عن محاولة سلمى الطرزي تذكر وجهها
لا نعرف على وجه الدقّة متى بدأت سلمى الطرزي محاولة تذكر وجهها، لكننا نعرف أنها اختارت أن تبدأ سرديتها بتلك اللحظة التي عثرت فيها مُصادفة على مجموعة صور لوالدتها في رحلة صيد ذهبت إليها وحدها. كانت والدة سلمى في الخامسة والثلاثين وقت التقاط الصور، بينما كان عمر سلمى عشر سنوات. يفصل سلمى عن تلك اللحظة 31 عامًا، وهي الآن أقرب لسن والدتها في لحظة التقاط إحدى الصور التي توقفت أمامها كثيرًا: تجلس الأم على يخت صيد وتضع ساقًا فوق الأخرى، وعلى وجهها شبح ابتسامة تحتار سلمى في تأويلها، هل تحمل تهكم أم «فليرتنج - ملاطفة»؟
تفكر سلمى أن من في الصورة شخص مختلف عن أمها التي عرفتها: «فجأة حسيت بالخيانة [..] يمكن تكون دي الصورة الوحيدة ليكي من يوم ما عرفتك اللي أنا مش موجودة في مكان ما منها [..] اللي في الصورة سِت غريبة عني، ست وجودها مش مرتبط بيا، ست أنا غيرانة منها أكتر ما أنا غيرانة عليها.. كأنك اتنين جوه بعض، وفي الرحلة دي قلعتي نفسك اللي بره وظهرتي إنتي التانية اللي جوه. قلعتي نفسك اللي برة وقلعتيني».

في الفقرة السابقة من كتاب «محاولة لتذكر وجهي»، شعرت أنني أقرأ الزاوية المقابلة لما كتبته إيمان مرسال عن الأمومة وأشباحها، كيف أن الأمومة علاقة صراع بين ذاتين تحاول إحداهما نفي الأخرى؟ علاقة تهديد. كتبت إيمان مرسال من زاوية الأم، فيما تكتب سلمى من زاوية الابنة. لكن كتاب «محاولة لتذكر وجهي» ليس عن الأمومة، أو البنوة في تلك الحالة، وليس فقط عن علاقة سلمى بوالدتها. في النهاية هو محاولة الكاتبة لتذكر وجهها وليس وجه والدتها.
لكن أي وجه الذي تحاول سلمى تَذكّره، وجهها الحالي أم وجهها في اللحظات التي اختارت إعادة سردها؟ ربما لا يوجد تعارض هنا. لم أدرس الجيولوجيا، لكني على الأقل أعرف أنها علم طبقات الأرض، حيث يراكم الزمن طبقة فوق أخرى. تضغط الطبقات بعضها بعنف حتى تندمج. ربما هذا هو الوجه الذي تحاول سلمى تذكره، محصلة كل تلك الطبقات مضغوطة في بعضها، كل الوجوه، مثلما ترى سلمى الآن في تكشيرتها نفس تكشيرة والدتها، فلا أحد يملك وجهه منفردًا.
تُنتِج سلمى عمومًا باستخدام أدوات مختلفة تتضمن الكتابة والرسم والسينما. عرفها الكثيرون من الفيلم التسجيلي الذي أخرجته «اللي يحب ربنا يرفع إيده لفوق» عن أوكّا وأورتيجا، كما نشرت عدة مقالات، ولها دراسة بعنوان «يتمنعن وهن الراغبات» عن ثقافة العنف الجنسي في موجة «السينما النظيفة». وفي كتابها الأخير، تمزج بين الكتابة والرسم، أو كما وصفته في دردشة سابقة أجريناها معها بأنه «حاجة ممكن تتشاف أو تتقري، وممكن تتلمس».
يمكن وضع الكتاب ضمن قائمة أعمال إبداعية حديثة تتناول علاقات مبدعيها مع أبائهم: كتاب عمرو عزت «غرفة 304.. كيف اختبأت عن أبى العزيز 35 عامًا»، وفيلم «النسور الصغيرة» للمخرج محمد رشاد، ورواية «المولودة» لنادية كامل. غير أن سردية سلمى تتجاوز علاقتها بوالدتها، لتشمل مراجعات عن الموت وجرعات الحياة المُكثّفة، والوحدة، وأشخاص آخرين عابرين أو راسخين في حياتها.

قراءة محاولة سلمى لتذكر وجهها لا تحدث دون أن تفكر أنت أيضًا فيما يمكن أن تتذكره. فكرت: يمكن البدء من نقطة مماثلة، عائلية وقديمة، محاولًا تتبع تلك الوجوه العديدة في الوجه الذي أعرفه. أذكر ما قالته المُعالِجة النفسية عن استبطان أصوات عديدة داخلنا، متنافرة ومزعجة في معظم الأحيان، ليصبح الحل الوحيد هو القبول بكل تلك الأصوات ومحاولة فهمها والتفاوض معها على مساحات الوجود. شيء ما في اقترابنا من نفس سن والدينا، كما نتذكرهما من سنوات صبانا، يجعل الرحلة تبدأ دائمًا بمحاولات القبول والتفاوض، ربما لاختفاء الحاجة للصراع هذه المرة، أو كما كتبت سلمى لوالدتها «إنتي عارفة إني بأحبك، صح؟ بس موتك بشكل ما حررني».. لم نعد أسرى، أو على الأقل لم نعد أسرى تصوراتهم.
تبدأ سلمى رحلتها من هنا، من الأسرة ذات الأربعة أفراد، التي لن تصبح أربعة مرة أخرى بعد وفاة الأم واختفائها. يظل الموت خيطًا مشدودًا بطول الكتاب، نتعرف عليه مرة أخرى عندما تحكي سلمى عن يولي، جدتها التسعينية الوحيدة جدًا إلا من صحبة سلمى الوحيدة أيضًا في وجودها مع يولي، التي ترفض الموت في الوقت الذي يبدو فيه أنه الشيء الوحيد المنطقي بالنسبة لسلمى. وبينما تجلس كل منهما تُحدّق في وحدة الأخرى، تقرر سلمى الرحيل، وتترك يولي بجوار جدار ضخم مُغطى بمئات الفراشات المقتولة بـ«رفق» والمُحنّطة بعناية داخل أحد الأديرة.
ربما لو لم تتحرر سلمى من نزوع والدتها للمثالية لما تمكنت من الحديث عن يولي وورطة تركها بجوار جدار الفراشات المُحنّطة. وربما، لو لم تتصالح سلمى مع نزوع والدتها للمثالية لما تمكنت من التحرر من ذات النزعة: «كنت شايفة تناقضات بين تعاملها مع الناس وتسامحها مع أسوأ أخطاءهم في مقابل عدم تسامحها مع أبسط أخطاءنا. كانت عايزانا مثاليين ومش هتقبل بأقل من ده وبتعبر عنه بكل لا مثالية. دلوقتي وأنا بأقرب من عمرها لما ماتت، وأنا بأشوفها في تكشيرتي، وأنا فاهمة التكشيرة دي وراها إيه، بدأت أشوف إني كنت قاسية في تحليلي. أمي كانت وحيدة، والوحدة زي ثقب أسود بيبلعها، لازم تملاه. أمي مكانتش بتصطنع القداسة. أمي كانت بتقدم قرابين».

لا يختفي الموت في رحلة سلمى لتذكر وجهها، يعود مع وفاة صديقها «بودا» الذي أنهى حياته. تفكر سلمى في الخط الفاصل بين الحياة والموت، خط التماس بينهما. تفكر في من كانوا يقتربون من الخط الأمامي للاشتباكات في شارع محمد محمود، مقتربين من خط التماس بين الحياة والموت، ولكن دون فقدان القدرة على الانسحاب في اللحظة الحاسمة، في لعبة تتكرر مرات ومرات.
«ماكنتش متخيلة إن الموت هيكون جزء أساسي من حياتي بالشكل ده. كلنا بنفتكر الموت بعيد لحد ما يموتلنا أول حد وبعد كده بنفضل مندهشين من كم الموت اللي في الحياة لحد ما نموت إحنا شخصيًا». لكن الموت في سردية سلمى عن وجهها ليس ذلك الزائر الغامض الذي يظهر فجأة ثم يختفي تاركًا ورائه الذعر والفقد. في قصتها مع يولي، الموت هو أكثر الحلول منطقية، وغيابه يخلق ورطة غير منطقية. أما في حالة والدتها المريضة بأزمات الربو الحادة، فقد كانت هناك الكثير من البروفات قبل الموت الفعلي، مما جعل هناك مساحة كافية للتأمل في تفاصيل «الموت الوشيك» أو «الموت الدائم»، الموت كحدث متوقع.
ربما لأن الموت لم يكن الزائر المباغت، تحاول سلمى تخيل أكثر تفاصيله حِسّية، ليس لرغبة فعلية في إنهاء الحياة، وإنما في محاولة للوصول إلى ما تصفه بـ«كلايماكس» في حياة تسير بشكل أفقي إلى ما لانهاية.
عندما كتب صلاح جاهين «أول ما ضغط الموت/ بخفة وبجبروت في يوم أغبر/ علي زر في الملكوت/
وقف الشريط في وضع ثابت» لم يخبرنا تمامًا عما يحدث بعد وقوف الشريط في وضع ثابت. هل هذا ما تحكي عنه سلمى؟
لدى سلمى لحظة تشبه تلك التي تناولها جاهين، تقول عن موت والدتها: «بشكل ما الزمن وقف عند لحظة موتك. يمكن يكون ده بفعل الصدمة، أو يمكن عشان عمرك وقف عند اللحظة دي. وقف مش انتهى. اتجمد إلى الأبد، ومعاه اتجمد جزء من عمري. جزء مني عمره ما تخطى اللحظة، ورغم مرور السنين وعمري اللي بيكبر الجزء ده ما بيكبرش. الحقيقة الجزء ده ما بطلش يكبر بس عند لحظة موتك، هو كان بطل يكبر من قبل كده بكتير جدًا، من أول مرة أدركت فيها وشوك موتك الدائم».
كأن للموت طبيعتين: إحداهما الموت الأسطوري الذي يضع الشريط في وضع ثابت، والأخرى الموت ما بعد الموت الأسطوري، الموت في وضعه الاعتيادي الذي قد يأخذ صورة الحل الوحيد المنطقي ليولي، أو أداة الوصول للذروة في حياة تسير بشكل أفقي. الموت الأسطوري لدى سلمى لم يكن لحظة وفاة والدتها، بل كان إدراك أن موتها وشيك، كما تقول، وكل ما تلى ذلك هو موت اعتيادي، بما فيه وفاة الأم نفسه. ربما يكون هذا ما يحدث بعدما يقف الشريط في وضع ثابت، كما قال جاهين.

هل يمكن أن يجد كل منا في حياته موتًا أسطوريًا؟ ربما. أعرف بالتأكيد الموت الاعتيادي عندما أجد نفسي وسط جنازة أفكر في المواعيد التي اضطررت لإلغائها. في البداية أشعر بالخجل، ثم أفكر أنه لا يجب اختراع جلال للموقف بالعافية. أنا هنا مجرد شاهد على موت أسطوري لدى شخص آخر، موجود فقط للمشاركة والمواساة. الموت الأسطوري هو عبء شخص واحد وحيد تمامًا، ولا يوجد مُنقذ من تلك الوحدة. أما الآخرون فهم شهود على موت اعتيادي بالنسبة لهم.
للوحدة، في محاولة سلمى تذكر وجهها، ثلاثة وجوه: فاتن ملكة الوحدة، وصباح الشتّامة، وإحسان «اللي بتستخبى ورا الحلل». بينما تسكن فاتن رصيف شارع محمد محمود، في تقاطعه مع يوسف الجندي، ناظرة إلى العالم في اشمئزاز من اختارت الانسحاب من كل شيء، تظهر صباح في آخر الليل، وتقف على مسافة ليست بعيدة من فاتن، لتبدأ وصلة من الشتيمة المتكررة الموجهة إلى لا أحد، دون أي تغير في الصوت أو الأداء، كأنها تمارس طقسًا دينيًا أو تحاول بعناد التمسك بحقها في سب العالم ومن فيه. أما إحسان فلا نعرف الكثير عنها سوى أنها كانت تختبئ وراء الحلل وتخيط بيجامات كاستور سنوية لأسرة سلمى، وأنها دُفنت بجوار والدة الأخيرة.
تقول سلمى إنها تتأرجح بين الرغبة في الانسحاب مثل فاتن أو سبّ العالم مثل صباح. كلاهما موقف احتجاجي، ربما على الموت الأسطوري، أو على الحياة المؤقتة التي كتبت سلمى أنها تعيشها منذ وفاة والدتها، في انتظار شيء ما يحدث لتبدأ بعدها حياتها الحقيقية، دون يقين تجاه ما ستكون عليه تلك «الحياة الحقيقية» أو موعد بدايتها، أو حتى إن كانت بدأت دون أن تنتبه.
قرب نهاية الكتاب، ترسم سلمى نفسها، صغيرة ووحيدة، في صفحتين متقابلتين يحتلهما فراغ أسود اللون، وتنهي الكتاب بنقطتين رأسيتين كمن ينتظر شرحًا لكل ما سبق.. شرحًا لا تتضمنه صفحات الكتاب.
تقارير ذات صلة
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
سابع مدى| يخرج مرتجفًا من أعماقه
قصائد من ديوان بالعنوان نفسه، صادر حديثًا عن «وزيز»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن