عزبة الهجانة «إحلوّت في عينيهم»
حصر جديد لمنازل بالعزبة تمهيدًا لإزالتها
تجمع أهالي منطقة «جامع شحاتة» التابعة لعزبة الهجانة بالقاهرة، 7 أغسطس الجاري، أسفل محور شينزو آبي، بناءً على نصيحة من الشرطة بانتظار مرور محافظ القاهرة، لمناشدته وقف أعمال حصر منازلهم تمهيدًا لنزع الملكية، لكن المحافظ لم يمر، ما أثار غضب الأهالي وحوّل التجمع إلى وقفة احتجاجية.
أحد السكان، ممن شمل الحصر منزله المكوَّن من عدة طوابق، قال لـ«مدى مصر» إن الأهالي سمحوا في البداية بإجراءات الحصر التي بدأت بأسئلة عن قاطني الشقق، ثم تدوين أرقام على جدران العقارات، قبل الانتقال إلى قياس أبعاد المنازل، وهي الخطوة التي واجهت مقاومة من بعض الأهالي، ما عرقل استكمالها في حالات عديدة.
وبحسب شهادات الأهالي لـ«مدى مصر»، كان الغموض سيد الموقف منذ بدء عمليات الحصر قبل نحو شهر، وحاول الأهالي الاستفسار من الموظفين القائمين على العملية عن أهدافها ونطاقها ومصيرهم بعدها، لكنهم لم يعلموا أكثر من أن الأمر كله يتعلق بمستثمر سينفذ مشروعًا في المنطقة، دون أي توضيح بشأن التعويضات أو ضمان حق الأهالي في الحصول على وحدات سكنية بديلة.
تقع عزبة الهجانة، بمنازلها الفقيرة، شرقي القاهرة، وسط منطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في الاستثمار العقاري، خاصة مع مرور محور شينزو آبي بها. وفي شرقها، حيث تقع «جامع شحاتة» الخاضعة للحصر، يفصل سور بينها وبين كمبوند «جاردينيا» السكني الذي يستهدف الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة، والملاصق بدروه لكمبوند «تاج سيتي» الفاخر. أما غربًا فيحدها النادي الأهلي، أحد أكبر الأندية الرياضية في مصر، ومنطقة الحي الثامن بمدينة نصر، بينما يحد طريق السويس شمال العزبة، حيث تقع منطقة خالد بن الوليد التي شهدت هي الأخرى حصرًا ممثالًا للمنازل تمهيدًا لإزالتها، وعلى الضفة الأخرى من الطريق تقع منطقة شيراتون، التي شهدت استثمارًا عقاريًا كبيرًا.
هذا الموقع المتميز لتلك البقعة الفقيرة جعلها، بحسب الأهالي، مطمعًا للدولة. «إحلوّت في عينيهم دلوقتي»، حسبما قال أحد سكان «جامع شحاتة».

قبل نحو عام، شهدت منطقة مجاورة لـ«جامع شحاتة» إزالة مثلث سكني بالكامل، عقب عملية حصر مشابهة شملت 232 عقارًا، تضم 1166 وحدة سكنية، و224 محلًا ومخزنًا، و23 قطعة أرض فضاء، ووفق بيان لمحافظة القاهرة، تم تقدير سعر المتر السكني بخمسة آلاف جنيه، وبدل إيجار بقيمة 30 ألف جنيه للراغبين في العودة لحين انتهاء المشروع، وذلك عقب جولة للمحافظ في «مشروع تطوير وإعادة تسكين مدينة الأمل الجديدة، عزبة الهجانة سابقًا»، في يوليو 2024، وهو المشروع الذي تنفذه المحافظة بالشراكة مع شركة كونتراك العقارية.
وفي يناير الماضي، صرح رئيس حي شرق مدينة نصر، أحمد جودة، لـ«الشروق» بأنه تم إزالة 171 عقارًا بالكامل حتى الآن، وتُجرى أعمال إزالة جزئية لـ19 عقارًا، فيما تم إخلاء 11 عقارًا، مع بقاء 31 عقارًا بانتظار الإزالة، إلى جانب تعويض أصحاب 23 قطعة أرض فضاء.
وأوضح جودة أن 267 أسرة فضلت العودة للمنطقة مرة أخرى بعد التطوير، وحصلت على عقود تخصيص لوحدات سكنية بديلة بمدينة الأمل بدلًا من وحداتهم القديمة بعزبة الهجانة، لضمان حقوقهم وطمأنتهم قبل إخلاء منازلهم وبدء أعمال الإزالة، فيما فضل 1027 من السكان وأصحاب المحال الحصول على تعويضات مالية.
«اللي حصل إنهم [من اختاروا استلام شقق بديلة في المشروع الجديد] ما استلموش حاجة لحد دلوقتي ومفيش حاجة اتبنت، ودلوقتي الحي بيضغط عليهم عشان ياخدوا تعويضات وينسوا موضوع الشقق، وقالوا لهم هيستلموا الشقق نص تشطيب»، حسبما أوضح أحد سكان «جامع شحاتة»، مضيفًا: «طبعًا هم لما يصرفوا لنا احنا كمان خمس تلاف جنيه للمتر ده ميسكناش في أي حتة غير العزبة برضه».
وأضاف المصدر، الذي لم يشمله الحصر حتى الآن، أن الموظفين ردوا على الكثيرين ممن رفضوا الحصر قائلين: «خلاص يبقى بيتك هيدخل لجنة»، مضيفًا: «كانت الناس بتسأل يعني إيه لجنة، محدش يرد عليهم، وكتير من غلبهم راحوا الحي، واتحايلوا على الموظفين هناك: خلاص تعالوا احصروا بيتي. من كتر ما خافوا من كلمة لجنة اللي محدش عارف يعني إيه أصلًا».
في أحاديثهم مع «مدى مصر»، أوضح الأهالي أن تسرب الأنباء عن أزمة جيرانهم الذين غادروا المنطقة العام الماضي في انتظار العودة والسكن في عقارات جديدة مطورة، إلى جانب بدء أعمال الحصر والقياس وسط غياب أي معلومات عن خطة الإزالة المرتقبة، كلها عوامل ساهمت في تصاعد الغضب الذي انتهى بتنظيم الوقفة الاحتجاجية.
خلال الوقفة، حاول رئيس حي شرق مدينة نصر امتصاص غضب الأهالي، لكنه لم يقدم أي تفاصيل تزيل الغموض. يقول أحد الأهالي: «بقوله [لرئيس الحي] أنتوا عاوزين تطردونا من بيوتنا.. لقيته بيهديني وبيقول لي إن اللي يحاول يطردك أضربه».

شهدت عزبة الهجانة، خلال السنوات الأخيرة، اهتمامًا متزايدًا من الدولة، بدأ بتدشين محور شينزو آبي عام 2020 على أنقاض عدد من المنازل بعد نزع ملكيتها وتعويض أصحابها بشقق بديلة في مشروع «أهالينا 2»، وفق ما أفاد به أحد الأهالي، ليخترق المحور العزبة رابطًا بين طريق السويس ومحور الشهيد المار بحييّ القطامية والتجمع الخامس.
وفي نهاية العام نفسه، زار الرئيس عبد الفتاح السيسي العزبة، لتبدأ بعدها سلسلة من أعمال التطوير، شملت رصف شارع الورشة الرئيسي، وافتتاح ثلاث مدارس جديدة، وشق طريقين سهلا المرور في المسافة الفاصلة بين الكتلة السكنية والأراضي الفضاء التي أخلتها القوات المسلحة قبل سنوات، والتي تفصلها عن طريق السويس، إضافة إلى افتتاح قسم شرطة جديد يخدم العزبة، بحسب أحمد، أحد سكان شارع الورشة، الذي لم يشمله الحصر حتى الآن. كما تزامن العمل على محور شينزو آبي مع إزالة أبراج الضغط العالي، التي شكلت خطرًا على حياة السكان، وهو ما دفع أحمد للتأكيد على إمكانية تطوير المنطقة دون اللجوء إلى الهدم والإزالة.
لكن في المقابل، وبالتزامن تقريبًا مع هذا التطوير، توقف حي شرق مدينة نصر عن التعامل مع سكان المنطقة في ما يخص الإجراءات الرسمية، مثل منح التراخيص للمحال، حسبما أوضح أحمد، وهو ما اعتبره تمهيدًا ونية مبيتة من الدولة لإزالة العزبة تدريجيًا، خاصة بعد أن غيرت محافظة القاهرة اسمها إلى «مدينة الأمل» سنة 2021.
كانت عزبة الهجانة أدرجت ضمن المناطق التي تخطط الدولة لإزالتها باعتبارها من «العشوائيات» الخطرة، ضمن مخطط 2050 للقاهرة الكبرى المثير للجدل، والذي أطلقته هيئة التخطيط العمراني عام 2009 برئاسة مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء الحالي.
المعماري وخبير التخطيط الحضري، محمد أبو سمرة، قال لـ«مدى مصر» إن الدولة خلطت عمدًا، على مدار سنوات، بين المناطق غير المخططة أو اللارسمية، التي تصفها بالعشوائيات، والأماكن الخطرة المهددة لحياة السكان، مضيفًا: «استخدمت الدولة في السنوات الأخيرة، التي اندفعت فيها لتنفيذ عمليات إخلاء للسكان من المناطق غير المخططة لصالح مشروعات عقارية هادفة للربح، هذا الميراث من الخلط المتعمد، والذي يفيدها في إقناع الجمهور الأوسع بضرورة التخلص من المناطق غير المخططة، خاصة في ظل وصم السكان في تلك المناطق بالخروج عن القانون، وهو ما يبدو واضحًا في حالة عزبة الهجانة مثلًا».
أبو سمرة أكد ما رصده «مدى مصر» خلال جولة استغرقت عدة ساعات بالعزبة من أن «البناء بصورة عامة في العزبة لا يمكن اعتباره مهددًا لحياة السكان بأي شكل من الأشكال، بل على العكس، فالبناء هناك، وإن كان غير مخطط، إلا أنه متماسك وآمن».
يعتمد أهالي العزبة في ملكياتهم على عقود بيع وشراء عرفية، بحكم نشأة العزبة كمنطقة سكنية غير مخططة قائمة على وضع اليد، حسبما أجمع الأهالي في أحاديثهم مع «مدى مصر».
وبحسب مبادرة العدالة المكانية «تضامن»، ارتبطت تلك النشأة بالموقع الاستراتيجي لعزبة الهجانة، الذي جذب عمال البناء والخدمة المنزلية ومجموعات أخرى من الطبقة العاملة، الباحثين عن فرص عمل جديدة في حي مدينة نصر عند تدشينه في ستينيات القرن الماضي. «وتزامن ذلك مع نمو قطاع الإسكان غير الرسمي في مصر على نحوٍ سريع في السبعينيات والثمانينيات، نتيجة الهجرة الداخلية إلى المدن، وتحويلات العاملين في الدول النفطية بالخليج، وقلة السكن المتاح بأسعار في متناول الفقراء. كما أدى انخفاض الإيجارات في العزبة، وسهولة الوصول إلى بقية مناطق القاهرة، إلى جانب إنشاء محطة أتوبيسات نقل عام في الطرف الشمالي منها، إلى اجتذاب سكان جدد. وهكذا فإن عملية التوطّن التي بدأت بوضع اليد أساسًا تحولت إلى نظام معقد من تقسيم الأراضي وبيعها دون أوراق قانونية».
ويشير أبو سمرة إلى أن هذه الأنماط من الملكية غير الرسمية هي الوضع السائد في مصر، فالملكية الرسمية الموثقة تمثل استثناءً بسيطًا من إجمالي ملكية العقارات والأراضي، وبالتالي فإن التدخل بأي شكل ضد السكان في المناطق غير المخططة بحجة عدم وجود ملكية رسمية يمثل تهديدًا لحق السكن وأمن الحيازة.
وقبل تحولها إلى منطقة سكنية غير مخططة، كانت العزبة، بحسب «تضامن»، مملوكة للقوات المسلحة وتُستخدم كثكنات لسلاح الهجانة (راكبو الجمال)، وفي عام 1984 نقلت ملكيتها إلى شركة مدينة نصر للإسكان والتعمير، بموجب قرار جمهوري استند إلى اقتراح من وزارة الدفاع ووافق عليه مجلس الوزراء، كما يتضح من مذكرته الإيضاحية.
استندت المذكرة الإيضاحية للقرار إلى أن أراضي العزبة لا يمكن أن تطبق عليها قواعد التصرف في الأراضي التي أخلتها القوات المسلحة، والتي تقوم على البيع بالمزاد العلني أو بالسعر الذي يحدده مجلس إدارة جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة لجهات محددة.
وأوضحت المذكرة أن أراضي عزبة الهجانة يشغلها أكثر من 30 ألف مواطن بوضع اليد، وقد أقاموا عليها منازل ومنشآت ومساجد ومحلات تجارية وغيرها، و«بالتالي يصعب طردهم منها بالقوة الجبرية، فضلًا عما يشكله هذا الطرد من خلق مشكلة اجتماعية ينعكس أثرها ولا شك على المستوى العام»، بحسب نص المذكرة.
وبالتالي، أقرت المذكرة بأن البيع بالمزاد العلني لن يحل مشكلة واضعي اليد، باعتبار أن البيع بالمزاد يفترض تزاحم أكثر من مشترٍ، ورسو المزاد على من يدفع السعر الأعلى، في حين أن «المشكلة هي تقنين وضع هؤلاء المواطنين لما يشغلونه من أراضٍ وعقارات».
في ذلك الوقت، كانت «مدينة نصر للإسكان والتعمير»، التي تأسست عام 1959 لتطوير حي مدينة نصر، شركة حكومية بالكامل، قبل أن تنخفض حصة الحكومة فيها إلى نحو 19% فقط حاليًا، ويتغير اسمها إلى «مدينة مصر» عام 2023. وفي ديسمبر من ذلك العام، وافقت الجمعية العامة للشركة على نقل ملكية أراضي العزبة إلى محافظة القاهرة. وبعد نحو شهرين، صدر القرار الجمهوري رقم 38 بتخصيص أراضي العزبة (نحو 634 فدانًا) لمحافظة القاهرة، مع احتفاظ القوات المسلحة بملكيتها داخل هذه المساحة. وفي نهاية الشهر نفسه، وافقت «مدينة مصر» على نقل الملكية للمحافظة كـ«مساهمة مجتمعية من الشركة لإعادة تأهيل المنطقة بما يحقق مصالح الشركة وساكني هذه المنطقة».
بحسب ثلاثة من سكان العزبة، تحدثوا إلى «مدى مصر»، فقد حاولوا، خلال النصف الثاني من التسعينيات والعقد الأول من الألفية، توفيق أوضاع ممتلكاتهم مع شركة مدينة نصر، لكن الشركة عرضت على اثنين منهم عقود انتفاع، لا تسمح لهم بملكية كاملة، بحسب مالك عقار في شارع الورشة، وهو ما وصفه مالك عقار آخر في شارع خالد بن الوليد بـ«عقد ملخفن [غامض]»، لذا تراجع الاثنان عن التوقيع، فيما قال الثالث إن الشركة رفضت أصلًا تقنين أوضاعه بزعم أن عزبة الهجانة كلها محل نزاع مع القوات المسلحة.
تقارير ذات صلة
رحيل عوامات الكيت كات
«السادس والسابع».. «بلوكات عبد الناصر» التي تدفع ثمن «الجمهورية الجديدة»
«الحكومة بقت مستخسرة فينا الأرض بعد ما غليت».
القبض على المئات في حملات الإزالات | وفد من حكومة «الوفاق» يزور مصر
تقدمت الإعلامية جميلة إسماعيل ببلاغ لمكتب النائب العام بصفتها وكيلة عن ابنها شادي أيمن نور
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن