تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عن طفولتهم في سوريا: أدب يهز الواقع بهدوء

عن طفولتهم في سوريا: أدب يهز الواقع بهدوء

هذا النص ضمن العدد 07# من «مُنتهى الأدب»

كتابة: مينا مبارك 7 دقيقة قراءة
مهرة شرارة

عندما استيقظ العالم، فجأة، من كابوسٍ أسديٍّ ظننّاه أبديًّا، على تحرير المساجين من سجن صيدنايا، تذكّر الناس سوريا المنسيّة، والشتات، والثورة المُجهَضة، والحرب، والعلويّين، والقمع، وصنوف تعذيب المُعارضين في الزنازين المُظلِمة للسجون الحمراء والدمويّة. أما المُجتمَع، القُرّاء والكُتّاب، فلم يتبادر إلى ذهنهم سوى أكثر الروايات السوريّة إفجاعًا وقسوة؛ قوقعةُ مُصطفى خليفة. أُخرِجت من زنزانتها، أُعيدَ تذكّرها والحديث عنها، واعتُبِرت شعارَ المرحلة، ودرّة أدبِ السجون السوريّة والعربيّة، أو هكذا شعرتُ أنا، من خلال المراقبة والصمت. (فالبعضُ تذكّر بيتَ خالتي، وآخرون تحدّثوا عن بالخلاص يا شباب، وغيرها، وكُلِّها أعمال تدور في فَلَكِ ذاتِ الفكرةِ)

لم أرَ أحدًا قرأ «القوقعة» وأنكرَ الغثيان الذي أصابه بسببها، أو التوقّف برهةً وإغلاق الكتاب للتفكّر، أو لمسح الدمع عن العين. وهذا ما يُمثّل، لبعضِ الناس، أدبًا جيّدًا؛ ذاك القادر على هزّ عروشنا العًليا، وزلزلة ما خِلناه خالدًا لا مساس به من أفكارنا وآرائنا عن الناس والحياة والكون. بيد أنّي أرغبُ اليوم في نفضِ التراب عن ضاحية قاصية في مملكة الأدب الجيّد؛ أدبِ السيرةِ الهاديء، مُتمثّلًا في مُختاري؛ كتابُ صفحاتٍ من دفتر قديم.

لا أعتقد أن الكتب الجيّدة مقصورة على تلك التي تغزو حيواتنا بأفكار مُرعِبة وجديدة، كما صفعةُ قلم على صدغ المرء تُسبّب له ارتجاجًا في المخ، بل تتّسع لتشمل الكتب التي تُرسّخ وجودنا وأفكارنا في العالم باعتبارِ أنّ أحدًا قال ما فكّرتُ فيه أو عشته، أو تنير مصابيحَ صغيرة في ظُلمةِ الدِماغ، بالتدريج كماء يُنقّط على صخرة فيجوّفها بعد قرون؛ تجعلك تقف، تغلق كتابك (مرّة أخرى، فلفعلِ الإغلاق مُسبّباتٌ كُثر)، تتنهّد، تنهض لإعداد مشروبك المُفضّل، تقول: والله ملعوبة، جابها ابن الإيه، ثم تُكمِل قراءتك، مدفوعًا بقوّة غير مُفسّرة وسحريّة، وغيرة، وتوحّد مكمنه التضامن، ومكانه شغافُ القلب.

قرأتُ مُؤخّرًا وصفَ الناقد الأمريكيّ هيليس ميلر، في كتابه عن الأدبِ، للأدب بكونه «ليس محاكاة لواقع قائم سلفًا، بل على العكس، الأدب هو خلق واكتشاف عالم جديد مُكمّل للعالم الموجود فعلًا، عالم فوق العالم، أو واقع يتجاوز الواقع»، وهو ما أنار في عقلي وصفًا مثاليًا لكتابِ السِير هذا، دون أن أجد مواصفاتٍ مُلائمة تُعبّر عن شعوري تجاهه. وهكذا، تمامًا، كان «هذا العالم الجديد الذي يخلقه الأدب هو إضافة للعالم الأصليّ؛ إضافة لا تحل محلّه وإنّما تُكمله»، هو ما يتملّكني عند الحديث عن هذه الـ«صفحات».

يروي سبعة كُتّاب سوريّون، من طيفِ أجيالٍ مُختلِفة، سيرَ قصصهم المدرسيّة، مُشكّلين ما يُشبه تاريخًا شعبيًّا للطفولة السوريّة مُنذ عهد الاحتلال الفرنسيّ، وحتى مملكتي بعث حافظ وبشّار، بحكيٍ حميميّ لبدايات التكوين، والتأثيرات الاجتماعيّة على ذواتهم الخاصة، مرورًا بتفاعلاتهم الطفوليّة مع عائلاتهم، والمُجتمع، وأقرانهم في المدارس، وأصدقائهم في الأزقّة، والدَرك في الشوارع، وشبّيحة الأسد في الميادين. وهم، كما كلّ الأدب في الدولِ السياديّة، لا يتحدّثون عن الفيل الذي في الغرفة بشكلٍ مُباشِر، بل يصفون القليل منه عبر حيواتهم نفسها، مُظهرين تأثيرَ الكلّ على الجزء، دون تعريةٍ علنيّة أو ردح. يتكلّمون بخفّة، ويكتبون كقطرات ماء تُنقِّط على صخر، يؤرّخون، من أسفل، لتاريخهم وتاريخ البلد بأكملها، لا كما اعتدنا تقرير الحقائق من الأطراف العالية المُنتصِرة، ويتحدّثون عن المعارك وعن الملوك وعن الفيلة، بغير أن يتحدّثوا عن أيهم. يُؤنسنون بتأريخهم الشعبيّ وقائع التاريخ الصلدة، ويعيشون حيواتٍ تشبه حيواتنا الآن، كجزءٍ حيّ من، وفاعل في، واقع هذا التاريخ، لا كمُسيّرين محكومٌ عليهم بأن يظلّوا أبدَ الدهرِ كومبارسات.

يكتب فاروق مردم بك عن أبيه، وعن بُطلان «رسالة فرنسا الحضاريّة»، «أي القيم الإنسانيّة العليا التي يفخر الفرنسيّون بأنّهم جمعوها في شعارٍ واحد؛ الحريّة والمُساواة والإخاء، وكان يُكذّبها واقع الانتداب الفرنسيّ»، وعن تقلُّب الإنسان في إيماناته وأفكاره، من اليمين لليسار، دون أن يكون أسودَ في أيّهما، في «سيرة ولد تحمّس للقوميّة العربيّة، ثم للشيوعيّة، وأحب عبدالناصر ثم كرهه، وفرح يوم إعلان الوحدة السورية المصرية، بقدر ما سعد يوم الانقلاب عليها».

يحكي ممدوح عزّام عن أمّه، وعن تنقلات عائلته في الداخل السوري إبان ذبذبة الانقلابات الكبرى، «حيث كانت العسكرة هي المعبود الجديد الذي بدأ يتغلغل في طيات المدرسة، وفي المجتمع كله. وعندها قد يشخ على الطلاب، أو يدوسه بأقدامه، كي يثبت قوة النظام الجديد، وقدرته على تطويع وهزيمة الاحتجاج أو المخالفات»، ويعترف بخطايا طفولته «ذلك العار الذي شعرت به حين اكتشفت أمي سرقاتي. لم تقم بأي فعل عنيف، ولم توبخني، ولا أعرف إن كانت قد أخبرت أبي أم لم تخبره. ولكن، يكفيني طوال عمري أنها قالت لي: هيك، يا ممدوح؟. هذا سؤال يتضمن شعورًا بالخيبة، والخواء، والحزن من الولد الذي تحبه، جعلني أغرق في عرق مريع خرج من مسام جسدي كله. خرستُ، لم أقل كلمة واحدة، ولم أكرر ذلك فيما بعد أبدًا. فيما حلت أمي المشكلة بزيادة مصروفي اليومي».

يسترجعُ صالح الحاج صالح مواقفَ عن أخوته، وعن القرارات المُختارة سلفًا، بدءًا بالهويّة وانتهاءً باللغة الثانية في المدرسة، فـ«اختياري للغّة الفرنسيّة لم يكن اختياري أنا، ولا رغبتي أنا، أخواي اللذان يكبراني كان خيارهما اللغة الفرنسيّة، لسببٍ أجهله! وأنا، وإخوتي وأولاد عمومتي اللاحقون انحزنا لخيارهما -يعني انحياز عائليّ!- ورغم ذلك، وخلال السنوات الستّ القادمة لم اتعلّم من الفرنسيّة شيئًا يُذكر، والدرجات الخمس من أربعين درجة التي حصلتُ عليها في نهاية المرحلة الثانوية لمادة اللغة الفرنسيّة، كانت بـ«التحزير». ويحكي عن نزوحه من قريته التي وصمته للأبد، عبر لقب «شاوي»، أي مُربّي الشاة، الذي التصق به في المدرسة؛ كنايةً عن أصوله القرويّة، غير الحضريّة.

تدوّن  كوليت بهنا نصّها عن حزم مدرسة الراهبات الكاثوليكيّة، وعن تبدّل الأحوال والانتقال لمدرسة حكوميّة اكتشفت فيها خطورة تباين الهويّات؛ سواء اجتماعيًّا أو دينيًّا، وتقلّبات هويّة الأقليّة الخارجة من الفصل في حصّة دين الأغلبيّة، وعن انفتاحها على عالمِ المُجتمع الأكبر من شقّين؛ إذ استكشفت، في المدينة، بعيدًا عن المدرسة، الحزبَ الحاكم ومذهبه، والسعي الحثيث للتأجيج الخِلاف المبني على التفرقة عبر التكفير، والشيطنة من خلال وصم التنوّع.

تتحدّث سلام كواكبي عن كُتبها، وأصياف عائلتها في بيروت قبل الحرب اللبنانيّة، وعن هيمنة التغيّرات البعثيّة الأولى لنُظم الإدارة والتعليم، حيث «كبرنا، فخرجنا من كابوس طلائع البعث الذي حرم مَنْ لم يكن لديه مساحات أخرى من الطفولة الحقيقيّة، لندخل في منظومة تأطيريّة أشد صرامة، تمثّلت باتحاد شبيبة الثورة الذي يرافق المرحلة الإعداديّة والثانويّة. انتسبنا، أو تمّ تنسيبنا جميعًا إلى هذا الإطار شبه العسكريّ. وابتعدنا جُلّنا مع دخول سنّ المُراهقة عن السياسة التي كانت صنوًا للخوف وللمحرومية».

تكتبُ روزا ياسين حسن نصًّا بديعًا يُمثّلُ جزءًا من سيرة روائيّة لا أعرفُ إن اكتملتُ ونُشِرت بشكلٍ مُستقلٍّ بعد، عن المدينة، وعن فقدانها، وعن شبيحة الأسد الذين مارسوا، مُحتمين بالانتماء للحكومة، مآسٍ نعلم القليل عنها من خلال التوثيقات المكتوبة روائيًّا أو تاريخيًا، أو المرئيّة على يوتيوب وأرشيف الثورة السوريّة على إكس، وكيف أنّ «العنف في طفولتنا المبكرة كان أداة معدة ومفكرا بها، لفرض السيطرة في بلاد، لا شيء فيها أكثر ثباتًا ورسوخًا من إيدولوجيا السيطرة!». 

يُدافع رستم محمود عن كرديّته، وعن اتّصالها وانفصالها، وعن وعيه بالتركيبة الديموغرافيّة السوريّة وقضايا التنمية والحقوق المهدورة التي كانت لتجعل حياته، وحياة ملايين من أطفال سوريا، أسهل وأسعد. يقول: «بقيت لسنوات كثيرة كلما أصعد سطح منزلنا في أثناء السهرات الصيفية أتطلع بحي الهلالية البعيد والترابي، وأتخيل طفلًا أسمرَ، كان معي في الصف الأول يسمى محمد علي وكنا نكنيه بمحمد علي كلاي، وكيف أنه كان يقطع هذه المسافة الطويلة كلها من هناك وحتى مدرستنا الابتدائية، وكم كانت تبرد قدماه الصغيرتان، وتتعبان، في أثناء رحلة المجيء والعودة، وأية طاقة كانت تبقى معه، ليعود لمراجعة دروسه المدرسية اليومية، وكيف أن ذلك الوهن اليومي كان سببًا جوهريًّا في تراجع مستواه الدراسي وتركه للمدرسة قبل إتمامه المرحلة الإبتدائيّة، وبات مُجرّد 'عامل بيطون' عاديّ، وهو الذي لم تكُن تنقصه علامات الذكاء والنباهة وخفّة الدمّ كلّها. أقول ذلك وأنا كامل الإدراك بأن شارعًا معبدًا كبيرا واحدا من وسط الهلالية الذي كان يسكنه قرابة خمسين ألف مواطن، وإلى وسط المدينة، مرورا بكل المرافق العامة الطبيعية، لم تكن تكلفته تزيد عن مهرجان خطابي واحد كان يُعقد كل شهر تقريبًا، تخليدًا وتذكّرًا للقائد المُفدّى»

يعدنا الأدبُ الجيّد بهذه المُزلزِلات الصغيرات، بتلك القصص الكثيرة التي تُشبهنا وتُعبّر عنّا بشكلٍ شخصيّ، حميميّ وقاسٍ، وتُحذّرُنا من تكرار دائرة التاريخ الجوفاء، أو الوقوع في قنوط الخوف من التغيير عبر الميل للتنبؤ بالأسوأ.

عن الكاتب

مينا مبارك

كاتب مصري، مولود عام 1999 في قنا البلد. أنهى دراسة الطب في جامعة القاهرة وينتظر الأقدار لتقرر له تخصصًا يمنحه وقتًا كافيًا بعيدًا عن ردهات المشافي. يعمل مرمطونًا بدوام شبه…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن