تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عما يحدث في كتابة التمكين

عما يحدث في كتابة التمكين

هذا النص ضمن العدد #06 من «مُنتهى الأدب»

كتابة: هالة الصياد 10 دقيقة قراءة
تصميم مهرة شرارة

أستعين أحيانًا بـ«جودريدز» لاختيار بعض الروايات الحديثة لقراءتها. يرشح لي الموقع الروايات التي حصلت على جائزة اختيار القراء لأفضل الكتب، وقد تصادف أن قرأت ثلاث روايات متتاليات لكاتبات مختلفات وهن:

  • «The Housemaid» بجزأيها: للكاتبة الأمريكية فريدا ماكفادين، مُترجمة إلى اللغة العربية بعنوان «الخادمة» عن «العربية للعلوم- ناشرون»، كما تُرجمت إلى 27 لغة أخرى.
  • «Weyward»: للكاتبة البريطانية الأسترالية إيميليا هارت. لا أظن أن هذه الرواية قد تُرجمت إلى العربية، ولكنها تُرجمت إلى العديد من اللغات الأخرى.
  • «Someone Else's Shoes»: للكاتبة الإنجليزية جوجو مويس. لم تُترجم هذه الرواية إلى اللغة العربية على حد علمي، ولكنها تُرجمت إلى العديد من اللغات الأخرى.

المظلة الرئيسية للروايات الثلاث تتمحور حول «تمكين المرأة».

تمكين المرأة، بالتعريف، هو حركة تهدف إلى حصول المرأة على نفس الحقوق والفُرص التي كانت حصرًا على الرجال، وأن تملك القدرة على التحكم في حياتها على عدة محاور، منها:

  • التمكين الاقتصادي: حق المرأة في شغل وظائف لائقة دون تمييز بسبب الجنس، مما يؤدي إلى المساواة في الدخل ويمنحها القدرة على التحكم في حياتها.
  • التعليم: يتيح التعليم اللائق للمرأة الوعي بحقوقها كما يمكنها من المنافسة في سوق العمل، بما يعطيها القدرة على الاستقلال اقتصاديًا عبر حصولها على دخل خاص بها.
  • الوصول إلى الموارد: يجب أن يكون للمرأة الحق في امتلاك الموارد الإنتاجية، خاصة الأراضي.
  • التصدي للتحيزات: للمرأة الحق في الحصول على الفرص سواء في العمل أو في المجتمع دون التحيزات التي تحد من فرصها.
  • إنهاء العنف: لا بد من التصدي لجميع أشكال العنف الموجه ضد المرأة.
  • تقدير الذات: يجب أن يُتاح للمرأة أن تشعر بقيمتها الذاتية وحقها في اتخاذ قراراتها الخاصة.
  • السلطة: أن يكون للمرأة القدرة على إدارة حياتها دون أي تدخل من أي رجل.

والحق أن الروايات الثلاث تسعى إلى الاشتباك مع واحدة أو أكثر من هذه المحاور عبر استعراض شخصيات تمر بواحدة أو أكثر من تلك الأزمات. ومن خلال متابعة القصص، نرى كيف تشحذ الشخصيات طاقاتها، وتتخلصن من ضعفهن، وتجدن أدوات قوتهن. ولكن، ماذا عن الكيفية التي اختارتها الكاتبات لتمكين المرأة في تلك الروايات الثلاث؟

رواية «الخادمة» تُصنف كرواية إثارة وتشويق (Thriller Novel)، ويمكن وصفها بـPopcorn Thriller، مما يعني أنها رواية خفيفة تُقرأ بسرعة، لكنها مُسلية. وهذا بالفعل وصف دقيق؛ فهي مسلية بلا شك.

تعيش ميلي، بطلة الرواية، في سيارتها فيما تبحث عن عمل كخادمة في أحد منازل الأثرياء. في بداية الرواية، لن نعرف ما الذي أدى بها إلى هذا المصير، فقط سنعرف أنها خرجت حديثًا من السجن وتحاول إخفاء هذه المعلومة خلال مقابلات العمل كي لا تُرفض. 

تتلقى ميلي اتصالًا بقبولها في الوظيفة من سيدة تُدعى نينا بعد يوم من مقابلة العمل. لكن سرعان ما تكتشف ميلي أن إعلان الوظيفة لم يُنشر أصلًا، فكيف حصلت نينا على رقم هاتفها؟ تتجاهل ميلي هذا التساؤل بسبب حاجتها الشديدة للعمل. تتغاضى أيضًا عن نوبات الغضب الغريبة التي تسيطر على نينا وسلوك ابنتها العدائي والمُريب، لأنها إن تخلت عن الوظيفة ستعود إلى العيش في سيارتها بدلًا من الغرفة الصغيرة والمريبة في علية المنزل، والتي سيتضح لاحقًا أنها عنصر مهم في الحبكة؛ إذ تُستخدم كغرفة تعذيب!

ميلي، التي سنكتشف لاحقًا أن سبب سجنها كان عاقبة لما يمكن أن نعتبره نوع من النضال النسوي، تجد نفسها تستكمل هذا النضال بالصدفة ودون إرادة حقيقية منها. ولكنها ليست وحدها في هذا النضال؛ إذ تستعين بالبستاني الإيطالي مفتول العضلات، الذي هرب من بلده بعد قتله لشخص ما. تلعب المصادفة دورًا كبيرًا في حبكة الرواية؛ فميلي لم تكن تعلم عند قبولها العمل لدى عائلة وينشستر أن نينا جلبتها خصيصًا كي تتمكن من إيجاد وسيلة للهروب من زوجها السادي، مُستعينةً بالخادمة كبديل عنها.

كما يتصادف أن البستاني، الذي يعمل في الحي وفي حديقة العائلة، لديه صدمة قديمة بسبب مقتل أخته على يد زوجها. بعد مقتل أخته، قرر الانتقام بقتل زوجها، مما يكشف عن قلب طيب وحنون خلف عضلات صدره الممتلئة. ستكتشف ميلي هذه الصفات لاحقًا، وستجده ليس فقط حبيبًا، بل شريكًا في نضالها النسوي.

أما نينا، فهي ليست شريرة بالكامل؛ فهي تعرف سر ميلي وأنها كانت في السجن، وإن كانت تجهل سبب سجنها. لذلك، تقرر التضحية بميلي لمساعدتها في الهرب، لكنها لا تنجو تمامًا من تأنيب الضمير الذي يظهر في بعض مواضع الرواية.

تأخذ الكاتبة بطلتها ميلي في الجزء الثاني من الرواية إلى رحلة مستقرة في النضال النسوي؛ حيث تصبح ميلي، ظاهريًا، خادمة في بيوت الأثرياء، لكنها فعليًا منقذة لربات البيوت المعنَّفات. يتبادلن رقمها سرًا، إذ تمثل لهن السبيل الوحيد للهروب من أزواج أثرياء ذوي نفوذ قوي وأموال كثيرة وطباع سادية.

على نفس منوال الزوج واسع النفوذ والثراء، والسيدات اللواتي يعانين من عدم التمكين الاقتصادي، تتحرك حبكة «Someone Else's Shoes» للكاتبة الإنجليزية جوجو مويس. حيث تجد نيشا كانتور، الأمريكية المتزوجة من ثري بريطاني، نفسها مُشردة في الشارع بعد أن قرر زوجها، بعد 20 عامًا من الزواج، أنها لم تعد تلزمه، وأنها ستخرج من مولد الزواج بلا حمص ولا حتى ملابسها الفاخرة، التي تساوي كل قطعة منها ثروة صغيرة.

تجد نيشا نفسها مشردة في شوارع لندن بروب الجيم والشبشب، عاجزة عن دخول أي من بيوت زوجها بسبب جيشه من رجال الأمن مفتولي العضلات. تتقاطع قصة نيشا مع قصة البطلة الثانية في الرواية، سام، من خلال ارتيادهما نفس الجيم. إذ تأخذ سام بالخطأ حقيبة نيشا الفاخرة الـSigne بدلًا من حقيبتها الرخيصة والمُقلدة، التي تحتوي على ملابس زهيدة الثمن من محلات التوحيد والنور البريطانية «بريمارك».

نيشا، التي تعتبر الملابس الرخيصة غير لائقة بها، تفضل التجول في الشوارع بروب الجيم والشبشب على أن ترتدي ملابس متعرقة لسيدة من الطبقة المتوسطة. في الوقت نفسه، تحاول التواصل مع زوجها أو مساعدتها الشخصية ماجدة، الوحيدة التي بقيت مخلصة لها بعد أن تخلى عنها حراس زوجها، وأيضًا بعد أن تخلت عنها صديقاتها القدامى من طبقة زوجها. فالولاء في هذه الطبقات لصاحب الثروة والنفوذ، لا للزوجة الخائبة التي لم تنجح في الاحتفاظ بالرجل، فاستبدلها بسكرتيرته الأصغر منها بعشرة أعوام (كلاسيكي!).

بينما تعاني نيشا من عدم التمكين الاقتصادي، تواجه سام التمييز في مكان عملها، حيث يضطهدها مديرها لمجرد كونها امرأة. لا نعرف حتى نهاية الرواية سببًا واضحًا لهذا الاضطهاد، ولماذا تتعرض سام تحديدًا له دون زميلاتها الأخريات. يبقى المدير شريرًا دون أن تتبين دوافعه، يبدو كأنه مجرد تجسيد للنمط الذكوري السلطوي، مما يجعل منه شخصية مُسطحة أحادية البُعد.

بينما تتحرك نيشا في الحياة بظهر مفرود وصدر بارز، وخطوات واثقة، وشعور تام بالاستحقاق، نجد سام على العكس تمامًا؛ تمشي بأكتاف محنية وظهر مقوس. ولكن سرعان ما يتغيّر جسدها المُستسلم بلمسة سحرية، حين تضطر إلى ارتداء حذاء نيشا الفاخر في مقابلات العمل، بعد تبدل الحقائب! ما إن تستقر قدما سام في الحذاء حتى يتبدل شيء ما فيها؛ ينعكس ذلك في انتصاب ظهرها وارتفاع رأسها، ويتلبسها شعور بالثقة يمكّنها من إتمام الصفقات لصالح شركتها. وبفضل هذه الثقة، تجتذب نظرات الإعجاب من زملائها الرجال، الذين لم يروا فيها من قبل سوى الزميلة المُجتهدة والمُضطهدة من مديرها.

لن تحصل سام على التمكين فور ارتدائها للحذاء الفاخر، على الأقل ليس بعد؛ لكن الحذاء سيمنحها هبة الراحة في جسدها، رغم أنها ليست مُعتادة على ارتداء الكعب العالي.

ربما تظن كثير من النساء حين يقرأن الرواية، وأنا منهن، إن ارتداء كعب رفيع للمرة الأولى قد يسبب معاناة حقيقية، يصعب معها التركيز في أي شأن آخر، لكن هذه ملحوظة جانبية. إنما يكمن العوار الأكبر في فكرة أن المرأة تكتسب ثقتها بنفسها من حذاء باهظ الثمن، حذاء صممه رجل ليكمل به نموذج للجمال الأنثوي صنعه رجال آخرون، كما أنه عامل خارجي أتى بالصدفة وليس نابعًا من إرادة سام ورغبتها في التغيير.

عندما تحاول نيشا مقابلة زوجها في الفندق الخاص به وتختبئ في ممرات الخدمة، تظن إحدى عاملات الفندق أنها جاءت للعمل كمنظفة وتأخذها لتسلمها ملابس العمل قائلة: «مبروك قبولك في الوظيفة.» هكذا وبالصدفة البحتة تجد نيشا عملًا داخل فندق زوجها، دون أوراق أو سيرة ذاتية أو مقابلة توظيفية! في لندن، حيث إذا أردت العمل حتى في تنظيف الحمامات، يُطلب منك ملء استمارة طولها عشرة أمتار، وفيش وتشبيه، وقصة حياتك من يوم أن ولدتك أمك. مثل هذه الثغرة هي واحدة من ثغرات عديدة في الحبكة يصعب تجاوزها طوال أحداث الرواية.

ومثل هذا العامل الخارجي الذي يهطل كمطر صيفي فيتحقق التمكين، نجده أيضًا في رواية إيميليا هارت «Weyward». هذه المرة يأتي التمكين عبر السحر المتوارث في عائلة واي وارد على مر الأجيال. وعلى الرغم من تلاشي أثر السحر في الزمن المعاصر، تتمكن كيت، إحدى الشخصيات الرئيسية الثلاث، بعد سلسلة من الأحداث، من استعادة قدراتها السحرية والاتصال مُجددًا مع الحيوانات والطبيعة. وفي تلك اللحظة فقط، عن طريق تجنيد جيش من الغربان، تنتصر على زوجها الذي كان يعنفها، وتتحرر من العزلة والاختباء لتعيش حياتها بحرية!

تتبع «واي وارد» قصص ثلاث سيدات، كل واحدة منهن في حقبة زمنية مختلفة، إلا أنهن ينتمين إلى نفس عائلة واي وارد. ألثا، التي تعيش في عام 1619، تُحاكم بتهمة ممارسة السحر الأسود بعد وفاة أمها التي وُصمت بنفس التهمة في زمن كانت تُحاكم فيه السيدات بتهمة السحر. لكن الرواية لا تتناول التحليل التاريخي لما حدث من محاكمات الساحرات بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر في إنجلترا، والتي بلغت ذروتها خلال النصف الثاني من القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر. فلم تتطرق الرواية إلى الأسباب التاريخية والسياسية والدينية التي أسفرت عن إعدام ما يقدر بـ 500 شخص، 90% منهم من النساء. على العكس تؤكد الرواية قدرات تلك النساء على ممارسة السحر، إلا أنه سحر طيب، يوجه لأغراض خيرة وليس سحرًا أسود!

ترث النساء من عائلة واي وارد حرفة التداوي بالأعشاب، باستخدام وصفات قائمة على النباتات، وليس مُستهجنًا أن يُنظر إلى ذلك. كان يمكن الاكتفاء بتحليل هذه الظاهرة التاريخية، المُتمثلة في اتهام ممارسات تلك الحرفة بتهم كالسحر الأسود ومحاكمتهن ظلمًا. لكن الكاتبة تصوّر الشخصيات بطريقة خيالية، إذ تمنحهن أيضًا قدرات فوق طبيعية في الاتصال بالحيوانات بجميع أنواعها، بل والقدرة على السيطرة عليها واستخدامها في الانتقام من شر الرجال إن تطلب الأمر.

أما رجال الرواية فجميعهم يمثلون الشر والسيطرة الذكورية، والهدف من وجودهم بالنسبة لسيدات عائلة واي وارد هو إنجاب فتاة (ولا بد أن تكون بنتًا)، وهي التي سترث تركة سلالة السيدات بما فيها كتاب الوصفات الطبية والقدرة على التواصل مع الحيوانات.

ينحصر تمثيل الرجال في الروايات الثلاث إلى قطع إكسسوار بلا أهمية، تمامًا كالكريزة على قمة الكعكة، سواء كانوا أشرارًا أو قليلي الحيلة، مثل زوج سام في «حذاء شخص آخر». تعيش سام حياة صعبة جدًا بين مدير متنمر وزوج مكتئب يجلس طوال اليوم على الأريكة ولا يهتم بسماع مشكلات سام في العمل، ولا يعينها على القيام بمهام البيت اليومية من تسوق وطهي وتنظيف.

يتمثل الرجل في رواية « الخادمة» من خلال شخصية غارقة في المثالية الظاهرية، منعكسًا في زوج نينا، لكن يتكشف لنا مع الوقت كونه ساديًا يعذب زوجته بحبسها في غرفة العلية لأيام متواصلة بلا طعام أو شراب لأقل هفوة تقوم بها، وهي بالطبع أشياء عادية ولكنها خطايا من وجهة نظره الذكورية السادية، كأن تترك جذور شعرها المصبوغ تعود للظهور بلونه الأصلي دون حجز موعد عند الكوافير. إذًا، للرجل وجهان: أبيض بالكامل أو أسود بالكامل، لا يبدو بشريًا، بل يظهر مثاليًا ظاهريًا بوسامته وجسده الممشوق، وأسود بالكامل في ساديته وذكوريته.

على هذا النحو من تمثيل الشخصيات الذكورية في الروايات الثلاث، حيث يظهرون إما أشرارًا بالكامل دون أي جانب إنساني، أو ضعفاء غير قادرين على تقديم أي نفع، قد يكون تبديل الأدوار في الأدب والدراما محاولة للانتقام من سنوات طويلة من تهميش المرأة، حيث كانت تُستخدم كديكور في قصص الأبطال الذكور الأقوياء الذين ينقذون العالم ويحمون النساء من الخطر. لكن هل الهدف من الأدب النسوي هو فقط قلب الطاولة، وتكرار نفس النمط من التهميش بشكل عكسي؟ أم أن هناك حاجة لإيجاد توازن حقيقي في تقديم الشخصيات، بغض النظر عن جنسها؟

على الصعيد المحلي، في الأدب المصري، نلاحظ اختلافًا في تعامل الأدب النسوي مع الصوابية السياسية. ورغم وجود بعض الأدب النسوي متوسط المستوى، إلا أنه يفتقر غالبًا إلى «عامل جاذب» أو خلطة سحرية تجعل الرواية مشوقة ومرغوبة. لذا، ربما يكون الحل هو إضافة بعض التشويق إلى هذا النوع من الأدب، حتى يصبح أكثر قابلية للاستهلاك السريع أو ما يُسمى بأدب الفشار، Popcorn thriller، تمامًا كما تُضاف التوابل إلى الأطعمة لجعلها أكثر شهية، رغم علم المستهلكين بمكوناتها الرديئة.

عن الكاتب

هالة الصياد

كاتبة وسيناريست ومترجمة، تخرجت في كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية، ثم درست صناعة الأفلام في مدرسة سينما الجيزويت، كما درست الفنون الحداثية والعلوم الإنسانية والترجمة. صدر لها مجموعتان قصصيتان، وروايتان…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن