تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عز الدين نجيب في رسوم الزنزانة: ثلاث حبسات في زمن غريب 

عز الدين نجيب في رسوم الزنزانة: ثلاث حبسات في زمن غريب 

الحلقة  العاشرة من كوكبة «المصريون والسجن: سنوات دامية للمثقفين والجلادين خلف الأسوار»

كتابة: محمود الورداني 15 دقيقة قراءة

بالطبع ليس المصريون وحدهم هم الذين لعب السجن والمعتقل وآلات التعذيب والمحاكمات دورًا أساسيًا في حياتهم، فالقمع والانفراد والاستغلال وصراع الطبقات أمور لا تحتاج للتأكيد، بل هي واقع عاشته وتعيشه سائر المجتمعات منذ قرون وسوف يستمر أيضًا، وإن كنت أتمنى ألا يستمر حتى النهاية.

برنامج القراءة الذي أقترحه هنا يطمح للاقتراب من تلك التجربة المخيفة بكل ما فيها من بسالة وانكسار لمن عاشوا خلف الأسوار، من تعذيب وتنكيل اقترب في أحيان كثيرة من القتل، ناهيك عن أن هناك من قُتلوا فعلًا وتم تعذيبهم حتى الموت. ويطمح للاقتراب أيضًا من مستعمرات العقاب ذاتها ومعسكرات الاعتقال في سائر بقاع المحروسة. ومن بين ما يسعى إليه برنامج القراءة الذي أقترحه الكشف عن دهاليز وخفايا نظام التحقيقات والمحاكمات الذي أتاح وسمح بمساخر لا حصر لها، لا تتعلق فقط بإهدار سنوات طويلة من عُمر المعتقلين داخل مستعمرات الاعتقال، بل أتاح أيضًا وسمح بأن تعيش مصر ومثقفوها وقواها الاجتماعية عدة عقود متوالية، في أوهام وضلالات الحكم العسكري المطلق منذ عام 1952 وحتى الآن.

أود أن أؤكد أن التجارب التي توقفت عندها ليست كل التجارب بالطبع، وشهادات المعاصرين لتلك التجارب ليست هي كل الشهادات، لهذا كان لا بد من الاختيار، والحرص على أن يكون الاختيار ممثلًا للصورة العامة التي أسعى من أجل توضيحها والإحاطة بها. 

في الحلقة الأولى تناولت مؤامرة شبرا، التي اتهم فيها شباب بالتخطيط لقتل الجناب الخديو عام 1912. وفي الثانية والثالثة اخترت  كتاب سعد زهران «الأوردي .. مذكرات سجين» عن التجربة الدامية في «أوردي» أبو زعبل كنقطة انطلاق. وفي الحلقة الرابعة والخامسة تناولت تجربة الواحات، منطلقًا من كتابين هما «يوميات الواحات» لصنع الله إبراهيم، وكتاب «الحياة الثقافية في سجن الواحات» لعلي الشوباشي. وبالموازاة اخترت للحلقتين  السادسة والسابعة «مذكرات إنجي إفلاطون التي سجلّت التجربة المتزامنة مع تجربة الواحات، في سجن آخر هو سجن القناطر للنساء، وحوله وبجواره عدد لا بأس به من الشهادات. وللحلقة الثامنة تناولت تجربة نادرة لم تتكرر، حين قام اثنان من السجناء بالهروب من معتقل الواحات. وفي الحلقة التاسعة، أتناول شهادة لآخر قادة التنظيم الخاص للإخوان المسلمين. 

هذا بالنسبة لمعتقلات عبد الناصر، أما في الثلاث حلقات القادمة، فأنتقل لسبعينيات القرن الماضي، حيث شهدت الحركة اليسارية نهوضًا واضحًا، وخرجت إلى الشارع مظاهرات واحتجاجات لافتة، وأعقبها بطبيعة الحال حملات اعتقال طالت العديد من المثقفين والأدباء والفنانين. أبدأ بكتاب «رسوم الزنزانة» لعز الدين نجيب. 

رحل عنا أخيرًا الفنان التشكيلي عز الدين نجيب (30/4 / 1940 - 22/ 9/ 2023)، بعد أن أمضى 83 عامًا في عمل دائب ونشاط لم يتوقف على أكثر من مستوى. كفنان تخرج من كلية الفنون الجميلة عام 1962 وأقام عشرات المعارض في مصر والخارج، وله تجربة فنية عريضة. وكناقد تشكيلي أصدر عددًا من الكتب النقدية، وكقاص وروائي أيضًا أصدر عددًا كبيرًا من الأعمال، وكمشتغل بالحياة العامة أسس وترأس وأدار عددًا كبيرًا من الجمعيات والمؤسسات، من بينها مثلًا تأسيس قصر ثقافة كفر الشيخ وتعيينه مديرًا له بين 1966 و1968، وبسبب نشاطه الحافل وتأثير قصر الثقافة في الفلاحين، تدخلت أجهزة الأمن ونكّلت به وظيفيًا وأبعدته. كما كان مديرًا لقصر المسافر خانة ومراسم الفنانين في حي الجمالية بين 1968 و1976. وهنا أيضًا تم إبعاده وتدمير مرسمه ولوحاته.

كذلك كان عزالدين نجيب ضيفًا لعدة مرات على عدد من السجون مثل القلعة والاستئناف وطُرة ومزرعة طُرة، وأمضى في كل منها أسابيع قليلة، واستطاع أن يتحايل على التجربة برسم عدد لابأس به من الرسوم من داخل السجن. واعتمادًا على هذه الرسوم التي تمكن من تهريبها، وعلى الذاكرة، ومذكرات سريعة كان قد سجّل فيها جانبًا من اعتقاله «العبثي» في المرة الثالثة حسبما عبّر، أنقذ تجربة بالغة الأهمية من الضياع، فقام بتدوينها بعد أربعة عقود في كتاب. وأغلب الظن أنه لولا ثورة 25 يناير وما أشاعته من تفاؤل وثقة في المستقبل، لما فكّر في الكتابة، خصوصا بعد أن مرّت كل تلك السنوات.

        * 

الكتاب «رسوم الزنزانة» صدر عن هيئة قصور الثقافة في طبعة مُعتنى بها وبرسوم الفنان عام 2014 بسبب ثورة 52 يناير، في الفترة التي كان مسموحًا فيها لكتب مثل هذا الكتاب أن تصدر عن هيئة حكومية.

كتاب رسوم الزنزانة

يسجّل نجيب ثلاث حبسات. الأولى في يناير عام 1972 عندما وصل إلى مرسمه في قصر المسافرخانة بدرب الطبلاوي بالجمالية ، ووجد ثلاثة رجال غرباء ينتظرونه، واصطحبوه على الفور بعد أن عرف أنهم ضباط من مباحث أمن الدولة. وهو في الطريق كان يسترجع الأيام القليلة الماضية ومظاهرات طلاب الجامعة المطالبة بتحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي، حيث تشكّلت لجنة عليا لطلاب جامعة القاهرة دعت لاعتصام تم فضّه بالقوة واعتقال المشاركين فيه، مما أدى لاندلاع المظاهرات الغاضبة التي اتجهت لميدان التحرير، وهو الميدان الذي يعد رمزًا للغضب خلال الانتفاضات المختلفة منذ عام 1946. شهد الميدان اشتباكات ومعارك ضارية احتجاجًا على اعتقال الطلاب المعتصمين، إلى جانب المزيد ممن شاركوا في المظاهرات.. في هذا السياق»، تشكّلت لجنة من المثقفين والفنانين والكتاب لـ«لإعداد لمؤتمر موسّع لمناصرة الانتفاضة الطلابية وتبّني مطالبها وتم اختياري بين أعضائها» حسبما ذكر.

وفكّر نجيب أن الأمر سيكون بسيطًا، ولن يتجاوز الاعتقال أيامًا أو أسابيع قليلة ريثما تشتغل ماكينات الدعاية في الإعلام المسيطر عليه، لإقناع الناس أن القلة المندسة من المثقفين هي السبب بتحريضها للطلاب، فيما القاعدة الأساسية من الطلاب سليمة!!

قادوه إلى مسكنه أولًا حيث جرى التفتيش وانتزاع مجموعة لا بأس بها من الكتب الحمراء (وكلها كانت تباع علنا في المكتبات) وأعدّ هو حقيبة صغيرة تضم ملابسه، واتجهت السيارة إلى سجن القلعة، ليخوض نجيب أول تجربة اعتقال في حياته.

تذكر نجيب أيضًا صدامه الأول مع السلطة، ليلة الرابع عشر من أبريل 1968 عندما قامت قوات الأمن باستخدام الهراوات، لتفريق آلاف الأهالي لمنع إقامة ندوة سياسية نظّمها قصر الثقافة الذي كان يديره، وتم تسريح موظفيه ومنع نشاطه. ويلفت نجيب النظر إلى أن عبد الناصر بنفسه كان على علم بنشاط القصر، وأخذ بوجهة نظر وزير الثقافة ثروت عكاشة آنذاك الذي أكّد له أن نجيب «ليس شيوعيًا ولا معاديًا للنظام بل ابن مخلص من أبناء ثورة يوليو وأقنعه بأهمية الإبقاء على التجربة» حسبما كتب.

ولذلك تراءى له أن اعتقاله نوعًا من تصفية الحساب ولن يستمر طويلًا.

*

سجن القلعة أصلًا مخالف للقانون، حيث يخضع لمباحث أمن الدولة، ومع ذلك يستخدم للضغط والتعذيب أحيانًا لانتزاع الاعترافات، ثم يحقق مع المتهم في النيابة.

وهكذا مكث نجيب عدة أيام في حبس انفرادي في زنزانة (5) لا يخرج إلا معصوب العينين للذهاب إلى الحمام بصحبة عسكري. وعلى خلاف القانون أيضًا تم استدعاؤه للتحقيق مع وكيل النيابة في السجن نفسه، والأنكى أن الأخير وجّه له -طبقا لبلاغ مباحث أمن الدولة- اتهامًا بتحريض الطلاب على مقاومة السلطات والدعوة لهدم الدولة وأنه ألقي القبض عليه أثناء وجوده وسط المظاهرة، فيما الحقيقة أنه قُبض عليه في مقر عمله. طبعا ذكر نجيب الحقيقة، وفي الوقت نفسه دافع عن حق الطلبة في التظاهر.

كان ما يشغله طوال الوقت هو الرسم حتى مجرد الرسم على جدران الزنزانة، ما دام الورق والأقلام من المستحيل توافرها. استخدم حجرًا صغيرًا ملقى في الزنزانة، لكنه تفتت، وقطعة خشب صغيرة انتزعها وهو في الحمام، لكنها كُسرت أيضًا.

عز الدين نجيب

 تم ترحيله إلى سجن الاستئناف (هُدم الآن، وكان يقع في قلب القاهرة أمام متحف الفن الإسلامي في باب الخلق) وهنا اكتشف نجيب أن عدد المحبوسين كبيرًا جدًا، ويضم إلى جانب الشيخ إمام ونجم عدد آخر من المثقفين والصحفيين من أجيال سابقة.

من جانب آخر، تميّزت حملات الاعتقال خلال سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم بحرص أجهزة الأمن على جرجرة مجموعة منتقاة من الفنانين والكتاب والصحفيين المعروفين بنشاطهم في المجال العام، وليس ضروريًا أن يكونوا يساريين، إلى جانب مجموعة أخرى من قدامى اليساريين الموجودين في ملفاتها القديمة. ومن بين الفضائح الشهيرة أن هناك عدة أسماء هاجمت أجهزة الأمن بيوتهم لاعتقالهم في حملة يناير 1977 بعد انتفاضة الطعام الشهيرة في 18 و19 يناير، وكان بعضهم قد توفي فعلا منذ سنوات، والبعض الآخر غادر مصر منذ سنوات أيضًا.

       *

ولما كانت الحبسة تفتقر للحدود الدنيا من الجدية، ولما كان الجميع ألقي القبض عليهم من مقر أعمالهم أو سكنهم، فضلًا عن عدم حصولهم على حقوقهم القانونية داخل محبسهم باعتبارهم تحت التحقيق.. لكل هذا اتفقوا على دخولهم إضراب تصاعدي، وهو ما يتطلب الإعداد له وإبلاغ الخارج، سواء كان الأهالي أو المحامين أو النقابات المهنية التي ينتمون إليها لضمان الضغط والمساندة من الخارج. وهو أمر كان متوافرًا تمامًا، فسجن الاستئناف الذي نقلوا إليه يقع في قلب القاهرة، ومن السهل إبلاغ الأهالي.

يحكي نجيب تجربته مع الإضراب عن الطعام بالتفصيل حتى اليوم العاشر، عندما رتّبت أجهزة الأمن، كشكل من أشكال الضغط لكسر الإضراب، زيارة والدي نجيب في حجرة المأمور. كاد والدا نجيب ألا يتعرّفا عليه، فقد بلغ وزنه 45 كيلوجرامًا وبدا كشبح. كان الموقف بالغ الصعوبة على الطرفين. فنجيب حاول طمأنتهما، والأب والأم أدركا أن الضغط عليه ليس مناسبًا.

  كتب نجيب «تجنبتُ أن تلتقي عيناي بعيونهما حتى لا أضعف. حاولا كثيًرا بدموعهما أكثر من كلماتهما إقناعي بالإفطار» ويضيف: «بقيت أغلب الجلسة صامتًا، فقط كنت أردد بين حين وآخر: إن شاء الله.. اطمئنوا.. أنا كويس..».

وفي اليوم الثاني عشر أبدى الطبيب المكلّف بمتابعة حالة المضربين قلقًا شديدًا على نجيب تحديدًا، وفي اليوم الرابع عشر، تم الاستجابة لأهم مطلب لهم وهو تحديد موعد لجلسة المحكمة التي تنظر في أمر حبسهم بعد أيام قليلة، فقرروا فك الإضراب وهو ما يستوجب الانتباه الشديد لأن المعدة بعد 14 يومًا تكون ضمرت، لذلك يتم التعامل معها بحرص والبدء بالعصائر والشوربة والطعام الخفيف.

أما المفاجأة الأكبر فهي حكم المحكمة بالإفراج عن جميع المتهمين فورًا بضمان محال إقامتهم!

أي أن الفيلم انتهى!

واللافت للنظر أن أغلب حبسات السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم لم تكن أكثرمن «لمّة» سريعة عشوائية ومحاضر اتهام مفبركة وأدلة وأحراز متهافتة، ولا يجد القاضي أمامه قضية ولا شبه قضية، ويضطر عندئذ للحكم بالبراءة، وأشهر القضايا، وهي القضية 100 حصر أمن دولة عليا، حكم فيها المستشار الراحل المحترم منير حكيم صليب رئيس المحكمة ببراءة جميع المتهمين، باستثناء اثنين ضُبطا يوزعان المنشورات، فيما كان المتهمون قُدّموا باعتبارهم مؤسسين لتنظيمات شيوعية سرية أعدت مؤامرة للانقلاب على نظام الحكم من خلال المظاهرات التي نظّموها في 18 و19 يناير 1977.

أما الهدف الحقيقي لأجهزة الأمن فهو «الشو» الإعلامي من ناحية، وإحداث حالة من الارتباك والقلق الشديد بين الناشطين والمشتغلين بالعمل العام، فبعضهم يدبّر هروبًا ويختفي بالفعل، والبعض الآخر سيشغل المحيطبن به بالمحامين والقضية والزيارات للمساجين أو المعتقلين، ويدور الجميع في حلقة مفرغة ويبتعدون قليلًا عن قضايا الوطن والديمقراطية وحقوق الناس.  

*

بعد ثلاث سنوات، يوم 2 يناير 1975، «يوم الغزوة السنوية لرجال المباحث احتفالًا بالعام الجديد منذ تفجر الانتفاضات الطلابية في ديسمبر 1971» حسبما كتب نجيب، دق جرس باب مسكنه، واقتحم رجلان المكان، بادرا بالتفتيش وملأا حقيبة كبيرة بالكتب والأوراق الخاصة، على النحو نفسه الذي جرى في يناير أيضًا عام 1972.

لم يكن من الصعب على نجيب أن يخمّن السبب الحقيقي لاعتقاله، فبالأمس فقط قام عمال حلوان بمظاهرات عنيفة اتسعت وشملت القاهرة كلها تقريبًا، بعد أن قرأوا جرائد الصباح ووجدوا بيانًا من الحكومة بارتفاع أسعار كثير من السلع الأساسية. أما أجهزة الأمن وجهابذة السياسة والحكام في زمن السادات فلديهم سيناريوهات جاهزة لمواجهة الانتفاضات العفوية. هناك أولًا قوائم جاهزة ومعدة سلفا بأسماء المطلوب التنكيل بهم، وتقديمهم بوصفهم المخربين الذين يديرون التنظيمات الشيوعية السرية، ويقودون «القاعدة السليمة» من الشعب حسب التعبير الذي كان شائعًا آنذاك للقيام بأحداث الشغب والتخريب!

على أي حال، حمل رجال الأمن حقيبة الكتب والأوراق الضخمة، فيما أعدّ هو حقيبة صغيرة بملابسه وأدويته، وتوجهوا جميعًا إلى سجن القلعة.

 *

أمام وكيل النيابة فوجئ بأن هناك مذكرة مقدّمة من وزير الثقافة يوسف السباعي إلى مباحث أمن الدولة تفيد بأن «أعضاء جمعية كتاب الغد من الشيوعيين وأنهم يتخذون منها واجهة لتنظيم اليسار الجديد» كما أشار نجيب. وبوصفه عضوا في التنظيم السري المشار إليه يشترك مع أفراد التنظيم، مستخدمين الواجهة العلنية «كتاب الغد» في «تأليب الطبقات وإثارة الحقد الطبقي وتهديد السلام الاجتماعي بتنظيم المظاهرات العمالية والحض على كراهية نظام الحكم».

كان نجيب بالفعل عضوًا مؤسسًا بجمعية أدبية مشهرة طبقا لقانون الجمعيات الأدبية ومسجّلة بوزارة الشؤون الاجتماعية، وعلى مدى الأعوام الثلاثة السالفة قامت الجمعية بنشاط أدبي واسع من خلال ندواتها وسلسلة الكتب التي بدأت في إصدارها، وشارك في نشاطها نقاد ومفكرون كبار، كما رفضت بقوة قانون اتحاد الكتاب الذي قدّمه يوسف السباعي، وحشدت تأييدًا واسعًا لوجهة النظر الديمقراطية التي تتبناها..

بالطبع اعترف نجيب أمام النيابة بعضويته لجمعية كتاب الغد، أما تنظيم اليسار الجديد فهو لم يسمع به أصلًا. كان الاتهام متهافتًا ولا أدلة أو قرائن أو اعترافات، وشعر نجيب بحرج موقف وكيل النيابة ذاته.

لا يحدد نجيب بدقة الفترة التي أمضاها في سجن طرة، لكنها فترة قصيرة، ضمّت كثيرًا من أبناء هذا الجيل من الشعراء والكتاب والفنانين الذين انخرطوا في تنظيم «حياة عامة» اشترك فيها الجميع، حيث تتولى لجنة منهم توزيع كل الموارد، سواء النقود المودعة في الأمانات، أو ما يأتي في الزيارات بنسبة متساوية، ولا فرق بين من لديه موارد أو ليس لديه.

إلى جانب هذا عقدوا ندوات أدبية وفكرية، وقدّموا إذاعة يومية مسائية من الزنازين، إلى جنب مباريات الكوتشينة والأمسيات الشعرية.

ومع كل ذلك، كان أهم ما يشغل نجيب الرسم، ولم يكن مسموحًا بالأوراق والأقلام، وجاءه الفرج عندما حصل على ورقة كبيرة مصقولة داخل إحدى الجرائد التي كانت مهرّبة، وكانت تحمل صورة للنادي الأهلي وتوزّع كهدية مع العدد. واهتدى إلى فكرة نفّذها على الفور وهي قلب الورقة على ظهرها والرسم على المساحة البيضاء بقلم الفلوماستر الأسود الذي هرّبه أحد المساجين الجنائيين بناءً على اتفاق سابق بأن يرسم له في المقابل صورة والده، ثم تطور الأمر بعد ذلك ونجح في تهريب كراسات وأقلام للرسم.

رسم بورتريهات سريعة لرفاقه في الحبسة: أحمد فؤاد نجم وإبراهيم منصور وزين العابدين فؤاد وصلاح عيسى ومحمد كامل القليوبي ومحمد صالح وغيرهم وغيرهم، إلى جانب رسومات أخرى لأبواب الزنازين والحمامات ولعب الكوتشينة والنوم فوق البُرش في الزنزانة وتوزيع اليمك.. وغيرها من الرسوم التي نجح في تهريبها، والأهم أنه احتفظ بها لعدة عقود حتى نشرها في كتابه «رسوم الزنزانة».

من رسوم عز الدين نجيب في السجن

أما الحبسة الثالثة فقد حدثت بعد مرور 22 عامًا، وبالتحديد فجر 24 سبتمبر 1997، عندما اقتحمت كتيبة من الكوماندوز البيت ليروعوا الساكنين وينتزعوه إلى سيارة ميكروباص وسط قوة مدججة بالسلاح.. ويعلّق نجيب أن هذا المشهد كان يشبه الفيلم السينمائي.

أودعوه زنزانة سفلية شهيرة في مبنى مباحث أمن الدولة في لاظوغلي، ألقي فيها ما يزيد عن 30 شخصًا «لايعرفون مثلي سببا للقبض عليهم وسجنهم فترات. علمت منهم أنها تصل لسنوات في بعض الحالات. حتى وإن كان بينهم الساذج والمجنون والجندي والبواب والمعلم والطالب والمسيحي والمسلم وهم في رحلة عبثية لا تتوقف من سجن إلى سجن. وقد يحصلون على قرارات من النيابة أو غرفة المشورة بالإفراج عنهم بعد حبس يصل إلى ستة شهور. لكنهم في النهاية وجدوا أنفسهم هنا من جديد». ويضيف: «أخبروني عن حفلات الاستقبال في حجرات التعذيب بكل الأساليب من اليدوية ضربًا وتعليقًا وكهربة وكيًا إلى التكنولوجيا الحديثة»، حسبما كتب.

أمضى نجيب في هذا القبو عشر ساعات ثم أخذوه معصوب العينين إلى أحد المكاتب، وهناك سُئل عن منشور وجد محشورًا في ماكينة التصوير الموجودة في مكتبه ضد القانون 96 للعلاقة بين المالك والمستأجر للأراضي الزراعية، وأوضح لمن يحقق معه (وهو ليس النيابة المنوط بها إجراء مثل هذه التحقيقات بل أشخاص غامضون لم يتسن له رؤيتهم) ومع ذلك أوضح لهم أنه أخلى طرفه من وظيفته قبل 14 يوما من التاريخ الذي ذكروه له بسبب حصوله على منحة للتفرغ.

أجريت معه مناقشة عبثية، تبيّن منها أن هناك غموضًا شديدًا وتواطؤًا وتوريطًا متعمدًا من جانب جهة عمله. من جانب آخر كانت هناك اضطرابات فلاحية بسبب القانون الجائر الذي تم فرضه على الفلاحين لصالح الملاك، وبدأ طردهم بالفعل من أراض كانت في حوزتهم لسنين طويلة، لكن عز الدين نجيب كان بعيدًا عن هذا الموضوع برمته.

انتهى به الأمر إلى المثول أمام النيابة، والمفاجأة أنه وٌجه بحرز عبارة عن كومة ضخمة من المنشورات مصحوبة بتقرير من المباحث بأن المنشورات ضُبطت في منزله، وكان واضحًا أن المنشورات حديثة الطبع ولم يمر عليها أكثر من ساعة، ومع هذا وجّه له وكيل النيابة اتهامًا مع آخرين بـ«حيازة وتوزيع منشورات تحرّض الفلاحين ضد القانون 96 لسنة 1992 وتعمل على إثارة الطبقات وتحض على كراهية نظام الحكم وعلى تهديد السلام الاجتماعي» وحدد له وكيل النيابة أسماء المعاونين له في التنظيم المزعوم، تعرّف من بينهم على الموظف الذي يعمل على جهاز الكمبيوتر في مكتبه.

بعد التحقيق تسلّمه الضابطان اللذان كانا قد قبضا عليه لتسليمه إلى سجن طرة. وكان ما لفت نظر نجيب بشدة المنشورات التي وٌجه بها، والتي لم يكن قد مضى على طباعتها أكثر من ساعة، إلى جانب أنه لم تكن هناك منشورات في بيته عندما قُبض عليه، لذلك سأل أحدهما:

«بالشرف والأمانة.. هل ضبطت هذه المنشورات في منزلي حقًا؟»

وتلقى أغرب إجابة يمكن تخيلها:

«الحقيقة ما اقدرش اجاوبك على السؤال ده»!

               *

كان سبقه إلى سجن طرة- كما علم فيما بعد مجموعة من المعتقلين يتقدمهم حمدين صباحي وتم استقبالهم بوجبة تعذيب لابأس بها، أما هو فقد تم إيداعه في زنزانة انفرادية في التأديب، ثم نُقل إلى عنبر تأديب السياسيين لينضم إلى زملائه في قضية الفلاحين المزعومة مع كمال خليل وعدد آخر ممن كانوا قد أمضوا عدة أشهر، ثم اكتملت الحبسة بفلاحي قرية نزلة الأشطر بالجيزة، كانوا عقدوا مؤتمرا بقريتهم دعوا إليه كمال خليل وعددًا آخر من المهتمين. وعرف نجيب أن هناك لجنة قومية مشكّلة من عدة أحزاب شرعية للتضامن مع الفلاحين ضد القانون الذي يلقي بفقراء الفلاحين إلى الضياع.

ما حدث بعد ذلك فيلم كافكاوي عبثي لا يمكن استيعابه.

أمضى نجيب ثلاثة أيام في زنزانة التأديب الانفرادية، ثم 21 يومًا مع زملائه في القضية المزعومة بين متهمين لم يكن يعرف أحدا منهم من قبل، والمفروض أنهم زملاؤه في قضية ما.

وفي مساء 15 أكتوبر 1997 صدر قرار بالإفراج عن البعض بقرار من النيابة وقبل العرض على المحكمة، فيما بدا وكأنه قرار سياسي أصدرته جهة ما. واستكمالًا للمشاهد العبثية المتوالية، كان الإفراج عنه أكثر غرابة من القبض عليه، حيث توجهوا به إلى حجرة مكيفة فاخرة الأثاث بمبنى مباحث أمن الدولة، واعتذر له ضابطان من الشباب، وقدّمًا له التليفون ليطمئن أسرته. فوجئ بنبرة الود وهما يتحدثان معه عن أحوال البلد وكأنهم أصدقاء قدامى، ثم انضم إليهما رئيسهما الذي أكّد الاعتذار «وأن الأمر لم يكن إلا غلطة يرجو أن أسامحهم عليها لكنها ليست غلطتهم، فقد كانوا غير مقتنعين منذ البداية باعتقالي لأنهم يعرفون قيمتي جيدًا» ويضيف: «سألت بذهول: من هو إذن الذي اعتقلني» أجابه: «نحن.. لكن بناءً على إصرار جهة أخرى» عاد يسأل: «من هي تلك الجهة؟» كانت الإجابة «اعفني من الإجابة فقد ذكرت لك أقصى ما تسمح به حدودي».

صحيح أنه أفرج عنه بعد أقل من شهر، لكن الأسئلة التي أثارتها هذه الحبسة ظلت تؤرقه وظلت بلا إجابات. من هي الجهة التي تصدر الأمر بالاعتقال، وهل هناك أكثر من جهة وهل تلك الجهات متعارضة، ولماذا تصدر قرارات الاعتقال أصلًا، وكيف يتم طبخ المحاضر والتحريات والأدلة وتدبيج قضية أونطة!        

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن