غراب المراقبة
أليف ووحشي#5
#جو عام
في خامس حلقات «أليف ووحشي» يحكي محمد منير عن خوفه من الغراب، الذي تنامى مع السنين بتحميل صاحب الريش الداكن والنعيق الحاد حضور أكبر من أن يُحكى. طائر منير معه، لا يحمل شؤمًا، بل يحضر مثل برج مراقبة لا يغفل عن مهمته، وهي أجواء تتماشى مع السلسلة التي يعدّها ويحررها ياسر عبد اللطيف ومي المغربي، وتعمل على علاقة الإنسان بذاته، وتسير مع كُتّابها في رحلتهم لاكتشاف حيوانهم الداخلي، وتنسجم مع شقيقتها «جيوب المدينة» التي تتجول في المكان بحثًا عن أوكار وخبايا المدينة. ابقوا معنا ولا تتركوا حبلي السلسلتين.
#أليف ووحشي
خمن جدي قبل أن يموت أننا بمرور الوقت سنصير فقراءً على بيت يقع في منتصف جاردن سيتي، بين الباشوات والأغنياء. غير أنه لما مات عندما صدمته سيارة، لم يتوقع قبلها أن أحفادًا مجانين سيحملون اسمه.
أنا أصغر أخوتي وأكثرهم دلعًا. أخ وحيد على أختين، لن أصبح رجلًا أبدًا إلا إذا وافقت ودخلت معهما من الباب المؤدي لسلم الخدم. طبعًا لستُ مهتمًا بدخوله مثل أخوتي. كنت أختلس له نظرات عندما تخرج أمي شيئًا من المطبخ. لم يكن يدخله أحد سوى عم حسن عامل القمامة. يمر من الباب الخلفي للعمارة، يصعد السلم دورًا وراء الآخر، ويجمع قمامة العمارة كلها في هدوء تام.
اهتممتُ فترة طويلة بمراقبة مرام وفاتن، واهتمامهما باكتشاف المكان، الذي زاد أكثر عندما حذرتْهما أمي من دخوله، وأنه مليء بأشياء مخيفة، كأن تحذير أمي نزع عنهما الخوف. وأنا في نظرهما جبان، «ننوس عين ماما». في المرة التي حاولا فيها الدخول من المطبخ وقفت أنا بعيدًا عنهما بجانب البوتاجاز. بعيد تمامًا عن كوني الرجل الوحيد بينهما. خرجتا بعدها بساعتين قبل أن تستيقظ أمي وتحضّر العشاء. ولم يحدث لهما شيء. «شفت يا خواف؟ ماما كلامها مش صح. ملقيناش غير غراب كبير واقف هناك».
بافتراض أن شرارة الحكاية تبدأ -عادة- من عند شخص واحد فيها، ولا تنطلق أبدًا من عدة أشخاص في نفس الوقت، فتلك الشرارة بالذات بدأت من عند مرام، عندما اقترحت تقديم طعام للغراب حتى يصبح صديقهما. مرام أكثرنا جرأة وقسوة في نفس الوقت. لأسابيع أخرى ظلت مرام تتردد على حدائق البيوت المجاورة وتجمع منها الحشرات والفواكه الناضجة لتضعها للغراب في طبق بلاستيكي لا تستعمله أمي. كل ذلك كان عاديًا وغير مبرر لي في نفس الوقت، لم أشعر بالخطر عليهما، وخصوصًا مرام، حتى أتت في يوم ومعها ثعبان صغير، ميت ومدهوك.
هناك شيء شجعني أن أدخل معهما منذ تلك اللحظة، ليس كلام مرام القاسي، ولكن لشعوري أن هناك حالة غريبة تحدث بين مرام وفاتن بسبب ذلك الغراب. سأصبح مجنونًا مثلهما يا جدي.
على «ويكيبيديا» سهرت لأيام أبحث عن الغربان، على شاشة الكمبيوتر الكبيرة رأيت صورًا كثيرة لغربان متنوعة. وجميع ما قرأته وقتها يجمع أن الغراب كائن وحيد، ولو تجمعت مجموعة غربان في مكان ما، غالبًا يكون كل غراب فيها وحده تمامًا، وفي عالمه الخاص. يهاب الموت ويقدسه تمامًا كالبشر، ويدرك مثلنا أنها لحظة مفصلية تأتي وتنهي كل شيء.
كانتا تختاران وقتًا تنام فيه أمي مهدودة من مشاغل البيت، وأبي كان يرجع البيت بعد جلوسه لساعات على مقاهي وسط البلد مع أصدقائه. وقت مثالي للدخول والاختفاء لعدة ساعات قبل استيقاظ أمي. وبالطبع لن يخرج أحد الجيران في تلك الساعة، والقمامة تُجمع في آخر اليوم عادة. استيقظت على صوت أقدام مرام وفاتن وهما تنهضان من السرير، مشيتُ وراءهما حتى دخلا للسلم من الباب، وصعدت خلفهما.
السلم متهالك وقديم، وفي منتصفه فراغ كبير يشكله التفافه الحلزوني. هناك بقايا قمامة في كل درجة من السلم، غالبًا كانت تسقط من عم حسن. مع كل درجة شعرت أني ازداد شجاعة وجرأة، تبعتهما على أطراف أصابعي، سرت كأنني ملتصق بذيلهما. بعدما توقفتا فهمت أننا وصلنا، لم يتبقَ شيئًا لنصعد عليه. عندما دست بقدمي على شيء لزج صرخت، فكتمت مرام فمي بكل وقتها. كان فأرًا صغيرًا ميتًا.
ـ أنت طلعت إمتى؟ أنا اللي قتلاه، متقلقش، وطّي صوتك لحد يصحى ويزعقلنا.
الأرض كلها كانت مليئة بثعابين ميتة، وفئران مدمرة ذيولها بالكامل. وفجأة أتى غراب من الأعلى، ووقف على حافة خشبة كانت خارجة من الحائط. ظل ينظر لي باستغراب ونظر لمرام وفاتن كأنه يسألهما عني.
أخرجتْ مرام من جيبها ثعبانًا ميتًا. أمسكته بيدي ومسكت فاتن تلقائيًا جزءًا منه، وأنا أرتجف من الخوف وملمس الثعبان الناعم. «عشان يبقى مننا إحنا التلاتة». ووضعناه أمامه على الأرض. عندما نزل من الخشبة على الثعبان مباشرة، جريت بأقصى سرعة على السلم حتى وصلت إلى باب المطبخ. سلم الخدم صار له استخدام فعلي الآن، صرنا خادمين عند الغراب.
نزلت ودخلت غرفة أمي ووضعت رأسي على ذراعها، كما تعودت دومًا أن أفعل وأنا خائف. نمت تمامًا وأنا أحمل دماء ثعبان ميت، وتقريبًا، كان الغراب ينظر لي من الشباك.
خائف وجبان.
ما حدث في تلك الليلة ظل سرًا أحفظه ولا أفهمه في نفس الوقت.
***
«الغراب اللي فوق الشجرة ده بيراقبني»، قلت لميس نيرمين، فردت: «اللي فوق ده؟ ولا بيراقبك ولا حاجة ده بس واقف يتشمس زي صحابه اللي هناك دول، كتروا أوي في المدرسة».
لم أشك ولو للحظة أنه غراب غيره، كان هو بنفس وجهه الحزين، وعينيه الحادة. بعدما تركتها وابتعدت، رأيته هناك، فوق الشجرة مباشرة، يقف وينظر لي، كأني غراب مثله.
انطفأت الشرارة التي بدأتها مرام بعدما أخبرتها، «لم تهوب» بعدها ناحية السلم هي وفاتن، عندما شعرت أن اللعبة المسلية التي كانت تلعبها جعلت أخيها مجنونًا. ستحكي أمي لنا بعدها أن عم حسن صعد للدور الأخير وفوجئ بثعابين وفئران ماتت وتعفنت منذ فترة، تقريبًا كانت تصطادها القطط بالأعلى. لم نعرف هل اختفى الغراب أم ظل واقفًا مكانه، لكن يومها تملكني شعور مخيف أنه يقف خلفي بكل مكان وليس بالسلم فقط، الغربان تملك ذاكرة قوية تجاه مَن يضع لها طعامًا أو يؤذيها، هناك مساحة وقفت فيها عند ذلك الغراب، كأني قلت له شيئًا يومها لم أتفوه به أصلًا، وظل هو يسمعه طوال سنين طويلة.
***
بعدها بسنوات، سنترك بيت جاردن سيتي، سيستأجر أبي بيتًا أصغر نستطيع تحمل مصاريفه. وعندما رحلنا خمنت أن الغراب أيضًا سيذهب مع البيت، يصير بعيدًا جدًا عن رؤيتي. أدركت بعدها، أنه أصبح جزءًا من مشاهد حياتي لا أستطيع فصله عنها. في البيت وفي الشارع، وحتى في أول قُبلة لي بحديقة عامة، توقفتُ فجأةً، عندما لمحتهم بعيني. قلتُ لها أننا مُراقبان، وأشرت ناحية مجموعة الغربان التي تقف عند الشجر. وتخيلت شعرها الذي يلامسني أنه ريش غراب منهم.
ـ يمكن أنت اللي بتراقبهم.
وسحبت رأسي بيدها لناحية لا ترى الغربان. كنا في أبعد مكان بالحديقة، نستند إلى السور الحديدي، بعيدًا عن الناس. ولا نرى شيئًا آخر غير عيوننا.
ـ مش يمكن الغربان دي شايفاك جميل؟
بعدها بأيام وأنا في عملي، قلت لها أني لم أمزح عندما قلت لها أننا مراقبون. لنهاية اليوم اعترفت لها بذلك، أن هناك غرابًا يلازمني في كل مكان، يراني ولا أراه، ولو رأيته ننظر لبعضنا في صمت لا نهائي. يوم أن وبخني مديري، قلت لها أني سأترك العمل ليس لأنه وبخني بتلك الطريقة المهينة على خطأ تافه، ولكن لأنه فعل ذلك أمام الغراب الذي رآني من شباك المكتب. لم تقتنع بما أقوله وظلت تقنعني أنها حالة نفسية ستذهب لحالها فيما بعد. وأرسلت لي صورة لها بفلتر غراب يضحك.
ـ على فكرة أنا اللي براقبك أصلًا مش حد غريب.
لم أعرف أبدًا سبب وجوده كل تلك السنوات، ولم أفتح الموضوع ثانية مع مرام وفاتن، كبرنا أكثر من اللازم حتى تستمعا إلى مخاوفي القديمة. تعاملت معه كصديق عُمر، شهد على لحظة شجاعة واحدة خرجت من دون قصد. وتقريبًا لن أرى في حياتي صديقًا مخلصًا لهذا الحد، يكون موجودًا بنفسه، ولو اختفى يظل موجودًا في كل شيء.
أتوقع تواريه في كل شيء.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن