تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
فنون إفلات الأدب من الأسر

فنون إفلات الأدب من الأسر

كتابة: عمر شرارة 9 دقيقة قراءة
تصميم مهرة شرارة

«ما بعرف إشي عن باسم حاليًا.. من بعد أحداث 7 أكتوبر ما فيه زيارات.. بقالنا أكثر من ستة أشهر ما بنزور» يتحدث يوسف خندقجي عن شقيقه مؤلف رواية «قناع بلون السماء» التي وصلت إلى قائمة جائزة البوكر العربية القصيرة، بينما كاتبها، باسم خندقجي (مواليد 1983)، حبيس أحد سجون الاحتلال الإسرائيلي في عزل انفرادي، بحسب يوسف.

ومنذ اعتقاله، في 2 نوفمبر 2004، أسس خندقجي مكتبات داخل السجون التي تنقل بينها، وألّف الشعر، وصدرت باكورته «طقوس المرة الأولى» في 2009، تلتها مجموعة شعرية أخرى، ثم انتقل إلى الرواية، و«قناع بلون السماء» هي سادس رواياته.

اعتُقل خندقجي، المُنتمي إلى حزب الشعب الفلسطيني [يساري وعضو منظمة التحرير]، حينما كان عمره 21 عامًا بتهمة «مقاومة الاحتلال والمشاركة في عملية سوق الكرمل الفدائية»، التي نفذها شاب فلسطيني من بلدة أبو ديس شرق القدس المحتلة، وسط تل أبيب، وأسفرت عن مقتل ثلاثة إسرائيليين وإصابة نحو 30 آخرين. وفي 7 سبتمبر 2005 حكمت سلطات الاحتلال على خندقجي بالسجن المؤبد ثلاث مرات. 

حاليًا يقبع خندقجي في سجن عوفر الإسرائيلي، شمالي الضفة الغربية، والذي يشبهه السجناء الفلسطينيون بسجن جوانتانامو الأمريكي سيئ السمعة بسبب اكتظاظ زنازينه وسوء طعامه والتنكيل بسجنائه. بخلاف «عوفر»، تنقل خندقجي بين تسعة سجون هم: هداريم، الرملة، شطة، عسقلان، بئر السبع، جلبوع، ريمون، دامون، نفحة.

«كنا نزوره لمدة 45 دقيقة، لا زيادة ولا نقصان، ومرة واحدة في الشهر» يقول يوسف، مضيفًا أن أطول مدة قضاها خندقجي كانت بسجن «ريمون» نحو ثماني سنوات، ولم تُحرم الأسرة من زيارته إلا «لمّا كان يصير إضرابات عن الطعام»، وذلك حين قاوم إدارة السجن بالإضراب مرتين: في فبراير 2022 ومارس 2023.

أما الآن فهو حبيس زنزانة «عوفر» الانفرادية، «ما فيها إشي من مقومات الحياة، دورة المياه منها وفيها، فرشة على الأرض، ما في أجهزة كهربائية ولا إشي، فقط أربعة جدران يحيطوا فيك وقصادك باب ممنوع تخرج منه، حتى ما بتعرف مدة عزلك»، بحسب يوسف.

طقوس الكتابة

في أبريل 2020، وخلال وجوده في سجن «ريمون»، طلب خندقجي من أهله كتبًا محددة لقراءتها، حتى تعينه على البدء في مشروع رواية جديدة ينوي أن تكون ضمن مشروع أكبر، وهي ثلاثية اختار لها اسم «المرايا».

«مش سهل أقول رقم عن اللّي ساعدوا باسم في المراحل السابقة على كتابة الرواية، ما فيه سهولة في العمل هاد، عانينا في جمع المراجع، وإدخالها المعتقل، ما كان فيه سهولة في أي مرحلة بالمرّة. إحنا بنحكي عن احتلال بيمنع النملة تدخل السجن إذا أراد، فما بالك بالكتب أو القصاصات الورقية أو الملابس»، مثلًا تمنع إدارة السجن إدخال الملابس حسب اللون، «ما بدّنا اللون الأسود يدخل بدّنا اللون الكحلي، أو بناطيل الكاوبوي والجينز ممنوع تفوت»، هكذا يستعيد يوسف عملية إدخال المراجع المطلوبة إلى أخيه الذي رُحل من «ريمون» إلى «هداريم»، وهناك انطلقت عملية تأليف مخطوط الرواية، في يونيو 2021، معتمدًا على توافر الدفاتر والأقلام في «كانتين» السجن.

يُحب خندقجي التأليف بعد الفجر لمدة ساعتين يوميًا. «ليش هذا الوقت؟ قبل عدّ السجناء، وقبل ما تصير ضوضاء في السجن» حيث تتعمد الإدارة الإزعاج عبر مكبرات الصوت «تلاقيهم يُنادوا على بعض بالميكروفونات.. يمارسوا إجراءات كتير صعبة تجاه الأسرى». 

وبعد قرابة ستة أشهر، اكتمل المخطوط لأنه «كان خايف من مصادرة المخطوط منه، مثلما يحدث مع المقتنيات الشخصية ككل» بحسب يوسف.

خلال محاولتنا تتبع مسار تأليف هذه الرواية، تأكدنا من مواقيته، بعد الفجر يوميًا لمدة ستة أشهر، تحت وطأة الخوف من التفتيش أو المصادرة أو الترحيل. والمسار انطلق زمنيًا من يونيو 2021 واكتمل في نوفمبر من العام نفسه، بحسب النسخة المنشورة منها. لكن عند اكتمال المخطوط، كان الترحيل قد حدث، فهو النمط المعتاد لدى سلطات الاحتلال، رُحل خندقجي إلى سجن آخر ثم «عاد إلى هداريم، وردوه ع نفحة» وبالأخير اكتمل المخطوط، بحسب يوسف.

إفلات الأدب

حاولنا تتبع مسار خروج مخطوط خندقجي، لكن يوسف رفض إخبارنا بتوقيت إخراجه، مكتفيًا بالإشارة إلى أن ذلك جرى من سجن نفحة، «ما بقدر أخوض أكثر في هيك تفاصيل للحفاظ على استمرارية إنتاج الأسرى». 

حكاية خروج مخطوط رواية خندقجي من السجون الإسرائيلية ليست الوحيدة، بل سبقتها مخطوطات أدبية أخرى كتبها العديد من الفلسطينيين، مثل مخطوطات هيثم جابر وهي روايتان ومجموعة قصصية وديوان شعر. كما كتب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في قطاع غزة، يحيى السنوار، رواية «الشوك والقرنفل» وأُخرجت ونُشرت في 2004، قبل الإفراج عنه ضمن صفقة جلعاد شاليط في 2011.

ومثلما يُسمى كل سجين لدى سلطات الاحتلال، مثل خندقجي، بالأسير، تُوصف مخطوطات الأسرى الأدبية بـ«الأدب المقاوم» لمواجهتها سردية المحتل. كان خندقجي أول من دعا إلى مبادرة «صندوق دعم أدب الأسرى» في 2013، التي تدعم نشر أعمالهم مناصفة مع أسرهم، وأصدرت في العام نفسه رواية نواف العامر «أيام الرمادة» عن دار «المكتبة الشعبية - ناشرون» التي تملكها أسرته.

وعن عزل خندقجي انفراديًا في «عوفر» حاليًا، يقول رئيس المكتبة الوطنية الفلسطينية الحالي ورئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين السابق، عيسى قراقع، إن ذلك «استمرار للسياسة الإسرائيلية تجاه الأسرى الفلسطينيين، وملاحقتهم بتفتيش زنازينهم لمصادرة ما ينتجونه من رسائل وأدب بكل أشكاله، حتى إن في فترة من الفترات كان القلم والورقة وفعل الكتابة من الممنوعات داخل السجون». 

خاض الأسرى إضرابات مفتوحة عن الطعام ومواجهات وصلت إلى حد الاشتباك بالأيدي مع السجّانين من أجل امتلاك أدوات الكتابة، وهو ما تحقق أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، بحسب قراقع، ورغم توافر هذه الأدوات «ظل إنتاجهم يُصادر، وكثير من الروايات فُقدت داخل السجون». 

عندما تُداهم زنازين عنابر السجن من أجل التفتيش «تُعتقل المفكّرات التي يكتب فيها الأسرى، مما يؤدي إلى حدوث مواجهات حامية بين الأسرى والسجانين. تنتهي إما بعزل الأسرى انفراديًا وحرمانهم من زيارات الأهل، وإما بفرض أحكام جديدة عليهم».

لكل ما سبق، طوّر الأسرى أساليب إخراج كتاباتهم من السجون الإسرائيلية، ومنها الكبسولة، ويشرح قراقع هذه الطريقة قائلًا: «يكتب الأسير على ورق شفاف بخط صغير جدًا، ثم يلف الورق حتى يكون قد حبّة الحبوب، ويضعه داخل الفم. وفي أثناء زيارات الأهل، تهرّب الكبسولة وسط الأحضان. وفي حال عدم وجود زيارات، يُمكن إخراج الكبسولة بأن تُعطى لأسير سيُفرج عنه، فيقوم ببلعها لحين وصوله لمكان آمن. ثم يتم إخراج الكبسولة، بمعنى إخراجها من بين الفضلات، ثم غسلها وإيصالها إلى ذوي الأسير كاتب الكبسولة».

إذا أمسكت سلطات الاحتلال بالكبسولة مع الأسرى يتعرضون للضرب وتُفرض عليهم أحكام أخرى غير التي يقضونها، لهذا ابتدعوا طريقة أخرى هي الإملاء، المعتمدة على امتلاك بعض الأسرى موبايلات مهرّبة، يتصلون بشخص ما ليبدأ الإملاء «كلمة، كلمة، على مدار ساعات وأيام وشهور، لأن الأسرى لا يستطيعون إخراج الموبايلات من مخبأها في كل الأحيان»، بحسب قراقع الذي يقول إن أغلب هذه الطرق كشفتها سلطات الاحتلال، وربما طُوّرت طُرق جديدة. 

مع اكتمال خروج المخطوط، «أول حد قرأه كاملًا كان الكاتب الفلسطيني، محمود شقير، وكذلك أستاذ الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت، عبد الرحيم الشيخ. أشادا فيها، باسم يعرفهما معرفة كويسة، ويعرف أنهما لا يجاملانه لكونها رواية مكتوبة في الأسر»، يقول يوسف إن شقيقه عندما كتب هذه الرواية تجرد من السجن، «فيه كتير من الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال كتبوا روايات عن تجربتهم في السجن، باسم يرفض الكتابة عنها حتى الآن، بل يقول: ما راح أكتب عن السجن وأنا بالسجن».

في مرحلة المخطوط، حملت الرواية عنوان «شياطين مريم المجدلية» حسبما قال الكاتب الفلسطيني محمود شقير، في فبراير الماضي، لـ«تلفزيون العربي»: «خندقجي أديب متميز، له لغته الخاصة. أنا لي علاقة بكل ما أنتجه من روايات. كانت مخطوطاته تصلني عن طريق أخيه يوسف، لأقوم بتحريرها، لا أعبث بلغة باسم ولا أشكك فيها، لكن النقل من داخل السجن إلى الخارج يتضمن أخطاء وأشياء لا تقصدها الرواية والكاتب.. يقوم آخرون بطباعة المادة، وفي أثناء الطباعة تحدث أخطاء، فكنتُ أتابع هذه الأخطاء وأصحح اللغة».

وعن أدب خندقجي، قال شقير إن الأسير لا يكتب عن حياته الخاصة بل «يستوحي التاريخ وثقافته، ويصب ثقافته في إنتاجه الروائي.. لا يكتب رواية حكاية، وإنما يكتب رواية معرفية» ويستخرج «موادًا معينة من باطن التاريخ ويشبّعها بأفكاره وإسقاطاته ليكتب رواية متميزة.. هذه الرواية الأخيرة فيها قدرات فنية وقدرات فكرية».

حينما كان يوسف يعرض ملاحظات شقير أو الشيخ التحريرية عن مخطوط الرواية، كان خندقجي يسمعها برحابة صدر، «خلال الزيارات، نقلت كل التعليقات. لكنها ظلت في إطار آراء القراء، لم يعدل باسم المخطوط بناء عليها، كان يناقشني فيها مش أكتر من هيك». إذا أشارت هذه الملاحظات إلى وجود خلل، «ما بيكون خلل في البناء السردي، ولكن بيكون خلل بالحدث أو بالصورة الفنية المذكورة بالنص» بل يعلق الكاتب على ما تفترضه ملاحظة «خللًا» بأنها «ما فيها إشي»، ويشرح يوسف «وجهة نظر باسم أحيانًا تكون مقنعة، وأحيانًا لأ، بس الكاتب دائمًا إله نظرة أخرى بالنص اللي كتبه، لأنه خلاص عنده قناعة تامة بالنص.. هو بيشوفه كامل.. واستمرينا هكذا».

قناع بلون الأسر

في يونيو 2023، قدمت أسرة خندقجي المخطوط إلى دار «الآداب» اللبنانية التي نشرته في نوفمبر من العام نفسه. وتخالف الرواية المعتاد في الأدب المكتوب بالسجون، فهي تحكي عن «نور» باحث الآثار الذي يعيش بمخيّم في رام الله ويسعى لكتابة رواية عن «مريم المجدلية» تلميذة المسيح، ليدحض بها رواية «شيفرة دافنشي» لكاتبها دان براون. وفي سبيل مسعاه هذا يجد بطاقة هوية زرقاء وبيضاء، وصارت هذه البطاقة قناعه، واستُلهم من ذلك عنوان الرواية.

حمل «نور» اسم صاحب البطاقة «أور» [نور بالعربية]، وانضم بهذا القناع إلى معهد أولبرايت الإسرائيلي للعلوم الأثرية بهدف التنقيب عن التاريخ الفلسطيني الحقيقي ليشارك ببعثة في «كيبوتس» أُقيم على أنقاض قرية أبو شوشة المُهجّرة، وتتوالى فقرات رحلة نور/أور للبحث عن وقائع تاريخيّة تخص المجدلية.

في «قناع بلون السماء» يأتي اسم المؤرخ الفلسطيني، جوني منصور، ضمن قائمة الشكر الواردة، والذي يقول إنه لم يزود خندقجي «بكتب بشكل مباشر، لا أستطيع زيارة أي سجين سواء كان مدنيًا أو أمنيًا مطلقًا فهذا حسب القانون ممنوع»، بل تزوّد الكاتب بمعلومات من الكتب التي  توفرها إدارة السجون في المكتبات بطلب من نادي الأسير الفلسطيني أو من قِبل ممثلين عن الأسرى في السجون، ومنها مجموعة من المقالات التي كتبها منصور في مجلة مركز مدار بعنوان «قضايا إسرائيلية» والتي تجيب عن بعض التساؤلات المطروحة في الرواية مثل «مصطلحات تتعلق بالتوراة وأماكن وردت في التوراة مثل جبل الكرمل.. مرج يزراعيل أو كما نسميه في اللغة العربية مرج بني عامر. أصول تسمية مدينة نابلس اللي كان اسمها السابق شكيم بالكنعانية، وإلى آخره من المصطلحات التاريخية أو الجغرافية اللي لها علاقة بالتاريخ.» ويعتبر منصور أن الرواية تبني السردية الفلسطينية، ولا تخرج عن هذا الإطار، كما أنها تبيّن وتكشف بشكل واضح زيف وتلفيق السردية الصهيونية.

الكاتب في عزلته

يخبرنا يوسف أن إفلات هذه الرواية من الأسر وترشحها لـ«البوكر»، أدى إلى تصاعد حملة تحريض ضد خندقجي من قِبل الإسرائيليين، وتتخوف أسرته من منع إيصال قيمتها إليه «بيقولوا ما معناه إنه لو كسب، ممنوع يروح دولار واحد لباسم».

ويحصل الكاتب الذي تصل روايته إلى القائمة القصيرة على عشرة آلاف دولار، وإن فاز يُمنح 50 ألفًا أخرى وهو الإعلان المنتظر في 24 أبريل المقبل، وتنافس «قناع بلون السماء» خمس روايات هي: «سماء القدس السابعة» لأسامة العيسة، و«الفسيفسائي» لعيسى ناصري، و«باهبل مكة» لرجاء عالم، و«مقامرة على شرف الليدي ميتسي» لأحمد المرسي، و«خاتم سليمى» لريما بالي. 

وبعيدًا عن الروح التنافسية المُعتادة لأجواء البوكر، فإن ما يهمنا القصة السابقة على وصول رواية خندقجي إلى هذه المنافسة، والتي لا تزال بعض تفاصيلها خفية، أو للدقة مسكوت عن تفاصيلها عمدًا، حتى لا تتكشف فنون إفلات الأدب من الأسر، بينما كاتبها معزول بالكامل في محبسه، فأهله لم يستطيعوا زيارته، ولم ترد منه أخبار منذ اندلاع الحرب قبل ستة أشهر «ما في أخبار عن باسم، ولا وسيلة تواصل معه. لكن نيابة عنه، بحكيلك إنه لا يزال عايش تحت ظلال قناع بلون السماء» كما يخبرنا يوسف، أو لعله يكتب رواية جديدة يضمها مع المُرشحة لـ«البوكر» إلى الثلاثية المُنتظرة، معتمدًا على ذخيرته من الدفاتر والأقلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

خلاصة الكتب

#265| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

بلال حسني 5 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن