فلسطين والمخالب #3
مُختارات من كتاب أحمد صادق سعد الصادر في 1947
«حل القضية الفلسطينية ليس فريدًا في نوعه، إنه حل مشكلة المستعمرات أي أنه لا يتأتى إلا بتحرر هذه البلاد الشقيقة من الاستعمار تحررًا كاملًا، وبأن تُحكم فلسطين حكمًا ديمقراطيًا شعبيًا يصدر عن شعبها وإرادته، ونحن إذ نقول شعب فلسطين، إنما نعني عربها ويهودها»
أحمد صادق سعد
«فلسطين بين مخالب الاستعمار»
هذه مُختارات من كتاب «فلسطين بين مخالب الاستعمار» المنشور في 1947 لأحمد صادق سعد (1919-1988)، ونقدمها للتعرّف على كتابات تقدمية سابقة على النكبة ورافضة لأسس الفكر الصهيوني الذي قامت عليها دولة إسرائيل بعد عام من صدور الكتاب.
عبر هذه المختارات نستعيد زمنًا كانت فيه فلسطين بلدًا واحدًا غير مقسمة بين العرب واليهود. كما تضعنا أمام إرث مفكر يساري مصري من أصول يهودية، اشتبك مبكرًا مع قضية فلسطين التي لا تزال بين المخالب. وفي الجزء الثالث والأخير، تقرأون شذرات من فصل الكتاب الرابع، الذي يسرد تاريخ «الحركة الوطنية»، وذلك في «العهد التركي» والفترة من 1918 إلى 1933، حين كانت «الحركة الوطنية تبحث عن نفسها» بتعبير المؤلف. ثم يطرح تصوره لحل القضية الفلسطينية ومشكلة اليهود كذلك، وهو ما سيرد تحت عناوين: «قضية فلسطين والسلام العالمي»، «الاستعمار والشرق العربي»، «التضامن العربي وفلسطين»، وجميعها نُشرت كخاتمة لكتابه.
ننشر هذه المختارات بالتنسيق مع أسرة المفكر الراحل، مع الالتزام بأسلوبه دون تدخلات تحريرية إلا في أضيق الحدود لتغيير ما اعتبرناه أخطاء مطبعية، مع الاستعانة بهوامش لتُيسِّر القراءة.
ولقراءة ما سبق من «فلسطين والمخالب»: #1 و#2.
الحركة الوطنية
العهد التركي
يجد ذلك التناقض بين القوى الاقتصادية والاجتماعية النامية الناهضة وبين قوى الاستعمار تعبيره السياسي في الحركة الوطنية العربية في فلسطين. وتحاول الدعاية الاستعمارية -البريطانية والصهيونية- أن تظهر الحركة الوطنية إما كحركة عنصرية موجهة ضد اليهود -وإذن على الإنجليز أن يوجدوا (التوازن) بين العنصرين بالاحتلال العسكري لفلسطين- وإما كحركة رجعية موجهة ضد المطالب (القومية) اليهودية وضد النظام «الديمقراطي» الصهيوني، وقالت إن قادتها يستمدون العون من أذناب الفاشية الألمانية والإيطالية، وإذن فيجب إخمادها بالقوة محافظةً على الديمقراطية.
غير أن تلك الدعاية الاستعمارية تخفي نقطة أساسية في هذا الصدد، وهي أن الحركة الوطنية العربية لم تظهر منذ تصريح بلفور، ولا منذ الاحتلال الإنجليزي لفلسطين، بل إنها بزغت قبل ذلك بكثير، في العهد التركي عندما لم يكن هناك لا وطن قومي يهودي ولا قوات عسكرية إنجليزية في فلسطين: هل يمكن بعد ذلك اعتبار الحركة الوطنية العربية في فلسطين شيئًا مُصطنعًا أوجدته جاسوسية المحور واعتمدت على كره اليهود ومحاربتهم؟
إن تطور المجتمع العربي في فلسطين قد سبق تدفق الرأسمال الأجنبي في هذه البلاد، وكان أساسه الحركة التجارية التي نشطت في الشرق الأوسط في أوائل القرن التاسع عشر، والتي ظهرت في مصر فعلًا بتأييد التجار والفئات الشعبية لمحمد علي في محاربته المماليك الإقطاعيين، وقد كانت فلسطين عندئذ جزءًا من سوريا التركية، فعندما احتلت الجيوش المصرية -بقيادة إبراهيم باشا- هذه البلاد ظهرت البذور الأولى لحركة وطنية ديمقراطية سورية (سنة 1830) وهي التي حاربت إبراهيم باشا وسهّلت ثورتها انتصار الإنجليز والأتراك على جيوش محمد علي.
ونمت الحركة الوطنية العربية بعد ذلك، وكانت مظاهرها الأولى في الثلث الثاني للقرن التاسع عشر يقظة ثقافية عمّت البلاد العربية.
كانت هذه الحركة الثقافية دليلًا على تيقظ العرب ووعيهم بقوميتهم باعتبارها منفصلة عن القومية التركية، غير أن هذه الحركة لم تلبث أن تلونت شيئًا فشيئًا بلون سياسي أوضح، فأسس الشباب العربي في باريس -سنة 1905- «عصبة الوطن العربي» التي أخذت شعارها «البلاد العربية للعرب». واقترن تأسيس هذه العصبة بانتشار الجمعيات السرية العربية في سوريا والألويات1 التركية العربية الأخرى، ثم انقلب بعضها إلى علنية عام 1908، فظهرت جمعية «الإخاء العربي» و«المنتدى الأدبي والعربي»، و«الجمعية القحطانية» و«جمعية الجامعة العربية».. إلخ. وكانت كلها تعمل على تحرير البلاد العربية من الاستعمار التركي، وقد تركزت الحركة السياسية العربية في هذا الوقت حول حزب (اللامركزية) والجمعيات السياسية والثقافية الملتفة حوله، الذي كان يرمي إلى الحصول على نوع من الاستقلال الإداري مثل المطالبة بأن تكون الحكومات المحلية للولايات والسناجق التركية التي يسكنها العرب منتخبة من العرب، وأن يكون التعليم منوطًا بالحكومة المحلية، وأن تصبح معاملات الحكومة كلها -في تلك الولايات- باللغة العربية.
والمعروف أن الحركة الوطنية العربية كانت معاصرة للحركة الديمقراطية التركية التي أدت إلى انقلاب سنة 1908 ولما لم يحقق الدستور التركي الجديد رغبات العرب وآمالهم، فانعقد المؤتمر العربي الأول في باريس سنة 1913 الذي اشترك فيه مندوبون عن جميع البلاد العربية الواقعة تحت الحكم التركي، وكان من قرارات المؤتمر:
«من المهم أن يكون مضمونًا للعرب التمتع بحقوقهم السياسية بأن يشتركوا في الإدارة المركزية المحلية اشتراكًا فعليًا»
وقابلت الرجعية التركية -حزب الاتحاديين- هذه الحركة بالمقاومة الشديدة، وحاولت أن تفككها وتحطمها بإلقاء الشقاق بين المسلمين والمسيحيين، أما الإقطاعيون -الذين كانوا يستفيدون من فوضى النظام التركي واستبداده بالطبقات الشعبية العربية- فإنهم ساعدوا مقاومة الاتحاديين جهد استطاعتهم.
وفي سنة 1914 اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى ووقفت تركيا مع ألمانيا والنمسا ضد الحلفاء، وطمعت الدول الاستعمارية الكبرى -إنجلترا وفرنسا- في الولايات العربية الواقعة تحت الحكم التركي والتي تمثل مراكز استراتيجية غاية في الأهمية، وتعاقدت فرنسا وإنجلترا وروسيا القيصرية- في معاهدة «سايكس بيكو» السرية على تقسيم مناطق النفوذ بينها، واقترن هذا التعاقد الاستعماري بمحاولات عديدة لضم العرب إلى صفوف الحلفاء تسهيلًا للفتح. فأُرسل الكولونيل لورنس إلى الجزيرة العربية ليلقي بالوعود التحريرية يمينًا ويسارًا حتى يثور العرب على الأتراك. وها هو يقول في كتابه «أعمدة الحكمة السبعة»:
«لقد هزني الحنين إلى الوطن، وضجرت من حياتي الشريدة المنبوذة بين هؤلاء العرب إذ أنا أستغل مثلهم العليا السامية، وأسخر جبهم للحرية جاعلًا منهم أداة وآلة للنصر البريطاني».
ثم كانت المفاوضات المعروفة بين الشريف حسين2 -شريف مكة- وسير ماك ماهون -المندوب السامي البريطاني في مصر- التي كان الحلفاء فيها يتقدمون أو يتقهقرون حسب انتصارهم وانهزامهم في الجبهة الشرقية، إلى أن صُدمت الجيوش الحليفة صدمة عنيفة في أغسطس سنة 1915 وخاب أمل الحلفاء في أن يستولوا على إسطنبول في القريب العاجل، عندئذ اعترفت بريطانيا «العظمى» باستقلال البلاد العربية في الحدود التي طالب بها الشريف حسين، ما عدا لبنان وأجزاء من سوريا قَبِل الشريف أن تكون تحت النفوذ الفرنسي.
وفي هذه المدة كان يحكم سوريا القائد التركي جمال باشا الذي أحس بتمرد العرب فنظم في بلادهم المجاعة تنظيمًا واعيًا ذهب ضحيتها ما يقرب من 40% من سكان سوريا ولبنان، ومن جهة أخرى استعمل جمال باشا المشنقة استعمالًا واسع النطاق قضى به على نخبة المفكرين والأعيان العرب، فزاد من استعدادهم للثورة على الأتراك.
وفي يوم 10 يونيه سنة 1916، رفع شريف مكة باسم العرب راية الجهاد ضد الحكم التركي، فتضخمت نواة الجيش العربي في سرعة فائقة وانضم عرب سوريا ولبنان وفلسطين والعراق والحجاز ومصر إليه، وكان السوريون غالبية الكبرى من المتطوعين، وكانت الوعود البريطانية الخلابة تتساقط كالمطر على العرب، فهذا بيان بريطاني بتاريخ 8 أغسطس 1916 يقول:
«من النقط المهمة التي لا تقبل البديل والتغيير في سياسة بريطانيا العظمى هو أن تبقى هذه الأماكن المقدسة (في فلسطين وغيرها) في أيدي حكومة إسلامية مستقلة».
وأعلن لورد اللنبي يوم دخوله القدس -ديسمبر سنة 1917، وبعد شهر من تاريخ وعد بلفور- بأن غاية الاحتلال البريطاني هي تحرير فلسطين من النير التركي وإنشاء حكومة وطنية حرة فيها.
وبتاريخ 5 يناير سنة 1918 صرح لويد جورج3 في خطاب ألقاه على نقابات العمال البريطانية بأن بريطانيا العظمى تعترف بحق فلسطين والجزيرة العربية وسوريا والعراق في الحرية والاستقلال، وفي تكوين حكومات وطنية حرة فيها. ولكن ما أن استتبت الأمور للحلفاء في فلسطين والمشرق والعراق.. إلخ، حتى أُعلن الانتداب على فلسطين والعراق وسوريا ولبنان، وكانت فرنسا الاستعمارية قد طردت قبل ذلك الملك فيصل من دمشق وحطمت الجيوش الفرنسية بقيادة الجنرال «جورو» الدولة السورية العربية، فانتهت المرحلة الأولى للحركة الوطنية ضد الأتراك بإبدال المستعمرين الإنجليز والفرنسيين بهم وبتقسيم البلاد العربية تقسيمًا اصطناعيًا -بالنسبة إلى ذلك الزمن. ولاسيما بسلخ فلسطين و«سوريا الجنوبية4» من سوريا ذاتها.
الحركة الوطنية تبحث عن نفسها
1918- 1933
انتهت المرحلة الأولى للحركة الوطنية بإبدال الحكم الإنجليزي بالحكم التركي، غير أنه بين الاستعمار الإنجليزي والاستعمار التركي فوارق ليس من أقلها أن النظام التركي كان نظامًا إقطاعيًا متأخرًا مزلزل الأساس، في حين أن الاستعمار البريطاني استعمار مُنظم قد تدرب قبل ذلك على استعباد الشعوب العديدة واكتسب التجارب وكثيرًا من الوعي السياسي، ولذلك صدمت الرأسمالية العربية الناشئة وأفلتت القيادة من أيديها يومًا ما (إلى سنة 1933) ووقعت هذه القيادة في أيدي الإقطاعيين العرب، وقد قدر الاستعمار الإنجليزي -من جهة- ضرورة المحالفة مع عناصر عربية معينة ليسهل عليه تضليل الحركة الوطنية العربية وكبتها إذا لزم الأمر، ووجدت تلك العناصر العربية في تلك الإقطاعية التي خانت الحركة الوطنية فيما مضى، والتي ارتبطت مصالحها الاقتصادية ارتباطًا سريعًا بالظروف الاستعمارية التي فرضها الحكم الإنجليزي علي فلسطين، وقد ظهرت البوادر الأولى للتحالف بين الاستعمار البريطاني والإقطاعية العربية في مقال نُشر في جريدة «القبلة» عدد 183 بتاريخ 23 مارس سنة 1918 الذي ظهر تأييدًا للهجرة الصهيونية إلى فلسطين والذي قيل عنه إنه كُتب بقلم الشريف حسين ذاته، ثم كتب الأمير فيصل -ابن لشريف حسين وملك العراق فيما بعد- بيانًا في جريدة «جويش كرونيكل» بتاريخ 14 أكتوبر سنة 1919- وهذه الجريدة لسان حال الجمعية الصهيونية في إنجلترا- يقول: «نحن نسعى لننشيء امبراطورية عربية تتألف على الأقل من العراق وسوريا وفلسطين… فأناشد اليهود -وهم ساميون قبل العرب- طالبًا معونتهم لنا في إنشاء المملكة لعربية حتى إذا كثر عدد اليهود في فلسطين يتيسر لنا أن نجعلها ولاية يهودية من ولايات هذه المملكة العربية».
وقد أُحيطت فلسطين بحكومات صديقة لصاحب الجلالة البريطانية؛ أما في فلسطين ذاتها، فقد فرض صك الانتداب على الحكومة البريطانية أن «تسهّل» ترقية نظام الحكم فيها؛ ولذلك أنشأت الحكومة الانجليزية في فلسطين في أكتوبر سنة 1920 - مجلسًا استشاريًا يرأسه المندوب السامي، ويتكون من عشرة أعضاء يختارهم المندوب السامي من غير الموظفين، وهم أربعة من المسلمين، وثلاثة من المسيحيين، وثلاثة من اليهود؛ ويُضاف إلى هؤلاء مديرو دوائر الحكومة الفلسطينية، وقد أعلن المندوب «السامي» يوم تشكيل هذا المجلس بأن إنشاءه ليس إلا خطوة نحو تقدم الحكم الذاتي الذي نصّت عليه المادة الثانية من صك الانتداب على فلسطين، وتقدمت الحكومة البريطانية فيما بعد باقتراحات مختلفة ترمي جميعًا إلى إنشاء مجالس استشارية بعضها منتخب وبعضها معين، لا سلطة لها على الإطلاق، ولكنها قد تفيد في تضليل الرأي العربي أو العالمي بخصوص نيات الاستعمار البريطاني الحقيقية.
أما من ناحية العرب، فقد أشرفت على حركتهم السياسية منذ الاحتلال إلى ديسمبر 1934 لجنة انتخبتها المؤتمرات العربية المختلفة، وسُميت باسم «اللجنة التنفيذية العربية»، وكانت تحت نفوذ العائلات الكبرى، وكانت لها اليد الأولى في توجيه الحركة الوطنية العربية -إلى سنة 1934- ضد كبش الفداء الذي كان الاستعمار البريطاني والصهيوني قد أعداه: اليهود. ولذلك شهدت فلسطين منذ الاحتلال البريطاني إلى عام 1926 سلسلة من المذابح التي قام بها العرب5 على اليهود بسبب الاستفزازات الاستعمارية المتكررة ظانين أن هؤلاء هم المصدر الرئيسي للبلاء، وأن الحكم البريطاني لولاهم لحقق وعوده ونفذها ثم أعقبتها فترة هدوء قصيرة لم تُسجل أثناءها احتجاجات منظمة ضد الهجرة اليهودية أو أية مطالبة بالحكم الذاتي، ويرجع هذا الهدوء إلى التضليل والتشويه اللذين أصابا الحركة الوطنية العربية بسبب قيادتها الإقطاعية من جهة، وإلى وسائل الضغط العنيفة التي استعملها الحكم البريطاني في فلسطين.
ولكن لم يكن من المُستطاع أن تدوم فترة الهدوء هذه طويلًا لأسباب خارجة عن إرادة المستعمرين وأعوانهم، ذلك بأن أزمة اقتصادية عنيفة بدأت تجتاح فلسطين منذ سنة 1925، ثم زادت وطأتها حوالي سنة 1929 بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية التي امتدت إلى ذلك القطر الصغير، ولم يكن في مقدور الاستعمار أن يوقف الأزمة أو يحلها، فإنها من خصائصه الباطنية، ولا سبيل أمامه إلا أن يضغط أكثر أو أكثر على الحركة الشعبية، ولا سبيل إلا أن يوجهها -إن استطاع- نحو المآزق، وهذا ما حدث في اضطرابات سنة 1929.
وقعت اصطدامات دامية قُتل فيها 133 وجُرح 339 من اليهود وقُتل 116 وجُرح 232 من العرب، وكانت القوات العسكرية الإنجليزية هي التي سببت تلك الضحايا في صفوف العرب، لأنه عندما بلغت الاضطرابات الحد الذي كان يرغب فيه الاستعمار البريطاني، رأى أنها قد تنقلب ضده فحينئذ -وحينئذ فقط- رأى مستر لوك أن يطلب إمدادات عسكرية من الخارج، وهذا تقرير6 لجنة شو يوضح لنا ذلك:
«إن اضطرابات أغسطس لم تكن ثورة ضد السلطات البريطانية، ولم يكن يُقصد منها أن تكون كذلك (بل أن السبب كان) العداء الجنسي من جانب العرب، الناجم عن خيبة أمانيهم القومية والسياسية.. وفي الوقت نفسه فإن الاضطرابات -كما أخبرنا أحد الشهود- لو أُتيح لها أن تعمّ لأصبحت في النهاية، وبحكم الضرورة، ثورة على الحكومة».
فكان للاستعمار البريطاني ما أراده وهدف إليه: حولت الحركة الوطنية من حركة سياسية ضد الاستعمار إلى حركة دينية وعنصرية ضد اليهود. ثم كبتتها القوات البريطانية عندما شاءت ذلك في سلطة وسهولة، والاستعمار في هذا كله لا يتخلى عن ثوب النزاهة والحياد والرغبة الصادقة المخلصة.
ولكن القيادة الخاطئة للحركة الوطنية العربية لم تتحقق باستمرار في سهولة وبساطة، إذ أن القوى الاجتماعية الرئيسية التي سببت نهضتها اليقظة القومية العربية لم تزل موجودة، وقد بحثنا فيما سبق أسبابها وظواهرها الاقتصادية والاجتماعية، وعلينا الآن أن نبحث تعبيراتها السياسية.
تجسمت التعبيرات الأولى -بعد الاحتلال الإنجليزي لفلسطين- للنهضة الرأسمالية العربية في استعمال وسائل التهييج الواسع الذي يقترن ظهوره بظهور الرأسمالية ذاتها، ومن هذه الوسائل إرسال الوفود إلى الخارج، وعقد الاجتماعات العلنية الكبرى وإصدار قرارات تدعو «الأمة» جميعًا إلى تطبيق سياسية كفاحية خاصة، ومن أمثالها الوفود الثلاثة التي ذهبت إلى لندن لتباحث الحكومة البريطانية، ومن تلك الاجتماعات المؤتمرات الثمانية التي عُقدت في سوريا ثم فلسطين من سنة 1919 إلى 1943، غير أن الذي يهمنا بالأكثر في هذا الصدد أن نسجل التطور الذي أصاب مضمون الحركة العربية في هذه الفترة، وتوجهها شيئًا فشيئًا نحو الهدف السياسي الحقيقي للحركة الوطنية: محاربة الاستعمار البريطاني.
كان محور الحركة -في أول الأمر الكفاح ضد الصهيونية واستنكار وعد بلفور، وقد أعلن تصريح بلفور بعد مضي سنتين من بدئه؛ أي في عام 1919 عندئذ احتج وفد من السوريين «المسؤولين» لدى المندوب السامي البريطاني في القاهرة ضد هذا التصريح، وفي 31 مايو سنة 1920 تألفت «الجمعية العربية الفلسطينية» التي احتجت على قرارات مؤتمر «سان ريمو» وعلى تعيين سير هربرت صمويل اليهودي الصهيوني مندوبًا ساميًا لفلسطين، وقرر المؤتمر السوري (أول مؤتمر عربي) الذي عُقد في دمشق يوم 2 يوليه سنة 1919 ما يأتي:
«إننا نرفض مطالب الصهيونية بجعل القسم الجنوبي من البلاد السورية، أي فلسطين، وطنًا قوميًا للإسرائيليين، ونرفض هجرتهم إلى أي قسم من بلادنا لأنه ليس لهم فيها أدنى حق، ولأنهم خطر شديد على شعبنا من حيث الاقتصاديات والقومية والكيان السياسي، أما سكان البلاد الأصليون من إخواننا الموسويين فلهم مالنا وعليهم ما علينا».
ثم تطورت الاتجاهات السياسية للحركة العربية فيما بعد أكثر من ذي قبل، فهذا الميثاق الوطني للمؤتمر العربي الخامس لا يتحدث عن الدين «الإسرائيلي» وإنما يقول:
«نحن ممثلي فلسطين أعضاء المؤتمر العربي الخامس، نقسم أمام الله والأمة والتاريخ بأن تواصل المساعي المشروعة لتحقيق الاستقلال والاتحاد العربي، ورفض الوطن اليهودي والهجرة الصهيونية».
ونجد أن المؤتمر العربي السابع (القدس في 20 يونيه سنة 1928) يضع التمثيل النيابي في الرتبة الأولى فيقرر:
1- المطالبة بحكومة برلمانية.
2- الاحتجاج على كثرة الموظفين الإنجليز في الحكومة الفلسطينية.
3- الاحتجاج على إعطاء امتياز البحر الميت لشركة أجنبية.
4-الاحتجاج على تفضيل العمال اليهود على العمال العرب في الأشغال الحكومية.
5- المطالبة بوقف سن القوانين ريثما تؤلف الحكومة البرلمانية.
وقد وعيت الرأسمالية العربية بأن الشعور السائد ضد اليهود «ناشيء عن خطة الحكومة فيما يتعلق بالوطن القومي اليهودي» ورأت «أن العرب في فلسطين وهم يطلبون حقهم في الحكم التشريعي لم يريدوا قط أن يغمطوا حقوق اليهود الذين يساكنونهم».
وأما موقف الرأسمالية العربية من الحكم البريطاني لفلسطين، فهو يتمثل في محاولات مستمرة إحباط المناورات التي قام بها الاستعمار لتضليل العرب وإقناعهم بها دون الاستقلال التام، ففي الانتخابات البلدية الأولى، امتنع العرب عن الترشيح وكان هذا الامتناع يكاد يكون كاملًا في 4 ألوية من الألوية الستة التي تتكون فلسطين منها، وفي سنة 1923 انسحب الأعضاء العرب من المجلس الاستشاري، فجعل المندوب «السامي» جميع أعضائه من الموظفين، ثم كان أن رفض المؤتمر العربي الفلسطيني الخامس «دستور» فلسطين الذي أراد الاستعمار فرضه، ومقاطعة الانتخابات للمجلس التشريعي.
فكان من المندوب السامي أن ألّف المجلس التشريعي بالتعيين بدلًا من الانتخاب، فاحتجت اللجنة التنفيذية على هذا ودعت الأمة إلى عدم التعاون مع هذا المجلس.
وحاول الاستعمار البريطاني، فيما حاول، أن يقنع العرب بتمثيلهم عن طريق «وكالة عربية» على غرار الوكالة اليهودية التي قرر صك الانتداب قبولها كممثلة لليهود، غير أن العرب رفضوا هذا المشروع الاستعماري أيضًا، لأن الذي يطلبونه ولا يقبلون عنه بديلًا إنما هو الاستقلال التام.
بالطبع لا تعني المواقف الوطنية التي نذكرها هنا أن القيادة العربية لم تتردد في معاملاتها مع الاستعمار، وقد ذكرنا فيما مضى العلائق الاقتصادية التي ربطت جزءًا من الرأسمالية العربية بالإقطاعية وبالاستعمار البريطاني ذاته، ولذا لم يكن غريبًا أن تحاول القيادة «إقناع» الاستعمار بحقوق العرب، وذلك على أساس الوعود والعهود التي قطعتها بريطانيا على نفسها للشريف حسين والعرب أجمعين، وهذه مذكرة الوفد العربي إلى تشرشل (وزير المستعمرات حينئذ) تقول:
«ولو أعادت الحكومة البريطانية النظر في سياستها الحاضرة في فلسطين، ووضعت حدًا لنظام الحكم الذي تسيطر عليه الصهيونية وأوقفت هجرة الغرباء إلى فلسطين إيقافًا تامًا، ومنحت سلطات تنفيذية ومشروعية إلى أهاليها.. لكن في الإمكان البحث في نصوص الدستور في جو آخر..»
كما أن قولنا إن تطور المضمون السياسي للحركة العربية نحو مكافحة الاستعمار هذا القول لا يعني نفيًا كاملًا أن هذه الطبقة المالكة العربية لم تكن لديها حينئذ مصالحة معينة في محاربة اليهود بالذات وبشكل عنصري، فهذا المؤتمر العربي الخامس يسجل قراره الخامس الذي ينًص على:
«مقاطعة اليهود مقاطعة تامة»
ومع ذلك فمما لا شك فيه أن القيادة العربية قد قامت بدور تهييجي عظيم منذ تلك الفترة المشوهة للحركة الوطنية في فلسطين، وقد أدت تلك المؤتمرات والبيانات المختلفة والاحتجاجات وقرارات المقاطعة.. إلخ، إلى تعميق التيقظ في صفوف الطبقات المتوسطة والكادحة من الشعب الفلسطيني، فقد انعقدت مؤتمرات للشباب العربي احتج فيها على الاستعمار -لا على الانتداب فقط- كما عُقد مؤتمر نسائي عربي -الأول من نوعه في تاريخ العرب- في يوم 26 نوفمبر سنة 1939 اشتركت فيه نحو 300 سيدة من مختلف أنحاء البلاد وقرر:
1-على المرأة العربية في فلسطين أن تقوم بنهضة نسائية عربية وطنية أسوة بالأقطار الأخرى المجاورة.
2-يؤيد المؤتمر قرارات الأمة في مؤتمراتها السابقة.
3-تنشيط التجارة والصناعة الوطنية بكل الوسائل.
وأهم من ذلك كله أن التهيج الذي قامت به القيادة العربية وصل إلى الطبقات الكادحة العربية في فلسطين وخصوصًا الفلاحين، وقد ساعد على تيقظ هؤلاء -بعد سباتهم الطويل تحت الحكم التركي- أن سنة 1929 تميزت ببيوع كبيرة للأراضي الزراعية للصهيونيين، فطُردت فئات كثيرة من الفلاحين المستأجرين من الأراضي التي كانوا يزرعونها، واقترن هذا بأزمة زراعية حادة وقعت سنة 1928، كان سببها الرئيسي وقوع جفاف شديد في تلك البلاد، ولذلك وجد التهيج السياسي الوطني أرضًا خصبة عند الفلاحين العرب الساخطين.
وبهذا الشكل استطاعت الرأسمالية العربية في فلسطين أن توصل أفكارها وتهيجها إلى الطبقات الشعبية العربية فيُعدّها لقبول قيادتها فيما بعد.
قضية فلسطين والسلام العالمي
الاستعمار والشرق العربي
علينا ألا نقصر دراستنا لفلسطين وقضيتها على تطوراتها الداخلية وتغيير علاقتها مع الاستعمار البريطاني أو الصهيوني، فمع تطور الاستعمار، وخصوصًا مع انتهاء الحرب العالمية الثانية وتأسيس منظمة الأمم المتحدة، أصبحت القضايا الداخلية لبلد من البلدان تهم العالم أجمع، لأن تفاقم الصراع بين الديمقراطية ونقيضها، الرجعية، قد يؤدي إلى نشوب حرب عالمية ثالثة تشترك فيها جميع الشعوب. هناك سبب آخر يجعلنا نضع مسألة فلسطين وسط الأوضاع الخارجة عن هذه البلاد بالذات، وهو أن قضية فلسطين -كما رأينا فيما سبق- قضية وطنية وديمقراطية في المرتبة الأولى، أي قضية شعب مظلوم مُستعبَد يُكافح ضد الاستعمار الأجنبي، والاستعمار البريطاني بدرجة خاصة. وإن التطورات الأخيرة التي وقعت على المسرح السياسي العالمي قد أبرزت بوضوح أن الاستعمار البريطاني ركز في كيانه جميع التناقضات الخاصة بنظمه، وأنه أصبح يتولى الدفاع عن جميع المظالم ويحمي جميع الفئات الخائنة التي يتعارض نشاطها [مع] تقدم الشعوب ورقيها. ولذلك صار الكفاح ضد الاستعمار في مقدمة المسائل التي تواجه الشعوب المُحبة للحرية والديمقراطية الصحيحة، وبالمثل أضحت مشاكل المستعمرات أحد الأركان الأساسية للعراك العالمي الحاضر بين القوى الشعبية التقدمية وقوى التعفن والانحطاط السوداء. والمركز الاستراتيجي الممتاز الذي تتمتع به فلسطين في البحر الأبيض المتوسط والشرق الأدنى يجعل حل قضيتها شيئًا يهم شعوب هذا الشرق باستمرار، لأن قبضة الاستعمار البريطاني على تلك البقعة الصغيرة من البلاد العربية يمكّن بريطانيا الاستعمارية من التسلط على مصر والعراق وسوريا ولبنان والجزيرة العربية، ويمكنها من تأمين مواصلاته «الإمبراطورية»، أو بشكل أوضح، يمكنها من تأمين استعبادها لشعوب الهند والشرق الأقصى، والاستعمار البريطاني يفهم هذا تمام الفهم، وهو يعي في الوقت الحاضر أن تحطيم أية حلقة من حلقات السلسلة الفولاذية التي تستعبد الشعوب المستعمرة، معناه خطوة كبرى عظيمة في سبيل تحطيم كيان الاستعمار البريطاني ذاته. ولذلك تراه يلتجئ إلى جميع المناورات والألاعيب التي في جعبته البالية العتيقة حتى يؤخر قدر المستطاع حل مسألة المستعمرات، سواء أكانت بريطانية أو غير بريطانية، ولذلك أيضًا نراه يبذل جهوده كاملةً دون حدود حتى غطى قضية فلسطين بسياج سميك من التشويه والكذب في سبيل حصرها بينه وبين نفسه والحيلولة دون مساعدة الشعوب الأخرى على حلها. أضف إلى ذلك أن الاستعمار البريطاني يحاول أن يجعل من فلسطين قلعة لمناوراته الرجعية العالمية.
ولذلك كله، نجد الاستعمار البريطاني يعمل كل ما في وسعه لإبعاد قضية فلسطين عن النطاق الدولي، فمنذ مؤتمر سان فرانسيسكو7 (مايو سنة 1945) صرح إيدن8 بأن بريطانيا ستواصل الاضطلاع بأعباء الانتداب في فلسطين، وهذا مستر بيفن9 -حامي السياسة البريطانية الاستعمارية في مصر واليونان وإندونيسيا.. إلخ- يعلن تنازل انتداباتها إلى منظمة الأمم المتحدة ما عدا فلسطين وشرق الأردن، وتتذرع السياسة الاستعمارية البريطانية في هذا بأن لجنة تحقيق -وهي السابعة عشرة في تاريخ فلسطين منذ الاحتلال الانجليزي- قد تكوّنت من إنجليز وأمريكان لدراسة المشكلة اليهودية ومسألة فلسطين المرتبطة معها، وواضح كل الوضوح أن بريطانيا «العظمى» بتكوينها هذه اللجنة إنما تتهرب من التزاماتها الدولية، لأن منظمة الأمم المتحدة هي الوحيدة التي لها صفة رسمية لدراسة المشاكل العالمية ومشاكل المستعمرات والبلاد الواقعة تحت الانتداب، أما أن يكون الاستعمار البريطاني والاستعمار الأمريكي الذي يؤيد الصهيونية تأييدًا قويًا قاضيًا في نزاع هو طرف من طرفيه، فهذا يفسر لنا النتائج التي أسفر عنها هذا التحقيق الجديد، ألا وهي تقسيم فلسطين، ذلك التقسيم الذي لا يمكن أن يكون حلًا للمسألة، والاستعمار البريطاني بهذه المحاولة الجديدة منه لم يرم فقط إلى إبعاد قضية فلسطين عن المحيط الدولي، وإنما رمى أيضًا وبشكل رئيسي إلى تشويهها، فقضية فلسطين هي عين قضية المستعمرات الأخرى جميعًا، قضية حق تقرير المصير المقدس لشعب مظلوم لا يحكم نفسه بنفسه، وقد قامت الشعوب المُحبة للحرية بالتضحيات الجسيمة في الحرب العالمية الثانية في سبيل تثبيت ذلك الحق وجعله شيئًا واقعيًا، فالمتوقع أن تعطف هذه الشعوب كل العطف على الشعب العربي في فلسطين، إذ يطالب بالاستقلال والديمقراطية، ولذلك قام الاستعمار البريطاني بهذه الألعوبة الأخيرة حتى يربط بين قضية فلسطين وقضية اليهود المضطهدين في أوروبا، فبهذا الشكل قد يظهر العرب -في مطالبهم بالتحرر من الاستعمار- وطنيين متعصبين لا إحساس لهم ولا مشاعر إنسانية.
وأخيرًا، فبوضعه مسألة الهجرة اليهودية كمحور للتحقيق الجديد، هدف الاستعمار إلى هدف ثالث، وهو تشويه القضية في نظر العرب أنفسهم، لأن قضية الهجرة اليهودية إلى فلسطين ما هي إلا مسألة فرعية وثانوية بالنسبة إلى المسألة الرئيسية الجوهرية وهي وقوع فلسطين في مخالب الاستعمار الأجنبي، فالذي تقدم بوعد بلفور هو الاستعمار البريطاني، والذي عمل على انتداب بريطانيا (العظمى) علي فلسطين هو بريطانيا ذاتها، والذي أدخل في صك الانتداب على فلسطين النصوص الخاصة بتنمية الوطن القومي اليهودي في فلسطين هي بريطانيا (العظمى) أولًا وأخيرًا، [...]10. إذن، فليست مسألة فلسطين الهجرة اليهودية إليها وإنما هي مسألة المطالب الوطنية والديمقراطية الخاصة بالحركة الشعبية العربية في فلسطين.
والحقيقة أن تفهم الشعوب الحرة والمُحبة للديمقراطية للقضية الفلسطينية تفهمًا سليمًا هو من الضروريات الأولى لمنع حدوث حرب عالمية ثالثة. إذ أن الاستعمار البريطاني قلعة الاستعمار العالمي في عهد ما بعد الحرب يتقدم من وقت إلى آخر باقتراحات جديدة قديمة ترمي جميعًا إلى إدامة (العقدة) الفلسطينية، بل إلى توسيعها حتى تشمل الشرق العربي كله، وإلى صرف أنظار الحركة الوطنية العربية نحو العداء الديني والعنصري لليهود؛ وهذا كله بقصد أن تضمن بريطانيا (العظمى) سيطرتها على الشرق العربي. ففي الأيام الأخيرة رددت أبواق الاستعمار مرة أخرى ضرورة تقسيم فلسطين إلى دولتين إحداهما عربية والأخرى يهودية، أي إلى تطبيق لجنة بيل، على أن المرء إذ يراجع مشروع بيل يرى أن توصياته تتضمن الفقرة الهامة الآتية:
«يجب أن ترتبط المعاهدات (بين الدولتين وبريطانيا العظمى) باتفاقات عسكرية»
وهي تبين الهدف الذي يستهدفه، الاستعمار بتقسيم فلسطين، تثبيت أقدامه في فلسطين وجميع البلاد العربية، ويُضاف إلى مشروع التقسيم فكرة استعمارية أخرى، وهي تأسيس «سوريا الكبرى» وبطل هذه الفكرة نوري السعيد11 باشا العراقي! وهو الذي حاول قبل ذلك أن يحبط الحركة الوطنية العربية في فلسطين بالتوسط بينها وبين الاستعمار البريطاني سنة 1936. وتقول هذه الفكرة بتقسيم فلسطين وإعطاء جزء منها للصهيونية، لتأسيس الدولة اليهودية فيها، وأما الجزء الباقي فينضم إلى سوريا، وتتحد سوريا ولبنان والعراق والدولة اليهودية داخل اتحاد سوريا الكبرى، وقد ظهر أخيرًا تقرير «صغير» في هذا المشروع وهو يقضي بضم لبنان إلى الدولة اليهودية داخل اتحاد سوريا الكبرى. ولا يحتاج المرء إلى برهان لإظهار استعمارية هذا المشروع، فعلاوة على أنه يتغاضى عن الخصائص والمقومات القومية المختلفة التي تفرق بين العراق وسوريا مثلًا، والتي بدأت تفصل بين العرب في فلسطين والعرب في سوريا أيضًا، علاوة على ذلك، فإنه يهدف إلى توسيع قبضة الاستعمار الصهيوني من البقعة الصغيرة التي تمثل فلسطين إلى الشرق الأدنى العربي كله.
ولا غرو أن هذا المشروع يستجيب لمطالب الصهيونية. وقد قام مستر «ا.بونيه12» -وهو من القادة الاقتصاديين للوكالة اليهودية- بدراسة «الترقي الاقتصادي للشرق الأوسط» في كتاب له، وخصص فصلًا منه «لطاقة الشرق الأوسط على الاستيعاب الزراعي» حيث درس إمكانيات استعمار الأراضي في العراق وسوريا ولبنان وشرق الأردن وتركيا.
التضامن العربي وفلسطين
تشعر الشعوب العربية بالخطر المشترك الذي يهددها باستمرار لأنه يهدد فلسطين باستمرار، ولذلك تجدها تظهر تضامنًا قويًا مع الحركة الوطنية العربية في فلسطين. فبالأمس القريب -في سنة 1936- اشترك متطوعون عرب من بلاد مختلفة في المنظمات الثورية المسلحة التي ناضلت ضد الاستعمار البريطاني. واليوم، وقد عمّت البلاد العربية حركة شعبية تقودها طليعة واعية ومتقدمة، ترى أن فلسطين أصبحت النقطة الحساسة -ربما أكثر من ذي قبل- في العلاقات الرسمية القائمة بين الدول العربية والحركات الوطنية في الشرق العربي من جهة، وبين الاستعمار البريطاني من جهة أخرى. وإنا إن أردنا أن نحكم اليوم على الجامعة العربية كما هي الآن فيكفي أن نحكم على موقفها من فلسطين. فإن كان هذا الموقف موقف التأييد الحازم الإيجابي، التأييد الذي يهدف إلى إيقاظ الجماهير الشعبية ضد الخطر الصهيوني والاستعمار البريطاني، استطعنا أن نقدر مقدمًا الجامعة العربية تقديرًا كبيرًا في مواقفها الأخرى، أما إذا كان موقفها من فلسطين موقفًا متخادلًا مترددًا -كما هي الحال الآن- يستر الحقائق ويسعى إلى تحويل انتباه العرب من المسألة الرئيسية -مكافحة الاستعمار الإنجليزي- إلى مسائل جزئية أو فرعية -مثل قضية الأراضي- فنستطيع أن نحكم مقدمًا أيضًا على الجامعة العربية بأنها ليست أداة يسودها النفوذ العربي الشعبي، وأنها لم تخدم القضايا العربية في كثير. ولكننا نجد أحسن دليل على الأهمية التي تأخذها قضية فلسطين في نظر الحركات الوطنية العربية في درجة تعلق التضامن الشعبي العربي حولها في هذه الأيام الأخيرة، قد تكوّنت في الشرق رابطة تجمع كافة الأحزاب الديمقراطية للكفاح ضد الصهيونية سُميت «لجنة مكافحة الصهيونية» ائتلف فيها المؤتمر الوطني والحزب الشيوعي والكتائب والكتلة الإسلامية وعصبة مكافحة النازية والفاشستية واتحاد نقابات العمال.. إلخ. وقد قدمت هذه اللجنة مذكرة إلى الدول الحليفة تقول فيها «إن لجنة مكافحة الصهيونية تُعرب باحتجاجها هذا عن الشعور العام الذي يشعره عشرات الملايين من أبناء العروبة المنتشرين في أنحاء الشرق والغرب، لأن الصهيونية في ذاتها ليست في الحقيقة إلا حربًا على هذه الملايين من العرب، وخطرًا أكيدًا عليهم، وعلى كيانهم القومي والسياسي والاقتصادي. وقد بدأ هذا الخطر بإخراج عرب فلسطين عن ديارهم وتهجيرهم، واغتصاب أراضي آبائهم وأجدادهم لتنتهي بتهديد قوميتهم والقضاء عليهم في مختلف ديارهم».
وطالبت اللجنة في هذه المذكرة بوقف الهجرة وقفًا تامًا وإلغاء وعد بلفور، وقد تكونت في العراق «عصبة مكافحة الصهيونية» من يهود العراق المتقدمين الذين تضامنوا تمامًا مع سائر العرب في تأييد قضية فلسطين العربية، وتوالي هذه العصبة نشر البيانات والمذكرات والاحتجاجات حول قضية فلسطين مظهرةً بوضوح أن الصهيونية لم تخدع اليهود جميعًا، وخاصة يهود الشرق العربي وطليعتهم الواعية. وإن لهذه النقطة الأخيرة أهمية كبرى، فبعد أن رأى الاستعمار البريطاني أن قومة وطنية مباركة بدأت تهز الشرق العربي من أقصاه إلى أقصاه، اقتنع بأن لا طريق له لاحتفاظه بقبضته عليه إلا بتحويل أنظار الوطنيين العرب إلى شيء آخر يؤدي بهم حتمًا إلى المأزق السياسي، ولذلك شهدنا في الأشهر الأخيرة محاولات عديدة من العناصر الفاشية التي يستأجرها الاستعمار البريطاني كما كان الاستعمار الإيطالي والألماني يستأجرها من قبل -لإيجاد حركة دينية وعنصرية ضد اليهود في الشرق العربي، وقد نجحت فعلًا هذه العناصر في تخريب بعض المحال التجارية في مظاهرات13 2 نوفمبر 1945 في القاهرة، وفي قتل بعض اليهود في ليبيا، ليس أدل على الأغراض الحقيقية لهؤلاء المأجورين من قتل المناضل الوطني اللبناني -إدوار الشرتوني14- أثناء مظاهرات الشعب اللبناني ضد الصهيونية في ذات التاريخ.
أما بعد: فقد يسأل سائل -ما هو الحل لقضية فلسطين، وإذا لم يتضمن هذا الحل تأسيس الوطن القومي فيها، فما هو حل المشكلة اليهودية؟
إن حل القضية الفلسطينية ليس فريدًا في نوعه، إنه حل مشكلة المستعمرات أي أنه لا يتأتى إلا بتحرر هذه البلاد الشقيقة من الاستعمار تحررًا كاملًا، وبأن تُحكم فلسطين حكمًا ديمقراطيًا شعبيًا يصدر عن شعبها وإرادته، ونحن إذ نقول شعب فلسطين، إنما نعني عربها ويهودها. ولا شك أن هذا الحل -وهو الحل السليم الوحيد- يقضي على يهود فلسطين أن يتحرروا في نفس الوقت من قبضة الصهيونية حتى يكونوا مع عرب فلسطين جبهة وطنية ديمقراطية موحدة لن تتحرر فلسطين دونها من الاستعمار والاستغلال. وأما حل المشكلة اليهودية العالمية، فهو أيضًا ليس حلًا فريدًا في نوعه، إنما هو حل الملايين الآخرين أيضًا -بل مئات الملايين- من المضطهدين والمستعبدين والمستغلين.
إن قضية اليهود لا تختلف أساسًا عن قضية الزنوج في أمريكا ولا عن قضية الهنود15 في جنوب إفريقيا، بل ولا هي تختلف أساسيًا عن قضية الطبقات الكادحة المظلومة في المستعمرات، ونحن نقول لهؤلاء المظلومين جميعًا:
«إن الحل الوحيد لآلامكم هو الديمقراطية الصحيحة السليمة، فكافحوا من أجلها» وينطبق هذا الشعار على اليهود أيضًا، بل إنه ينطبق عليهم بوجه خاص. ولسنا في هذا مبالغين، فإن اضطهاد اليهود كان يظهر دائمًا كدليل على أزمة اجتماعية حادة، تدل على انتقال المجتمع من طور إلى طور آخر.
ونحن في مثل هذه الأزمة الآن. فليس لليهود من بد إلا أن يساعدوا على حل هذه الأزمة، وأن يؤازروا الشعب جميعًا حتى يخرج إلى حيز الوجود هذا المولود الجديد: العالم الديمقراطي السليم.
القاهرة
في يوليه 1945- مارس 1946
هوامش
1 يُقصد بها التقسيمات الإدارية التركية للمناطق العربية التي كانت تحكمها الدولة العثمانية.
2 حاكم مكة الذي حلم بتأسيس دولة عربية في شبه الجزيرة العربية، وحارب الدولة العثمانية بدعم بريطاني من أجل تأسيس هذه الدولة فيما عُرف بـ«الثورة العربية» 1916، وذلك بعد مراسلاته مع المندوب السامي البريطاني في مصر، هنري ماكماهون.
3 رئيس وزراء بريطانيا في الفترة من 1916 إلى 1922.
4 استُخدم مصطلح «سوريا الجنوبية» لوصف فلسطين التاريخية وشرق الأردن (صارت فيما بعد المملكة الأردنية) وهي تسمية برزت في مؤتمر لندن 1840 الذي عُقد بين الدولة العثمانية ودول أوروبية منها بريطانيا وروسيا والنمسا للتصدي لحملات الوالي المصري، محمد علي، لضم الشام إلى ولايته. كما وردت هذه التسمية في الموسوعة البريطانية في نسختها الصادرة في 1911، وعُرفت بأنها «الثلث الجنوبي من سوريا». كما استُخدم هذا الوصف من قِبل العرب أيضًا للتأكيد على عروبة فلسطين بعد نهاية الانتداب البريطاني، ورفض إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين.
5 1929 جرت اشتباكات في مدينة القدس بين العرب واليهود حول حائط البراق/ المبكى، وذلك بسبب الخلاف التاريخي بين المسلمين واليهود حول هذا الحائط. وفي 15 أغسطس 1929، نظمت جماعة يمينية صهيونية مسيرة تطالب باعتبار الحائط لليهود، وهذه المسيرة كانت بحماية الشرطة البريطانية. وفي اليوم التالي، نُظمت مسيرة أخرى شارك بها العرب، وتوجهت من المسجد الأقصى إلى الحائط، وفي الأيام التالية توالت الاشتباكات، وامتد نطاقها لمدن أخرى منها الخليل حيث قُتل العديد من اليهود.
6 تقرير أصدرته لجنة بريطانية بقيادة السير والتر شو عن اضطرابات أغسطس 1926 والتي راح ضحيتها 243 من اليهود والعرب، وخلص التقرير إلى أن الشغب كان سببه مخاوف العرب من استمرار هجرة اليهود وشراء الأراضي في فلسطين، للمزيد يُمكن الضغط هنا
7 مؤتمر أُقيم في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية، والذي بدأت فيه عملية صياغة مسودة وثيقة الأمم المتحدة. وفي أكتوبر 1945 كان ميلاد المنظمة.
8 أنطوني إيدن، سياسي ينتمي لحزب المحافظين، وشغل وزير الخارجية البريطاني عدة مرات ثم رئيس الوزراء لاحقًا. ومن المتوقع أنه كان يشغل منصب وزير الخارجية وقت إشارة المؤلف إليه.
9 في الغالب يقصد المؤلف إرنست بيفن الذي شغل منصب وزير خارجية بريطانيا.
10 إشارة إلى أجزاء من الكتاب لا تتضمنها هذه المختارات.
11 نوري السعيد شغل منصب رئيس الحكومة في المملكة العراقية 14 مرة. وبعد احتلال فرنسا من قِبل ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية، دعا السعيد إلى توحيد لبنان وسوريا المحتلتين من فرنسا، والأردن وفلسطين مع العراق في دولة واحدة، مع منح اليهود استقلال ذاتي بضمانات دولية، وهو المشروع الذي عُرف بـ«الهلال الخصيب» أو «سورية الكبرى».
12 ألفريد بونيه.
13 مظاهرات ضد السياسات البريطانية في فلسطين، والتي أسفرت عن مقتل خمسة من اليهود في الإسكندرية وأحداث شغب في القاهرة كذلك.
14 ادوار الشرتوني، صحفي لبناني وعضو بالحزب الشيوعي، قُتل في مظاهرات نُظمت في 2 نوفمبر 1945 ضد الصهيونية.
15 توافد الهنود، منذ منتصف القرن التاسع عشر، على جنوب إفريقيا التي كانت خاضعة للانتداب البريطاني. وشكل الهنود جالية هناك. ونشّط المحامي مهنداس غاندي في الدفاع عن حقوق هذه الجالية التي عانت على أيدي الحكومة ومُلاّك الأراضي الذين كان الهنود يعملون بها. وأسس غاندي «المؤتمر الهندي لناتال» للدفاع عن حقوق مواطنيه الذين كانوا مُستبعدين من الحياة السياسية في جنوب إفريقيا، ولا يحق لهم التصويت. للمزيد يمكن قراءة هذا الفصل من سيرة غاندي الذاتية بالضغط هنا.
تقارير ذات صلة
القانون في خدمة القتل: الكنيست يصمم عقوبة إعدام تستهدف الفلسطينيين فقط
فشلت إسرائيل سابقًا في إقرار هذا القانون لـ3 عقود
بعد مهرجان افتتاح «المعبر»: فقط 12 فلسطينيًا عادوا إلى غزة
ضجيج بلا طحين
دون تفاصيل.. إسرائيل توافق على فتح «محدود» لمعبر رفح
إعادة فتح وشيك للمعبر
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن


