عن «سوق» مهرجان البحر الأحمر.. هل السينما «كل شيء» حقًا بالنسبة للسعودية؟
في ركن بعيد نسبيًا عن الموسيقى المرتفعة في ليلة من ليالي مهرجان البحر الأحمر السينمائي الذي نجلس في رحابه، بمزيج من العربية الخليجية والإنجليزية اللندنية٬ كان حديثي مع زين زيدان حول حكايتها الشخصية والعامة كمديرة «سوق البحر الأحمر»، عرفت أنها المسؤولة الأولى عن السوق المخصصة للصُنّاع في المهرجان، ودرست الفنون الجميلة في إنجلترا ثم عادت مرة أخرى للسعودية منذ سنوات. لم تجد عملًا سوى في أحد البنوك نتيجة ندرة العمل الفني هناك٬ بينما كان القدر يعدها بوظيفة مناسبة تحبها مع الانتقال السعودي نحو الترفيه الذي كان من ضمنه المهرجان.
كيف وصلت زيدان للمهرجان وسوقه بدلًا من البنك، وكيف أصبح «السينما كل شيء» شعار «البحر الأحمر» الذي أُقيم في الفترة من 1 إلى 10 ديسمبر الماضي؟
***
في رؤية المملكة 2030 عناية مؤسِسة للترفيه، من خلال دعمه وتعزيزه، وتشجيع القطاع الخاص لتقديم مساهماته فيه. هنا أجندة اجتماعية وأخرى اقتصادية٬ لا نعرف من تأتي أولًا٬ ولو كان الحديث عن الطفرة الاقتصادية المتوقعة من صناعة ترفيه «يتناسب مع الهوية العربية والإسلامية للمملكة» هو الغالب. المتوقع أن تصل مساهمة قطاع الترفيه إلى 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي وحوالي نصف مليون فرصة عمل على الأقل. آخر تقدير جاء بالتزامن مع النمو الذي تشهده صناعة السينما في السعودية لحجم الإنتاج والتوزيع في شباك التذاكر الذي بلغ حوالي 238 مليون دولار في عام 2021 بزيادة نحو 95٪ مقارنة بالعام السابق. تلك الزيادة الملفتة سترتفع إلى مليار دولار بحلول عام 2030 من بين 64 مليار تسعى السعودية لضخها في عالم الترفيه وفق رؤية 2030. هنا أيضًا٬ وربما بالأساس٬ المشروع السياسي لولي العهد محمد بن سلمان.
عام 2019، بدأت فكرة صناعة مجموعة فاعليات تقدّم المملكة كمدينة سياحية ترفيهية، كان من بينها مهرجان البحر الأحمر السينمائي. الخطة كانت أن يبدأ في مارس 2019، لكن أوقفته الكورونا لينطلق في 2021. في عامين فقط٬ تضاعف عدد الأفلام السعودية المشاركة٬ كما تضاعف عدد الحضور من الخارج والقادمون للتعاقد على صناعة أفلام أخرى.
بخلاف موسم الرياض الترفيهي الموازي والمهرجان كسينما تنافس المساعي المجاورة من الإمارات ومصر والمغرب وتونس وغيرها عربيًا٬ تقف السوق٬ إلى جانب «هيئة الأفلام»٬ المدعومة من وزارة الثقافة، كواحدة من تجليات رؤية 2030، في منطقة برزخية أكثر ذكاءً ونباهة لما يُمكن البناء عليه للحصول على الريادة في المجال. هكذا تقفز السعودية خطوات سريعة من نقطة الصفر التي جلست فيها السينما لسنوات عديدة، إلى صناعة أول وأكبر سوق سينمائية للصُنّاع بين كل المهرجانات العربية.
***
ترفض زيدان، كما يرفض كل مسؤول غيرها، الحديث عن أي شيء يخص تمويل السوق أو ميزانيتها تحديدًا. تكتفي بالقول إن هناك أموال تُضخ فيها، لكن لا يُمكن الإعلان عنها. تقف على رأس فريق كبير يفرز الأفلام القادمة لطلب تمويل مالي ولوجيستي، ويختاروا ما يُناسب المهرجان أو السعودية «بعد أن توافق عليه جهة ما، لا يُمكن الإعلان عنها، ترى أنه لا يتعارض مع أفكارها». السوق ظاهرها دعم للصُنّاع، بينما في باطنها هي ربما تؤسس لسعودية 2030 التي تريد أن تحكي السينما حكايتها الشخصية بتنويعات مختلفة.
يحكي مسؤول في «هيئة الأفلام» السعودية٬ وهو أكبر الداعمين المحليين للسوق السعودي٬ أنه منذ خمس سنوات فقط لم يكن في السعودية صالة سينما واحدة، الآن نرى أنه «يجب أن تصل القصص السعودية للعالم عن طريق دعم صناعتها ورؤيتها في السينمات» وهو ما تساعد السوق في تحقيقه.
يقول المسؤول إن الاستثمار السعودي في قطاع الأفلام يتقاطع مع تحقيق ثلاثة أهداف مختلفة في وقت واحد: تقديم السعودية كمجتمع حيوي، إظهار الثقافة السعودية للعالم، ورفع جودة الحياة الثقافية السعودية. الأهداف الثلاثة سهّلت حدوث تغييرات تشريعية سعودية لتسهيل الصناعة. «قبل شهور قليلة نتيجة هذه التسهيلات صوّرت هوليوود فيلمًا كاملًا داخل المملكة» يقول المسؤول٬ ثم يبتسم بثقة. صورت هوليوود بالفعل أفلام كاملة في السعودية ومنها Desert Warrior وCherry وقندهار.
«هناك دول مهما فعلت ستظل ضحية لتصورات خاطئة ومسبقة، ومنها السعودية التي هوجمت منذ قررت الدخول لعالم الأفلام. انظر مثلًا للدعم الذي يقدمه الجيش أو غيره في الدول الأوروبية لتحسين الصورة من خلال قصص أفلام بعينها، ولن تجد مَن يقف أمام ذلك» يضيف المسؤول في مواجهة التشكيك في الدخول المفاجئ للمجتمع السعودي في السينما.
إلى جانبه٬ كان هناك حوالي أربع أو خمس شركات تخدم التصوير المحلي داخل السعودية كشرط مؤسس للحصول على تمويل ودعم، أحيانًا يصل لتغطية 40% من تكاليف التصوير لو كان هناك صُنّاع أو عمال سعوديين.
وكشف تقرير سابق لـ«مدى مصر»، عن مهرجان البحر الأحمر٬ أن السعودية تشترط على شركات الإنتاج الراغبة في الحصول على تمويل من السوق إنشاء مكاتب لها في المملكة لتستمر في نشاطها، لأن الهدف هو استقطاب شركات إنتاج وخدمات فنية للعمل والتصوير هناك.
في لقاء سريع مع إحدى الصانعات المصريات التي حصلت على تمويل من المهرجان٬ رفضت كغيرها الإفصاح عن تفاصيل المشروع٬ وقالت إنها وجدت أن أكبر إغراء للدعم المالي تمثل في تقديم فكرتها لـ«البحر الأحمر»، ولم يحتَج الأمر منها سوى تعديل فكرتها ليصبح تصويرها بالكامل في مدن سعودية. كانت زيدان قد أشارت أيضًا إلى أن اختيار التصوير في السعودية يجعل للمشروع المقدم أولوية مطلقة في الدعم.
لا يأتي الجميع من أجل الاستثمار المباشر في مشاريعهم. كنت أجلس مع منتج وموزع سعودي في ساحة السوق، وإلى جانبنا رجل تُظهر لكنته الإنجليزية أنه هندي. عرّفنا بنفسه سريعًا، ثم أخبر المنتج أنه يريد الحديث معه بخصوص مشروع ما. أخبره الأخير أنه يوزّع بالأساس، ولا يمكنه الحديث عن مشروعات لم تحصل على دعم مالي أولًا، فرد عليه أن آخر ما يفكر فيه هو الحصول على دعم مالي للأفلام. تطفلت على الحديث لأسأله: «لماذا تعبت نفسك بالقدوم إلى هنا إذا كان يُمكنك الحصول على تمويل لفيلمك بسهولة؟» كان يرى أن ثمة سوق عربية جديدة تُثبّت دعائمها، ربما تصنع معادلة جديدة، على الجميع أن يحج إليها ليفهم، أو حتى لا يخرج من حساباتها. هذه السوق تصنع توازنات موازية بدخول لاعبين جدد لسوق الصناعة في الإنتاج والتوزيع. هنا٬ كان يحاول المنتج الهندي توزيع فيلمه داخل السعودية وما يصحبه ذلك من دعم مادي ولوجيستي، ومن أجل ذلك٬ سيوافق على عمل مجموعة شباب سعوديين في فيلمه.
مثلًا ذهب المنتج المصري معتز عبد الوهاب على نفقته الشخصية لاستكشاف هذه السوق. قرر سريعًا وذهب لاستخراج الأوراق، دقائق قليلة كانت كافية للحصول على الفيزا بعكس سنوات سابقة انتظر لأيام خلالها للحصول على الدخول. حصل على إقامة فورية٬ تصل لعام كامل يُمكن خلالها اصطحاب أسرته لأجل السياحة قبل السينما.
«المقابلة المباشرة مع منتجين وصُنّاع آخرين تخلق حميمية تفتقدها المهرجانات العربية»٬ على ذلك راهن عبد الوهاب بوقته وماله. هذه المقابلات سهّلتها السعودية واستفادت بها.
مُنع عبد الوهاب كمنتج من التصوير في السعودية قبل سنوات قليلة، وذلك عندما كان يرغب في صناعة فيلم عن الحرم المكي. الآن تغيّر الوضع تمامًا، استلم تأشيرته في دقائق، اتفق على عدد من المشروعات الشخصية داخل السوق ربما تتحقق أو لا، لكنه تفاعل خلال هذه السوق بأحاديث شخصية مع صُنّاع لهم وزنهم، شاهد أفلامًا سعودية، تجوّل في المدينة. وبالتزامن مع المهرجان السعودي٬ منعت الرقابة المصرية عرض فيلم «القاهرة مكة» لأسباب غير معلنة أو مفهومة فلم يُعرض في «البحر الأحمر»٬ فيما قال منتجه محمد حفظي -أثناء حضوره المهرجان- إنه مجرد تأجيل حتى الانتهاء من بعض الملاحظات الرقابية، وبعدها سيُعرض الفيلم تجاريًا.
المنتج ماجد السمان٬ رئيس الفنون المسرحية والسينما في مركز إثراء٬ أحد أكبر منتجي الأفلام في المملكة٬ يقول إن المركز يوفر مساحة تقنية هادفة للموهوبين سينمائيًا في المملكة لصقل مهاراتهم وتمكين أعمالهم. يدعم الرجل والمؤسسة تقديم المواهب السعودية التي قُطع حبل أفكارها لسنوات لأنها «لم تكن تجد الدعم الكافي». إلى جانب هؤلاء٬ تقف مؤسسات عديدة مثل ART وMBC بتقديمهما للسوق جوائز تصل إلى 50000 دولار لمشروعات سعودية تحديدًا دون غيرها.
ومن السوق٬ قدم المهرجان جائزة مخصصة لأفضل فيلم سعودي٬ حصل عليها هذا العام فيلم «شيابني هني»٬ عن مجموعة من الشباب تبحث عن الثراء السريع عندما يجدوا مخزنًا للأسلحة المسروقة. جائزة لجنة التحكيم حصل عليها فيلم «بين الرمال»٬ الفيلم السعودي الذي صُور هناك. عن نبذته٬ ينقل الفيلم «أحداثًا حقيقية تحمل روح الحكاية السعودية الأصيلة، ويقدم مفهوم الأبوة باعتبارها ليست مجرد علاقة مع شخص آخر، ولكن رحلة لاكتشاف الذات والنضج وكنموذج يحتذى به للجميع.» أما جائزة «أفضل نجم صاعد» حصدتها الممثلة السعودية، سارة طيبة، لمشاركتها في الفيلم القصير «شريط فيديو تبدل» الذي حصل على تمويل لإنتاجه سابقًا من السوق -الدورة الأولى، ويحكي قصة شاب يحاول كسب قلب فتاة سعودية.
ومن بين الأفلام المعروضة في المهرجان «طريق الوادي»٬ وهو أول فيلم صُور بالكامل في السعودية وتضمن التصوير قرية بُنيت خصيصًا للتصوير في جنوب المملكة. حبكة الفيلم تدور حول الرحلة التي تجوب مناطق مختلفة في المملكة٬ فتظهرها للعالم. منطقة جديدة خُلقت٬ عمالة وحركة تجارة تخدم الثقافة والسينما التي تخدم الاقتصاد الذي يحقق رؤية سياسية أكبر.. هكذا أصبحت السينما كل شيء.
رؤية السينما بوصفها «كل شيء» جعلت إدارة مهرجان البحر الأحمر تُعلن خطة ترميم اثنين من كنوز السينما المصرية: «خلي بالك من زوزو» و«غرام في الكرنك»٬ فأشاهد هناك النسخة المرممة من الأول بكل قبلاته وأحضانه. وأفلام خيري بشارة التي نشاهدها هذه الأيام من خلال برنامج عروض قائمة عليه «سينما زاوية» فهي نسخ رممها أيضًا «البحر الأحمر» قبل عرضها هناك في برنامج لأفلام المخرج أيضًا.
***
بعد نهاية يوم٬ ذهبت في جولة بعيدة إلى جنوب مدينة جدة بدون هدف، لأجد مدنًا كاملة هُدمت من أجل إقامة أخرى أكثر حداثة تتسع للسياحة. أخبرني السائق أن زيارتي السنة القادمة ستشهد مولد مدن جديدة يُمكن أن أشاهد فيها أفلام أكثر.
لمشاهدة الأفلام المشاركة في المهرجان٬ كان يُمكن الاكتفاء بفندق الريتز كارلتون وقاعاته التي لم نستطع عدها، إلى جانب الساحة الكبيرة المفتوحة أمامه على البحر مباشرة للحفلات الليلية. لكن توزيع عروض الأفلام بين سينمات متباعدة نسبيًا خلق حركة مشاهدة أوسع لهذه المدينة وإعطاء مساحة للجمهور العام.
أخبرني سائقي أنه يعمل بسيارته للمواسم فقط، ونظرًا لأنها لم تعد تنقطع، يجني الرجل مالًا جيدًا لأسرته. لا تهمه السينما كثيرًا ولا يفهم عنها شيئًا، لكنه يرغب في خدمتي طوال الوقت لأنه يعلم مدى أهمية ذلك. تسهيل أموري يعني المزيد من التواجد لخدمة السينما والدخل بالنسبة له، في دائرة الاقتصاد التي أصبح يفهم جدواها، والتي وضعتها زيدان في مقدمة حديثها معي. بين كل جملة وأخرى٬ تكشف مدى ما تحققه السوق داخليًا، تفهم تأثير السوق على المهرجان قبل تأثيره على مَن حصلوا على التمويل.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن