فضاء معاصر من الرهانات
هذا النص من ملف «..لكن عليك المحاولة». المقدمة وبقية النصوص هنا.
انطلقت فعالية «نوبة أخرى من الأحلام» التي أماطت اللثام عن تاريخ مؤسسة مدرار ومشروعاتها وإسهامها في المشهد الفني، احتفالًا بمرور عقدين من توفير مساحة مستقلة ترعى فيه ممارسات فنية في القاهرة طيلة العشرين عامًا، من إنتاج ودعم وتقديم فرص للعرض لفنانين ناشئين. وهي ليست نوبة أحلام عابرة فهي تكشف عن رؤى ورغبة ملحة في بناء مستقبل، يتضمن رهانات جديدة للفضاء الفني وممارساته، فتضيف إلى رصيد العالم الفني العربي سياق آخر حر وآمن، ونجاحات أخذت نهجًا غير مألوف.
وما تضيفه الفعالية في تصور الرهانات المتعلقة بالمستقبل الفني -والتي تتمثل في أي محاولات جماعية أو فردية تطرح نموذجًا جديدًا للتعامل مع الفن، سواء كانت تلك النماذج تهدف لخلق بيئة نقدية أو ممارسات فنية مختلفة- تضمنت أن يكون أحد الرهانات مقترن بالنصوص النقدية، أي تواجد سرديات تخدم استراتيجيات فنية متعددة من التأليف، والإنتاج، إلى آليات القراءة والتلقي ثم بعدها التفسير والتأويل. ومن هنا يتشارك الجمهور (المتلقي) والمؤسسات البديلة دورًا رئيسًا في لعبة فضاء الرهانات.
جاءت إحدى الفعاليات وهي ورشة «لكن عليك المحاولة» عن الكتابات النقدية، وقد ناقشت تجارب فنية لثلاثة ضيوف، وما كان مهيمن، بالنسبة لي خلال تلك الورشة هو كيفية التقاء رؤى مختلفة المنشأ والأيديولوجيا والتاريخ في قراءة الواقع الفني واستعادة تاريخ البدايات وكيفية تشكيل ذائقة فنية وجمالية وسط التحديات الظاهرة والمستترة منها.
تتبعنا تاريخًا، وكتبنا احتمالات عن مستقبل الفن المعاصر، فسؤال «ما هو الفن؟» وماذا يعني لنا الفن اليوم؟» ليس مجرد سؤال تطرحه الكتابات النقدية والجمالية إنما هو فعل مستمر وحالة ينغمس فيها كل من يقترب من الفنون المعاصرة.
وما يهم هنا ليست الإجابات، لأن الانشغال بالتساؤل والتأمل هو جوهر الممارسة الإبداعية وتلقيها، فهي وليدة الأسئلة النابعة عن احتياج حقيقي ووعي بالتجربة والخبرة الجمالية في ظل المتغيرات الزمنية، فهناك حتميات زمنية ومكانية تجبرنا على إعادة طرح سؤال الفن وطبيعة علاقتنا به واشتباكنا معه، لعلنا نجد زاوية أخرى أو ملاذًا آمنًا لإعادة التفكير الجمالي والنقدي بما يتناسب مع موضوعات العصر والأزمات المحلية يليها العالمية. فما هو مناسب اليوم في الساحة الفنية أو مقبول ذوقًا أو توجهًا يشير إلى ما هو أعمق من مجرد تجربة ذاتية.
وآثرت الابتعاد عن مصطلحي (الصحيح والخطأ) واستخدام كلمة (ما هو مناسب) لأنه من الصعب تضييق طبيعة الفن الفضفاضة والمرنة إلى مصطلحات حادة تتطرف بين أقصى اليمين إلى اقصى اليسار، وإن صح لنا التعبير بأنه في الفن هناك تساؤلات وإجابات منطقية أو غير منطقية. ويعود ذلك لما أشرنا إليه من حتميات زمنية ومكانية، والمقصود بها التحديات التي تشكلت بفعل عامل الزمان والمكان والتي لا يمكن الهروب منها أو تجاوزها بسهولة، مثل التواجد في حقبة أو فترة زمنية محددة دون غيرها، والتواجد بمكان تشكلت فيه تحديات خاصة بهذه الرقعة أو المكانة الاجتماعية.
فالفنان في فترة التسعينيات قد واجه تحديات مختلفة تمامًا عن التحديات التي يواجها الفنان اليوم، والاستجابة تختلف أيضًا من فنان مقيم في الأرياف عن ذلك الأخير الذي أمضى حياته في العاصمة أو المدينة، وعندما تجتمع تلك التحديات مع بعضها تصيغ نوعًا من الحتميات التي لا يمكن إغفالها، عند الحديث عن الممارسة الفنية، حتى على مستوى التعليم فدراسة الفن في جامعة حكومية بأعداد تفوق استيعاب المكان تختلف عن الجامعات الخاصة أو ذات تصنيف دولي. فدائمًا ما يلعب السياق الذي يتواجد الفنان فيه دورًا محوريًا في تشكيل رؤيته وتشكيل التحديات التي يواجها.
فلم يعد الفن مقترنًا بالفنان وحده، ولم تعد الفنون مختزلة في طابعها المنتوج وكسر المألوف، إنما أصبحت الرهانات تخص إشكاليات مثل الإتاحة، التواجد (أحقية الوجود والعرض)، الانتشار، الاستمرار. بمعنى أن الرهان الجمالي يتمثل في فكرة الوجودية والتمثيل، أي أن العمل الفني له حق في التواجد على الساحة، فيكتسب سمات كينونته من فكرة عرضه، حتى إن انتمى لتوجه فني بعينه أو فكريًا، مخالفًا لقواعد جمالية متعارف عليها.
ومن مميزات المرحلة الزمنية في مصر أن هناك مساحات مختلفة متنوعة في المنشأ والفكر أخذت على عاتقها تقديم مواهب جديدة، دون الحاجة إلى ترشيحات من الدوائر المغلقة، فأصبحت فكرة الإعلان open call عن المعارض، ميزة تضاف لرهان الوجود، ويتجاوز بذلك الحتمية المكانية، فأصبح للفنان الحق في أن يقدم عمله متجاوزًا الترشيحات أو القيود المكانية، التي قد تمثل عقبات لبعض الفنانين، فالمعارض تستقبل أعمال فنانين من مختلف المحافظات ولا تقتصر على أبناء مكان بعينه.
وقد خلقت المؤسسات البديلة حرية من نوع آخر، وهي الحرية في احتواء ما ترفضه مؤسسات الدولة، أو تقديم ذوق جمالي آخر للجمهور، فتتيح لفئات متنوعة من الفنانين الحق في تقديم أعمالهم برؤيتهم الخاصة، وأن مسألة الذوق الفني لا يتمثل في مجموعات متشابهة. بيد أن ذلك التنوع أفاد الفنانين الذين يقدمون أعمال فنية من وسائط مختلفة، وذلك ما حدث مع الأعمال الفوتوغرافية حتى اكتسبت مكانتها الفنية.
ونذكر مركز الصورة المعاصرة/ Contemporary Image Collective كمؤسسة مستقلة غير ربحية تهدف إلى تقديم تجارب فنية وتعليمية معاصرة، قد وفرت مساحة تتضمن مخرجات نقدية لعدد من الممارسات الفنية، وهي بذلك نموذج لمحاولة تقديم رهان جديد جمالي في الساحة الفنية المعاصرة. وما يهم هنا أنه لم يقتصر على الإبداع التشكيلي، وأصبحت للكتابات والتوجهات النقدية منزلة حقيقية بوصفها محاولة لفهم الفن وكل ما هو مقترن به، من خلال إذاعة حلقات على اليوتيوب مع مختلف الفنانين وتوثيق التجارب من خلال Podcasts مثل مدرار Medrar tv، وتعد هذه القناه منصة رائدة في توثيق الفعاليات في الفنون البصرية، والأدائية، والموسيقى المستقلة، والأفلام التجريبية، ولا يقتصر دورها فقط في مهمة الأرشيف للحركة الفنية المعاصرة، بل تقدم أيضًا مقابلات ومحاضرات من مشروعات تعليمية عن الفن، مثل محاضرات «أفكار ملحة» التي يقدمها الفنان شادي النشوقاتي.
من المهم في ظل الرهانات الجديدة والمتغيرات، أن نبتعد عن أحادية الفكر والرؤية في تفسير الفن وفهم سياقاته، ونهدف لخلق سرديات نقدية، تُبنى على أساس أن قيمة العمل الفني لم تعد مقتصرة على ما يقدمه الفنان، بل تتغذى أيضًا من الانطباعات، القراءات والتأويلات التي تدور حول العمل، لأن الفن هنا اكتسب سمة الفعل وليس التعبير عن حالة أو فكرة. والمقصود بذلك هو أن الفن أصبح أداة فاعلة وليس أداة مكتفية بالتعبير، بمعنى أن الأعمال الفنية المعاصرة قد أخذت على كاهلها أن تكون محركًا وموجهًا للفكر، ففي صلب كينونتها فعل مقاومة أو كشف عما هو مخفي، أو توجيه النظر إلى قضية ما، لا بهدف التعبير إنما بهدف أعمق وأكبر من ذلك، وهو تعديل نصاب الرؤية في ما يخص القضايا التي يناقشها الفن، ونستطيع القول إن منزلة التعبير لم تعد في أوج قوتها.
فالفن في رهاننا المعاصر تجاوز التعبير ليشتبك مباشرة مع العالم، هذا الاشتباك المتمثل في طرح مسارات متباينة من مؤسسات مستقلة بديلة كما ذكرنا مركز الصورة المعاصرة أو مؤسسات أخرى مثل «درب 1718» أو «تاون هاوس» الذي لم يعد فاعلًا في المشهد الحالي، وبرامج تعليمية موازية مثل «ماس الإسكندرية/ MASS Alexandria»، هي بمثابة تصريح مباشر بأن الممارسات الفنية في مصر في احتياج لمناخ منفتح.
فما بدأ من نوبة حلم إلى واقع ممتد لعشرين عامًا، يشير إلى الجهود الحقيقية التي تواجدت واستمرت حتى نصل إلى هذه اللحظة، ويشير أيضًا إلى ضرورة عدم الاكتفاء بما تم فرضه مسبقًا، والسعي دائمًا في قراءة احتياجات العصر من خلال لغة نقدية والاهتمام بالتنظير والتوثيق النصي للفن.
تقارير ذات صلة
.. لكن عليك المحاولة
خواطر عن الفن المعاصر من وحي «نوبة أخرى من الأحلام»
نحو مشهد يعيد تشكيل الوعي
المشهد الفني المعاصر في مصر لا يمكن فهمه إلا بوصفه شبكة معقدة من العلاقات والتجارب والتقاطعات
دليل الحائرين لفهم أعمال الفنانين المعاصرين
هذا النص من ملف «..لكن عليك المحاولة». المقدمة وبقية النصوص هنا. احتفلت مؤسسة مدرار بمرور عشرين عامًا على وجودها، ببرنامج «نوبة أخرى من الأحلام». بالإضافة لتفاعلي مع المعرض، حضرتُ مجموعة…
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن