فلسطين للصغار
#88 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
هناك أمور بديهية، نربّى عليها، لكننا أحيانا نعيد اكتشاف البديهيات، وهو ما حدث حين سُئل أحمد وائل من ولده عن فلسطين. وخلال الويك إند الحالي، يكتب لكم كيف يمكن الخروج من مزنق حكي حكاية كبيرة للصغار.
#دليل
حاصرني طفلي الصغير، ثماني سنوات، حين سألني ببراءة عن فلسطين. تلك البراءة التي ربما استخدمتُها صغيرًا مع والديّ، لكني لا أذكر كيف كان ردهما، لكني صرتُ محلهما، ووجب عليّ التصرف.. هكذا قررتُ التعامل مع المزنق بحكمة، بدلًا من الهروب منه.
حين يحكي المرء عن فلسطين لصغير، فإنه يعلم بالضرورة أنه سيقدم معرفة مبسطة عن حكاية كبيرة مداخلها متنوعة ما بين التاريخ والجغرافيا والسياسة والحقوق والدين، ورؤيتنا للعدالة، ورفضنا للظلم والتهجير والعنصرية، وتألمنا من مآسي الحرب، دون أحداث مؤلمة أو إحداث صدمات مثلما تقتضي أساليب التربية الحديثة.. لذا فضّلت أن يكون الحكي عبر أسلوب تفاعلي وحيويّ يخصه ويشدّه؛ حكاية نصنعها معًا، أو للدقة نرسمها معًا.
وخلال الحكي، تبيّنت أني لم أكن في مزنق، بل أمام درس جديد من دروس التربية التي نتعلمها حين يصير الواحد أبًا، فيجد أنه وهو يربّى يتربي.
رسمنا خريطة كروكية تضم كامل التراب الفلسطيني قبل القرار الأممي بالتقسيم في 1947. يسارها البحر المتوسط، ويمينها نهر الأردن. قاطعت رسم الخريطة منبهًا إياه إلى أن «فلسطين من النهر إلى البحر». ثم عدنا إلى الرسم، حددنا موقع سوريا، وفي أعلى الخريطة رسمنا جبل الشيخ بجنوب لبنان، وأسفلها البحر الأحمر، ومن مياه هذا البحر ناحية اليسار خططنا شبه جزيرة سيناء.

أشرتُ إلى سيناء، وقلتُ: هُنا جوار سيناء التي تعرف جنوبها جيدًا، ونزلت بحرها الأحمر، يوجد البلد الذي سألت عنه. فلسطين قديمة، وحكايتها كثيرة، كما سترى.
هي تُشبه مثلثًا، بل هي أكبر من المثلث، لكن جزءها السفلي مثلث. تمام؟
-تمام!
يمسّ البحر أحد أضلع هذا الشكل الذي سنسميه فلسطينيّ. هذا البحر، هو «المتوسط» لا «الأحمر». المتوسط، بخلاف الآخر، أمواجه قوية، وشهد الكثير من تاريخ هذا البلد وحكاياته.
في فلسطين، عاش ناس قديمًا، ولا يزالون يعيشون، وعاش النبيان داود وسليمان، ووُلد عيسى المعروف بالمسيح، ومعه عُرفت المسيحية. ودخل العرب فلسطين وصار أهلها عربًا في 636، مثلما تعرّبنا نحن المصريين.

وهناك ينبت الزيتون، وعرفنا كتاب حكايات كثيرين، ستعرفهم حين تكبر بنفسك. وداخله وخارجه وُلد مغنو راب منهم «شب جديد»، و«السينابتيك» صاحب أغنية «موسيقي القمر» التي تحبها، وقامت حروب كثيرة أيضًا.
الحروب خطيرة، لكنها تحدث يا صغيري. هل تعرف سر تسمية مدينة سكننا بهذا الاسم؛ السادس من أكتوبر؟ إنها ذكرى حرب جرت في 1973، وهذه الحرب كانت مع إسرائيل التي يقاومها الفلسطينيون الآن.
أما الحرب التي نُسبت مدينتنا إليها، فقد جرت حين «آخدت إسرائيل سينا». لا تصدق أن «سينا» أُخذت؟ مع الأسف حدث ذلك لست سنوات، ثم حاربنا، وعادت سيناء إلا قليلًا، وبعد سنوات عادت البقية، عدا أم الرشراش التي صارت «إيلات».. هل لاحظت الفرق بين الاسمين؟ يسمون المكان اسمًا جديدًا، وينسبونه إلى لغتهم، العبرية، ثم يستوطنونه، ويبقى من المكان حكايتنا عنه.
بالطريقة نفسها قامت إسرائيل بتغيير فلسطين قبل ذلك بسنوات كثيرة، نحو سبعين عامًا، لم تغيّر أسماء المدن الفلسطينية فحسب، بل دمرت المُدن العربية وبنيت مكانها أخرى جديدة، استوطنها آخرون غير أهلها بعد طردهم.. مثلًا «الناصرة» بقت «نتسيرت»، و«الخليل» صارت «حِبرون».
الحكاية قديمة كما قلتُ لك، وتتفرع إلى حكايات. لكن دعنا من تلك التفريعات، ولنمسك بخيط يربط المكان حولنا بالمكان المرسوم في الخريطة.
قديمًا كانت فلسطين متصلة بمصر، كان يمكن للمصريين السفر إلى هناك، لكننا الآن لم يعد بإمكاننا إلا تخيّل الحياة هناك داخل خريطة نرسمها معًا، وتشخبط عليها أنت كلما أردت أن تحدّث الرسم حسب تطور الحكاية. تصنع دائرة، فأكتب عليها القدس، ونحدد دائرة أخرى بأنها يافا مع تجاهل إضافة تل أبيب، وأخيرة تكون اللِد، ثم بئر السبع في صحراء النقب، وترسم مستطيلًا قرب البحر، فأكتب عليه «غزة»، محددًا خان يونس.

أقول لك إن فلسطين ومصر كان بينهما قطار، فترسم خطًا بين الشكل الفلسطيني وسيناء، في إشارة إلى القضبان الحديدية التي كانت تحمل مسافرين من مصر إلى فلسطين.
-كل ذلك انقطع مع الحرب.
-حرب مدينتنا، 6 أكتوبر؟
أدرك أن الحكاية معقدة، والحروب قد تكاثرت؛ جرت حربان منذ ميلادك، وسبقهما الكثير، فأبسط الأمر بأنها أقدم، وجرت قبل ميلادي بل قبل ميلاد جدك. وشاركت بها مصر ضمن قوات العرب لتحرير فلسطين، ولكن تلك الحرب لم تمنع قيام دولة هناك في فلسطين، حيث أُعلنت دولة واحدة، وظلت الأخرى مؤجلة.
قُسمت الأراضي قسمين، لم يكن التقسيم عادلًا، كانت نسبة الأرض المخصصة للعرب أقل مما خُصص للدولة الجديدة الدخيلة.
نرسم تطورات الحكاية على الخريطة، فنلاحظ أن الجزء العربي يتقلص. أقول لك إن إسرائيل ظلت تتوسع، وتحتل المزيد من أراضي فلسطين وسوريا، وسيناء كما قلنا. تتشوه الخريطة مع كل زيادة في الحكاية، حتة من فلسطين تؤكل، تليها أخرى. وكلما نقصت حتة منها في الخريطة، تظل حكايتها محفوظة عند الفلسطينيين، وتكبر حكاية بلدهم، ويصبح كل فلسطيني حزينًا من كثرة الحكايات.
الحكاية ليست خيالية، بل حدثت بالفعل، بل هي قريبة منّا أكثر مما تتخيّل؛ الفلافل التي تحبها، تلك التي يصنعها سوريون من الحمص بالقرب من بيتنا، تُصنع أيضًا في فلسطين، لكن إسرائيل سرقتها، وتقول إنها فلافلها، دون إطلاق اسم عبري، بل احتفظت بالعربي فيقولون لها «فلافل» عادي.

طبعًا الحكاية أكبر من الفلافل، غضب الفلسطينيين صنعه ما هو أكثر من الفلافل، بل هي حكاية الخريطة المتوحشة التي تقلّل فلسطين، لكننا رسمنا خريطة أجمل، هي أبسط، فيها من الأمل شوية، ومن التاريخ حبة، ومخرج من المزنق حبتين.
وتوتة، بكرة تعرف بنفسك كل الحدوتة.
و#سلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن