير 1977. امتنعتُ في البداية عن التنفيذ أكثر من سنتين ثم اضطررت للتنفيذ، وسافرتُ وحدي أول الأمر، وعندما عُيّنت عائشة، طلبتْ أن يكون التعيين في الوادي الجديد، ولحقت بي في النصف الثاني من عام 1979.

أيامها كان النقل إلى مكان ناء مثل الوادي الجديد، يُعدّ نفيًا وإبعادًا فلم يكون هناك تليفزيون ولا هواتف نقالة ولا إنترنت بالطبع والجرائد تصل متأخرة، والصلة الوحيدة بالقاهرة باص عمومي يبدأ رحلته في السادسة صباحًا من الخارجة، وآخر من القاهرة إلى الخارجة ويصل في وقت ما آخر النهار.

لذلك كانت المفاجأة كاملة بالنسبة لي. كنتُ في مكتبي بمديرية التربية والتعليم بالخارجة صباح 16 يناير 1980، أكتب بعض الأوراق الخاصة بالعمل، وجاء الساعي الذي يعمل مع مدير الشؤون الإدارية، وطلب مني الذهاب إلى الأخير، وهو رجل لزج كنت أعامله باستهانة لأنه حريص على الزهو بذكائه المفرط بوصفه بيروقراطيًا عتيدًا.

كان من الأمور العادية أن يرسل لي أحد السعاة، وكان من الأمور العادية أيضًا أن أهبط للطابق الأرضي حيث مكتبه، ونزلتُ بالفعل. وبمجرد دخولي مكتبه، وقف رجل ضخم الجثة يرتدي بدلة كاملة. كان يجلس على مقعد مجاور للباب، وعرّفني بنفسه أنه العقيد عبد المجيد، مفتش مباحث أمن الدولة.

لم أكن أتوقع مطلقًا شيئًا كهذا، وكنت بعيدًا في أقصى الصحراء، ولم أعلم بأي إشارات عن بدء حركة اعتقالات أو ما شابه، إلى جانب أن نشاطي كان توقف منذ قرابة عام ولم أعد أظهر في أي مكان في القاهرة، ثم أن قرار الإبعاد هم الذين أصدروه.. لكل ذلك فوجئت، ولم أكن أعرف حدود الموضوع وسبب الاعتقال، وفي الوقت ذاته كنت خائفًا طبعًا ومخضوضًا وعليّ إظهار العكس، كما شعرت بالقلق على عائشة ولم تكن هناك طريقة لإبلاغها.

كان مفتش المباحث رجلًا دمثًا ومهذبًا، ولم يضع قيدًا في يدي. كان يريد إتمام شُغله بسرعة وبلا ضجيج. اصطحبني في سيارة كانت واقفة أمام المديرية وأجلسني بجواره. وصلنا بعد دقائق قليلة إلى مبنى صغير من طابق واحد، ومن هناك اصطحبني رائد يرتدي ملابس مدنية إلى سيارة جيب قادها بنفسه ومعه ثلاثة مخبرين. كان فظًا ورذلًا يمصمص شفتيه طوال الوقت مرددًا «شيوعي.. هنا في الوادي شيوعي!!».

تجاهلته ولم أرد عليه. وبعد دقائق سألني عن عنوان البيت. أدركتُ أنهم لا يعرفون عني أي شيء، وهي مسخرة كبرى!

وعندما وصلنا حاصرني الرائد بجلافة حتى بلغنا الباب، وما أن فتحته حتى اندفع مع مخبريه. بدا لي هائجًا ويبحث عن أي سبب للتحرش، خصوصًا بعد أن وجد أقل ما يمكن من أسباب الحياة، وراح يعبث هنا وهناك. وجد على الأرض أوراقًا لنا، فوق ورقة جرنال كنا فرشناه على الأرض بديلًا عن المنضدة. لم يترك إلا قسيمة زواجنا أنا وعائشة، وأخذ كل الأوراق التي وجدها، ومن بينها بعض رسائل متبادلة بيني وبينها أثناء ابتعاد كل من عن الآخر قبل أن تلحق بي.

لم نتبادل أي حديث أثناء عودتنا، لكنني فوجئت بعائشة داخل المبنى. الحقيقة أنها كانت ثابتة وجدعة مما خفف من توتري، لكن المفاجأة الأشد أن العقيد قال إننا سنسافر الآن معًا، وفهمت أنها معتقلة أيضًا.

           *

أظن أن الساعة كانت تجاوزت الثالثة عصرًا عندما جاء نقيب بملابسه الرسمية وتسلّمنا من أمن الدولة. لم يضع قيودًا في أيدينا، لكنه كان حاسمًا وحريصًا على أن نهبط معه بهدوء، حيث كانت هناك عربة لوري كبيرة وعدد من العساكر بالبنادق القديمة، ربما تجاوز عددهم العشرين، يصطفون أمام اللوري.

المثير للدهشة أن النقيب لم يلق بنا في الخلف داخل اللوري مع عساكر الحراسة، وطلب منا أن نجلس متجاورين بجوار السائق، ثم صعد وجلس بجانبي. في الطريق تجاذبنا أطراف الحديث. طبعًا لم نثق به، لكنني أميل الآن إلى أنه كان رجلًا مهذبًا بالفعل، ولا أعرف هل جلوسنا بجواره في الأمام كان بتعليمات من العقيد أم هو الذي قرر ذلك.

كان السفر في الليل والظلام الدامس مزعجًا وقابضًا، خصوصًا أن الضابط لم يجب عن سؤالي أكثر من مرة عن وجهتنا. لم يتوقف اللوري إلا في بني سويف عندما تقدم الليل أمام كازينو على النيل لقضاء الحاجة ثم واصلنا السير. أظن أن الطريق استغرق أكثر من تسع ساعات حتى تعرفت على منطقة طرة.

احتضنتُ عائشة بسرعة قائلًا:

خللي بالك..

توقعت أنهم سيذهبون بها إلى سجن القناطر، وهو ما تأكدت منه بالفعل فيما بعد. دخلنا أنا والنقيب بعد أن وضع القيود في يدي إلى مكتب مأمور السجن، وتمت الإجراءات في سهولة ويسر. ابتسم النقيب لي قبل أن يستدير عائدًا، فيما كان المأمور قد أمَر شاويشا باصطحابي.

سلّمت أماناتي، ومضيتُ أعبر الأبواب المتتالية في ليل قارس البرودة في منتصف يناير بصحبة الشاويش وعسكري آخر. انتبهتُ إلى أننا نعبر بوابات وأبوابا عديدة فأحصيتها.. كان عددها يزيد على العشرة. كان الشاويش يفتح كلا منها بمفتاح معه يدور في القفل عدة دورات، ثم يغلقه خلفه ويدور المفتاح عدة دورات، على الرغم من أنه غالبًا سيُلقي بي في زنزانة ثم يعود أدراجه. كانت تلك أولى الملاحظات التي تدعمت بعد ذلك على مدى الأشهر التالية. هناك عشرات الأبواب المغلقة المتتالية في السجون يتم فتح كل منها ثم إغلاقه. هناك أبواب مغلقة في كل مكان، وهناك أيضًا حرص بالغ على إغلاقها وراء من يغادر.

لا أتذكر أننا تبادلنا كلامًا أنا ومن اصطحباني. كانت طرقات السجن تبدو غامضة أمامي، ولم أتبين ما حولي من مبان وعنابر، حتى وصلنا إلى زنزانة فتحها الشاويش وألقى بي داخلها. كانت خالية ومساحتها 3×6 أمتار تقريبًا. كان الضوء قليلًا لكنه كاف لأتبين آثار حياة، فلصق الجدران ميّزتُ أبراشا وبطاطين وملابس ملقاة هنا وهناك وأغراضًا متنوعة مما يؤكد وجود آخرين. وبعد قليل فُتح الباب مرة أخرى، وألقى لي الشاويش ببُرش وبطانيتين وأغلق باب الزنزانة خلفه.

مضى وقت بدا لي طويلًا، ثم سمعتُ ضجيجًا وأصوات عالية في الخارج بالقرب من الزنزانة، ودخل عدد من الناس لم أتبين ملامحهم في الضوء الشحيح بعد أن استقروا على أبراشهم. انتبهوا لي وسألني أحدهم عن اسمي، وفوجئت بأنه يعرفني. رحّب بي وعرفتُ أن اسمه عبده كراوية، فتذكرتُ أنني تعرّفت عليه وعلى مجموعة من شباب منطقة القناة المهجّرين بعد هزيمة 67 على قهوة إيزافيتش.

شعرتُ بسكينة وهدوء للمرة الأولى منذ بداية اليوم بدا لي أن الشباب الذين دخلوا منذ قليل معتادون على الحبس، فهم يتصرفون بتلقائية، ويحكون ما جرى لهم في تحقيقات النيابة التي جاؤوا منها لتوهم. فهمتُ أن أجهزة الأمن حريصة على خروجهم في جنح الليل، للتحقيق معهم، وحبسهم بمعرفة النيابة بسبب ما يقومون به من ضجيج شديد وهتافات، إذا تم إرسالهم أثناء النهار، خصوصا أن نيابة أمن الدولة كانت آنذاك في شارع زكي بوسط البلد.

       *

نمتُ بعمق نومًا بلا أحلام. لم أشعر بنفسي مطلقًا إلا صباح اليوم التالي. الأيام الأولى كانت كئيبة وقاسية. كان هناك تشديد علينا في فتح الزنازين ودخول دورة المياه والخروج لطابور الشمس، إلى جانب الاعتماد على طعام السجن فقط، مع منع الصحف والورق والأقلام ومنع الاتصال بين الزنازين، وكل زنزانة تخرج للذهاب لدورة المياه وحدها، والأخيرة مُهينة ولا حواجز بينها.

كانوا أخلوا لنا عنبرًا في الدور الأرضي يضم مجموعة من الزنازين المتجاورة، وحالوا بيننا وبين المساجين الجنائيين، لكننا استطعنا أن ننادي على بعضنا البعض، وكل زنزانة تقوم بتقديم ساكنيها للزنازين الأخرى. اكتشفتُ أنني أعرف الكثيرين منهم مثل عماد أبو غازي وتيمور الملواني وبراء الخطيب وفريد زهران وأمير سالم وسمير حسني وصابر بركات وغيرهم وغيرهم .. من القاهرة والإسكندرية والقناة وأسيوط وقنا.

وعندما خرجت للتحقيق في النيابة، لم يستغرق التحقيق إلا ثوان قليلة وأنا مقيّد. سألني وكيل النيابة أسئلة قليلة جدًا مثل: هل أنت منضم لتنظيم سري يسعى لقلب نظام الحكم؟ أو ما قولك في اتهامك بكذا وكيت؟ وأجبته طبعا: ما حصلش .. ما اعرفش..فأمر بحبسي وعدت للسجن دون أن يأمر وكيل النيابة بفك قيدي أثناء التحقيق.

مضى أكثر من أسبوعين من التضييق والتشديد، لم تتحقق أبسط مطالبنا كمساجين تحت التحقيق، وهي أمور كان يعرفها جيدًا زملاؤنا المعتادين على الحبس، كما يعرفون طرق الضغط والتلويح بالإضراب، فسمحوا لنا بالخروج فقط من الزنازين والمشي داخل العنبر. ولم يكن ذلك كافيًا، فبدأ كلام جدي حول الإضراب، ثم جاء الحل من حيث لا نتوقع.

كنا نسير في الصباح خلال نصف الساعة الممنوحة لنا بالمشي خارج الزنازين في فناء العنبر، وفوجئنا بصفيحة ضخمة مملوءة ماء وقاذورات تُلقى علينا من أحد الطوابق العليا حيث عنابر وزنازين الجنائيين. كنتُ قريبا للغاية من المكان الذي ألقيت عليه، ولو كانت طالتني أو أحد زملائي، فمن المؤكد أنها كانت تصيبه في مقتل، لأن الأرضية التي سقطت عليها تحطمت تمامًا.

كانت تلك الحادثة العارضة سببًا في إشعال شرارة التمرد. ما فهمته من المشاورات والمناقشات أن الحادث مدبّر من الإدارة لإسكاتنا وإرهابنا بعد أن كنا لوّحنا بالإضراب. تزعم تيمور الملواني الدعوة لحضور النيابة فورًا للتحقيق فيما دبرته الإدارة ضدنا.

قامت الأخيرة بفرض حالة من الغموض والتوتر، فقد اختفى الجنائيون تمامًا وساد صمت، كسره تيمور بالهتاف ونحن وراءه ضد الإدارة وضد مأمور السجن بالاسم باعتباره عميلًا لأمريكا وإسرائيل! وأبلغنا أحد الصولات من خلف باب العنبر المغلق أن مأمور السجن يأمرنا بدخول الزنازين فورًا وإلا سندخلها بالقوة وأنه لن يستدعي النيابة، وأجابه تيمور أننا لن ندخل الزنازين قبل حضور النيابة وأننا مضربون عن الطعام.

كان بيننا زعماء من الطلاب ونقابيين سبق لهم أن أمضوا شهورا طويلة في سائر حملات الاعتقال الموسمية طوال عقد السبعينيات، وتعرّضوا للضرب والسحل، وألقي بهم في زنازين التأديب والتجربة. وفي الوقت نفسه كان بيننا من كانت تلك تجربته الأولى وأيضًا ديمقراطيون لا علاقة لهم باليسار، إلى جانب من تم اعتقالهم بالخطأ مثل أشقاء المطلوبين.

بعد ساعتين من الهتاف، ليس فقط ضد المأمور، بل ضد النظام الحاكم وإسرائيل، بدانا نسمع صيحات غريبة وأصوات موقّعة وأقداما تدب على الأرض. سألنا القدامى فأخبرونا أنها أصوات فرقة مكافحة الشغب في السجون، فهمنا أنها الأكثر شراسة والمتخصصة في فض شغب السجون. سألنا: وماذا سيحدث إذن؟ أجابونا إن الفرقة ستقتحم العنبر وتضربنا وتسحلنا، وستستخدم ضدنا القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي، وفي النهاية سيحملوننا بعد ضربنا ويلقون بنا في التأديب.

المثير للدهشة أن من كانوا حديثي التجربة تضامنوا مع القدامى، وقرر الجميع عدم دخول الزنازين، على الرغم من تأكيد القدامى أننا سنتعرض لعلقة محترمة، وأشهد أن تيمور أدار المعركة باقتدار ودربة مذهلتين.

فهمت أننا وصلنا لنقطة حاسمة: لا نملك الآن التراجع، وتراجعنا معناه انتصار الإدارة، أي أن أحدًا من لن يستطيع أن يرفع رأسه، وسترتع الإدارة وتلعب بعد أن تكون كسرت إرادتنا. في تلك اللحظات الفاصلة حرص زملاؤنا القدامى على أن نعرف أن الفرصة ما زالت متاحة لمن يفضّل دخول الزنازين ولا يتعرض للضرب والسحل، وإن كان سيتعرض بالطبع لكل ما يترتب على الشغب من عقوبات جماعية.

كلما تذكرتُ تلك اللحظات الصعبة شعرت بارتجاف داخلي. كان تيمور بجرمه القصير المدكوك ووسامته اللافتة يهتف ونحن ورائه نقطع أرض العنبر جيئة وذهابا، كما أخرجنا من زنازيننا كل ما يصلح لمواجهة الهجوم المتوقع: طوبًا وقطعًا من الخشب والحديد، وكلها لم تكن صالحة للمواجهة، بطبيعة الحال، وتنحصر قيمتها في أنها مجرد رمز.

بعد مرور قرابة ثلاث ساعات، اقتربت بشدة أصوات الصيحات المنذرة والأقدام التي تدق الأرض، ثم حلّ صمت دام قليلا وفُتح باب العنبر، ورأينا مجموعة من الرجال يرتدون ملابس مدنية. عرّفنا واحد منهم بنفسه أنه وكيل مصلحة السجون، وطالبنا بالهدوء التام مؤكدًا أنه سيحقق بنفسه في كل ما جرى. انبرى تيمور له قائلًا بثبات إن مطلبنا الأساسي حضور النيابة للتحقيق في الاعتداء علينا ومحاولة قتل أحدنا، واتهم الإدارة بتدبير الاعتداء، واصطحب وكيل المصلحة -ونحن حوله- إلى موقع الحادث، وأشار له على الفجوة المحفورة بقوة، والتي خلّفها إلقاء الصفيحة من أحد الطوابق العليا. أبدى الرجل استعدادًا لتفادي الصدام ووافق مبدئيًا على إبلاغ النيابة.

*

 كانت تلك الواقعة هي السبب في حصولنا على أكثر من حقوقنا، وقمنا بتعيين أكثرنا أناقة وشياكة، نادر العناني، مندوبًا للتعامل مع الإدارة، وتعيين لجنة للحياة العامة تقوم بتوزيع عادل لكل ما يرد لنا في الزيارات أو من أماناتنا المودعة بالكانتين. وهكذا تصرّفت لجنة الحياة العامة المنتخبة في تسيير كل شؤون الحبسة مثل شراء صفائح المياه الساخنة بالسجائر للاستحمام وتوفير الدواء من الخارج والتعامل مع الصولات وصف الضباط المسؤولين عنا، وتدبير ما ندفعه لهم مقابل الخدمات التي نحصل عليها منهم، بل والإنفاق على الاحتفال بأعياد الميلاد (ما زلت حتى الآن أحتفظ بكارت أهدتني إياه لجنة الحياة العامة مكتوب على ظهره: الرفيق العزيز.. دعنا ننتهز ذكرى مولدك لنحبك أكثر. ولك منا أمنياتنا المخلصة بأعوام أكثر رقة وآمالًا نحققها معك. ووضعت لجنة الحياة العامة توقيعها ممثلة لـ72 مسجونًا في ليمان طرة في 21 أبريل 1980).

ووصلتني أخبار مطمئنة من عائشة، سواء عن طريق المحامين، أو من خلال أهلي الذين نجحوا في زيارتها في سجن القناطر، وعندما بدأ نزولنا للمحكمة تأكدت الأخبار من خلال الزميلات اللاتي يتصادف نزولهن في الوقت نفسه ولقائهن الخاطف مع الزملاء.

من جانب آخر بدأت سلسلة من المحاضرات في التاريخ والأدب والسياسة وأحوال الطبقة العاملة، يلقيها متخصصون تعقبها مناقشات كنا حريصون خلالها على تجنب الخلافات السياسية الطاحنة بين المنتمين لتنظيمات مختلفة خارج السجن. كذلك كانت هناك إذاعة يومية في المساء يديرها زملاء يتمتعون بصوت مخيف في قوته مثل أمير سالم وأسامة خليل. كما انتزعنا حق إقامة احتفال صاخب خارج العنبر، وفي المكان نفسه الذي نأخذ فيه طابور الشمس، في ذكرى توقيع اتفاقية كامب ديفيد حرقنا خلاله العلم الصهيوني واستمر الاحتفال عدة ساعات من الغناء والهتاف والخطب الحماسية.

أما الكتب فكان مسموحًا بها، ولم أكن حتى ذلك الوقت قرأت الجبرتي كاملًا، وهو ما لم أكن أسامح نفسي عليه، خصوصا أن ما قرأته عنه والاقتباسات منه كانت تدير الرأس. لذلك أرسلت إلى صديقي عبده جبير، وبادر بإرساله على الفور، ولم تكن هناك أي مشكلة في القراءة.

وبدأ أيضا نزولنا أمام المحاكم للنظر في الإفراج عنا أو استمرار حبسنا، بعد أن استنفدنا مُدد الحبس الاحتياطي أمام النيابة. وفي الطريق إلى المحكمة لم نكن نكف عن الهتاف أو الخبط على جدران السيارات التي تنقلنا. وقام مرافقونا من ضباط الحراسة بتحرير المحاضر ضدنا، لذلك فإن كثيرًا من زملائنا الذين تأمر المحكمة بالإفراج عنهم، كان يُعاد حبسهم في اليوم نفسه على ذمة محاضر جديدة.

           *

وبعد حوالي ستة أشهر، وبعد أن استُنفدت التماحيك الأمنية والقضائية أفرج عني مع مجموعة من الزملاء يتراوح عددهم بين سبعة وعشرة. أمضينا ليلة في قبو «لاظوغلي»، وصادفنا هناك مجموعة من الشباب المنتمين للجماعة الإسلامية ولم يرحبوا بالتعارف، على الرغم من أن الأستاذ نبيل الهلالي المحامي الشيوعي المعروف طالما ترافع عن المحبوسين منهم، وتصادف أن ترافع عني وعن آخرين منهم في الجلسة نفسها.

وتم اقتيادنا صباح اليوم التالي إلى المكاتب في أحد طوابق المبنى الذي أمضينا ليلتنا في قبوه. مثّلوا أمامنا عندما دخلنا إلى مكتب الضابط المسؤول عن مكافحة الشيوعية تمثيلية رديئة، فقد ازدان المكتب الذي يجلس خلفه بمجموعة من الأعلام الأمريكية الصغيرة المصنوعة من البلاستيك بقصد استفزازنا.

أوقفنا أمام مكتبه صفًا واحدًا وأمامنا حقائبنا. راح يوجّه لكل منا على التوالي حديثًا قصيرًا لنفهم منه أنه عليم ببواطن الأمور، ويستعرض معلوماته التافهة، ويعدّل من أوضاع الأعلام الأمريكية التي يزيّن بها مكتبه. قال كلامًا كوميديًا وعبيطًا مثل أنه يكنّ لنا نحن الشيوعيين عداءً أيديولوجيًا، وأنه يمثل الطبقة الحاكمة التي لن تسمح لشوية عيال بلطجية أن يعكروا صفو المجتمع، وانتهى إلى القول إن علينا أن نكون جاهزين بحقائبنا على الدوام، فإنه سيتكرر حبسنا وجرجرتنا إلى السجون كل بضعة أشهر. لم نرد عليه وتشاغل كل منا بالنظر إلى السقف.

أما عائشة فقد تم الإفراج عنها بعد ثلاثة أسابيع، وأمضيتُ أغلب الوقت في استخراج الأوراق اللازمة بين المحامين والنيابة لاستخراج الأوراق اللازمة لعودتنا لأعمالنا في الوادي الجديد.

 في النهاية حزمنا حقائبنا بعد أيام قليلة عائدين، لكن تلك قصة أخرى.  

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن