تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
غزة.. الحرب في زمن الوباء

غزة.. الحرب في زمن الوباء

كتابة: عمر موسى 8 دقيقة قراءة
تصوير: رويترز

حتى 10 مايو الجاري، لم يخطر على بال محمد سعد أن عائلته ستعيش سيناريو التشريد ذاته الذي عاشته خلال العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014. يتذكر سعد، 57 عامًا، خلال حديثه معنا أن «عائلته قضت 51 يومًا تتنقل بين المستشفيات والمدارس، بحثًا عن مأوى» وعند كل حديثٍ عن تلك الأيام، كان يستعيذ بالله من أن تتكرر. لكنها تكررت مساء 14 مايو، بعد أن تبدلت الأجواء في غزة في «غمضة عين»، كما يقول، إذ قصفت المدفعية والطائرات الحربية الإسرائيلية، خلال الأيام الأولى من العدوان، محيط منزلهم الواقع في حي الشجاعية، شرق القطاع. دُمر المنزل، ونزحت العائلة مرة أخرى إلى مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»

الآن، تعيش عائلة سعد المكونة من 14 فردًا، بينهم نساء وأطفال، في فصل دراسي بمدرسة «أبو عاصي» بمخيم الشاطئ للاجئين غرب قطاع غزة، لا يتجاوز عرضه 15 مترًا، وسط ظروفٍ معيشية صعبة.

يقول سعد إن هناك مخاوف كبيرة لدى عائلته من تبعات البقاء في المدرسة، وأن «ظروف المدرسة غير مهيأة معيشيًا ولا صحيًا للمكوث فيها مدة أكبر، ولا أفق لإعمار بيتهم أو منحهم شقة بديلة لحين الإعمار». مضيفًا «نزحنا للمدرسة، للاحتماء من غارات الاحتلال. وجلسنا في غرفة يزيد عدد أفرادها عن 20، فيما وصل إجمالي الأشخاص المتواجدين في المدرسة نحو ثلاثة آلاف شخص»

 «الأمر صعب» يضيف سعد «بالكاد يستطيع النازحون في المدرسة تلبية متطلباتهم الشخصية. فالمياه لا تتوفر بشكلٍ جيد، ولا يوجد متابعة لنظافة وصحة المكان. أطفالنا عانوا من بردٍ وحمى وأعراضٍ أخرى، إثر بيئة المكان غير المناسبة»

وفق شهادات قدمها النازحون لـ«مدى مصر»، وصل عدد الأفراد في الغرفة الواحدة 21 فردًا، غالبيتهم نساء وأطفال من عائلاتٍ مختلفة، فيما كان يبيت معظم الرجال في الساحات والممرات.

«أنا يا عم رجل كبير» يقول سعد «والكورونا بتخوف، ومعانا أطفال ونساء، حرب مركبة بنعيش فوق مخاطر التشريد» ويُكمل «في الحرب الماضية، اضطرينا للسكن في خيمة قرب منزلنا المدمر، لكن الآن أنا غير قادر حتى على توفير خيمة»

أسرة فلسطينية في ملجأ بأحد مدارس أنروا في غزة بعد قصف الاحتلال الإسرائيلي منزلهم
تصوير: رويترز

«لولا الكورونا ما رجعت»

فور دخول التهدئة حيز التنفيذ في 21 مايو الجاري، غادر علي الغرابي (أب لخمسة أطفال) على مضض مدرسة تابعة لوكالة «أونروا» في مخيم الشاطئ غرب القطاع، كان قد نزح إليها مع 14 من أفراد عائلته في أول أيام العدوان الإسرائيلي على غزة.

يحكي الغرابي، 29 عامًا، لـ«مدى مصر» أن سبب مغادرته وأسرته المدرسة، إلى منزله الذي تضرر جزئيًا وبشكلٍ يصعب سكنه، أن مضاعفات صحية، تشبه أعراض كورونا، ظهرت على طفلته (ستة أشهر) ويقول إن «الشروط الصحية في المدرسة كانت صفر: حمامات بلا مياه أو نظافة، وفراش غير نظيف، وفوق ذلك، اكتظاظ مهول في المدرسة، بلا مراعاة لأي ظرف صحي، أو حتى مراعاة أدنى درجات الخصوصية، وحاجات الناس الغذائية والشخصية»

وعن منزله الواقع شرق مدينة غزة، يقول إنه «تضرر بشكلٍ كبير، إثر قصف إسرائيلي قربه. فالمطبخ تدمر وجدران كثيرة تشققت، ومواسير المياه لم تعد صالحة» يزفر ثم يتابع « لولا كورونا ما رجعت للبيت. ففي المدرسة يمكن أن تتوفر المياه والكهرباء فجأة، أما هنا، سيتطلب ذلك وقتًا» 

منذ بدء العدوان، نزح نحو 65 ألف فلسطيني من مختلف مناطق غزة إلى 59 مدرسة تابعة لـ«أونروا» بعد تعرض مناطقهم ومنازلهم للقصف الذي أدى لتدمير بيوتهم أو تضررها بشكلٍ جزئي. وبعد توقف العدوان، عاد عدد كبير منهم إلى بيوتهم، وتبقى نحو ألف نازح في المدارس، وفق حديث الناطق باسم «أونروا» عدنان أبو حسنة، لـ«مدى مصر»

ويشير أبو حسنة إلى أن هذا التقدير «ليس نهائيًا، فهناك من يجد أن منزله غير صالح للسكن فيعود للمدارس». لافتًا إلى أن «أونروا تُجري عمليات مسح لتحديد الحالة والخيارات لمعالجة أزمة النازحين»

«كارثة كبرى في الطريق»

بعد توقف العدوان في 21 مايو الجاري، تواجه غزة مخاطر تضاعف الحالة الوبائية نحو الأسوأ، فيما تعيش عشرات العائلات النازحة في المدارس خطر الوباء وجهًا لوجه.

خلال أيام العدوان الأحد عشر، خطفت دموية الاحتلال المشهد في غزة. لم ينتبه الناس للحالة الوبائية في القطاع الذي يعاني من تفشٍ واسع لفيروس كورونا، لكنها الآن عادت للمشهد. ففي الوقت الذي كانت تبذل فيه الطواقم الطبية في غزة جهودًا واسعة لاحتواء الوباء خلال الفترة الماضية، يقول رامي العبادلة، مدير وحدة السلامة ومكافحة العدوى في وزارة الصحة بغزة، إن «حالة النزوح، كانت خارج كل الحسابات» واصفًا إياها بأنها «جزء من أسوأ ما حدث»

ويشير العبادلة لـ«مدى مصر» إلى أن ثمة مخاوف حقيقية تنذر بـ«كارثة كبرى» على المستوى الصحي في القطاع إثر حالة الاكتظاظ الكبيرة التي عاشتها المدارس.

يقدر العبادلة عدد الأشخاص الذين تواجدوا في مدرسة واحدة بـ«أربعة آلاف شخص»، وهي «كارثة كبرى من الناحية الوبائية، خصوصًا بعد اكتشاف حالات مصابة بالفيروس في صفوف النازحين في المدارس» كما يقول.

 ويرى العبادلة أن انعكاس نزوح العائلات على الحالة الوبائية في غزة سيظهر خلال الأيام القريبة. ويقول إن الخطورة تهدد الجهود الواسعة التي بذلتها الطواقم الطبية في غزة -رغم قلة الإمكانيات- لكسر حلقات تفشي الفيروس خلال الموجتين الحادتين نهاية العام الماضي، وفي مارس الماضي.

ما يعرقل السيطرة على الوباء في غزة، كما يوضح العبادلة «حالة الاكتظاظ السكاني الرهيب في غزة التي لا تتجاوز مساحتها الـ 360 كيلو متر مربع».

 يسكن القطاع المحاصر منذ ما يزيد عن 14 عامًا، أكثر من مليوني نسمة. وتصل الكثافة السكانية إلى 30 ألف شخص/كم مربع، أما في مخيمات القطاع، تصل الكثافة 55 ألف شخص/كم مربع.

أمام هذه الحالة، يشير العبادلة إلى أن موضوع «توفر اللقاحات، هو السبيل لمواجهة الوباء في غزة. لكن، منذ بدء تفشي الوباء في غزة في أغسطس الماضي حتى الآن، لم يصل وزارة الصحة بغزة سوى 110 آلاف جرعة لقاح مختلفة الأنواع، في حين يحتاج القطاع مليوني ونصف مليون جرعة لتحقيق مناعة جماعية ضد الفيروس»

 ويقول «للتغلب على الوباء في غزة يجب تطعيم كل من تخطى 18 عامًا، وهؤﻻء يبلغ تعدادهم نحو مليون و200 ألف. ودون هذه الخطوة ستبقى الحالة الوبائية في غزة تراوح مكانها»

متطوعون يروحون عن أطفال لجأت أسرهم إلى إحدي مدارس أونروا في غزة بعد قصف منازلهم
تصوير: رويترز

مؤخرًا، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أنها سلمت 102 ألف و960 جرعة جديدة من لقاح كورونا إلى دولة فلسطين، وأن 46 ألف و800 جرعة منها ذهبت إلى قطاع غزة. 

حتى 26 مايو الجاري، بلغ إجمالي حالات الوفاة بفعل فيروس كورونا في غزة 1010 حالات، بينما وصل إجمالي المصابين إلى 107 آﻻف و845 إصابة، ضمنها 2358 حالة نشطة، ونحو 75 حالة حرجة، فيما سُجل تعافي 104 آلاف و477 حالة، وفق تقرير وزارة الصحة اليومي بشأن تطورات الوباء في غزة. 

في بداية الأزمة، خصصت وزارة الصحة في غزة، مستشفى «الأوروبي» جنوب غزة لمعالجة مرضى كورونا، وعلى أثر تفشي الوباء بشكل واسع في القطاع، قررت نهاية العام الماضي البدء في سياسة العزل المنزلي لمصابي كورونا، إلا في حالة الحاجة لعناية طبيّة داخل المستشفيات الـ 13، التابعة لوزارة الصحة.

يترافق التقدير الطبي بخصوص تأثير حالة النزوح والعدوان على الحالة الوبائية، مع ما يعيشه أهالي القطاع من نتائج العدوان. فمنذ بدء العدوان وحتى كتابة هذا التقرير، تعاني مناطق واسعة في غزة من نقص المياه والكهرباء.

تصل ساعات قطع الكهرباء لما يزيد عن 16 ساعة يوميًا، مقابل 3-4 ساعات وصل، إثر إغلاق سلطات الاحتلال لمعبر كرم أبو سالم، ومنع إدخال الوقود لمحطة الكهرباء، بالإضافة إلى تعرض خطوط كهربائية لدمار واسع. كذلك الحال مع المياه، إذ أثر انقطاع التيار الكهربائي وتدمير الاحتلال للبنى التحتية في كثير من شوارع ومناطق غزة، على وصول المياه لمنازل المواطنين، وتحديدًا في شمال القطاع.

عدوان على الصحة

تعمد الاحتلال خلال عدوانه، إصابة «المنظومة الصحية بغزة في مقتل» وفق تصريحٍ لوزارة الصحة بغزة. إذ تعرضت المؤسسات الصحية في القطاع لاستهداف مباشر، إلى جانب عرقلة عمل فرق الإسعاف في الوصول إلى الجرحى وإجلائهم إلى المستشفيات عبر ضرب الطرق المؤدية إليها. 

سُجل استهداف 24 مؤسسة صحية، بينها 11 مؤسسة تتبع وزارة الصحة (خمسة مستشفيات وستة مراكز صحية) و13 مؤسسة صحية أهلية، ما أدى لحرمان المواطنين من الرعاية الطبية اللازمة.

 كذلك، دمر الاحتلال مركز «هالة الشوا» الصحي في شمال القطاع، وهو مركز مخصص لخدمات الطوارئ وتطعيم الأطفال ومتابعة الحمل والحمل الخطر، إضافة إلى فحص عينات كورونا وتقديم التطعيم الخاص بالفيروس. كذلك، استهدف محيط مركز «الرمال» الصحي والمقر الرئيس لوزارة الصحة، ما أدى لدمار كبير في المبنى الذي يضم المختبر المركزي لفحص إصابات كورونا، وتوقف على أثره المختبر عن العمل لمدة أيام، الأمر الذي سيكون له انعكاسات على الحالة الوبائية وجهود الصحة في محاصرة تفشي الفيروس. 

أيضًا، قصف الاحتلال مركز الحجر الصحي بمحافظة رفح جنوب القطاع، وهو الذي خصصته -مؤخرًا- وزارة الصحة لحجر العائدين من الهند وبنجلاديش، عقب انتشار السلالة الهندية من الفيروس.

caption
تصوير: رويترز

نقص الأدوية والمستلزمات الطبية

المدير العام لمستشفى الشفاء بغزة، محمد أبو سلمية، قال إن 40% من الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية غير متوفرة لدى مستشفيات القطاع، ما أثر على عمل الطواقم الطبية، مشيرًا إلى أن العدوان الإسرائيلي زاد الضغط على القطاع الصحي المنهك في مواجهة الوباء.

«رغم اليأس والتعب، الذي يحف عملهم في مواجهة وباء كورونا» يقول أبو سلمية إن مجمع الشفاء الطبي، وهو المركز الصحي الرئيسي في غزة «عمل بشكل مكثف» وأن الطواقم الطبية عملت بهمة عالية «على تقديم العلاج لجرحى العدوان، ومرضى كورونا، بالإضافة لعلاج المرضى العاديين وإجراءات العمليات الجراحية العاجلة»

وذكر أن المجمع الصحي بحاجة لمنحة تقدر بـ42 مليون دولار، حتى تتمكن من تقديم الخدمات الطبية بالكامل لمرضى القطاع.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن