عن كاتب لمّاح كصقر.. صُدف مع صنع الله
هذا النص ضمن تقليب 15# «مُنتهى الأدب»
قادتني أحداث متتالية غير مُرتبة، صبيحة الثالث عشر من أغسطس الماضي، من القَطرة إلى المدفن، استيقظتُ في العاشرة ونصف صباحًا بعد أرق صيفي لم أنم معه سوى سويعات، مددتُ يدي، قبل لبس نظارتي الطبية، ﻷضع في عيني قَطرة اﻷذن، فور ذلك الخطأ غير المقصود وبرد فعل تلقائي وضعتُ في نفس العين القطرة المرطبة، أدّى الخطأ الذي كاد أن يسبب التهابًا في القرنية، إلى ضرورة غسل العين بالقطرة المرطبة والماء بكثافة طوال الساعة التالية، بعد هدوء عيني النسبي وقهوة الصباح، قرأتُ خبر وفاة صنع الله إبراهيم وتفاصيل الجنازة، لخبرتي المُسبقة مع ميتات أسرتي الصغيرة عزمت على المشاركة في الصلاة عليه وتشييعه وحمل النعش، ذلك اﻷجر المنسي في المدينة، بينما يتلاحق المشيعون في الريف المصري على حمل النعش قائلين لمن سبقهم في الحمل «أَجرني».
بعد الصلاة وحمل النعش لسيارة نقل الموتى عرض عليّ صديق قديم الذهاب للمدافن، وكان بصحبتي صديق آخر من جيل أصغر تعرف حديثًا على عالم صنع الله إبراهيم، وجدتني أمام قبره في صحراء القاهرة الجديدة، مع آخرين لا يتجاوزون عدد اﻷصابع، أحمل كفنه، وكان والدي المولود بعده بشهرين آخر من حملت كفنه قبل خمس سنوات.
لم يبق لي من إيمان بعد خروجي من سلطة النصوص الدينية؛ سوى جلال الموت والتعلق بعالم الروح والانتباه للصدف، أحسست أنها صدفة لقاء أخير لن يقابل بعده أحدًا، عُدت لبكارة شبابي اﻷول واكتشافي العالم، وقتما كان هناك جيل يرفض وأحلام تولد، رفض صنع الله إبراهيم جائزة الرواية العربية عام 2003 وقدرها مئة ألف جنيه وقتما كانت للألف قرش قدرة شرائية معقولة لشراء كتاب، كان متوسط مرتبات جيلي عند التخرج لا يتعدى اﻷربعمائة جنيه، رفض صنع الله إبراهيم ثروة كانت تمكنه من شراء ڤيلا في صحراء القاهرة الجديدة التي دُفن بها، أعادني كفن صنع الله إبراهيم إلى رائحة كفن أبي، الذي تمردت عليه وعلى جيله وأحببتهم، وغفرت لهم الكثير، حين بتنا نعيش نفس النكبات والنكسات.
كيف التقيت بشرف؟
ما كان يمكنني لقاء شرف، الذي قادته أحداث متتالية غير مُرتبة من وسط البلد إلى السجن، بيُسرٍ عبر طرائق قراءتي المعتادة في مطلع القرن الحالي، التي حكمتها دروب سكك خطوط مترو مصر الجديدة الثلاثة، وسيلة مواصلاتي إلى وسط البلد والعودة للبيت، كانت مكتبة مصر في الفجالة مصدري الأول، لروايات الكبار بمعايير السينما والإذاعة والتلفزيون، نجيب محفوظ ويوسف إدريس ومن في شهرتهما أو دونهما شهرة، ومكتبات الهيئة المصرية العامة للكتاب وباعة محطات المترو القديم واﻷتوبيس مصدري الثاني لروايات الأقل شهرة، المنشورة في مشروع مكتبة اﻷسرة أو روايات الهلال.
حكمت قروشي القليلة طرق التمشية وركوبي المواصلات العامة كما حكمت طرائق قراءتي، كانت تلك المكتبات لم تزل محافظة على عادة كتابة السعر بالقروش، وكنت أعرف قيمة القرش، أركب المترو بخمسة وعشرين قرشًًا وأحوّل المائة قرش إلى جنيه واحد سريعًا والألف قرش إلى عشرة كاملة، تلك كانت حدود قدراتي الشرائية للكتب والروايات طول العام، باستنثاء موسم معرض الكتاب.
في حدود قدراتي الشرائية نُشرت رواية شرف في طبعتها الثانية عن روايات الهلال، وكانت قد نُشرت ﻷول مرة عام 1997 في نفس السلسلة برئاسة تحرير مصطفى نبيل وسكرتيره محمود قاسم، ربما اشتريتها في صيف العام 2003 قبل رفضه جائزة الرواية العربية في خريف العام ﻷني قرأتُها عشية رفضه أو بسببه، لكني على الأرجح رأيتها أثناء تمشياتي بجوار سكك خطوط مترو مصر الجديدة للمرور بأكشاك باعة الجرائد والكتب بجوار محطاته، كان صنع الله إبراهيم اسمًا غريب الوقع تحسبه للوهلة اﻷولى لكاتب من بلاد الشام، ولو كان اتخذ لقب العائلة اسمًا أدبيًا، الأورفَلي نسبة لأورفة شمالي ولاية حلب زمن الدولة العثمانية، لتعزز ذلك الظن.
تراكب ذاكرتي الخوّانة بين قراءتي اﻷولى لـ«شرف» صنع الله ورفضه جائزة الرواية العربية، لكنها تحفظ جيدًا كيف هزني رفضه، كان من الرافضين بالفعل المضارع المستمر: يرفض، وقد ندروا، لا من الرافضين بالفعل الماضي البعيد: رفض، وهم كُثر، عرفت أسماءهم في المطبوعات الحكومية لتلك السنوات، من جيله وبعضهم كانوا من تياره اﻻشتراكي، رفضوا وانتهى رفضهم في الماضي وأماتوا ذواتهم اﻷولى واكتفوا بالحديث عن تخلفـ(نا) دون تعيين من نحن ومن هم، كانت ذكرى سقوط بغداد في أبريل من نفس العام، ونحن ننظر إلى الدبابات الغازية على شاشات القنوات الفضائية، لم تزل مرة في الحلقوم كأنها خروج الروح حين تبلغه.
كان بيان الرفض الذي لم تنقله الشاشات مختلفًا عن بيانات رفض أخرى تشيع الذنب فتسقط الجريمة عن المذنبين على طريقة عاطف الطيب وصيحة «كلنا فاسدون» في فيلم ضد الحكومة أو بيان حمدي قنديل، الذي اشتهر وقتها، الذي يشتم اﻷمة كلها دون تمييز بين حكام ومحكومين، أما بيان صنع الله فكان موجهًا ضد النظام والمؤسسة ينقر الضباع بمنقار الصقر في عيونها على طريقة كوستا جافراس في فيلم Z، أو صيحة إميل زولا J’accuse، لم أر مشهد الرفض، إن كان قد بُث أصلًا، لكن انطبع في ذهني بورتريه لم أره أبدًا، تخيله وحدثني عنه في جلسة من جلساتنا في مقر حزب التجمع بالزيتون، الرفيق شمس السلاب، الفنان التشكيلي وأحد أساتذتي في الحياة، ومن رفاق معتقل الواحات، صورة زيتية بالحجم الطبيعي لصنع الله إبراهيم يرفع فيه إصبعه للأعلى رافضًا، وحين رأيته للمرة الأولى في ندوة رمضانية من ندوات مركز الدراسات الاشتراكية، جمعته مع المفكر الإسلامي طارق البشري، عقب رفضه الجائزة، ركّبت الوجه النحيل ذو اﻷنف الصقري على الجسد المتخيل وصار البورتريه الذي لم أره مكتملًا هو صورة رفضه للجائزة في ذهني.
لم يسعفني خجلي الشديد وحياء بكارتي الأولى، وكنت قد أتممت عامي الواحد والعشرين للتو، على اقتحامه بعد الندوة. تأجل لقاؤنا اﻷول العابر إلى صدفة غير مُرتبة في ديسمبر من نفس العام، على هامش مؤتمر عُقد في نقابة الصحفيين، لم يستطع أحدٌ منا تذكر اسمه بالترتيب الصحيح، مؤتمر مناهضة الإمبريالية والعولمة والمشروع اﻷمريكي والصهيوني، وكان يضم متضامنين من دول كثيرة، وفرصة ذهبية للتعرف على حركات مختلفة، في يومه الثاني قُُبض على صدام حسين وجلست مع صنع الله، وبصحبتنا صحفي شاب، شيوعي بريطاني، أجرى معه حوارًا، وكنت قد تعرفت على الشاب في أول أيام المؤتمر، أنهى صنع الله الحوار الصحفي سريعًا منتقلًا إلى أسئلة شخصية بخفة الصقر وفضول الكاتب ولفت انتباهي قوله العابر للشاب البريطاني حين أخبره أنه يعيش مع صديقته وتعاونه ماديًا، إن زوجته أيضًا قد ساعدته كثيرًا، وهو أمر غير معتاد أن يعترف به رجلٌ مصري بتلك السهولة، ثم التفت صنع الله إليّ سائلًا عن علاقتي بالشاب وكيف بدأت، وأجبت بعفوية بكارتي اﻷولى التي كلفتني كثيرًا مع غيره، إن الصحفي البريطاني كان يسأل عن الحركة الشيوعية في مصر وأجبته، فسألني صنع الله عن علاقتي بالشيوعية، بفضول الكاتب ﻻ باستجواب المُحقق، وأجبته عن اعتيادي الذهاب لمقر حزب التجمع بالزيتون ومَن أعرفهم من جيله، وعلى رأسهم فخري لبيب، رمانة ميزان المقر وحاميه من تدخلات حزب التجمع المركزي، كانت عفويتي تثير شكوك غيره وذواتهم المتماهية مع مُحققين جلسوا معهم سابقًا بصفتهم متهمين، وأصبحوا مع جيلي محققين ﻻ مُرشدين، لكن ذاته الروائية وفضولها خلت تمامًا من ذلك التشكك الجنائي الطابع، كنا ندخنً سيجارتين من سجائري، أخرجتهما من علبتهم الزرقاء وعليها اسم مونديال الذي ما أن رآه حتى سخر قائلًا «دي بقى عملوها عشان ملف المونديال»، أعجبتني القفشة الذكية وابتسمتُ.
حمدت لصنع الله إنه لم يغتَل تصوري الذي بنيته عنه في لقائنا اﻷول، كان لماحًا ذكيًا بأنف وعيون الصقر يعرف كيف يصيد أرواح البشر ليحكي عنهم، كان ذلك ما أعجبني في طريقة سرده في «شرف»، المعنونة باسم بطل الرواية كما تناديه أمه، أو أشرف كما تناديه الحكومة، الشاب العشريني الذي قادته أحداثٌ غير مُرتبة من وسط البلد إلى السجن، وكلها تتعلق بنشاطات مراهقة وشباب التسعينيات، التي تتضمن طرائق مراقبة للنساء مارسناها في تلك الأيام، أحببت صيد التفاصيل الصغيرة في مراقبة الفرائس وطرائق التلامس ومعاكستهن في الشارع، ثم صيد التفاصيل الليلية داخل السجن، العالم الرجالي الخالص، وهاجس الخوف الدائم من الاغتصاب في عوالم الرجال، الذي يعرفه طلاب المدن الجامعية، وكنت قد سكنتُ في واحدة منها، ومجندي الجيش الذي لم أدخله، والسجناء، الذين كان صنع الله منهم في الخمسينيات والستينيات، عيون صقر تلتقط التفاصيل الضئيلة وتجمعها إلى جانب رؤية شاملة من علٍ، كان وجهه الصقري مشابه لسرده، كجارح يفرد أجنحته ليعلُ إلى المرام، يسبح بحمد الذي أحسن كل شيء صنعه، ثم ينزل ﻷرض السلام ليصيد أرواح البشر ويشيع في بني الناس المسرة.
كان الشكل المميز لبنية الرواية ما لفت انتباهي، كنت قد اعتدتُ على الحكي التقليدي في الروايات، و«شرف» أول رواية أدرك من خلالها إمكانية تضمين أشكال غير روائية في بنية الرواية مثل مسرحية العرائس التي أخرجها الصيدلي السياسي السجين، كان القسم الثاني، أوراق رمزي بطرس نصيف، هو تجلي الرؤية الشاملة لعيون الصقر، ربط الخاص المتخيل بالعام المُعاش عبر قصاصات جرائد وأرشيف وإسقاطات، وكان صنع الله أول مَن نبهني لتشابه مصائر مصر والمكسيك مع البنك الدولي والتكيف الهيكلي، قبل أن يتحول التشابه مع المكسيك إلى مجرد ميم إنترنتي بعقدين ويزيد، ولم أكن معتادًا على قراءة روائي يكتب مصادر لروايته ويشكر مَن عاونوه في الصفحات اﻷخيرة، ومن المصادر عرفت الكتاب الهام صناعة الجوع الذي أثر في وعيي كثيرًا.
ما بين خريف 2003 وشتاء 2008 جرّتني أحداث السياسة بعيدًا عن دروب اﻷدب، لم ألتق بصنع الله صدفة في أي مترو رغم أننا من سكان نفس الحي، مصر الجديدة، ويقع منزلانا بالقرب من نفس خط المترو القديم، عبد العزيز فهمي، ويفصل بيننا محطة واحدة، عثرت على رواية ثانية له مصادفة في منزل أحد معارفي في عام 2005، «اللجنة» في طبعتها الأولى المنشورة عن «مطبوعات القاهرة» 1982، استعرتُها وأنهيتُها في طريق العودة من الزقازيق إلى القاهرة، عزز بورتريه رسمه مُحيي الدين اللباد مطبوع على الغلاف الخلفي للرواية تصوري عن شخصية الصقر الكامنة داخل صنع الله، قضيتُ القراءة محاولًا حل لغز الدكتور، شخصية رسمها ببراعة لتلقي ظلالًا على مشاهير عصر الانفتاح بدءًا بعثمان أحمد عثمان ومرورًا بتوفيق عبد الحي وليس انتهاءً برشاد عثمان، ومركزية الكوكاكولا في حياتنا، التي عرفناها أطفالًا في مناسبات الاحتفال بالنجاح وأعياد الميلاد حين تراجعت ثقافة بَلّ الشربات، وعرفناها في الجامعة، كوكاكولا وبيبسي كولا، من منتجات المقاطعة التي اجتهدنا في الدعاية ضدها في الانتفاضة الفلسطينية الثانية، لتذرُ رياح الفرجة العاصفة مجهوداتنا بحملة واحدة يصبح فيها «يلا يا شباب يلا نببسي» إفيهًا سائرًا، وما بين العام والخاص، ظل الربط بين المسدس والقضيب واستدعاء الرمز الفرويدي الشهير، ومشهد التفرقة بين التحرش والملامسة بالتراضي في اﻷتوبيس عالقان بذهني لفترة طويلة بعد القراءة.
لكني رأيت صنع الله في مصادفات عابرة، أثناء تمشياتي المسائية، وتجرأت في واحدة منها على السلام عليه، تحت عمارة قديمة من عمائر شارع بيروت، خاوية اﻵن من سكانها في انتظار هدم أو ترميم، وكان خجله وارتباكه وسؤاله عن كيفية معرفتي به سببًا في أني لم أقتحمه مرة أخرى وأكتفيتُ برؤيته من بعيدٍ لبعيد، ومرت علي رواياته الجديدة في تلك السنين مرور الكرام ﻻنشغالي اﻷكبر بالسياسة، وظلت «شرف» و«اللجنة» هما روايتاه اﻷثيرتان عندي إلى حين.

بعد أحداث المحلة أبريل 2008، رأيته في تأبين محمد ربيع الذي عُقد بأتيليه القاهرة يجلس بجوار ناقد أكاديمي أجهد نفسه في الربط بين روايات ربيع المتمردة على أشكال السرد المعهود بأليجوريات نجيب محفوظ ثم منتقلًا لبراعة ربيع في السخرية ضاربًا المثال بمشهد لمحمد سعد في دور أطاطة، كان نقدًا مثيرًا للسخرية ولمحت صنع الله يراقبه بعيون صقر وأنفه، وابتعد في كلمته عن كل تلك الحفلطة المثقفة محاولًا إنصاف كاتب شاب رحل مبكرًا، استعار اسمه في رواية من روايات الساخرة هي «مؤامرة على السيدة صنع الله» ليلتئذٍ، أدركت ما يميز صنع الله عن غيره من كُتّاب اﻷجيال السابقين، فهو يعامل الكُتّاب الشباب بوصفهم زملاء وشركاء في الهم اﻷدبي لا بوصفهم قراء سابقين أو تلامذة حاليين، بينما عاملهم الكُتّاب اﻵخرون بوصفهم تلامذة ﻻ يرضون منهم بغير الاتباع وعندها يقدمونهم في المجالس اﻷدبية بوصفهم اكتشافات أدبية وخلفاء محتملين.
تزامن رحيل ربيع المفاجئ مع مولد تيار جديد في التعامل مع الكتابة اﻷدبية، وشهد آخر العقد مولد تيار الأكثر مبيعًا وروايات الجوائز، قبل ذلك كان اﻷدب في جيل صنع الله إبراهيم مُلتزمًا بقضية تخصه في عصر هيمنة أفكار التحرر الوطني وسيادة نشر المراكز الثلاثة لمشروع القومية العربية، القاهرة ودمشق وبغداد، والمرفأ الشرقي الكويت الجامع ببراعة بين أموال النفط وكتب عالم المعرفة ومجلة العربي، والمرفأ الغربي بيروت الجامع بين كل المتناقضات عرفناها أم لم نعرفها، بينما بدأ تيار اﻷدب الجديد في عصر سقوط مشروع التحرر الوطني التام، في سنوات ما بعد غزو بغداد، وكانت مصر قد تراجع دورها قبل ذلك بعقدين وأكثر، مع عصر الركود المباركي بعد اتفاقية كامب ديفيد، وانتهى حلم المرفأ البيروتي بالحرب اﻷهلية والغزو الإسرائيلي، التزم كثيرون من تيار اﻷدب الجديد بشروط الجوائز ﻻ بقضيته الخاصة، وهيمنت على الساحة ثلاثة مراكز أخرى، هي السعودية والإمارات وقطر.
عودة متأخرة
خمسة عشر عامًا تفصل بين ليلة تأبين محمد ربيع، المرة اﻷخيرة التي رأيت فيها صنع الله إبراهيم، وبين عودتي لقراءة رواياته في خريف 2023، بعد انهيار أول هدنة في حرب الإبادة على غزة، كانت الحياة قد فضت بكارتي اﻷولى منذ سنوات وكنت قد أتممت الواحدة واﻷربعين، وكانت تمرداتنا في العقد اﻷول من اﻷلفية قد تراكمت في نهايته وأدت لانتفاضة يناير 2011 التي نجحت في فرض مطلبها اﻷول والوحيد المُجمع عليه في رحيل مبارك واختلفت في كل ما عداه ففشلت في التجذر ثورة شعبية شاملة، تبدلت طرائق القراءة، وتفككت خطوط مترو مصر الجديدة، وفقدت ثلاثة من أهل بيتي كانوا ينامون تحت نفس السقف في 2003، أخي وأختي الكبرى وأبي.
كان صنع الله إبراهيم قد نجح في تحقيق الحلم الطفولي الذي قاله لأبيه وسخر أبوه منه عن مجانية الروايات، عدت في الشهور التالية لقراءة ما فاتني من صنع الله، ربما قادني الحنين لبكارتي اﻷولى أو الحنين لرمز يرفض جائزة من أجل فلسطين جرحنا الممتد، وأدركت بعد سنين المراهقة الأدبية المشروعة التي تخلصت منها في سنين الفعل الثوري أن الأسلوب وحيل السرد لعبة تصيب وتخيب، بينما يبقى الالتزام والجدية والهم العام، كانت العودة المتأخرة لرواياته أسهل بكثير من التعرف اﻷول وكانت القراءة المتأخرة بعد كل تلك السنوات أعمق وأنضج.
في قراءتي الثانية لصنع الله؛ كانت مفاتيحي: «تلك الرائحة» و«يوميات الواحات» و«التلصص»، ثلاثية نُشرت متباعدة عبر عقود لكنها كُتبت في سنوات متقاربة، أولها «تلك الرائحة»، الرواية المُصادرة التي لم أقرأها في شبابي اﻷول، وبخاصة مقدمة الطبعة الثالثة التي يحكي فيها عن إهمال فترة الستينيات العام للاعتناء باللغة وعلامات الترقيم وأزمته الخاصة مع القراء الذين يسقطون رواياته على حياته الخاصة بسبب استخدامه لضمير المتكلم، الذي كتب به كل رواياته ما عدا ذات، والمقدمة الطبعة الثانية التي يحكي فيها عن موقف يحيى حقي من الرواية، وهو موقف مُركب، برغم قسوة النقد الذي لم ينسه صنع الله بعد عقود، والذي يعبر عن تغير موقف يحيى حقي من الكاتب الذي يصف قصصه وأساليبها إلى القراء، إلى اﻷستاذ، الذي يحتضن الكُتاب الجدد ويُرحب بهم في مكتبه في مجلة المجلة، وينشر لهم دون سابق معرفة، لكنه مع ذلك يتوقع منهم أن تعبق رواياتهم برائحة الفل والياسمين، فقد كان هو النقد الوحيد المنشور في جريدة قومية بعد مُصادرة الرواية، وربما لو لم تنشر ثانية لكان هذا النقد القاسي الإشارة الوحيدة لها في أرشيف المطبوعات المُتاح.
أربعة عقود تفصل بين كتابة «يوميات الواحات» على أوراق البفرة ونشرها في كتاب، وعلى عكس المتوقع من كتاب عن معتقل الواحات ﻻ يُكثر صنع الله إبراهيم من السيرة السياسية التي ﻻ تشغل من حيز الكتاب سوى مقدمته، ويحكي فيها بالتفصيل عن ليلة اغتيال شهدي عطية الشافعي، أستاذه ومعلمه الذي ضمن قصيدته «أنا حزين يا طفلتي» في «تلك الرائحة»، ولم يخجل بعد عقود من نقد يحيى حقي لتعبيراته الفيسيولوجية وجلد عميرة الذي قام به بطل الرواية من الإشارة إلى استمنائه خفية، طلبًا للنوم في ليلة الاغتيال.
في اليوميات التي دوّنها صنع الله إبراهيم في المعتقل كل أسئلته اﻷدبية في تلك السنوات، التي لازمته طوال مسيرته، وأولها السؤال المعهود «ماذا أكتب؟ وكيف أكتب؟»، وتساؤلات كثيرة حول الشكل واللغة والالتزام وتكوين الكاتب، وتضم كذلك مشاريعه التي ظل يفكر فيها عبر عقود، وعلى رأسها رواية خليل بيه أو رواية عالم الطفولة التي يشير إليها في مقدمة الطبعة الثانية من «تلك الرائحة»، ونشر منها قصتان هما أرسين لوبين وأغاني المساء، قبل أن تكتمل وتتحول من الهاجس الدائم إلى رواية تلصص، وهي مشروع اكتمل عبر عقود، يستعيد فيها الكاتب الشيخ عين الطفل، ولغة روايات الجيب التي كان لها أثر كبير على «ميل للكتابة منذ سن الحادية عشر» (يوميات الواحات)، وإلى جانب إشارة صنع الله إلى أثر أسلوب جورج سيمنون وكامي وهمينجواي في مقدمة الطبعة الثالثة لـ«تلك الرائحة،» فهناك كذلك أثر ملموس للغة روايات الجيب وصادق راشد مترجم روايات أرسين لوبين خاصةً في تلك الرائحة والتلصص، في استخدام الجمل الفعلية القصيرة في سرد اﻷحداث وتتابعها.
عشرون عامًا يفصلان بين قراءتي اﻷولى لصنع الله إبراهيم والثانية، تغيرت طرق مواصلاتي إلى وسط البلد بعد تفكيك خطوط مترو مصر الجديدة، وتغيرت طرائق القراءة والتعليقات على الكتب، كنا نتلقى التعليقات الشفوية من باعة أو قراء نلقاهم وجهًا لوجه بالصدفة العابرة، فأصبحنا نتلقى الترشيحات من قراء مجهولين ﻻ نعرف عنهم سوى أسماء اختاروها على تطبيق قراءات رشيدة Goodreads، وواجهت روايات صنع الله إبراهيم ذلك الجيل الذي نشأ في «عصر صار غير العصر، وما كان يبدو مقبولًا منذ عقود صار اﻵن رجسًا من عمل الشيطان» (مقدمة الطبعة الثانية من تلك الرائحة)، وصار هؤلاء القراء المجهولون وأغلبهم من المحافظين، سردًا وأخلاقًا، قوة شرائية تحدد خريطة الروايات الجديدة.
لكن صنع الله ظل وفيًا لالتزامه الكتابي والسياسي، «أنا شيوعي أولًا ثم كاتب بعد ذلك» (يوميات الواحات)، وﻻ تصف تلك الجملة المكتوبة تحت وطأة المعتقل سوى نصف الحقيقة، فالشيوعي والكاتب يتراكبان ويتبادلان في مشروع صنع الله إبراهيم، فهو كاتب شيوعي ﻻ شيوعي كاتب، وفيًا للكتابة وأسئلتها وﻻ يستخدم الشكل الروائي لمجرد سرد سيرة سياسية مثل رفاقه في معتقل الواحات، «العين ذات الجفن المعدني» لشريف حتاتة مثالًا، وفيًا لمبادئه الاشتراكية الحدتوية ﻻ الستالينية، وليست حدتو ستالينية في التحليل المنصف بل حركة تحرر وطني في دولة مُستعمَرة طرفية تميل للموقف السوفيتي وتستخدم أدبياته، وهي تشابه أغلب أحزاب شيوعية العالم الثالث، وكانت، لولا ظروف التاريخ مرشحة، لتصبح الاتحاد الاشتراكي الفعلي، ظل صنع الله وفيًا لجامعة السجن ومعلمه شهدي عطية الشافعي الذي انشق عن الحركة بعد قرار التقسيم ووفيًا لفلسطين، واستطاع أن يرفض بالفعل المضارع في زمن كانت استباحة فلسطين أخف بكثير من الإبادة المستمرة منذ عامين ولم يرفض أحد من الجيل الجديد، الواقع تحت هيمنة قراء محافظين مجهولين، بالمضارع القريب جائزة من عواصم متورطة في التطبيع من شوشات الرؤوس إلى أخامص الأقدام.
في قلبي الشاب الذي حفظته داخلي، بعد جراح السنين، في قمقم مرصود، لم تزل هناك صورة زيتية بالحجم الطبيعي لم يرسمها شمس السلاب، يقف فيها صنع الله إبراهيم بجسده الخفيف خفة الطير ووجه الصقر وعيونه رافعًا إصبعه الرافض للنظام والمؤسسة.
تقارير ذات صلة
عن معاني المخيم الفلسطيني
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #21 «مُنتهى الأدب»
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن