تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عن صوت الشبح

عن صوت الشبح

كتابة: وائل عشري 16 دقيقة قراءة
تصميم مهرة شرارة

يفتش وائل عشري عن الصوت في الأدب، يدعونا إلى الإنصات إلى أصوات غير مادية، خيالية؟ لكنها حاضرة بقوة وضرورية دراميًا، بل تلعب أدوارًا أكبر، فراوي لطيفة الزيات في الباب المفتوح صوته أعلى من صوت بطلة الرواية، ليلى، وهو المُعبر عن الوعي الجمعي الذي يحارب الفردية، إمساك عشري بهذا الشبح، وغيره من الأصوات، جاء في «الأذن الوسطى» الصادر في 2011. 

للتعمق أكثر في التجربة، اقرؤوا حكاية «الأذن الوسطى» في حوار مها مأمون وهيثم الورداني هنا، وخريطة محمد عبد النبي للسمع والعصيان، وصوت إيمان مرسال، وشريط الصوت المُصاحب لحياة ياسر عبد اللطيف، وكيف تفرم الودان وفق نظرية الراحل هاني درويش، ومختارات دعاء علي من صوت الأعصاب.

 

عن صوت الشبح[1]

الشبح: أنا روح أبيك،

وقد حُكم عليَّ بأن أطوف في الليل زمنًا؛ 

وفي النهار، بأن أتضوَّر جوعًا في اللُهب

إلى أن يحترق ما اقترفته من الآثام

في حياتي الدنيا، فأطهُر منها. 

... فاسمع يا هاملت، اسمع،

إن كنت يومًا قد أحببت أباك العزيز[2].

في المشهد الأول من رواية لطيفة الزيات «الباب المفتوح» (1960)، التي تعرض تطور ليلى، الشخصية الرئيسية، وتخبُّطها، وخيبات أملها، حتى تجد ذاتها وسط الجماهير في لحظة انتصار الأمة، حشدٌ من أصوات، تقترب بعنف من آذاننا، آتية من أحد شوارع القاهرة، بعد تحديد المكان والزمان، بدقة لا تسمح بالخطأ:

كانت الأمسية أمسية 21 فبراير سنة 1946 والساعة السابعة .. والمارة قلائل جماعات من اثنين أو ثلاثة أو أربعة يسيرون يتحدثون بلهجات متباينة، وبمستويات لغوية مختلفة، ولكن الحديث يدور حول نفس الموضوع، حول ما حدث في الصباح في ميدان الإسماعيلية[3].

يلي هذا 14 جملة حوارية منفصلة. يمكن أن نخمِّن أن 14 عابرًا ألقى كلٌ منهم جملةً، ومضى.

هكذا يدعونا راوي الزيات إلى حفلٍ على شرف الأمة، حفل ربما لا نملك ألَّا نحضره، ويدخل علينا، كمؤرخ، كعالم اجتماع، كباحث، أو كمخبر سري[4]، يعمل في خدمة الوطن، يسجل أحاديث المارة في يوم انتقاه بعناية. بكلمات أخرى، يدخل علينا الراوي كصوت الأب، الذي يعصمنا من الخطأ في أمر على هذا القدر من الأهمية، ولا يرضى بأقل من أن نصبح جميعًا، كما يقول التعبيرُ الشائع، آذانًا صاغية.

مع تلك الدقة، لا تترك الزيات أمرًا للصدفة، فالجليل (رواية التاريخ القومي، رواية حضور الذات وإمكانية أن تجد جوهرها) ضد الصدفة. الجليل هو الذي دُرِس بعناية، انتقِي مُسبقًا، وليلى ليست سوى مثالٍ لذلك الجليل، الأهم من العارض، من البشري، من تفاصيل يجب ألَّا تعنينا كثيرًا، إلَّا في كونها أجزاء من كلٍ أهم وأكبر من مكوناته، كل منها على حدة، وكلها معًا.

والصوت. صوت الراوي مُقيِّد الأصوات، صوت الأب، صوت الزيات، يأخذنا، يشدنا، من آذاننا، نحو الصورة «الكلية»، نحو «جوهر» الأمور، نحو الأدب «العظيم». أليست الزيات هي من تعرف، نيابة عنا، وهي من ستخبرنا بالفرق بين «العظيم» و«العادي» من الأدب؟ تكتب الزيات: «الفنان العظيم هو الذي يملك الإمساك بجوهر الواقع والحقيقة الكلية لهذا الواقع الاجتماعي التاريخي الذي يعرض له، أمَّا الفنان العادي فيغرق في الظواهر السطحية لهذه الحقيقة، وتنقضي أهمية عمله بتغير عصره[5]».

لكن: هل من الممكن أن يفوتنا، هنا، ونحن على عتبة الباب المفتوح، غرابة تلك الأصوات التي لا أجساد لها، التي تتجوَّل وحدها في فضاء نص يبحث بقسوة، بعنف، عن أذن تنصت لها؟ علينا أن نخاف، ولو قليلًا، على الأقل لأنه يُقال إن «الأذن عضو الخوف»[6]. علينا أن نتوجس من تلك الغرابة، من أن نسمع أصوات لا نستطيع أن نردها إلى أجساد، من أن تتلبسنا فنفقد عقلنا، من أن يأتينا شبح الملك المقتول، كأب، ويطالبنا بالانتقام له، في أمر قد لا يعنينا كثيرًا.

علينا أن نحذر لأن الصوت، بلا جسد، صوتٌ غريب، uncanny[7]، باعث على الريبة. هو، في الغالب، صوت حياة بين موتين، موت واقعي حدث، وموت رمزي لا يريد الجسد الغائب أن يحدث، ولا يرضاه، ومثل صوت شبح الأب في «هاملت»، هو صوت من الصعب أن نتجاهله، لأن سلطته، في غياب جسده، أقوى من أن تقاومها أذننا.

في فيلم «الباب المفتوح»، المأخوذ عن الرواية، نسمع سطوة الصوت -بلا- جسد. يأتي، في البداية، كتعليق على شريط الفيلم، مثل طبقة عليا تطبع نفسها فوق طبقة سفلى. هو، الصوت، في مقدمة الصورة. نراه. وفي الخلفية، متظاهرون، متدربون على حمل السلاح، ومقاتلون ضد الاحتلال. هو مدخلنا إلى قصة بحث ليلى عن ذاتها، وكأنَّ ذلك البحث هامشٌ على متن النص الأبوي الذي يحمله الصوت: 

في الفترة التي سبقت ثورة 23 يوليو اضطرت الحكومات المتعاقبة، تحت ضغط الشعب، إلى قطع المفاوضات، وأخذ الشباب في كل مدينة، بل وفي كل قرية، يتدربون على حمل السلاح، وبدأ الكفاح المسلح ضد قوات الاحتلال في منطقة القناة. وفي القاهرة خرج الشعب كله يعلن تأييده للأبطال، الذين يحاربون العدو معركة الموت أو الحياة من أجل تحرير أوطانهم[8].

الصوت ذكوريٌ وهادئ، تعليميٌ وواثق من نفسه، كأنَّه صوت التاريخ، أو صوت الرب، أو صوت لبيروقراطي يدَّعي ما سبق لا أكثر. يأتينا، في سلطته القاهرة، وادعاءه المكشوف، كنقطة انطلاق أولى، كأن ليس قبله شيء، ولا حتى الواقع الذي يمثله (الواقع يمكن تحويل مساره بالطبع كي يناسب خيال الواقع، كما سيحدث في المشهد الختامي من «الباب المفتوح»، حين تحطِّم جماهير الرواية، على عكس جماهير الواقع، تمثال ديليسبس [9]). الخطر علينا هنا، كمشاهدين، أن ننظر دون نظرة، أن يمتصنا الصوت، أن نتحوَّل إلى أذن كبيرة، إلى جسد لا يتبقى من أعضائه سوى أذن.

في الرواية، يبدأ صوت ليلى مدجنًا، «أنثويًا»، في تقبُّله، وامتثاله، وحين تحاول أن تعبِّر عن ذاتها، أن تشارك في مظاهرة، يعاقبها الأب بقسوة، ويعاقبها الأخ والأم، سواء بعدم القدرة على الفعل، أو عدم التفهُّم. لكن رغم الانتكاسات التي تحدث لليلى، رغم إحباطاتها، فإن شيئًا ما يحدث في تلك المظاهرة، شيئًا لا يمكن محوه، ولا سبيل إلى التراجع عنه. يأتيها صوتٌ، الصوت، وسط المظاهرة، يأتيها صوتها كأخرى، كآخر:

واندفع الدم في رأس ليلى، انتشت، وشعرت أنها قوية وخفيفة كالطير. وشقت الصفوف إلى الأمام، وارتفعت على أكتاف الطالبات، وهتفت لحظة بصوت غير صوتها، صوت اجتمع فيه كيانها الذي مضى وكيانها الآتي وكيان هذه الآلاف... ثم ضاع صوتها... 

واجتذبتها عينان، عينان راحتا تحدقان فيها في إلحاح صامت، إلحاح يطوقها ويخنق منابع القوة في جسدها وروحها. (61)

النظرة ضد الصوت. النظرة نظرة الأب، والصوت «غير صوتها». لمن الصوت إذًا؟ من أين يأتي؟ إلى أين يأخذها؟ 

وتقدمت إلى الأمام، ولكن العينين ما زالتا تلاحقانها في إلحاح وكأنهما مسلطتان على قفاها. .. وسرت رعدة في جسدها وانهارت ساقاها. وتلفتت خلفها لترى أباها. كان ما زال واقفًا في مكانه على رصيف ميدان لاظوغلي بالقرب من القهوة، وقد كز بأسنانه على شفته السفلى. (61)

النظرة التي تقيِّد، التي تدجِّن. النظرة القادرة على لجم تحدي الصوت الجديد، على كتمه، تهدد الصوت الذي جاء ليلى من حيث لا تدري، ولا ندري.

لكن ليلى التي توحدت مع المظاهرة، الصوفية التي تلاشت وخُلِقت من جديد، في تمرين أولي، وسط الحشد المصغَّر لمظاهرة مدرسة البنات، على الفناء في حضرة المحبوب، الشعب، كما سيحدث في مشهد ختام الرحلة[10]، تندفع الآن إلى الأمام، إلى الأمام بفعل قسوة المحب الذي لا يرحم محبوبه إن غفل عنه لحظة: «والكتل من خلفها تدفعها بلا رحمة إلى الأمام، بعيدًا عن أبيها وقد اسود وجهه». (61)

الكتل ضد الأب. سلطة الشعب ضد سلطة الأسرة. من المريح دائمًا استبدال سلطة بأخرى، تخيُّل سلطة كي نحلها محل أخرى. لكن، مرة أخرى: من أين يأتي ذلك الصوت الذي ليس صوت ليلى؟

وتلاشى أبوها من مرأى بصرها، ولم تعد تراه. لم تعد ترى إلَّا هذه الآلاف وقد انصهرت في كل... كل إلى الأمام يدفعها، كل يحيطها ويحميها، وانطلقت من جديد تهتف بصوت غير صوتها، صوت وحَّد كيانها وكيان الكل. (61)

الكل في واحد إذًا. والواحد/ة في الكل. لا جديد في هذه السردية المفترض راديكاليتها[11]. والواحد يتلاشى، كل ما هو واحد يتلاشى، كل ما هو فردي يتلاشى. إنها عدالة التلاشي. ليس لواحد، أو لواحدة، صوتٌ هنا؛ الصوت للكل. الصوت الذي يأتي من داخلها ومن خارجها، من أمام ومن خلف، الذي يدفع الدم في عروقها ويجعلها تنتشي، الذي يحوطها، الذي يصدر عنها، يأتيها من الكل الذي يصبح كلًا قبل أن تتوحد به. هو صوت الكل الذي كان كلًا قبل أن يتلاشى أفراده. هو صوت الكل مسبقًا، بالفعل، قبل أن يمكن للصوفية الصغيرة أن تقول: أنا أنت. هو كلٌ بصرف النظر عن تلاشيها هي فيه، (أو تلاشي غيرها)، كواحدة تشتهي الكل، فالكل لا يشتهيها على نحو خاص، ولا يشتهي غيرها. الكلُ كلٌ مِن دونها، قبلها، وبعدها. صوت الكل، ذلك الذي يأتي ليلى، الذي يأتينا عبرها، عبر هامشيتها، في سلطته القاهرة، في تهديده لنا، هو صوت لأب آخر. 

(هل يمكن أن نعطي أذننا، هنا، تحديدًا هنا، لهوراشيو، أن نستمع إلى تحذيره؟ هوارشيو الأكاديمي، الروماني العتيق أكثر منه دانماركيًا، الأجنبي مسبقًا، والأجنبي في النهاية، الغريب على سفر، يقول لهاملت أمير الدانمارك، وابن الملك الذي يحترق، الابن الذي لن يصبح ملكًا لأنه سيُقتل قبلها، بسبب صوت الأب الملكي بلا جسد، الملكي بين موتين، فلنستمع:

أخشى أن يقتادك إغراءً إلى الطوفان، يا سيدي،

أو إلى قمة صخرية مريعة

...

وهناك يتقمص شكلًا مرعبًا آخر

قد يسلبك العقل،

ويجر بك نحو الجنون.[12])

كيف يمكننا أن نتخلَّص من صوت الزيات الأبوي، الذي يحدد لنا مسارنا، ويشتهي أذننا، ويستدرجنا نحو «العظيم» كي نتبعه؟ قد يساعدنا قليلًا أن نعرف أن السيد ليس مصدر خطابه، أن «الشخص الذي يُخرج الخطاب الذي أنتم بصدد نسخه»، يقول ديريدا «في أذن الآخر»[13]:

لا يصدر عنه هو شخصيًا؛ إنه بالكاد يُخرجه. يقرأه. كما أنكم أذنٌ تنسخ، فالسيد فمٌ يقرأ، وعلى هذا فإن ما تنسخونه، هو في إجماله، ما يفك شفرته من نصٍ يسبقه، ويتعلَّق به بحبل سُرِّي مشابه. (36) 

السيد إذًا، ولنستمع إلى صوت ديريدا، مرة أخرى، يقرأ هذه المرة مباشرة من نيتشه:

يتعلق عبر حبل سُرِّي بالجامعة. قد يختار هو شخصيًا ما يستمع إليه، هو ليس مجبرًا على أن يصدق ما يسمعه؛ قد يغلق أذنه إن لم يكن مهتمًا بالاستماع. (36)

نحن أيضًا يمكننا أن نغلق أذننا، أن نرى الزيات، ليس كمصدر لخطابها، بل كمستمعة، كأستاذة في جامعة، في «مدرسة الشعب»، في «أكاديمية الروايات العظيمة». يمكننا أن نراها تستمع، وتنتقي. أن نراها، في ذلك، كسلطة غير كلية السيطرة، كامرأة دولة، كأذن كبيرة تستمع إلى خطابات متعددة: الكل في واحد. الوطن. دور الرواية في التحرُّر الوطني. النسوية المصرية البرجوازية وأفكارها عن الحب والزواج وحرية المرأة في الاختيار. مبادئ الماركسية وتنظيرات نقادها، وقادتها، عن الأدب العظيم. نستطيع أن نرى الحبل السُرِّي الذي يربطها بلوكاتش، وماركس، وإنجلز، وتوفيق الحكيم، ومباني الجامعة، ومنبر المحاضِر/ة، والميدان الذي بنته الدولة واشتهته المظاهرة، وقسم الشرطة الذي يذهب إليه المخبر بسِجِل أحاديث المارة. ويمكننا أن ندع صوتها يدخل من أذن، ويخرج من أخرى، أو أن نغلق الأذنين تمامًا في طريقه.  

لكن هل الأمر بهذه البساطة؟ 

هل يمكننا، حقًّا، أن نغلق أذننا في اتجاهه، كليًا، ونهائيًا، في اتجاه الصوت، صوت الوطن، والأدب العظيم، وخطاب حضور الذات؟ 

هل من الممكن أن نغلق أذننا في حركة تأخذنا إليه، أو تبعدنا عنه؟ 

وإن أمكننا ذلك، ألن نراه، الصوت، صوت الملك المحترق هاملت (الذي يمنح صوته لسلالة تحترق بفضل صوته، وتنتهي بمقتل الابن الذي تبع الصوت)؟ ألن نرى ذلك الذي يتوهج في العتمة التي ظنت الزيات أنها فضاء مفتوح، وراء باب الستينيات؟ ألن نرى الصوت الذي سيحرقنا جميعًا، ويأكل أذننا، ويمكننا في النهاية، حين يصل عنفه إلى منتهاه، من إعطائه أذن صماء؟

ذلك أن الملك ليس وحده مَن يحترق، وهاملت ليس مَن يهدده الجنون بمفرده. في مشهد لاحق من «الباب المفتوح» تحترق القاهرة فعلًا، وتحترق ليلى مجازًا. لقد أتى محمود، أخوها، في زيارة سريعة من منطقة القناة حيث الكفاح المسلح ضد الإنجليز. أتى محبطًا، وشاعرًا بالعزلة. لقد بدا له أن «الكل» لا يتوحد معه بما يكفي. تصعد ليلى إلى الطابق الأعلى كي تستدعي مساعدة عصام، ابن عمها وحبيبها، في التخفيف عن محمود. في المصعد تقابل، سريعًا، حسين، حبيب المستقبل، في طريقه إلى شقتهم. تصعد ليلى فقط كي تدرك أن عصام على علاقة بالخادمة. 

(استطراد: صوت الخادمة: «يوه يا سي عصام، يعني أسيب السجادة وسخة ولا إيه؟» (181) صوت الخادمة في دلعها، دلالها. سلطة جسدها الحيواني: «ورفعت إليه سيدة عينيها الكبيرتين كعيون البقر وهي تضرب السجادة بطرف القطعة المبتلة». سلطة جسدها ذي الحضور الطاغي، بحسيته المفرطة، في نص ينكر الجسد: «ورفعت سيدة وجهها المنتفخ إلى ليلى، وضمت شفتيها المكتنزتين». سلطة جسدها الغامض في رواية ليلى، رواية مصر وبابها المفتوح لثائري الطبقة الوسطى وثائراتها: «وخرجت من الحجرة تهز ردفيها في تثاقل، وعلى فمها نصف ابتسامة غائمة لا توجهها إلى أحد وكأنها تبتسم من شيء خطر ببالها... شيء سري وخاص وهام، شيء يعطيها الشعور بالأهمية». (181-182) هل نستمع إلى صوتها؟ إلى صمتها؟ سلطتها السرية؟ سلطة جسدها؟ صوت حضورها، وتهديدها لفتاة الطبقة الوسطى؟ هل نستمع لما قد يقترحه صوتها، صمتها، جسدها، تهميشها، من سياسات بديلة، تتعارض بالضرورة مع ليلى، ورحلتها، التي تتضمن، كمحطة أساسية، نفي سيدة؟)

تهبط ليلى إذًا باكتشافها. ونهبط معها باكتشافنا (أن الخادمة، التي للمفارقة تُدعى «سيدة»، لا مكان لها في رحلة الوعي التي نقرأ تفاصيلها. أنها مجرد جسد مهدِّد، تقدم ربما خدمة جنسية ما، لا نعرف طبيعتها، أو شعورها تجاهها، أو درجة رضائها عنها). تهبط ليلي من سعادتها، وأحلامها، بخلق عالم جديد مع عصام. تهبط بصورة سيدة، وبقعة السجادة، كي يخبرها محمود: «البلد بتتحرق». (188) 

من يحرق هذه القاهرة؟ من يحرق ما ترمز إليه، من بين كل القاهرات، هذه القاهرة تحديدًا، قاهرة ليلى؟ من يحرق كل الخطابات التي تخرج مِن قاهرة الطبقة الوسطى، وتمثلها؟

يقول محمود: «الناس، الناس حرقوا السينمات وشارع فؤاد، والبلد كلها نار ودخان». (189) ما الذي يمكن أن تفعله ليلى، المسكينة حقًّا، المنهارة مسبقًا بحضور سيدة، إلَّا أن تنهار انهيارًا مزدوجًا، مضاعفًا، أن ترى النار تحرقها، تبعدها عن ذاتها، عن صوت الكل، صوت «الناس» الذين مسهم جنونٌ فحرقوا البلد؟: 

وانهارت ليلى على مقعد مقابل للمرآة الكبيرة التي تزين حجرة الجلوس، وغامت عيناها بالدموع. وعلى صفحة المرآة تكسرت أشعة الشمس الغاربة تاركة كتلة من الاحمرار، وركزت ليلى عينيها على المرآة ونار.. ألسنة من النار تندلع في المرآة أمام عينيها الغائمتين وتربط بينها وبين المرآة وكأنها مشدودة إليها بقوة سحرية.. وأصوات تطن في أذنيها [مرآة وأصوات.. هل نحن أمام خطر الجنون، خطر تخيُّل أصوات بلا أجساد؟]، تطن كمواقد الغاز». (190)

وكأنه لا تكفي رؤية نار المجاز، تريد ليلى أن ترى النار الأخرى التي تحرق المجاز، فتندفع إلى سطح البيت، وخلفها أخوها، والحبيب الخائن، وحبيب النهاية، وهناك تسأله: «ليه كل حاجة كويسه تنتهي نهاية وحشة». فيرد عليها حسين، بثقة: «دي مش النهاية». (192)

سيمر الكثير على ليلى. ستتحول إلى كتلة من برودة، وعدم اكتراث. ستترك عصام، وتفقد ثقتها في العالم، في «الكل»، في الرجال، في إمكانية الحب. ستوافق على عقد خطبتها على أستاذ جامعي (وحبل سُرِّي يربطه.. إلخ) يريد أن يسيطر على عقلها، لكنها، في النهاية، ستكون على موعد مع ذاتها، موعد مع لحظة تغيير التاريخ كي يوافق خيال التاريخ. 

في بورسعيد، مع حسين، وقد وجدت نفسها من جديد، وعادت جزءًا من الكل، أي وجدت ذلك الصوت الذي كان قد أتى وضاع، تسأل حسين، مداعبة: «دي النهاية يا حسين؟» فيرد عليها، «وهو يجاريها في لعبتها»: «دي مش أول مرة تسأليني السؤال ده يا ليلى؟» (462) 

هكذا، تعيدنا الدعابة إلى فعل النار، إلى دلع الخادمة، إلى ما تقمعه سياسات التحرُّر الوطني بنسختها التي تعتمدها الطبقة الوسطى، إلى ما لا نعرف عن سيدة، إلى مفاجأة أن ليلى أيضًا يمكنها أن «تتدلع» (بحساب طبعًا، دلع معقول، محترم)، إلى رغبة النص في تأكيد إمكانية المعنى، إمكانية الصورة الكلية التي هددها فعل النار، وأخيرًا: إلى الدخان الذي خلفته تلك النار، ذلك الذي يخرج من نص الزيات إلينا، ويملأ حتى فضاءاتنا الحميمة، وتفاصيلنا الصغيرة، «ظواهرنا السطحية» التي، لحسن الحظ، ليست جزءًا من «جوهر الواقع» (كما تراه ليلى، ومبدعتها)، ويجعلنا نتمنى لو أغلقت الزيات، لو أغلق الأب الذي تُوقِّع الزيات نيابة عنه، ذلك الباب المفتوح، كي نفتح عيونا آلمها الدخان.[14]

هوامش

1 بالإضافة إلى الهوامش، التي أضفتها إلى هذه النسخة، يختلف النص في صيغته الحالية عن المنشور عام 2011 اختلافات طفيفة.

2 هاملت، ص. 59، الفصل الأول، المشهد الخامس، ت. جبرا إبراهيم جبرا. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1979 (ط. 5).

3 ص. 5. الإحالات إلى طبعة دار الكرمة، الصادرة في 2015. 

4 هناك تاريخ طويل يربط بين الكاتب الواقعي والمخبر السري. انظُر/ي، على سبيل المثال، الوصف التالي، من بدايات القرن العشرين، لكيف يجد الكاتب الواقعي مادة كتاباته: «وأما طريقة كتابة الروايات الحقيقية هي أن يلبس الكاتب ملابسه أو يتزيي بغير زيه ويتجول في الطرق والأزقة ويدخل المجتمعات والمحطات ويرقب حركات الناس في ملاعب القمار والحانات والحدائق العمومية ويبقى طول ليلته هائما في الطرق يدرس الأخلاق والطبائع والعادات وهو فيما بين تلك الأشياء يقيد ما يراه ويسمعه ويدرسة [كذا] ثم يجلس ويكتب قصته ويسبك كل ما رآه وسمعه». (ص. 5، من مقدمة رواية محمد لطفي جمعة، «في وادي الهموم». القاهرة: مطبعة النيل، 1905).

5 ص. 67، «النمطي والجمالي في كلاسيكيات الماركسية»، ص. 25 – 71، في: أضواء، مقالات نقدية. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، د. ت. 

6 يأتي هذا التوصيف من: «الليل والموسيقى - فقط في الليل وفي الجو شبه المظلم في الغابات المعتمة والكهوف استطاعت الأذن، عضو الخوف، أن تتطور كثيرًا بالقدر الذي تطورت به بفضل طريقة عيش الإنسان في عصر الخوف، أي أطول عصر عاشته الإنسانية: أثناء النهار لا نحتاج الأذن كثيرًا. هذا ما يجعل من الموسيقى فن الليل والظليل». ص. 173، فريدريك نيتشه. الفجر. ت. محمد الناجي. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2013.

7 أي: «غريب موحش»، أو «غريب مقلق»، والمصطلح من فرويد، unheimlich بالألمانية. عن معناه بشكل عام، وترجماته إلى العربية، انظُر/ي: ص. 17-21، و22-23، على التوالي، في: شاكر عبد الفتاح. الغرابة: المفهوم وتجلياته في الأدب. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2012.

8 الباب المفتوح، إخراج: هنري بركات، 01:46 – 02:24. 

9 انظُر/ي، ص. 458-459.

10 في قسم معنون «1963»، وهو ما نفهم أنه تاريخ كتابته، من «حملة تفتيش، أوراق شخصية»  (ص. 81-83، القاهرة: دار الهلال، 1992)، تكتب الزيات: «النقطة الرئيسية من جديد أننا لا نتوصل إلى ذواتنا الحقيقية إلا إذا ذابت الذات بداية في شيء ما خارج عن حدود هذه الأنا الضيقة». (81) ما أود أن ألفت الانتباه إليه هنا، ليس بالضرورة فعل «الذوبان»، بل تخيُّل الذات منفصلة عن محيطها العام، ومتعددة ضمنًا، وإن كان التعدُّد ذلك أبعد ما يكون عن الثراء، بل العكس، ثمة ذات واحدة حقيقية يُعثر عليها في فعل «الذوبان». هكذا يُقدَّم التأثر بما هو خارج الذات كقرار، وليس كأمر حتمي، يحدث عبر تفاعل لا يمكن تجنبه، كنتيجة للوجود في العالم. على أي حال، توضح الزيات بعدها أن ما تشير إليه في الجملة السابقة هو «التيمة الرئيسية لرواية ’الباب المفتوح‘». (82) في مقال لاحق، «تجربتي في الكتابة» (1994)، تصيغ الزيات هذه العلاقة صياغة مختلفة إلى حدٍ ما: «وتطرح ’الباب المفتوح‘ العلاقة الجدلية بين حرية الفرد من ناحية وحرية مجتمعه من الناحية الأخرى، والشروط الضرورية لتحقق الحرية على المستويين. وتذهب الرواية إلى أن الفرد لا يجد نفسه حقًّا، ولا يجد حريته بالتالي، إلا إذا فقدها بداية في كلٍ أكبر وأهم منه، وهو في الإطار الروائي، النضال من أجل تحرر الوطن من بقايا الاستعمار، والفرد في هذه الرواية في تصالح نسبي مع مجتمعه، وحريته تتمشى مع حرية وطنه، ولا تتعارض مع هذه الحرية».  (ص. 150-151، أوراق شخصية. القاهرة: دار الكرمة، 2016). لنلاحظ فقط أن «الفرد» فيما سبق، هو، تحديدًا، «فرد» الطبقة الوسطى، بتجربتهـ/ـا، وقد أُضفي عليها طابعًا عامًا.

11 نجد هذا التصوُّر في رواية من كلاسيكيات الطبقة الوسطى المصرية، وخيالها عن الأمة، هي رواية توفيق الحكيم: «عودة الروح» (1933)، التي يتصدرها الاقتباس التالي من «نشيد الموتى»: «عندما يصير الزمن إلى خلود / سوف نراك من جديد / لأنك سائر إلى هناك / حيث الكل في واحد».

12 ص. 57، فصل 1، مشهد 4.

13 ترجمتي من: Jacques Derrida. The Ear of the Other: Otobiography, Transference, Translation. Translated by Peggy Kamuf & Avital Ronell. New York: Schocken Books, 1985.

14 وعلى أي حال، كما يذكِّرنا ماسيمو كاتشياري Massimo Cacciari: «كيف يمكن لنا أن نأمل في أن ’نفتح‘ إن كان الباب مفتوحًا بالفعل؟ كيف لنا أن نأمل في أن ندخل مفتوحًا؟.. المفتوح بالفعل يشل الحركة. لا يستطيع الآتي من الريف [في قصة كافكا "أمام القانون"] أن يدخل، لأن دخول ما هو مفتوح بالفعل مستحيل أنطولوجيًّا». (ص. 49 من: Giorgio Agamben. Home Sacer, Sovereign Power and Bare Life. Trans.: Daniel Heller-Roazen. California: Stanford U. Press, 1998.).

 

 

 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#أدب

فرم الودان

رحلة ساحرة مع الصوت في ميكروباص

هاني درويش 13 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن