غربة وتغارب
سلوان #2
#جو عام
هذه سلسلة لا تريد تقليب المواجع -لا سمح الله- أو نكء قشور غطت جراحًا قديمة، بل تحكي عن الطبول التي تدق على الرؤوس، وتقدم خبرات مولودة من رحم المعاناة. وفي «سلوان» السلسلة التي تحررها سلمى الديب، تقرأون خلاصات تجارب كُتبت بحساسية وتقليب على جمر النار كما تقول الست أم كلثوم، دون تركيز على الإيلام، ونقدم كل خبرة عميقة بروحين، حين نتأمل الهجرة واللجوء والغربة نجد السلوان فيما يكتبه محمد القدوة الخارج من غزة بعد حرب 2023 واللجوء والبحث عن مكانه كنورس حائر، بين موطنه الأصلي ومصر وقبرص. هذه الحيرة تقابلها مشاعر محمد مصلح المُبعد من مكانه، الذي تتحول مشاعر غربته، بعيدًا عن مصر، إلى أفعال تؤكد حنينه إليها وعدم تكيفه مع المكان الذي ينتمي إليه وراثيًا ورسميًا، بل يصنع غربة شعورية موازية، يفعل الغربة، يتغارب.
وكذلك نبحث عن السلوان في باقي حلقات السلسلة التي أُعدت كضفيرة، كل خبرة مكتوبة برؤيتين متداخلتين ننشرهما معًا، ستقرؤون كل «ويك إند» ديتوكسين، كل منهما عن الولادة ثم الحب فالفقد.
حاولنا عدم الاستغراق في تقديم مشاعر مؤلمة أو إعادة آثارها على أصحابها أو مَن مروا بها أو نجوا منها، حتى يكون اسم السلسلة على مسمى، لكن يحتمل أن تسبب قراءة بعض المواد آثارًا نفسية أو تذكر بما لا يُستحب استعادته، لذا لزم التنويه. والآن نلمس معاني التغارب مع مصلح، ولا تنسوا إكمال الضفيرة بقراءة غربة القدوة.
#سلوان
أبدأ يومي هنا بإعداد الخبز أو «العيش المصلحي» كما يسميه أصدقائي. أنهض من النوم وأسخن بعض الماء في حلة وأضعها على العين القريبة مني ريثما أعد العجين. دقيق وخميرة وبعض الملح والسكر. أضعها كلها في سلطانية كبيرة وأعجن المكونات حتى تصل إلى القوام المناسب: عندما أضغط على العجين بإصبعي يرد قليلًا. ثم أغطي كل شيء وأضع الماء المغلي في الطشت الكبير بالحمام. بعد الحمام الدافئ تكون الخميرة قد عملت عملًا كافيًا بالعجين. أشكله إلى كرات أصغر من حجم الكف بقليل. آخذ كرةً وأفردها بالنشابة إلى الشكل شبه المربع المميز لرغيف العيش المصلحي. أضعه في مقلاة ساخنة وأراقب الحدث السحري اليومي الصغير: انتفاخ الرغيف ليصبح مخدة من الهواء الساخن. بعدها أقلي بعض البيض وأفطر.
أظن أول سؤال بيتسأله أي مغترب هو ليه. في حالتي: ليه بتعمل عيش كل يوم؟ ليه بتستحمى بإنك تغلي ميّه وتحطها في طشت؟ ليه بتبذل المجهود الزيادة ده كله؟ عشان الأساس اللي الواحد عارفه بيتغير. أنت بتتحط في بيئة مش بيئتك فلازم تتعامل. كل ما المكان اللي أنت رحت له بِعد عن بلدك كل ما الفجوة زادت. لو المكان قريب، فالفجوة دي بتبقى شبر سهل تعديه وقت ما تعوز، بالذات لو فيه مصريين غيرك في البلد. بس في بلد بآخر الدنيا زي إندونيسيا الفجوة بتبقى فجوة بجد، متكونة من كذا نقص أو اختلاف.
أنا لوحدي هنا تقريبًا، هسد إيه ولا إيه؟ بس اخترت حاجتين مساومش فيهم: العيش والميّه الدافية. العيش عشان العيش الوحيد اللي بيتباع هنا هو التوست وبيبقى غالي ومش منطقي أكله كل يوم. والمية الدافية لأن البيت أبو أوضة اللي أنا قاعد فيه مفيهوش سخان زي أغلب البيوت هنا. الحمامات هنا مفيهاش دش؛ العادي هو إن أي حمام بيكون فيه طشت مليان ميّه ومغرفة بيستحموا بيها. الدنيا في باندونغ ساقعة أوي بالنسبالي بالذات المنطقة اللي أنا ساكن فيها، فلازم أستحمى بمية سخنة عشان مبتديش اليوم متنكد. بالعكس، بقيت أبتدي يومي بسحر منظر العيش وهو بيتنفخ في الطاسة. بعد العيش والميّه الدافية الواحد بيحس إنه يقدر يواجه العالم وهو رجليه على الأرض.
***
بعد الإفطار أجهز الحقيبة وأضع فيها اللابتوب والكراسة وكتابًا لأقرأه في أوقات انتظاري. عندي محاضرة أساليب تربوية ستبدأ بعد نصف ساعة. أغيّر ملابسي ثم أطلب موتوسيكلًا إلى الجامعة. المنطقة التي أسكن بها فيها الكثير من المنحدرات والمطالع لأنها بشكل ما جزء من الجبل، والبيت الذي أقطنه يقع في قاع أحد المنحدرات. أتصل بالسائق لأطلب منه النزول لآخر المنحدر وألا يقلق، فالطريق ضيق، لكن هناك مساحة لأن يدور الموتوسيكل ويطلع. في الطريق أوجِّه رفيقي إلى طُرق مختصرة توفر نصف الوقت فيعلِّق: «قضيت وقتًا طويلًا هنا؟» وأرد بالإيجاب. لا يسألني بالطبع إن كنت أجنبيًّا أم لا، فهذا أمر مفروغ منه منذ أول كلمة نطقت بها في الموبايل.
أغلب الناس هنا بيفتكروني ياباني، بالذات لو سمعوني بتكلم عربي في التليفون، ما هو مستحيل برضه الشكل ده يطلع منه كلام بالعربي (ده غير إنهم هنا معندهمش أي فكرة عن العامية المصرية، ميعرفوش غير اللغة العربية الفصحى اللي بيستخدموها في الشعائر الإسلامية وقراءة القرآن). خليني هنا أفسر للقارئ موضوع الشكل ده، أنا مصري من أصل آسيوي وملامحي آسيوية تمامًا. أهلي الاتنين من شرق آسيا: أمي صينية من شانغهاي وأبويا إندونيسي من جاكرتا، وأنا مصري من الحي العاشر. أهلي كانوا بيدرسوا في الأزهر، اتقابلوا هناك وحبوا بعض واتجوزوا، وأنا اتولدت في القاهرة وقعدنا فيها لحد ما خلصت أولى إعدادي وبعدها عزلنا رحنا إسكندرية، وفضلت قاعد فيها لحد ما سافرت إندونيسيا بعد ما قضيت 25 سنة في مصر بسبب انتهاء إقامتي. أيوة إقامة، لإن رغم إني فعليًا مصري، مولود في مصر، ولغتي الأولى هي العربي، إلا إني معنديش الجنسية المصرية. وبقول فعليًا مصري مش «بعتبر نفسي مصري» لإن الجملة دي معناها إني في الأساس مش مصري وده عكس الواقع.
فأنا شكلي آسيوي، يعني ممكن في إندونيسيا يفتكروني إندونيسي عادي لو مفتحتش بوقي، بس أول ما بتكلم بيعرفوا إني مش من هنا بسبب اللكنة. بيسألوني أنت منين، فبحكي لهم نسخة مختصرة من حكايتي. بتدرس هنا؟ بقولهم آه، بدرس ماجستير في جامعة التربية. بيسألوني طب الناس بتروح عندكم تدرس في الأزهر إنت إيه اللي مخليك تدرس عندنا؟ فبقول لهم معايا الجنسية الإندونيسية من أبويا ومعيش الجنسية المصرية. فبيستغربوا، بس أنا كل يوم تقريبًا بشوف الاستغراب ده، فاتعودت عليه. بعدها بيقولوا «بنحب محمد صلاح» وأقول لهم أيوة ده من عندنا.
***
أصل إلى الجامعة، جامعة إندونيسيا للتربية والتعليم، وأتوجه إلى القاعة الصغيرة التي ستكون فيها المحاضرة. لست أول شخص، هناك زملاء وصلوا بالفعل، يتحدثون ويضحكون، المزاج رائق في الجو. أختار كرسيًّا أجلس عليه بينما أستمع إلى حديثهم محاولًا الفهم. ألتقط كلمة presentasi المُشتقة من اللغة الانجليزية وأتذكر التقديم، فقد قسّم دكتور المادة المنهجَ علينا وحدد لكل واحد يومًا يقدم فيه. أقلق من احتمالية أن يكون اليوم دوري وأنا ناسي. أخرِج كراستي لأبحث عن جدول التقديم الذي سجلته يومها. أجده. حمدًا لله، ليس اليوم، بل الأسبوع القادم. يرى الجالس جواري الكراسة فيعلق «تكتب باللغة العربية؟»، أرد بالإيجاب فيقول: «ياه، آخر مرة استخدمت فيها اللغة العربية كانت في المدرسة الداخلية الإسلامية، لكني لا أستطيع قراءة العربية دون تشكيل»، فأسأله بالعربية «كيف حالك؟» فيرد بالعربية مبتسمًا «أنا بخير».
يأتي الدكتور ويقوم مَن عليه الدور بتقديم درس اليوم، كل شيء بالإندونيسية طبعًا. ألتقط التعاريف والكلمات المهمة من السلايدات وأبحث عنها على جوجل. بعد الشرح يعطي الدكتور بعض الأمثلة ويذكر شيئًا عن نظم التعليم في الخارج بينما ينظر تجاهي بصفتي الطالب الأجنبي الوحيد، أبتسم له بأدب وأهز رأسي. تمتد المحاضرة إلى ساعتين ونصف، يقوم طالب آخر بالتقديم ثم الدكتور مجددًا. تنتهي المحاضرة ويأتيني أحدهم ويسألني بحماس إن كنت أود صلاة الظهر جماعة مع بعض الزملاء. أجيبه بأن عليَّ اللحاق بمركز اللغة في جامعة أخرى قبل أن تغلق، ثم أرحل.
لي صديقة فلسطينية-أردنية مسيحية هنا كانت في مرة عايزة تدرس عربي بس مقبلوهاش. مكانوش مقتنعين إنها عربية. بالنسبة للناس هنا فالعربي له صورة نمطية معينة: مسلم متدين وغني. مسلم متدين دي طبعًا مفهومة، غنّي دي بقى عشان السياح الخلايجة اللي بييجوا هنا، وعشان فكرة إن الناس بتروح تشتغل في الخليج بالذات السعودية، وعشان القيمة المعنوية العالية اللي بيكنها مسلمو إندونيسيا للبلاد العربية بصفتها أرض الإسلام والمسلمين. بيتلخبطوا ما بين المصري والخليجي والشامي والمغربي، بالنسبالهم البلاد دي كلها حاجة واحدة. مرة قلت لحد إني من مصر فيقولي «ياه.. أنا ليا ابن عم بيدرس عندكم في الرياض». بالنسبالي بشكل شخصي، الصور النمطية جزء أساسي من حياتي.
في مصر طبعًا أول ما الناس بتشوفني بيفترضوا عني حاجات، بيفترضوا إني باكل صراصير، إني باكل كلاب وقطط، إن «إنتم كلكم شبه بعض»، إن «إنتم القنبلة النووية خلتكم شبه بعض»، بس أكتر صورة نمطية مؤذية كانت بسبب الإعلام الغربي الله يمسيه بالخير: إني حامل لڤيروس كورونا، لكن دي حكاية تانية لوقت تاني. أيوة بواجه صور نمطية في مصر وفي إندونيسيا، لكن فيه فرق واحد جوهري ما بين اللي بتعرض له هنا وهناك: في مصر مهما واجهت فأنا ابن البيئة دي وبعرف أتعامل مع الشارع بلغته وأسلوبه، وأول ما بتخطى موضوع الشكل ده مع أي حد وبحكي له الحدوتة خلاص بنتكلم كأي اتنين مصريين بيتكلموا مع بعض. في مصر بختلف في الشكل مش الجوهر، في إندونيسيا العكس، بختلف في الجوهر مش الشكل. في مصر أنا غريب لحد ما أتكلم، في إندونيسيا بكون متماهي مع الشارع لحد ما أتكلم أقول أي حاجة، إن شالله لو قلت كلمة واحدة بيعرفوا إني مش من إندونيسيا، وساعتها خلاص، مهما قلت أو عملت فأنا أجنبي في البلد دي، ياباني بقى صيني سعودي مصري أيًا كان، أنا في غربة.
***
أطلب موتوسيكلًا إلى الجامعة الأخرى حيث يوجد مركز الكونفوشيوس. الطريق واضح فلا أضطر إلى إرشاد السائق. أضع سماعات في أذني وأسمع «إيه يا بلاد يا غريبة» لمنير للمرة المليون. يرحب بي أورج هاني شنودة مجددًا. ثم يصدح صوت منير متسائلًا، وأفكر في كل ما يقوله.

إيه يا بلاد يا غريبة؟ عدوة ولّا حبيبة؟
هي لا عدوة ولا حبيبة، هي مِعرفة.
في الليل تصحى عيونك، ونجومك مش قريبة
ولا عارف حتى أقرب من ناسك مش بس نجومك
بلاد معرفش ناسها، ولا عارفاني بيبانها
لما بعرَّف الغربة دايمًا بعرَّفها بانعدام صفات معينة مش بإنها حاجة قايمة بذاتها. الغربة بالنسبالي زي اليُتم والمرض والموت، لازم نكون عارفين عكس الحاجات دي الأول عشان نفهمها. يبقى إيه عكس كلمة «غربة»؟ يمكن هي ألفة البيت والأهل، أو على مستوى أوسع الوطن والمجتمع. مصر مثلًا أعرف ناسها وعارفاني بيبانها، كل بيبانها، بيبان البيوت اللي سكنّاها، بيبان بيوت صحابي، بيبان الأماكن اللي حبيتها وحبيت فيها، حتى باب البحر اللي على الكورنيش في الأزاريطة اللي مبيطلعش على حاجة غير البحر أنا عارفه. بس هنا، هنا أنا مش بس مش عارف اتعرّف على الناس، أنا أصلًا مش عارف أعرَّف نفسي للناس. هقولهم إني مصري هيقولولي محمد صلاح والأزهر والأهرامات. هقولهم أبويا «إندونيسي بتاوي»، هيقولولي إفيهات بتاوية معرفهاش. هقولهم أمي صينية هيفتكروني من الإندونيسيين الصينيين. هقولهم بكتب مش هيعرفوا يقروا اللي بكتبه. هقولهم بلعب مزيكا مش هيفهموا الأغاني اللي بغنيها. مش عارف اتحرك برّه تجاه حاجة أنا بحبها. حاسس إني محصور في حتّة معينة أوي ومش عارف أطلع منها.
ومليش شبر في أساسها، ولا طوبة في حيطانها
مش يمكن هو ده تعريف البيت/الوطن فعلًا؟ إنه مش بس جزء أساسي من تكويني، بس إن أنا كمان أكون جزء من تكوينه. إني أكون جزء من مجتمع أنا بالفعل شبهه وبعمل زي بقية الناس ما بتعمل. وفي نفس الوقت أنا جزء من حتّة معينة في المجتمع؛ الناس اللي حوليا بشكل مباشر بتعمل زيي وممارساتنا وأفكارنا جزء من المجتمع وبتتفاعل مع ممارسات وأفكار تانية في باقي المجتمع، ونتاج التفاعلات المستمرة دي هي الحاجة اللي ممكن نقول عليها ثقافة البلد بمعناها الواسع. يعني هي مش حاجة ثابتة، حتى لو ما بين الثقافات الصغيرة دي حاجات مشتركة زي الأكل واللغة بس فيه حركة مستمرة ما بينها وبين بعضيها، وأنا بشكل ما جزء من الحركة دي.
وخطاويا الغريبة
كلمة غريبة هنا غير كلمة غريبة الأولانية اللي في سؤال «إيه يا بلاد يا غريبة؟». «غريبة» الأولانية من الغربة في حين إن «خطاويا غريبة» هنا معناها إن خطاويا تايهة، حاسة بعدم الأمان، وخايفة من المجهول.
عالم رايحة وجاية، وأنا مين وفين مكاني
زي النهارده لمّا شفت الناس بتضحك مع بعض، وبعد المحاضرة فيه ناس مشت في مجموعات، وفيه ناس مشت لوحدها، بس كله عارف هو رايح فين وبيعمل إيه. أنا بقى مش عارف. مش عارف حتى أعرَّف نفسي صح هنا. مش عارف مكاني فين في المجتمع الإندونيسي. طالب أجنبي؟ ابن الشتات العائد إلى بلد الأب؟ ده حتى دلوقتي حالًا أنا رايح عشان أتعلم لغة بلد تانية أصلًا مهياش البلد دي. للدرجادي أنا مش شايف نفسي هنا خالص؟
وإيه آخر الحكاية؟ وإيه اللي رماني؟ يا خطاويا الغريبة
عايز أخلص. وفكرة إني عايز أخلص دي بتخليني منخرطش، وعشان مبنخرطش وعشان بحس بالغربة ببقى عايز أخلص!
عايز أخلص ← مبنخرطش ← بحس بالغربة ← عايز أخلص ← إلخ.
دنيا ولّا متاهة؟ دايرة وبندور وراها
معيش الجنسية المصرية فرُحت إندونيسيا. جيت إندونيسيا مرتحتش ورايح دلوقتي عشان أتعلم صيني عشان أروح الصين. لحد إمتى هفضل أدور في الدايرة دي؟ مصر عمرها ما هتعترف بيا كابن ليها مهما حصل. ده محمد خان نفسه فضل طول حياته في الموال ده وفي ناس كانوا بيضايقوه ويقولوا عليه المخرج الباكستاني. مصر معترفتش بيه غير في آخر أيام حياته، بعد ما العمر عدى خلاص. بس هو الله يرحمه على الأقل أمه مصرية، أنا بقى صفتي الرسمية إيه؟ مستحيل تعترف بيا.
في صباحها ومساها، آهة وراها آهة، يا خطاويا الغريبة
كل يوم في الدوامة دي. إمتى الغربة دي هتنتهي؟ إمتى هرجع البيت ولأهلي في إسكندرية؟
***
في مركز الكونفوشيوس أسأل عن كورسات اللغة الصينية. ترد عليَّ البنت التي أعتقد أنها إندونيسية صينية بأنهم سيبدأون بتقديم دفعة جديدة من الكورسات بعد شهرين، وأن الحصص ستكون وجهًا لوجه بدلًا من الكورسات الأونلاين التي أخذتها من قبل. لكن الكورسات الجديدة ستكون أعلى من مستواي الحالي بقليل. أعزم على سد هذا الفارق بالمذاكرة بمفردي وأن أكلم أمي على الإنترنت يوميًا لأمارس الكلمات الجديدة.
بعد الكورس أذهب إلى مطعم قريب وأطلب النودلز، ثم أجلس وأخرج الكتاب من حقيبتي، سأقرأه ريثما يأتي الطعام. ينبعث صخب من الطاولة المجاورة، مجموعة من طلاب الكلية يتحدثون ويتضاحكون وأحيانًا تعلو أصواتهم علوًّا تستسترونيًّا مزعجًا. لكنه ليس التستسترون فحسب، فالإندونيسيون بشكل عام صاخبون كجماعات، يتوازى هذا مع هدوئهم شبه التام كأفراد. لو كنت في مصر لظننتُ من شدة الضحك أنهم يضحكون عليَّ، لكنني أعلم بأن شكلي هنا يتفق تمامًا والسياق العام فأنفض القلق عني، بل أطلق بكل راحة عطسةً انتابتني بسبب تيار هواء بارد في المكان المفتوح.
أراسل بعض الأصدقاء على الواتساب لكنني أجدهم جميعًا منشغلين بالتكاليف والتسليمات. أتصفح الموبايل بحثًا عن أي فيلم أشاهده. أجد فيلم أنمي في السينما، المحقق كونان. أعتبر نفسي محظوظًا لأنني سأشاهد فيلمًا للمحقق كونان على الشاشة الكبيرة كما هو، خارج رقابة قيم الأسرة السبيستونية. يأتي الطعام فآكل بينما أفكر في الأنمي ومحاولة اليابان الناجحة في تنظيف صورتها، وضعف القوة الناعمة للصين أمام البروباجندا الأمريكية المعادية، والطعام الصيني الذي آكله والأفكار النمطية عنه في مصر ومطعم بكين وهاني يان.
رغم قلة الأصدقاء في إندونيسيا وصعوبة تكوين الصداقات هنا، فإن وجودي في الموقع الجغرافي ده خلّاني أشوف الدنيا من منظور تاني. مثلًا هنا بيعرضوا أفلام من السينما اليابانية والكورية وأحيانًا الصينية في السينمات. بتبتدي تفهم الهيمنة الثقافية الشرق-آسيوية عاملة إزاي في المنطقة اللي حوليها. أنا ذات نفسي كمثال، قاعد أهو في إندونيسيا بس بتعلم صيني كمصدر محتمل لأكل العيش. علاقتي باللغة الإندونيسية هتفضل مرتبكة لأني معنديش دافعية أتعلمها بجدية. الكلمتين اللي أعرفهم بمشي بيهم حالي وخلاص. والارتباك بيحافظ عليه جوجل ترانسليت، لأنه طول الوقت بيديني إجابات فورية فمبفتكرهاش. الارتباك برضه بيحافظ عليه جوجل ماپس، لأن من خلاله بتعرّف على أماكن خفية الواحد بيعرفها في العادي من خلال ناس، أو على زخانيق الواحد المفروض بيعرفها من خبرته بالمكان. عشان كده مش عارف ارتبط بالمكان أوي. مفيش أشخاص فبعوض الوجود ده بالتكنولوجيا. وبدل ما أتكلم مع حد هنا بالإندونيسي وأكون صداقات بكلم صحابي اللي في مصر على الفيسبوك والواتساب، مع مراعاة فرق توقيت 5 ساعات. الفرق ده بيخليني أميل للسهر طول الوقت بالذات لو بكلّم حد في مصر مش فاضي غير بالليل. إندونيسيا بشكل عام بلد بتنام بدري وبتصحى بدري. فأنا عايش هنا بجسمي، بس عقلي وامتداده الإلكتروني لسه عايش في مصر، وساعتي البيولوجية هي اللي بتدفع الثمن، ساعتي البيولوجية وصحتي النفسية وفرص التواصل الحقيقي مع أي حد هنا.
***
أذهب للسينما وأقطع تذكرة للفيلم. ما زلت لا أصدق أنني أشاهد كونان على شاشة سينما. أصور مقاطع وأضعها كستوري على الإنستجرام. بعد الفيلم أطلب موتوسيكل أخير لأعود إلى البيت. يسألني السائق إن كنت أريد ارتداء الخوذة أم لا. أفكر في اقتراحه. أرى جسدًا باليًا برأس مفتوحة، مُلقى على الطريق الليلي الخالي، في محفظته كارت ائتمان ورخصة قيادة صادرة عن مرور أبيس وبطاقة هوية إندونيسية. أرد بأنني أريد الخوذة. يضرب الهواء الليلي وجهي في الطريق، شلال هوائي بارد لي وحدي. أصل إلى البيت. أخرج اللابتوب الذي لم أستعمله طوال اليوم. أشاهد بعض الفيديوهات وأقرأ بعض المقالات عن علم النفس التربوي عند ڤيجوتسكي وعلاقته بالجدلية المادية، الموضوع الذي سأقدمه الأسبوع القادم في مادة الأساليب. أغطس فيه إلى أن أجوع. أقوم. أسلق بعض البيض وأعد الإندومي، وجبتي الدافئة المفضلة. بينما آكل، أفكر في الوضع الذي أنا فيه من ناحية جدلية. أليس من المحتمل أنه يمكنني التأقلم في إندونيسيا إن أردت لكن لاوعيي يمارس نوعًا من التغارب لأني لا أستطيع أن أ-move on من مصر؟ الحقيقة هي أن كل آلام الغربة هذه أو معظمها على الأقل يمكن مداواتها بتعلّم اللغة والثقافة والرغبة بأن أكون جزءًا من هذا المكان. لكنني لا أريد، بكل بساطة، لا أرى نفسي هنا.
بفكر إن لو بعد الشر عليا مُت هنا مش هيكون في أي مبرر قانوني لإني أتدفن في مصر. «هو ليه عايز يتدفن في مصر وهو إندونيسي؟ مكتوب هنا إنه إندونيسي.»
***
يتأخر الوقت ويحين موعد إبعاد كل الأجهزة الإلكترونية عني استعدادًا للنوم. أغلق اللابتوب. أشغل المنبه على الموبايل ثم أضعه في ركن بعيد من الغرفة لأجبر نفسي صباحًا على القيام من السرير لإطفائه. أُخرج من الحقيبة الكتاب الذي نسيت أمره طوال اليوم: حتى أتخلى عن فكرة البيوت. سأقرأه إلى أن أنام.
وسلام
لقراءة غربة اضغط هنا.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن