تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
فارس تل العقارب

فارس تل العقارب

حكاية الذهاب والعودة إلى أقدم حواري القاهرة بعد القضاء على «عشوائيتها»

كتابة: محمد طارق 14 دقيقة قراءة

بين عامي 2015 و2019، نقلت الحكومة سُكّان منطقة «تل العقارب» جنوب القاهرة لمساكن مؤقتة على مسافة 50 كيلومترًا غرب العاصمة، وأعادت تخطيط المنطقة بعد تسويتها بالأرض، وأعادت ثلاث آلاف و264 أسرة إلى المنطقة في نهاية صيف 2019. أصبحت «تل العقارب» أول منطقة يُعاد السُكّان إليها ضمن خطة الحكومة لـ«القضاء على العشوائيات».

استلم فارس جمعة شقة جديدة بالأثاث. وبعد عدة أسابيع اتصل بي ودعاني لزيارته في الشقة الجديدة. تعرّفت عليه في اليوم الذي هدمتَ الحكومة منزله، ونقلته إلى شقة مؤقتة، وترددتُ عليه أكثر من مرّة خلال السنوات الأربع التي تغّرب فيها عن «تل العقارب».

يعمل فارس جزارًا بأحد المجازر الستة المسؤولة عن توريد اللحوم لأحياء القاهرة. ويعيش الآن مع زوجته وأولاده الثلاثة الصغار بعد زواج ابنه وبنته الأكبر منهم. من الفجر حتى الظهيرة، يتولّى ذبح البهائم وسلخها لأحد تجار اللحوم، مقابل أجر يومي، بلا حد أدنى، ولا عدد ساعات عمل مُحددة. وفي المساء، يقف أمام فاترينة صغيرة يبيع منها الشاي والقهوة للعاملين في الحي.

في زيارتي لفارس بعد عودته لتل العقارب اشتكى من إلزامه بدفع 360 جنيهًا إيجارًا شهريًا للشقة بعد أن كان يمتلك بيتًا في نفس المكان.

بُنيت «تل العقارب» في عشرينيات القرن الماضي من بيوت صغيرة فوق تلة على النيل، فصلتها أزقة مساحتها أقل من أن تمر منها سيارة. تتبع «تل العقارب» حي «السيدة زينب»، وتصنّف كـ«شياخة»، بحسب التقسيم الإداري المصري. يتكون الحي من عدة شياخات، وتعتبر الشياخات هي النواة الأولى لتكوين الأحياء التي أقامها المهاجرون إلى القاهرة في القرن التاسع عشر، بين جبل المقطم ونهر النيل.

خلال المائة عام الماضية، حُجبت إطلالة «تل العقارب» عن النيل بطريق مصر حلوان الزراعي أولًا، ووازته الحكومة بطريق سريع آخر معروف بالـ«كورنيش»، وفي الثمانينيات بعد بناء أول خط في مترو القاهرة، أُقيم سور أعاق المرور إلى النهر. تقول الهيئة العامة للتخطيط العمراني، وهي جهاز الدولة المسؤول عن رسم السياسة العامة للتخطيط والتنمية العمرانية، في دراسة صدرت في 2016 بعنوان «الهيكلة العمرانية لإقليم القاهرة الكبرى»، إن أغلب دراسات تطوير القاهرة اتبعت منهجيات أقرب إلى تخطيط مدينة منها إلى تخطيط منطقة متروبوليتانية بحجم القاهرة الكبرى؛ بمعنى أن المنهجيات كانت تدور حول الاستجابة لمشاكل النقل واستيعاب الزيادة السكانية أكثر من السعي لتحقيق رؤية متكاملة للعاصمة. وفي مقابل الاهتمام بالطرق، سقطت «تل العقارب» من خطط إدخال المرافق كأغلب الشياخات القديمة. كان السُكّان يمشون مسافات طويلة من بيوتهم عدة مرات يوميًا، وفى أوضاع غير آمنة أحيانًا، للحصول على المياه من مصدر عمومي، بحسب تقرير غير منشور في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، ولأن وضعهم غير قانوني تقيّدت قدرتهم على المطالبة بحقوقهم.

caption

هاجر أبو فارس من بنى سويف إلى القاهرة، واستوطن تل العقارب عندما كانت تلة جرداء، اختارها ليكون قريبًا من أرض المذبح، وبنى طابق أرضي على قطعة أرض خالية، وبعد وفاته ورث فارس البيت، وبنى الدور الأول، وأبقى غرف الدور الأرضي لتأجيرها للوافدين من الأقاليم للعمل. قبل أن تهدم الحكومة البيت، استأجر منه غرفة السطح بائع لعب أطفال يتجول حول المطاعم الشهيرة في الحي.

«مسكن بائع لعب أطفال»؛ غرفة بسطح بيت في منطقة «تل العقارب» القديمة. حي السيدة زينب. القاهرة. ديسمبر 2015.

الإخلاء

عرفتُ فارس في ظهيرة التاسع من ديسمبر عام 2015. عاد من عمله بمجزر البساتين ليجد «تل العقارب» محاصرة بسيارات قوات الأمن المركزي. منعتَ الشرطة مرور السيارات بها، واصطف عساكر الأمن بطول الشارع المقابل للشياخة. وجد بيته ضمن أول بيوت «تل العقارب» الصادر لها قرار بالإخلاء. «لم يخطره العاملون في الحي بالموعد»، قال لي. وعندما وجد جيرانه يخلون منازلهم من الأثاث، عرف أن لا مساحة للمقاومة أو رفض القرار. صعد إلى بيته وفكّك الأثاث وأنزله إلى الشارع ووقفت زوجته لحمايته، واضطر الجيران لمساعدته.

أرسلت المحافظة أربع سيارات نقل تستخدمها هيئة النظافة والتجميل في جمع القمامة لنقل الأثاث، وطلب موظف من السُكّان رفع أثاثهم فوق صناديق السيارات، وانتظار أتوبيس تابع لهيئة النقل العام لنقلهم إلى مساكن بمدينة 6 أكتوبر. رفض السكان ترك أثاثهم، وبعدما تأكدوا من ربطه بحبال الغسيل صعدوا فوقه. اعتلى فارس وزوجته وبناته الثلاثة صندوق السيارة مع أسرتين من جيرانهم، ودعاني إلى الركوب معهم.

caption

خففت رطوبة الشتاء من حدة رائحة القمامة في صندوق السيارة. عندما سألتُه إلى أين يذهبون في مدينة 6 أكتوبر لم يكن يعرف بالتحديد. تحركت السيارات ببطء ودخلت جرافتان لهدم بيت فارس، وكست سحابة بيضاء من التراب الشارع بأكمله، بل حجبت «تل العقارب» عن الرؤية ونحن نغادرها.

«قابل التوسع بمجتمعات الأغنياء خارج الكتلة العمرانية الرئيسية انتشارًا للمناطق العشوائية فى القاهرة الكبرى». وساعد على انتشار تلك المناطق تدنى المسافة الاجتماعية الناتجة عن فروقات المهاجرين الجدد من مجتمعات الجذور الريفية، بحسب تقرير «الهيكلة العمرانية لإقليم القاهرة الكبرى». بمعنى أن المهاجرين تدفقوا إلى تلك المناطق من قرى الوجه البحري والقبلي لأنها مناسبة لقدرتهم المادية المحدودة، فيما لم يهتم المهاجرون بغياب المرافق والخدمات عن تلك المناطق، خاصة أنهم أتوا من قرى لم تصلها بعد تلك الخدمات. في 2007 بلغ سكان 137 منطقة في القاهرة الكبرى حوالي ستة ملايين و100 ألف شخص. جذبت القاهرة وحدها نصف عددهم، ووجد النصف الثاني مساحة له بمحافظتي الجيزة والقليوبية.

سعت الحكومة المصرية لخلخلة كثافة الأحياء القديمة بخطة سمّتها «القضاء على العشوائيات»، بدأت منذ 2000. قسّمت المناطق العشوائية في الأحياء لـ «مناطق غير مخططة»، وهي مناطق سكنية بها بنايات حالتها جيدة لم تدخلها المرافق رسميًا، و«مناطق غير آمنة على حياة سكانها». وفي سبتمبر 2008 ، انزلقت صخرة من هضبة المقطم على منازل في حي الدويقة شرقي القاهرة، قتل أكثر من مائة ساكن تحتها. بعد الحادث، أنشأت الحكومة صندوق يتبع مجلس الوزراء لـ «تطوير المناطق العشوائية»، وأصبح الصندوق مسؤولًا عن إعادة تخطيط المناطق غير الآمنة، وتوفير أماكن إيواء لسكانها حتى عودتهم لها أو تعويضهم.

يقول «صندوق تطوير العشوائيات» إنه خاض حربًا شرسة منذ 2012 ضد المناطق غير الآمنة في محافظات مصر، وعلى رأسها محافظة القاهرة. حصر الصندوق 404 مناطق غير مخططة في محافظات مصر، وقسّمها إلى ثلاث مناطق؛ الأولى والثانية «مناطق سكنية غير مخططة بُنيت على أراض ملك الدولة»، وخُيّر سُكاّنها ما بين الهدم وإعادة بنائها أو التعويض المادي إن تعذر البناء بالمكان ونقلهم لمناطق أخرى. فيما اعتبر الصندوق الثالثة «مناطق سكنية غير آمنة تمثل تهديدًا لحياة السكان بها» وتعامل معها بالهدم، كحل جذري، وإعادة بناء وحدات سكنية بنفس المكان مقابل استضافة السُكّان في شقق ملك الدولة أو صرف بدل إيجار لحين عودتهم.

الأولى بالرعاية

انعطفت السيارات عند لافتة على طريق الواحات كُتب عليها «مشروع إسكان الأولى بالرعاية»، أرض رملية غير مُمهدة في نهايتها مجموعة بيوت سكنية. مرّت السيارات بين مبان من ستة طوابق توازي بعضها بلا نهاية. كانت الشوارع بلا حركة، مهجورة مقارنة بزخم الحي الذي أتى منه فارس وعائلته.

توقفت السيارات عند إحدى العمارات المظلمة، ووصل الموظفون المسؤولون عن تسليم الشقق، فتحوا باب العمارة وأشعلوا النور فكشف عن طبقة متراكمة من التراب تغطي أرضية المدخل والسلالم. وبدأوا في تسليم الشقق للأسر المنقولة.

استلم فارس شقة خالية في الطابق الأول. كانت الشقة أصغر من أن تستطع أسرته العيش بها، مساحتها 34 مترًا، مكونة من صالة صغيرة مساحتها أصغر من سطح سيارة نصف نقل، وغرفتين أصغر منها، وحمام.

كانت الشقق المُتاحة أقل من عدد الأسر واضطر بعض الأقارب إلى استلام شقة واحدة، ولم يجدوا طائلًا من مجادلة الموظف المسؤول. أخبرهم بأدب بأنه ينفذ التعليمات ولم يكن مسؤولًا عن حصر السكان الذي أجراه موظفو الحي منذ سنوات.

وقع فارس على «عقد استضافة»، يدفع بموجبه 200 جنيه إيجارًا شهريًا، نظير الإقامة في الشقة لمدة سبع سنوات، المدة التي وضعتها الحكومة للانتهاء من تطوير «تل العقارب». قضى ليلته الأولى في تنظيف الشقة وترتيب الأثاث فيها. كانت الأرضيات مُغطاة بتراب أصفر يحجب لونها، والمياه تخرج من الصنابير صفراء، ولم تستوعب الشقة جميع الأثاث. أخذ ما استطاع وترك الباقي في الشارع.

caption

صباح اليوم التالي، نزل فارس من البيت للتعرف على الحي الجديد الذي يسكن فيه. شوارع واسعة توازيها من الجانبين منازل من ستة أدوار لها نفس الشكل. هناك سيدات يجلسن على أرصفة المنازل. والأطفال يستمتعون بفضاء الشوارع وخلوها من السيارات والمارة.

تقع مساكن عثمان على آخر طريق الواحات البحرية قبل وصلة دهشور، وخلفها تمتد مدافن مدينة 6 أكتوبر. وتنعزل عن المناطق المأهولة في المدينة والمحيطة بالخدمات والمولات.

أنشئت الحكومة تلك المساكن عام 2005، ضمن المشروع القومي للإسكان، وهو برنامج انتخابي أطلقه الرئيس الأسبق حسني مبارك، بهدف توفير مساكن للعائلات محدودة الدخل أو «إسكان الأولى بالرعاية»، وأُطلق عليها «مساكن عثمان» نُسبة لعثمان أحمد عثمان، مؤسس شركة «المقاولون العرب» التي تولت تشييدها مع شركات أخرى.

منذ 2010 نقل «صندوق تطوير العشوائيات» إليها أغلب سكان الشياخات الصادر لها قرار إخلاء. نُقل لها سكان منشأة ناصر والدويقة وعزبة خير الله وبعض السُكّان الذين كانوا بلا مأوى. وبعدها جذبت المنطقة من لم يستطع ماديًا تأجير وحدات قريبة من وسط القاهرة بما في ذلك اللاجئين من الدول الإفريقية وبعض السوريين واليمنيين باعتبارها أرخص حي إيجاريًا قريب من مقر مفوضية شؤون اللاجئين.

وجد فارس في مساكن عثمان أن بعض سُكّان الأدوار الأرضية يلجأون إلى تحويل البلكونات لأكشاك ومحال تجارية لبيع الطعام. وبدت فكرة جيدة له أن يأتي فارس بالفاترينة التي يملكها ويبيع منها الأكل. عزم على الذهاب إلى المجزر يوميًا، يشتري الكفتة والكبدة والسجق، ويأتي بهم هنا ويبيع ساندوتشات.

في اليوم التالي، ذهب فارس للعمل بالمجزر. عرف من السُكّان القدامى أن عليه استقلال أتوبيس إلى ميدان الجيزة، أخذ منه مواصلتين أخريين إلى المجزر. أنفق عشرة جنيهات ذهابًا، وأدرك أنه سوف ينفق 20 جنيهًا يوميًا في المواصلات، وعندما طرحها من أجرته اليومية في المجزر شعر بإحباط، تجاوزه في طريق عودته من العمل إلى «تل العقارب». نقل الفاترينة على سيارة نصف نقل واتجه بها إلى «مساكن عثمان».

بعد أيام أدرك أن سُكّان مساكن عثمان يعيشون على الفول والطعمية، «مكانش حد هناك معاه فلوس لشراء رغيف عيش، المنطقة مافيهاش بنى آدمين». وجد بعد فترة أن المعيشة في مساكن عثمان مكلّفة بقدر لا يستطيع تحمله. أخبر زوجته بأنه سينزل إلى السيدة زينب ويبحث عن شقة أو حتى غرفة هناك. عاد إلى تل العقارب فوجد أن الحكومة قد أزالت البيوت وسوتها بالأرض. وزادت أسعار الشقق حولها بعد عودة أغلب الأسر من مساكن عثمان ليسكنوا قرب أعمالهم. وجد غرفة وسط المقابر الممتدة خلف مسجد علي زين العابدين، وهو أحد المقامات في حي السيدة زينب. عاش بها لفترة وبعدها استأجر شقة صغيرة من غرفة واحدة مُطلة على المسجد نفسه.

فارس أثناء محاسبة أحد عمال المنطقة على مشروبات اليوم

على مدار السنوات الأربع بقى يراقب إعادة بناء «تل العقارب». يذهب إلى عمله في مجزر البساتين صباحًا ويعود إلى العمل في «الفاترينة» ليلًا، وقد أعادها إلى تل العقارب من مساكن عثمان أثناء إحدى زياراته للاطمئنان على الشقة.

دعاني لأكثر من مرة للجلوس معه أمام الفاترينة. صمد حولها بعض محلات الجزارة، وورش صناعة الأسلحة البيضاء وسنّها، وثلاث حواري ضيقة بها عدة زرائب، يترك تجار الصعيد والدلتا مواشيهم بها في الليل، وصباحًا يبيعونها إلى تجار اللحوم بالقاهرة، وتذبح في المجزر. أغلب العاملين هنا ظلوا بعد نقل المدبح القديم في 2003، عندما نقل محافظ القاهرة ملكية أرض المذبح إلى جمعية باسم «أصدقاء معهد الأورام» لإقامة مستشفى «57357» لعلاج الأطفال المصابين بالأورام، ونقلت المحافظة المذبح من مكانه لحى آخر على مسافة سبعة كيلومترات. وبقى شارع «السلخانة» ضمن الآثار الأخيرة التي بقيت من «المذبح القديم» بعد انتقاله. هنا توجد فاترينة فارس.

العودة

عندما عاد فارس إلى شياخة تل العقارب وجد اسمها تغيّر إلى «روضة السيدة». تحولت الأزقة غير الممهدة إلى شوارع واسعة مسفلتة، وبنيت عمارات من خمسة طوابق لها نفس الشكل. صارت دوريات الشرطة تمر بين شوارع المنطقة فجرًا، لم يكن معتادًا قبل التطوير دخول الشرطة المنطقة، بسبب عدم اتساع الأزقة لمرور السيارات.

بعد عودتهم بشهر كان يقف أحمد، ابن فارس، مع أصدقائه وحين مرت عليهم سيارة شرطة وقفت لتفتيشهم. «تحدث أحمد معهم بطريقة غير لائقة. مدّ أمين شرطة يده ومسكه من صدره فقطع لأحمد سلسلة كان يرتديها على صدره. غضب أحمد ودفعه بيده. أخذوه في السيارة وذهبوا به إلى القسم». كان عليه حكمًا مسبقًا بغرامة عشرة آلاف جنيه أو الحبس ثلاثة أشهر في مشاجرة، وقد باع فارس من أجله ثلاجة كان يملكها بـ2500 جنيه، دفعها قسطًا أولًا لكي لا يحبس، من أصل الغرامة. اشترطت الشرطة دفع خمسة آلاف جنيه لكي يُخلى سبيله. ولم يكن مع فارس المبلغ. اتفق أحمد معه أنه سيقضى الثلاثة أشهر ويعوض ربنا على أبيه في الألفين وخمسمائة جنيه.

جمعة، الابن الأول، محبوس احتياطي على ذمة قضية حيازة سلاح أبيض ومواد مخدرة منذ عامين. في ليلة وقفة عيد الأضحى، عمل جمعة مع والده في شارع السلخانة. جمع رجول البهائم الملقاة أمام المجازر وسلخها، وربح في ساعات قليلة 800 جنيه. صعد إلى البيت للاستحمام وتغيير ملابسه، وأخبره أنه ذاهب مع صديق له إلى وسط المدينة للاحتفال. أرادوا الذهاب لأحد البارات هناك. وتلقى اتصالًا منه في نهاية الليلة من قسم شرطة قصر النيل، اتهم بحيازة سلاح أبيض ومواد مخدرة. على مدار عامين، يأتي جمعة من السجن إلى المحكمة كل 45 يومًا لتجديد حبسه احتياطيًا. كلفت فارس الزيارة الأخيرة لجمعة في السجن ألف جنيه، اشترى له فاكهة وثلاث خراطيش سجائر، وترك له مائتي جنيه في الكانتين.

صادف أحد أيام جلوسي معه أمام الفاترينة أن أمطرت السماء. كانت التاسعة مساءً، وتردد فارس بين قفل الفاترينة والعودة إلى البيت، أو الانتظار، لم يمر أحد عليه لطلب أية مشاريب لما يزيد عن ساعة. أخرج من جيبه ما جمعه من مال منذ بداية اليوم، رتب الأوراق الواحدة فوق الأخرى، أكملت 11 جنيهًا، وضعها في جيبه مجددًا، زاد لهيب الشعلة المنتهي بها خرطوم متصل بأنبوبة بوتاجاز موضوعة بجانب الفاترينة، وعاود غسيل كوبايات الشاي مجددًا.

فاترينة فارس

توقف المطر، ومن بعيد ظهرت زوجته قادمة من آخر الحارة، دعاها عندما اقتربت إلى كوب حلبة، وجلست هي على جردل ماء مقلوب وأشعلت سيجارة وسألته بصوت هادئ: «هنعمل إيه في الكهرباء المقطوعة من الصبح؟».

منذ عاد فارس إلى «تل العقارب»، وهو يحاول فهم طريقة حساب خدمة الكهرباء المدفوعة مسبقًا. تنقطع عليه فجأة ودون مقدمات، وعليه شحن الكارت وإلا استمر الانقطاع. عليه دفع 360 جنيهًا إيجارًا شهريًا للشقة، إضافة إلى خدمة الكهرباء مسبقة الدفع، والتي حاول فهم ميكانيزم عدادها في الأشهر الأولى له بالشقة، لكنه لم ينجح.

ذهب إلى محل البقالة المجاور وأحضر معه كيسًا أصفر، أعطاه لزوجته وطلب منها وضعه في الثلاجة.

«كوارع كنت موصّي عليها، وشيلتها في ثلاجة سامية البقالة».

«طيب والكهرباء؟»

«ربك يكرم، أديني قاعد أما نشوف أخرتها».

قبل تطوير «تل العقارب» كانت تحصّل فاتورة استهلاك الكهرباء شهريًا، ولو لم يستطع دفع الفاتورة وتأخر في سداد بعض الفواتير لا تنقطع الكهرباء، تغيّرت سياسة تحصيل فاتورة الكهرباء بعد تطوير الحي، وتحوّلت لخدمة مُسبقة الدفع. وبين 2012 و2015 شهدت مصر انقطاعًا مستمرًا للكهرباء، بنت الحكومة محطات كهرباء جديدة، وضاعفت إنتاجها محققة فائض في الإنتاج يسمح بالتصدير، وفي المقابل رفعت الدعم تدريجيًا على مدار خمس سنوات انتهت بتحرير سعر الكهرباء. النسبة الأكبر من الزيادات تحملتها الشرائح الأقل استهلاكًا وهم الأكثر فقرًا ومتوسطي الدخل.

في يوم، انقطعت الكهرباء صباحًا بعد أن غادرت ابنتاهما إلى المدرسة، واكتشفا أن رصيد الكارت قد نفد، وجلسا الاثنان في البلكونة يشربان الشاي قبل أن تغادر زوجته إلى العمل، وبدأوا التفكير في كيفية شحن الكهرباء. كان يوم ثلاثاء، الإجازة الرسمية في المجزر، أما زوجته فكانت لديها شقتين ستذهب لتنظيفهما في حي الحلمية الجديدة المجاور لهم. «قولتلها معايا تسعة جنيه ومش معايا سجائر، أخذتهم مني وخرجت، ورجعت بـتسع سجائر كليوباترا. سابتلي خمسة وأخذت لها أربع، ومشيت، وقمت أنا أعمل فنجان قهوة».

كان الشيء المطمئن لدي فارس أن الثلاجة ممتلئة بالأكل، أجنحة دجاج ومكرونة وأرز وزيت وسكر، وهو ما يعني أن البيت لن يحتاج لشراء أي أكل قرابة أسبوع، وإن احتاجت البنتان شيئًا ستلبيه الأم لهما، ربما تحصل على أجرة تكفيهم يومين وتعود لشحن الكهرباء المقطوعة.

تزوجها عن حب، كانت تعمل معه في المذبح القديم، على مدار ثلاثة أشهر كان يعاكسها وفي المقابل استقبل منها أبشع الشتائم، واختار الطريق الآمن لزواجه منها.

دخن خلال قعدته ثلاث سيجارات. خرج إلى البلكونة وجلس يشاهد المارة، لم ير أحدًا يعرفه. في الأيام العادية قد يمر صديق ويوافق على دعوته لشرب فنجان قهوة، وربما تنتهي بهم القعدة إلى الفوز بعمل يتقاضى منه يومية. الأسبوع الماضي مر عليه صديق له يعمل بنّاء، كان يريد بناء «طوّالة» في إحدى الزرائب، وهي سور صغير من الأسمنت ارتفاعه بمحاذاة أرجل البهائم، تُبنى لتأكل منه. عندما علم أنه يحتاج لشخص معه عرض عليه فارس أن يساعده في عملها، استعجب في البداية، يعرف أن فارس جزار وليس بنّا، أقنعه بأنه سيعمل مثل أي صنايعي وسيأخذ يوميته. خمّر الأسمنت والرمل في الأرض وبنى الطوالة وأخذ 120 جنيهًا.

لم يكترث باستغراب الجزارين كونها ليست مهنته، تغاضى عن استخفاف البعض بعدم استقراره في مهنة واحدة، وشعر بالفخر كونه لا يرفض أي شغل في طريقه.

ترك السيجارتين الأخيرتين على الطاولة وقرر عدم النزول لفتح الفاترينة، إذ أن الثلاثاء إجازة المجزر الرسمية وستكون الحركة بطيئة في «تل العقارب»، وذهب لينام.

بعد أن عادت ابنتاه من المدرسة، استيقظ من النوم، دخل إلى المطبخ وعمل كوب شاي ودخن آخر سيجارتين. شعر بعد فترة أنه في حاجة لمزيد من الدخان ولا يملك سجائر. لجأ للمعسل. وهكذا مرت ساعة أخرى من يوم إجازته، كان يريد له أن ينتهى انتظارًا للذهاب إلى العمل في اليوم التالي، وفي النهاية قرر النزول إلى فتح الفاترينة لتضيع الوقت.

يعتبر فارس وأسرته ضمن الأسر الأكثر فقرًا في مصر، وفقًا لدراسة أعدها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. في الأربع سنوات الأخيرة، ازداد عدد الفقراء إلى 33 مليون مواطنًا، ليصبح نحو ثلث عدد السكان، وهي أعلى نسبة للفقراء عرفتها مصر، وتتضمن مَن هم خارج قوة العمل ولا تتوفر لهم تأمينات اجتماعية.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن