غزة.. «كرة نارية يتقاذفها الجميع»
عشية إعادة انتخاب صهره لأعلى منصب في الولايات المتحدة، وبينما كانت غزة ولبنان تتعرضان لقصف إسرائيلي بلا هوادة، لجأ جاريد كوشنر إلى منصة إكس للتعبير عن سعادته بالوضع المواتي في الشرق الأوسط، الذي قاوم جهوده لتغييره عندما كان يعمل على هندسة اتفاقيات إبراهيم وصفقة القرن قبل أعوام.
«اتسم الشرق الأوسط دائمًا بالصلابة، ولم يكن يتقبل إلا القليل من التغيير. في الوقت الراهن، أصبح سائلًا وباتت القدرة على إعادة تشكيله غير محدودة. لا تهدروا هذه الفرصة»، كتب مخاطبًا مسؤولي الإدارة الأمريكية وقتها.
وعلى الرغم من إيجاز تعليق كوشنر، إلا أنه كان بمثابة بذرة ساهم كُتاب مقربون من الإدارة الجديدة للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في زراعتها منذ توليه منصبه.
في مقال كتبه في مجلة «فورن أفيررز» في أوائل فبراير، كتب إليوت أبرامز، الممثل الخاص لترامب لإيران وفنزويلا خلال فترة ولايته الأولى، أن الولايات المتحدة يمكن أن تستغل الوضع الحالي إذا كانت «على استعداد للتخلي عن هدف واشنطن المعتاد في الشرق الأوسط -الاستقرار- والضغط بدلًا من ذلك من أجل تغييرات جذرية من شأنها أن تفيد أمن الولايات المتحدة وحلفائها».
طبقًا لأبرامز، فإن «الاستقرار» لم يكن يعني أكثر من «استمرار سيطرة حماس الكاملة على قطاع غزة، وهيمنة حزب الله على لبنان، وتطوّر البرنامج النووي الإيراني».
ما حدث في أعقاب الإعلان عن هذا الأساس الأيديولوجي هو حملة صدمة ورعب من جانب الإدارة الأمريكية التي تخلت عن أي كياسة كانت السياسة الخارجية الأمريكية تحاول ادعائها من قبل.
في تصريحات متكررة منذ نهاية يناير، دعا ترامب إلى التهجير القسري للفلسطينيين من قطاع غزة الذي مزقته الحرب، وتخلى عن اللهجة الرسمية الأمريكية التقليدية حول ضرورة وجود دولة فلسطينية، قائلًا بدلًا من ذلك إن أمريكا يجب أن «تمتلك» الجيب الساحلي. كما هدّد بتعليق المساعدات التي يتم دفعها كجزء من اتفاقيات السلام التاريخية بين الأردن ومصر مع إسرائيل كوسيلة ضغط، في حال عدم التعاون في «استقبال» الفلسطينيين. وأضاف أن الدول العربية يمكن أن تموّل إعادة توطين سكان غزة في «قطعة أرض جيدة وجديدة وجميلة» من شأنها أن توفر ظروف معيشية أفضل.
تسببت تعليقات الرئيس الأمريكي في اضطرابات بين الدول العربية. أصدرت كل من مصر والأردن سلسلة بيانات ترفض التهجير القسري وتؤكد التزامهما بـ«القضية الفلسطينية». رفضت المملكة العربية السعودية هذه الخطوة وأكدت أنها لن تناقش التطبيع مع إسرائيل دون إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.
بغض النظر، فإن الحقائق الجيوسياسية المتغيرة التي أحدثتها الحرب على غزة، ورغبة الدول العربية في تأمين موطئ قدم مع الإدارة الأمريكية الجديدة دفعت جميع الأطراف إلى التعامل بجدية مع الواقع «السائل» المتزايد في المنطقة.
تبدو خطة ترامب المُعلنة غريبة ومُستبعدة، لكن مصادر مختلفة -11 مسؤولًا مصريًا ودبلوماسيًا أوروبيًا وباحثًا بأحد مراكز البحث التابعة للدولة وجميعهم على معرفة وثيقة بالنقاشات والمفاوضات الرسمية بخصوص فلسطين وترتيبات ما بعد حرب غزة- تحدث إليها «مدى مصر» خلال الأسابيع الأخيرة تُقر بأن التغيير كان جاريًا منذ فترة طويلة. صحيح أن خطة ترامب غير واقعية، كما تُجمع المصادر التي اشترطت عدم الكشف عن هويتها، لكن البديل الذي قد يحل محلها سوف يعيد تشكيل الركائز الرئيسية للسياسة الإقليمية في الشرق الأوسط.
***
«لا أعتقد أن الناس يجب أن يعودوا إلى غزة»، هكذا قال ترامب في الرابع من فبراير الماضي. «سمعت أن غزة كانت وبالًا عليهم. إنهم يعيشون في الجحيم. إنهم يعيشون كما لو كانوا يعيشون في الجحيم. غزة ليست مكانًا يمكن للناس أن يعيشوا فيه، والسبب الوحيد الذي يجعلهم يريدون العودة، وأنا أؤمن بذلك بشدة، هو أنهم لا يملكون بديلًا».
قبل أن ينطق بهذه الكلمات، بينما يقف بجانب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في مؤتمر صحفي مشترك، كان ترامب دعا بالفعل إلى تهجير الفلسطينيين إلى مصر والأردن خمس مرات، مع تغيير التفاصيل قليلًا في كل مرة. ما بدأ كنزوح مؤقت تحول بحلول الرابع من فبراير الماضي إلى دفع لإعادة التوطين الدائم.
صحيح أن الطبيعة المُتغيرة لتعليقات ترامب تتعارض مع التزام الفلسطينيين الراسخ بالبقاء على أرضهم، لكن محللين ومسؤولين على حد سواء أعربوا عن اعتقادهم بأن هذه الطبيعة المتغيرة لتعليقات ترامب هي بمثابة دعوة للدول العربية لملء الفراغ واقتراح «بديل».
في مقال كتبه لمنصة «معهد واشنطن» المؤيد لإسرائيل، قدّم الدبلوماسي الأمريكي السابق، دينيس روس، خطة التهجير على أنها تحريك «لأهداف مفاوضات غزة، بما يتماشى تمامًا مع رؤية ترامب الراسخة، والمتمثلة في رفع سقف المطالب، وخلق موقف ضاغط، ووضع العبء على كاهل الآخرين لكي يقدموا حلولًا قابلة للتطبيق. في رأيه، لا تتطلب 'الحلول القابلة للتطبيق' تغييرات سياسية واسعة النطاق، وهو ما حدث عندما استجابت كولومبيا والمكسيك وكندا لضغوطه الأخيرة بتعديلات متواضعة على استثمارات الموارد ولغة تعاونية، فخفف الرئيس من حدة طلباته».
اتفق مصدر مصري مسؤول رفيع يشارك بشكل مباشر في إدارة موقف القاهرة بشأن غزة مع هذا التقدير.
«التهجير موضوع قديم مُتجدد، الغرض منه رفع سقف المطالب المُتعلقة بالقضاء على حماس، ونزع سلاح المقاومة، وتسليم إدارة غزة إلى سلطة معتدلة»، يقول المصدر المسؤول لـ«مدى مصر». ما يفعله ترامب «استفزازي بطبيعته لجميع الأطراف، سواء للمقاومة وحماس، التي سترفض، أو للأطراف الإقليمية التي تريد أن تلعب دورًا بارزًا في هذه القضية، وخاصة الإمارات».
وفي إطار التعامل مع مُقترح ترامب، وفي محاولة لتهدئة الرأي العام بشأن ما يتضمنه الاقتراح بأن مصر ستضطر إلى قبول الفلسطينيين النازحين قسرًا، أعلن وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في الثاني من فبراير أن مصر لديها خطة لإعادة إعمار غزة لن تتطلب مغادرة أي فلسطيني أرضه.
اتضحت تفاصيل الاقتراح المصري ببطء شديد. وفقًا لأربعة مسؤولين مصريين آخرين ومصدر يعمل باحثًا في مؤسسة بحثية تابعة للدولة، ودبلوماسي أوروبي، فإن الخطة تتألف من عدة محاور رئيسية.
ينص المحور الأول على استبعاد «حماس» وحركة الجهاد الإسلامي من الشؤون السياسية والإدارية والعسكرية في غزة، حيث تعلن «حماس» أنها «ستتنحى مؤقتًا لإعطاء غزة وشعبها فرصة جديدة». كما تتعهد فصائل المقاومة بعدم استخدام أسلحتها، ووضعها تحت إشراف لجنة مراقبة عربية مشتركة.
وبدلًا من الحكم الحالي بقيادة حركة حماس، ينص الاقتراح على تشكيل لجنة مشتركة من العائلات الفلسطينية البارزة وعناصر سابقة في السلطة الفلسطينية من غزة لإدارة شؤون القطاع.
تتضمن مهام اللجنة استلام وتوزيع المساعدات، ومراقبة الوفيات وترتيبات السفر الطبي المسموح به خارج غزة، وإجراء مناقشات مع السلطات المصرية والأوروبية بشأن إدارة معبر رفح والتنسيق مع فرق الأمن الخاصة التي تقوم بعمليات تفتيش للفلسطينيين الذين يتنقلون من جنوب القطاع إلى شماله.
أما في ما يتعلق بإعادة الإعمار، فستتولى شركات مصرية وتركية زمام المُبادرة في قيادة أعمال البناء المُمولة من دول الخليج. وسوف ينقل الفلسطينيين بعيدًا عن المناطق القريبة من حدود غزة مع إسرائيل ووضعهم في «مناطق آمنة» في غزة أثناء تنفيذ أعمال البناء.
هذه الخطة تواجه بالفعل عقبات كبيرة من العديد من الجهات في ما يتعلق بتفاصيلها التقنية.
على مستوى التنسيق بين فلسطين وإسرائيل، رفضت إسرائيل أي خطة من شأنها أن تقترح أي شيء أقل من نزع سلاح «حماس» بالكامل.
عندما اقترحت مصر وقطر وضع صواريخ «حماس» تحت إشراف لجنة مراقبة مصرية قطرية مشتركة خلال وقف إطلاق النار لمدة تتراوح بين 10-20 عامًا، رفضت إسرائيل والولايات المتحدة هذه المبادرة، وفقًا لأحد المصادر الأربعة المسؤولة.
وعلى نحو مماثل، وفيما يتعلق بإدارة غزة، أشارت إسرائيل إلى أنها ليست مستعدة لقبول أي شيء أقل من إبعاد جميع قادة «حماس» إلى خارج القطاع. ومن ناحية أخرى، ترفض «حماس» تمامًا اتخاذ أي خطوات تمثل نهاية وجودها السياسي وتقضي على حق الفصائل الفلسطينية في المقاومة.
من جانبه، رفض رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، بشكل قاطع إنشاء كيان لإدارة الشؤون المدنية في غزة غير تابع للسلطة الفلسطينية. من جانبها، وافقت «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى في غزة على عدم الانضمام إلى اللجنة الإدارية، إلا أنها رفضت طلب إسرائيل بمراجعة المعلومات التي تحصل عليها هذه اللجنة. كما تريد «حماس» والفصائل الأخرى جدولًا زمنيًا واضحًا لإجراء انتخابات عامة في غزة والضفة الغربية.
حاولت مصر كذلك إشراك الدول العربية في خطتها، إذ دعت أولًا إلى عقد اجتماع استثنائي لجامعة الدول العربية في 27 فبراير لتقديم الخطة. ولكن بسبب خلافات بين الدول العربية، اضطرت مصر إلى تأجيل الاجتماع إلى 4 مارس.
بحسب المصدر الأخير، تحركت مصر لتأجيل الاجتماع لمحاولة بناء إجماع أوسع، لأن الإمارات والمغرب والبحرين لا يعارضون خطة ترامب بشكل كامل، ولأن دول مجلس التعاون الخليجي -باستثناء قطر والكويت- تريد ضمانات بشأن كيفية تصرف «حماس» لتجنب استثمار الأموال في القطاع فقط لكي تدمره إسرائيل مرة أخرى.
الإمارات العربية المتحدة، على وجه الخصوص، تحدثت بشكل علني بلغة تبدو مؤيدة لخطة ترامب. عندما سُئل سفير الإمارات العربية المتحدة لدى الولايات المتحدة، يوسف العتيبة، عن بديل لخطة التهجير في قمة الحكومات العالمية في دبي في 13 فبراير، وعلى الرغم من إعلان مصر بالفعل عن خطة كانت تعمل على بناء توافق حولها، قال العتيبة: «لا أرى بديلًا لما يقترحه [ترامب]. حقًا لا أرى بديلًا. لذلك إذا كان لدى شخص ما أي بديل، فنحن سعداء بمناقشته. نحن سعداء باستكشافه، لكنه لم يظهر بعد».
في أعقاب تأجيل اجتماع جامعة الدول العربية، أعلنت السعودية أنها ستعقد قمة طارئة يوم 20 فبراير، قال المصدر المسؤول إن الهدف منها هو منح المقترح المصري فرصة كي يقبله جميع الأطراف. وصل الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الرياض في 19 فبراير لإجراء محادثات تمهيدية مع ولي العهد السعودي الأمير، محمد بن سلمان، وتبعه في اليوم التالي حكام الأردن ودول من مجلس التعاون الخليجي.
وصفت وكالة الأنباء السعودية الرسمية الاجتماع بأنه «لقاء أخوي غير رسمي»، وذكرت أن «الاجتماع تضمن مشاورات حول قضايا إقليمية ودولية مختلفة، مع التركيز على الجهود المشتركة لدعم القضية الفلسطينية ومعالجة التطورات في قطاع غزة. ورحب القادة بالقمة العربية الطارئة المقرر عقدها في القاهرة يوم 4 مارس 2025».
ولكن وفقًا لمسؤول مصري آخر على اطلاع بما يحدث في واشنطن، فإن «روح الأخوة» لم تكن كافية للتغلب على بعض الخلافات. ففي أعقاب الاجتماع في الرياض، أبلغت الإمارات إدارة ترامب أن الاقتراح المصري ليس إلا خطة تحاول القاهرة بموجبها الحصول على مكاسب مالية كبيرة من خلال عملية إعادة الإعمار، لكن الأساس السياسي للاقتراح «ضعيف للغاية»، حيث لا تضمن الخطة اقتلاع «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى بالكامل في غزة، ولا تقدم رؤية شاملة لإصلاح السلطة الفلسطينية وإكسابها حضورًا قويًا في غزة، كما يقول المصدر.
***
بينما تحاول مصر العمل على تقديم بديل قابل للتنفيذ لخطة ترامب، تستمر كذلك في التعامل مع الآثار الموازية التي قد تخلّفها التغييرات في غزة على دورها الإقليمي الأوسع وعلاقاتها التاريخية مع الولايات المتحدة.
عندما سأله الصحفيون، في 10 فبراير، عما إذا كان سيفكر في حجب المساعدات عن الأردن ومصر إذا لم يوافقا على استقبال الفلسطينيين من غزة، هدد ترامب ضمنيًا بحجب المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة للأردن ومصر كجزء من اتفاقيات التطبيع الخاصة بهما مع إسرائيل.
«نعم، ربما، بالتأكيد، لما لا؟ إذا لم يفعلوا ذلك، فمن المُحتمل أن أحجب المساعدات»، قال الرئيس الأمريكي.
كشف ترامب عن تفاصيل محادثات كانت تجري خلف الأبواب المغلقة ونقلها إلى العلن، ما تسبب في كثير من الانزعاج لمختلف الأطراف، كما يقول مصدر مصري مسؤول آخر رفيع المستوى.
بحسب المصدر، فإن تقدم محادثات التطبيع مع السعودية، والتي جرت خلف أبواب مغلقة في العام الماضي، دفعت مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين للكشف عن أن الخليج سيحصل على امتيازات سياسية وأمنية واقتصادية «قد تقلل من تلك التي تمتعت بها مصر بعد معاهدة كامب ديفيد».
أبلغ مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون نظراءهم في القاهرة أن «الإمارات عرضت خدماتها ومساعدتها في عدد من الملفات الإقليمية الحساسة والمهمة للولايات المتحدة وإسرائيل في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا و[بقية] إفريقيا، من بينها مشاريع أمنية وسياسية واقتصادية»، بحسب المصدر الأخير.
منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، زادت المعونات التي ترسلها واشنطن إلى القاهرة، نتيجة لاتفاقية السلام عام 1979، والتي أصبحت مصر بموجبها أول دولة عربية تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل، ولكنها استقرت في السنوات الأخيرة عند نحو 1.3 مليار دولار أمريكي سنويًا.
لا شك أن اختيار تطبيع العلاقات جلب لمصر فوائد اقتصادية. لكن تراجع الرئيس الأسبق، أنور السادات، عن معارضة إقامة دولة يهودية -وهو الموقف الذي وحّد جامعة الدول العربية خلال حرب 1948 مع إسرائيل وأدى إلى الحروب والمعارك الدبلوماسية اللاحقة- نجح في تحويل التهديد العسكري المصري إلى أداة نفوذ سياسي إقليمي جديد تعتمد على التحالف مع الولايات المتحدة.
وفقًا للباحث المصري في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، كانت معادلة العلاقات التي نشأت منذ عام 1979، على النحو التالي: «لدى مصر أكبر جيش في الشرق الأوسط ويمكنها تهديد أمن إسرائيل، وبالتالي فإن المعاهدة بين الدولتين هي حجر الزاوية الرئيسي للسلام في الشرق الأوسط. وبناءً على هذه المعادلة، فإن مصر شريك إقليمي للولايات المتحدة، ليس فقط في الحفاظ على السلام مع إسرائيل، ولكن أيضًا في تحقيق السلام في المنطقة».
ولكن طوال العقود التي مرت منذ توقيع المعاهدة، كان الخيار الاستراتيجي لمصر هو أن أي علاقة مع إسرائيل يجب أن تمر عبر الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، استمر الخطاب الرسمي المصري في التأكيد على أن إسرائيل هي العدو، من أجل التأكد من أن الولايات المتحدة ستظل ملتزمة بدعم مصر للحفاظ على السلام، كما كتب نايل شامة، في كتابه الصادر عام 2013 بعنوان «السياسة الخارجية المصرية من مبارك إلى مرسي». ولهذا السبب، في بعض الأحيان، لم تكن العلاقة بين مصر وإسرائيل «مُرضية دائمًا لصُناع السياسات في واشنطن. والواقع أن الإدارة الأمريكية وأعضاء الكونجرس أعربوا، بانتظام، عن انزعاجهم من موقف مصر 'البارد' تجاه إسرائيل»، بحسب شامة.
أضاف كذلك أنه، منذ تلك اللحظة، «أي خلاف بين القاهرة وواشنطن منذ أواخر السبعينيات وحتى سقوط مبارك عام 2011 لم يكن على الاستراتيجيات، وإنما على التكتيكات. بعبارة أخرى، كان الاتجاه محددًا وكان الطرفان يختلفان أحيانًا فقط على الوتيرة أو التفاصيل».
ومع خفوت القضية الفلسطينية، وتركيز السياسة الأمريكية على إيران والصين في الألفية الجديدة، وتغيّر المعادلة وتقلص نفوذ مصر، أصبح التقارب بين مصر وإسرائيل هو المحرك للتحول في العلاقات، بحسب الباحث.
يعتبر الباحث أن «مصر ارتكبت خطأ استراتيجيًا في تقاربها الوثيق مع إسرائيل بعد عام 2013، فلم يكن هناك سبب استراتيجي لهذا التقارب، ووقع الضرر عندما قال بعض المسؤولين المصريين لنظرائهم الأمريكيين إن العلاقات المصرية الأمريكية هي علاقات ثلاثية، تتأثر بالعلاقات المصرية الإسرائيلية»، مستشهدًا بمحادثات مع دبلوماسيين في ذلك الوقت.
التقارب مع إسرائيل، طبقًا له، مثل إشارة على تقلص دور مصر «من وسيط في عملية السلام إلى ضامن لأمن قطاع غزة، كما اتضح في جميع الحروب على غزة منذ 2014».
ولكن حتى الدور الذي تلعبه مصر كضامن للأمن أصبح محل شك على مدار الحرب على غزة، حيث أعربت إسرائيل مرارًا وتكرارًا عن عدم ثقتها في أن مصر كانت تفحص بشكل كاف شحنات المساعدات الواردة بحثًا عن أسلحة مهربة محتملة.
بحسب المصدر الأخير ومسؤولين اثنين آخرين على اطلاع بالتطورات، فإن سبب عدم الثقة هو اعتقاد إسرائيل بأن مصر تساهلت مع بعض عمليات التهريب عبر الأنفاق بين غزة وسيناء والتي سمحت باستمرار تهريب السلاح، الأمر الذي أدى إلى إصرار إسرائيلي ثابت على تقليص دور مصر في الترتيبات الأمنية لأي سيناريو ما بعد الحرب.
لهذا السبب، على الأقل جزئيًا، ناقش المسؤولون الأمريكيون والإسرائيليون مع نظرائهم المصريين على مدار العام الماضي مجموعة من التعديلات المقترحة للمُلحق الأمني لاتفاقية كامب ديفيد، والتي تقسم سيناء وحدود غزة إلى أربعة مناطق -المناطق أ، ب، ج، د- وتحدد حجم ونوع الانتشار العسكري المصري والإسرائيلي، وأسس القوة متعددة الجنسيات التي تراقب الالتزام بالمعاهدة وتتدخل في حالة وجود خلافات أو استثناءات، بحسب اثنين من المصادر الثلاثة الأخيرة وآخر مسؤول رفيع على اطلاع بالتفاصيل.
حين التقى المفاوضون في روما في يوليو الماضي، بحسب المصادر السابقة، خلال اجتماع ضم كذلك أعضاء القوة المتعددة الجنسيات التي تراقب معاهدة السلام لعام 1979، ومقرها العاصمة الإيطالية، ناقش كبار المسؤولين تأمين الحدود بين مصر وغزة، وإمكانية مضاعفة حجم القوة متعددة الجنسيات في الجزء الشمالي من الحدود، وزيادة عدد المراقبين المدنيين الدوليين لضمان التزام جميع الأطراف، ومراقبة تنفيذ الاتفاقية الأمنية بشكل محايد.
وعندما رفضت مصر اقتراح إسرائيل بشأن الحفاظ على الوجود العسكري الإسرائيلي في ممر فيلادلفيا أو نشر قوة متعددة الجنسيات لإدارة الحدود، اقترحت الولايات المتحدة أن تكون الإمارات العربية المتحدة وسيطًا بين مصر وإسرائيل في التعامل مع إدارة الحدود مع غزة.
أعرب المسؤولون المصريون الثلاثة المطلعون على مجريات الاجتماع عن وجود شكوك مصرية كبيرة في الاقتراح، في الوقت الذي تحاول فيه القاهرة موازنة علاقاتها مع الإمارات، التي تدرك أنها تلعب دورًا حيويًا في المنطقة لا تستطيع مصر عرقلته. لكن لم يتم حل القضية خلال اجتماع يوليو، ولا يزال الخلاف مستمرًا حتى الآن.
هذا هو السبب، بعيدًا عن تعليقات ترامب، الذي جعل معاهدة كامب ديفيد محل نقاش علني في الأسابيع الأخيرة، إذ أثار مسؤولون إسرائيليون وأعضاء في الكونجرس الأمريكي شكوكًا حول امتثال مصر للمعاهدة.
قبل أيام قليلة، اتهم السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، يحيئيل ليتر، في اجتماع مع زعماء المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة السيسي بانتهاك اتفاق السلام الذي توسطت فيه الولايات المتحدة بين القاهرة وتل أبيب. وقال ليتر إن السيسي يستفيد من «يأس الفلسطينيين الذين يسعون إلى الفرار من غزة.. ويعمل بشكل مزدوج لصالح حماس».
«هناك قواعد تُبنى لا يمكن استخدامها سوى في عمليات هجومية، لأسلحة هجومية - هذا خرق واضح»، أضاف ليتر. «لوقت طويل، نُحي هذا جانبًا، لكنه يستمر. ستكون هذه مسألة سنضعها على الطاولة قريبًا وبشكل قاطع».
وبالمثل، زعم بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي أن مصر انتهكت شروط معاهدة السلام، وهو خطاب يقول مسؤول مصري آخر إن السفارة المصرية تحاول مقاومته في واشنطن.
الصحافة الإسرائيلية أشارت كذلك إلى صور من سيناء تُظهر «دفعًا هائلًا» بجنود وعتاد مصري. دفع هذا إسرائيل إلى «التقدم بشكوى رسمية إلى مصر»، حسبما نقلت تقارير صحفية إسرائيلية، دون أن تكشف عن أي تفاصيل حول طبيعة هذه الشكوى.
يشير أحد المصادر الثلاثة التي تحدثت عن الإصرار الإسرائيلي على تقليص دور مصر في أي ترتيبات أمنية بعد الحرب إلى أن التعزيزات الأمنية في سيناء ليست استعدادًا لحرب وإنما رسالة داخلية للتأكيد على جاهزية الجيش للدفاع ولمواجهة أي خروقات في ضوء الإصرار الإسرائيلي على استمرار عدوانها على غزة.
أدى انعدام الثقة الإسرائيلي، إلى جانب ضعف نفوذ مصر الإقليمي، إلى إشعال ما وصفه أحد المصادر الثلاثة بأنه «منافسة إقليمية» للاستيلاء على دور مصر، والتي تتمحور حول الترتيبات العديدة والمتنافسة لحُكم غزة بعد الحرب، والتي بدأت في الظهور في العام الماضي.
يقول المصدر المسؤول الأول إن دولًا عربية اقترحت على الولايات المتحدة في نوفمبر 2023 أن تتولى مسؤولية الأمن في غزة. اشترطت واشنطن للموافقة على هذا الاقتراح تشكيل قوة مشتركة مكونة من مصر والأردن والإمارات والمغرب وإندونيسيا لتأمين القطاع. لكن مخاوف الدول العربية من إرسال قوات برية حالت حتى الآن دون مناقشة جدية للمقترح الأمريكي على المستويين العربي والإسلامي، خاصة أن إدارة بايدن أجرت تعديلات، الصيف الماضي، على رؤيتها لغزة، لتجعلها أقرب إلى نموذج العراق بعد احتلال 2003، بحسب المصدر. وبموجب هذه الخطة، والتي تم تسريبها للصحافة الأمريكية العام الماضي، تضمن الاقتراح الأمريكي أن يقود ضابط عسكري أمريكي كبير القوة المشتركة، بينما يشرف دبلوماسيون أمريكيون ومسؤولون كبار على الشؤون المحلية، وهو ما يجعل الأمريكيين يتولون زمام المبادرة في غزة. لم تتم الموافقة على الاقتراح بعد، باستثناء الإمارات التي وافقت على المشاركة في القوة المشتركة، بحسب المصدر.
يضيف المصدر المسؤول أن أحد المقترحات المطروحة كان يتضمن تسليم السيطرة على أمن غزة لحلف شمال الأطلسي «ناتو»، إلا أن هذه الفكرة واجهت تحفظات مشابهة للتحفظات التي واجهت القوة المشتركة، بسبب الشروط الأمريكية فيما يتعلق بالإطار العملياتي للقوة. أصرت واشنطن على أن يكون مقر قيادة القوة في سيناء، وتحديدًا في مدينة العريش، لاستخدام مطارها ومينائها البحري في عمليات القوة الدولية في القطاع، بحسب المصدر وآخر مُطلع مقرب من الدوائر الرسمية في شمال سيناء. إلا أن مصر رفضت ذلك بحجة أنه سيفتح سيناء أمام المسائل العسكرية والإدارية الخاصة بغزة، وعرضت على الأمريكيين بديلًا لتمركُز القوة في مطار الجورة، القاعدة الحالية للقوة المتعددة الجنسيات.
وبحسب المصدر المسؤول، فإن هذه الترتيبات لا تزال قيد نقاش موسع بين الولايات المتحدة ومصر وإسرائيل والدول العربية، ولم يُتخذ قرار بشأنها بعد.
في تقدير أحد المصادر التي تحدثت عن الترتيبات الأمنية لما بعد الحرب، «فقط إذا تولى الفلسطينيون أنفسهم السيطرة على غزة، يمكن أن تظل معاهدة السلام على حالها».
***
يقول المصدر الأخير إن الوقت يمضي بسرعة لإيجاد حل، بسبب إدراك الدول العربية أن حكومة نتنياهو شديدة التقلب، وكذلك بسبب الانقسامات الداخلية بين الدول العربية.
«وعدت الإمارات الولايات المتحدة وإسرائيل بإقناع المزيد من الدول العربية بجدوى التطبيع مع إسرائيل ومحاولة تقديم نفسها كمحاور إقليمي لا غنى عنه»، يقول المصدر.
يضيف المصدر أن تطلعات الإماراتيين ستكون الدافع الأكبر للتطبيع بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل، وذلك بسبب المنافسة الهادئة بين الرياض وأبو ظبي وخلافهما المتزايد حول العديد من المسائل الإقليمية، من النزاعات الثنائية بشأن الحدود المشتركة، إلى اليمن، وإفريقيا، والشرق الأوسط. وقد يدفع هذا المملكة العربية السعودية في النهاية نحو التطبيع للحفاظ على زعامتها الإقليمية. هذا بدوره قد يزيد من الضغوط على مصر، التي حافظت على علاقات قوية مع كلا البلدين منذ عام 2013 وستحتاج إلى موازنة علاقاتها بحرص في الفترة المقبلة.
يعتقد مسؤول مصري رفيع المستوى والدبلوماسي الأوروبي الذي ينسق مباشرة مع السعوديين أن الدول العربية من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى سوف يضطرون إلى التنازل عن مطالبهم.
يقول المسؤول المصري إن «إسرائيل ستضطر إلى تقديم تنازلات عندما تصبح عبئًا على الحلفاء الغربيين الذين تتضرر مصالحهم [في حالة حدوث انفجار إقليمي] بسبب محاولات إسرائيل خلق واقع جديد يناسبها في المنطقة، لكنه قد لا يناسب الغرب». ويضيف أن «ما يهم ترامب هو استكمال مشروع اتفاقيات إبراهيم وتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، لذلك فهو مهتم بالاستماع إلى موقف المملكة من التهجير وما إذا كانت ستتحمل تكلفة إعادة إعمار غزة أم لا».
ومن ناحية أخرى، يرى الدبلوماسي الأوروبي أنه سيتعين دمج أجزاء من خطة ترامب في الاقتراح المصري في نهاية المطاف. «حتما سيغادر بعض الناس غزة»، يقول الدبلوماسي.
يقول الدبلوماسي الأوروبي ومصادر مصرية متعددة في أروقة السلطة في مصر بأن دول المنطقة قد تلجأ إلى حل بديل، وهو «لمّ شمل طوعي» لسكان القطاع الذين لديهم أقارب خارج غزة. في النهاية، طبقًا لهم، فإن الفلسطينيين الراغبين في السفر خارج غزة لديهم الحق ويجب منحهم الفرصة للقيام بذلك، خصوصًا إذا كانت هناك دول ترغب في استضافتهم ومنحهم الجنسية أو الإقامات طويلة الأمد، بشرط أن يقدم الخليج الدعم المالي لبعض الدول التي تستعد للمشاركة في الاستضافة، وبشرط ألا يؤدي ذلك إلى إخلاء غزة بالكامل.
بالنسبة لبعض الأطراف، كل هذه «المفاوضات» أمر جيد.
كتب روس على منصة معهد واشنطن إن «الجانب المشرق من اقتراح ترامب هو أن الظروف المزرية التي تعيشها غزة ومصيرها بعد الحرب أصبحت الآن قضية رئيسية تتصدر الصفحات الأولى».
لكن الأمر ينطوي على مخاطر. وفقًا للمصدر المسؤول الأول، الوصف الأدق الآن هو أن غزة أصبحت «كرة نارية يتقاذفها الجميع»، وعلينا أن ننتظر لنرى من سيحترق بها.
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن