تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عام من التفاوض والفشل لوقف القتل في غزة

عام من التفاوض والفشل لوقف القتل في غزة

كتابة: إحسان صلاح، لينا عطاالله 20 دقيقة قراءة

«لم يعد هناك جدوى من الحديث عن وقف إطلاق نار في غزة لأن وقف إطلاق النار ستعلنه إسرائيل بعد أن تغتال [يحيى] السنوار، قائد حماس على الأرض في غزة [منذ عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023]»، كان هذا تقدير مصدر مصري قريب من دوائر التفاوض في أواخر سبتمبر الماضي، مفسرًا فشل المفاوضات خلال عام كامل من الحرب في تحقيق أي اختراق حقيقي لوقف إطلاق النار.

في 17 أكتوبر، قتل جنود مشاة إسرائيليون السنوار صدفة أثناء قيامهم بعملية تمشيط لمنطقة تل السلطان في رفح، مع تكهنات حول ما إذا كان قتل السنوار سيحفز وقف إطلاق النار. بحسب المسؤول المصري، «إسرائيل حققت كل مستهدفاتها الممكنة في غزة من حيث القضاء على معظم القدرات العسكرية لحماس، ومن حيث تحقيق أكبر قدر ممكن من الخراب والدمار والقتل في القطاع على رؤوس المدنيين». إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قال بوضوح إن «الحرب لم تنته بعد».

لم تنته إذًا الحرب الأوسع على قطاع غزة منذ انسحاب إسرائيل منه في 2005، وقد اتسع مداها حتى أوشكت أن تصبح حربًا إقليمية بعد فتح جبهة لبنان، وتمدد العمليات الجوية في سوريا وإيران. في بداية هذه الحرب، كانت «حماس» نفذت لتوها إحدى أهم عملياتها العسكرية، حيث هاجمت نقاط عسكرية وغير عسكرية في جنوبي إسرائيل، وأسرت العشرات من العسكريين والمدنيين في الساعات الأولى من صباح 7 أكتوبر 2023، على أمل أن يتمخض ذلك عن مفاوضات لخروج عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين. لكن مع استمرار آلة الحرب الإسرائيلية، التي لم يكترث قادتها بالمفاوضات كثيرًا، أصبح وقف إطلاق نار دائم أكثر إلحاحًا.

لكن إسرائيل لا تقبل بهذا. بحسب المصادر، لم تتضح الرؤية الإسرائيلية لشكل القطاع بعد انسحابها إذا تم التوصل لوقف إطلاق النار، وشكل إدارته، وتأمين منافذه الشرقية، خاصة مع استمرار وجود «حماس»، بالرغم من إضعافها الشديد أثناء هذه الحرب. وبين التشبث الإسرائيلي باستمرار حربها «الأمامية» في غزة وفي جبهات أخرى، واحتياج «حماس» لوقف إطلاق نار دائم أيًا كان شكل الحكم المحلي للقطاع، حاول المفاوضون الأبرز الثلاثة، الولايات المتحدة ومصر وقطر، التوسط بتدخلات متفاوتة للتوصل لاتفاق يوقف الحرب ويحافظ على توازنات قوة كانت قائمة من قبل، ويبدو أن المعركة بصدد تغييرها.

إسرائيل

تسببت سلسلة الاغتيالات الإسرائيلية المتتالية التي شملت قيادات الصف الأول في حركة حماس وحزب الله، وكان آخرها السنوار، في حالة ركود شبه كاملة في مسار التفاوض من أجل وقف إطلاق النار، بحسب المصدر المصري القريب من دائرة التفاوض المصري الإسرائيلي.

الاستمرار في الحرب يفسره المراقبون بعدم قناعة إسرائيل بالتدمير الجذري لحركة حماس حتى الآن، بالرغم من إضعافها الشديد. الحديث عن تدمير معظم قدرات «حماس» القتالية متداول في أوساط عسكرية إسرائيلية بشكل واسع، حسبما تقول المحللة في الشأن الإسرائيلي مع «مجموعة الأزمات الدولية»، مايراف زنشاين، مضيفة أن ما يتردد هو أن معظم كتائب «حماس» دمرت في عملية رفح. «ولكن هناك قادة في الجيش يقولون إنهم بحاجة لسنة أخرى من الحرب لتدمير حماس عسكريًا بشكل كامل»، تقول زنشاين.

كان نتنياهو مهزومًا ومهزوزًا في 7 أكتوبر 2023، إلا أنه استعاد الكثير من قوته السياسية لاحقًا لدرجة أنه لم يعد يمانع أن يدير ظهره لمظاهرات إسرائيلية حاشدة تطالب بالتوصل لصفقة تبادل الأسرى سريعًا، أو حتى لانتقادات سياسية عنيفة كانت توجه له من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، هرتسي هاليفي*، الذي كان يهدد بالاستقالة، أو من رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، إيهود باراك، الذي صرح مرارًا بأن نتنياهو يقامر بسلامة المواطنين الإسرائيليين في سبيل نصر سياسي شخصي.

عندما طرحت الولايات المتحدة مقترح وقف مؤقت لإطلاق النار قبيل شهر رمضان الماضي، اعترض نتنياهو، بحسب المصدر المصري، على مسألة التعهد بعدم القيام بأي عمليات عسكرية خلال ستة أسابيع متتالية، لأن نتنياهو لم يكن يريد ان يضيع فرصة القصف للقتل في حال ما وردته معلومات استخباراتية عن أماكن وجود القيادات العسكرية لـ«حماس». كما أن الحسبة السياسية الداخلية له، والتي تعتمد على الاسترضاء الكامل لليمين الإسرائيلي المتشدد المتمثل في وزير الأمن الداخلي، إيتمار بن غفير، ووزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، كانت لا تسمح له بقبول التوقف عن العمليات العسكرية لمدة ستة أسابيع كاملة.

المصدر نفسه يقول إن نتنياهو، بعد أن نظر في الخرائط الخاصة بإعادة تمركز القوات الإسرائيلية، قرر بصورة قاطعة، أبلغ بها الأمريكيين، أنه لن يغادر أي نقطة من نقاط نتساريم أو محور فيلادلفيا، وسعى لإعلان ذلك، ما تسبب في حرج شديد للأمريكيين وأيضًا للسلطات المصرية، التي قررت أن ترفع بدورها مطلبًا إضافيًا أصرت على أن تشتمل عليه أي صفقة تهدئة، وهي أن يكون التواجد الإسرائيلي في معبر فيلادلفيا مؤقتًا ومحدودًا.

زنشاين من جانبها، تقول إن موقف إسرائيل لم يتغير إجمالًا خلال العام، وهو عدم الاكتراث باتفاقات وقف إطلاق النار، لأنها في الواقع تهدف إلى الإبقاء على القوات داخل القطاع، وهو ما عبر عنه نتنياهو علانية في يونيو الماضي: الخطة هي البقاء في حالة احتلال للقطاع لأجل غير مسمى، والاستمرار في الحرب حتى إن خفت حدتها في بعض مناطق القطاع.

المصدر المصري بدوره، يقول إنه في ضوء التصعيد الإقليمي الواسع الذي تتحرك فيه تل أبيب على جبهات متعددة تشمل غزة والضفة الغربية ولبنان والعراق واليمن وسوريا، لن تُقدم إسرائيل على وقف إطلاق نار في غزة الآن «لأنها ستترك هذه الساحة [مفتوحة] حتى تنهي باقي مواجهتها».

ومع ذلك، يضيف المصدر نفسه أن نتنياهو «الذي لم يكن أبدًا راغبًا في وقف إطلاق النار في غزة لأن عملية طوفان الأقصى كانت فرصته لتدمير حماس وإعادة احتلال غزة أو على الأقل أجزاء منها تحت دعوى الدفاع عن النفس»، عندما يقرر وقف الحرب على غزة، سيكون هناك حاجة للوصول لتفاهمات مع الجانب الفلسطيني.

ويوضح المصدر أن التفاهمات في جانب كبير منها، لن تختلف بالنقاط التي سيجري النقاش حولها في الإجابة على أسئلة اليوم التالي للحرب عن تلك المتعلقة بوقف إطلاق النار وأهمها؛ الإدارة الأمنية لغزة، وترتيبات الحدود بين غزة وإسرائيل خاصة في منطقة شمالي غزة، التي يصر المصدر أن إسرائيل لن تغادرها بالكلية، وكذلك ترتيبات معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة، وترتيبات عمل ميناء غزة لأغراض الصيد والتجارة، وأعداد وهويات المسجونين الفلسطينيين الذين سيخرجون من السجون الإسرائيلية حال ما لم تتمكن إسرائيل من استعادة الأسرى الإسرائيليين من «حماس»، وبالطبع من سيبقى منهم على قيد الحياة بالنظر إلى استمرار الهجمات الإسرائيلية العنيفة على غزة، وترتيبات إعادة الإعمار.

«حماس» 

في خلال الأسابيع الستة الأولى من الحرب، تم الوصول إلى الهدنة الوحيدة التي تحققت في 24 نوفمبر 2023، والتي كان يفترض أن تمتد لأربعة أيام فقط ولكنها استمرت لسبعة. سمحت هذه الهدنة بإطلاق سراح 41 من الإسرائيليين الذين احتجزتهم «حماس» مقابل 78 من الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، من بينهم أطفال ونساء من الجانبين.

تتفق المصادر التي تحدثت خلال هذه الأسابيع أن الجانب الأقوى وقتها كان حركة حماس التي بدت مستعدة لخوض حرب كانت ترى أنها لن تكون طويلة ولا مدمرة بالضرورة. كما كانت «حماس»، بحسب المصادر، تسعى -بدعم قطري- إلى إطلاق سراح أكبر عدد من الأسرى الفلسطينيين على أن يكون بينهم عدد كبير من أصحاب أحكام السجن المطولة في سجون الاحتلال الإسرائيلي بسبب تورطهم في أعمال مقاومة مسلحة تسببت في مقتل وإصابة إسرائيليين.

المصادر المصرية قالت حينها إن قيادات «حماس» كانت في نشوة من النصر، والتي جعلتها تفترض أنها قادرة على فرض موقفها من واقع قوي بسبب احتجازها لعدد من الإسرائيليين، لم يكن أحد يعلم على وجه اليقين في حينه عددهم بالضبط. وبحسب مصدر مصري دبلوماسي، فإن أحد الأمور التي كان يجري دومًا التخاطب بشأنها مع قيادات «حماس» في الأشهر الأولى من الحرب هو الاستجابة لرغبة إسرائيل في الحصول على قائمة محددة بعدد الإسرائيليين، سواء عسكريين أو غيرهم ممن كانوا في قطاع غزة. ويضيف: «كان الرد الذي يأتينا من حماس أنه من الصعب حصر كل الأسماء الإسرائيلية لأن العدد غير معروف لقيادات حماس، نظرًا لأن هناك مواطنين بلا أي انتماء تنظيمي للحركة قاموا بأخذ مواطنين إسرائيليين واقتادوهم على موتوسيكلات وما إلى ذلك إلى داخل قطاع غزة».

مصدر فلسطيني قريب من المفاوضات يقول إنه بالنسبة لـ«حماس»، كانت مسألة تحرير الأسرى الفلسطينيين من سجون إسرائيل محورية منذ عملية «طوفان الأقصى» وبداية الحرب. «قبل العملية بعدة أشهر، كان السنوار تلقى رسالة من أسرى فحواها أن الحركة تخلت عنهم. ولذا، في نشوة بدء العملية، كان موضوع الأسرى في مقدمة المطالب الفلسطينية».

ولكن مع استمرار الحرب، تراجعت هذه الأولوية مقابل طلب الانسحاب وإعادة الإعمار مع حدة آلة التدمير والقتل الإسرائيلي، بحسب المصدر. ومع ذلك، يبقى مطلب تحرير جزء من الأسرى لا تنازل عنه، ومنهم كبار أسرى «حماس»، مثل إبراهيم حامد، وأسرى ذوو رمزية فلسطينية هامة مثل مروان البرغوثي وأحمد سعدات، والذي يخلق تحريرهم «انتصارًا سياسيًا في كل فلسطين وليس لحماس فحسب».

وبحسب المصدر المصري الأول، فإن اسم البرغوثي وغيره من القيادات الفتحاوية كان واردًا منذ البداية، غير أن الأمر لم يكن محل إلحاح بالضرورة، كما أصبح لاحقًا، «رغم العلم أن السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس سيعارض هذا الأمر وسيبلغ الإسرائيليين بذلك».

يقول المصدر الفلسطيني إن خسائر «حماس» على الأرض كالآتي: بين سبعة و15 ألف مقاتل قُتلوا، بحسب الأرقام المنتشرة في غزة والأرقام التي تتحدث عنها إسرائيل. ولا تزال تستبقي «حماس» على بعض صواريخها، ولو أن قدرة المقاومة على التصنيع المحلي للأسلحة تأثرت بشدة. ومع ذلك، هناك عملية إعادة تدوير مستمرة، حيث ألقت إسرائيل ما يقرب من 80 ألف طن من المتفجرات، منها نحو 5 لـ10% لم يتفجر. هذه الكمية تعيد «حماس» تدويرها. وفي النهاية، بحسب المصدر، الضربة الأقوى كانت بحق العمليات والتواصل. «لا شك أن مجموعة النخبة تلقت ضربة قوية وكذلك الكتائب في المناطق المختلفة، وكذلك قدرتهم على التواصل، ولذلك كل منهم يعمل الآن بشكل منفصل».

أما في ما يتعلق بقدرات «حماس» على الحكم المدني وإمكانية استمرارها في إدارة القطاع، يظل هذا السؤال مثيرًا للجدل، ويختلف عن حجم الدمار العسكري الذي لحق بها. يوضح المصدر الفلسطيني أنه بخلاف الانسحاب الإسرائيلي من القطاع وإعادة إعماره وإدخال المساعدات، فإن هناك مفاوضات منفصلة لإدارة غزة. بحسب رأيه، فإن حركة حماس «لا تهتم باستمرار إدارتها لغزة كسلطة، وكانت تعرف أن عملية طوفان الأقصى قد تنهيها. ولكنها مهتمة برؤية حكومة وحدة وطنية تكون داعمة لجميع أشكال المقاومة»، وهو ما تم نقاشه في مفاوضات بيكين، التي بدأت في الأسبوع الثالث من يوليو الماضي، باستقبال ممثلين عن الفصائل الفلسطينية، ومنها «حماس» و«فتح»، في محاولة لوضع إطار تنسيقي لإدارة غزة بعد الحرب.

في يونيو الماضي، قدمت الولايات المتحدة مقترحًا معدلًا. وبحسب المصدر المصري الأول، وافقت «حماس»، التي كانت تشعر بإنهاك شديد، إلا أنها أصرت على أن الهدف النهائي هو انسحاب كامل لإسرائيل، وأن المرحلة الأولى يجب أن تشمل وقفًا كاملًا لعمليات القصف الشديد، وتدفقًا سريعًا للمعونات الإنسانية الغذائية الطبية، وألا يكون هناك ممثلون عن السلطة في غزة من شخصيات ترفضها حركة حماس بصورة قطعية، خاصة الفريق الأمني الذي استمر في عمليات ما يعرف بالتنسيق الأمني مع إسرائيل المقررة، بحسب اتفاقات أوسلو. 

وفي سبتمبر الماضي، نشر موقع «دروب سايت نيوز» الأمريكي تحقيقًا ذكر فيه أن «حماس» وافقت على تعديل صيغة الاتفاق بشكل يمثل تراجعًا عن تصميم سابق من الحركة على عودة التفاوض بعد مدة أقصاها 14 يومًا من انطلاق أي هدنة، وذلك للوصول إلى وقف إطلاق نار كامل. في النسخة المعدلة التي اطلع عليها الموقع، والتي قدمتها أمريكا ووافقت عليها إسرائيل ولاحقًا «حماس»، كان الاتفاق بشكل عام على القيام بما يمكن من ترتيبات لضمان وقف إطلاق نار كامل. ولكن ما حدث هو استمرار إسرائيل في التصعيد، بقتل رئيس المكتب السياسي لـ«حماس»، إسماعيل هنية، في 31 يوليو الماضي، في العاصمة الإيرانية طهران بعدما كان في زيارةٍ لها للمشاركة في مراسم تنصيب الرئيس الإيراني الجديد، مسعود بزشكيان. عندئذ، أضاف نتنياهو مسألتين للتفاوض مما عرقل الاتفاق: البقاء على الحدود بين مصر وغزة في محور فيلادلفيا، والتمركز في محور نتساريم لمنع المقاومة المسلحة من التحرك شمالًا.

ثم جاء مقتل السنوار في أكتوبر الماضي، ليعرقل الاتفاق أكثر، ويسبب حالة من عدم التوازن داخل «حماس»، والتي بدأت محاولة إعادة صياغة لهيكلها ومواقفها، ولكن ليس من الوارد أن تقدم الحركة التنازلات التي تتوقعها واشنطن وتل أبيب، بحسب المصدرين المصريين. 

مصر

تغيرت قدرة مصر على التأثير في مسار المفاوضات طوال هذا العام. في بداية الحرب، كانت مصر ممسكة بزمام التفاوض بالنظر إلى خبرة المفاوضين المصريين السابقة في مفاوضات تبادل الأسرى، وكذلك مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة مع كل حرب إسرائيلية على القطاع منذ حرب شتاء 2008-2009. كانت مصر ترى أن المهم هو وقف إطلاق النار، لأن تقدير القاهرة، بحسب المصادر، كان أن نتنياهو بكل ما كان يشعر به من مهانة في أعقاب عملية «طوفان الأقصى» التي فاقمت مشكلاته السياسية، سيكون غاضبًا جدًا ودمويًا جدًا وسيتماهى تمامًا مع مطالب أقصى اليمين لجعل «حماس» تدفع ثمنًا باهظًا.

في هذه المرحلة، كانت مصر اشترطت فتح المعبر لعبور المساعدات مقابل عبور الأجانب ومزدوجي الجنسية، وهو ما حدث بالفعل في وقت لاحق في أكتوبر من العام الماضي.

وبعد انتهاء هدنة الأيام السبعة في أوائل ديسمبر، كان لدى القاهرة رغبة حاسمة بالتحرك سريعًا للوصول إلى هدنة تالية لسرعة إيقاف الحرب أو ضمان عدم تخطيها أعياد الميلاد في نهاية ديسمبر 2023. وبحسب ما قالته المصادر حينها، كان لدى السلطات المصرية مخاوف عديدة، أولها وأهمها في تلك المرحلة أن يذهب نتنياهو الغاضب بعيدًا في عمليات القصف والإجلاء من شمالي غزة إلى وسطها ثم إلى جنوبها، ليتجمع عدد كبير من الأسر الفلسطينية على الحدود مع مصر، مع احتمال أن يتسبب هذا في اقتحام يائس للحدود ودخول مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى مصر عنوة، كما حدث في حرب شتاء 2008-2009.

في ذلك الوقت، كانت التصريحات الرسمية تؤكد أن القاهرة لن تقبل أن يكون هناك اقتحام للحدود المصرية أو تهجير قسري للفلسطينيين من غزة إلى سيناء. لكن مصر استعدت لكل سيناريوهات الطوارئ المحتملة، بحسب المصدر الأول. فعلى الرغم من وجود عدد من الحواجز التي تشمل الأسوار والأسلاك الشائكة والمسطحات المائية بالمنطقة الفاصلة بين رفح في غزة ورفح في مصر، كانت السلطات المصرية تقوم بعمليات استعداد واسعة النطاق على الحدود لتوفير أماكن إقامة وسبل علاج في حال ما كان هناك تدفق فلسطيني داخل الحدود المصرية.

ومع تراجع الآمال في تجديد الهدنة في ديسمبر الماضي بسبب إصرار «حماس»، المدعومة قطريًا، وإصرار إسرائيل، المدعومة أمريكيًا، بحسب المصادر المصرية، على أعداد وهويات محددة للأسرى الذين يتم إطلاق سراحهم من قبل الجانبين. ومع زيادة الدمار الذي تعرضت له غزة، زاد أمران على مائدة التفاوض من أجل وقف إطلاق النار: الأول توفير أماكن آمنة للمدنيين الفلسطينيين الذين بدأوا يغادرون قراهم ومدنهم في غزة بسبب قسوة القصف الإسرائيلي والدمار الناتج عنه، وضمان ترتيبات أمنية لمراقبة معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة، بحيث تضمن القاهرة عدم تسلل أي عناصر مسلحة إلى داخل أراضيها، وتضمن إسرائيل عدم تهريب أي أسلحة، فيما تضمن «حماس» تدفق المساعدات الإنسانية التي كان الاحتياج لها ملحًا بشكل كبير.

في ذلك الوقت، كانت مصر تتعاون مع قطر في توفير تدفق كافٍ من المواد الغذائية والطبية للدخول إلى غزة خشية أن يكون هناك اقتحام مفاجئ، أو تراكم لعدد كبير من المصابين من الفلسطينيين على حدودها، ما قد يجبرها على فتح الحدود للسماح بدخولهم، بمقتضى القانون الدولي.

وبحسب مصدرين فلسطينيين، كانا يتعاونان في تقديم خدمات النقل والاستضافة المؤقتة للفلسطينيين القادمين من غزة إلى مصر، فإن أعدادًا غير قليلة ممن قدموا، وكان يقدر عددهم مع نهاية شتاء 2023-2024 بقرابة مئة ألف، «مروا» عبر مصر مباشرة إلى مطار القاهرة، حيث غادروا إلى بلدان عديدة يحملون جنسيتها بصفة مزدوجة أو لديهم حق الإقامة فيها لسبب أو آخر.

بحلول أبريل الماضي، كانت مصر تشعر بقلق شديد من قرار أبلغه نتنياهو لها بنيته اقتحام مدينة رفح الحدودية حتمًا، حيث جهزت القاهرة عندئذ عددًا كبيرًا من الخيم والاستعدادات الطبية، وبحسب المصدر البرلماني المصري، أجرت استعدادات واسعة في مستشفيات منطقتي شرق وغرب قناة السويس، تمهيدًا لأي مجزرة يمكن أن يرتكبها الجيش الإسرائيلي بحق المدنيين الفلسطينيين. 

في ذلك الوقت، تدخل مدير المخابرات الأمريكية، ويليام بيرنز، لينقل إلى مصر ضمانات بأن نتنياهو سيقتصر على القيام بعملية برية محدودة في رفح، مؤكدًا أنه لن ينفذ عملية موسعة تتسبب في كارثة إنسانية على الحدود المصرية. وفي مقابل ذلك، وافقت مصر على مسار تفاوض موازٍ مع إسرائيل يشمل النظر في إجراءات أمنية على الحدود المصرية مع غزة لتفادي إمكانية حصول «حماس» مستقبلًا على أي إمدادات عسكرية عن طريق التهريب. 

لكن مع احتلال الجيش الإسرائيلي منطقة معبر رفح الحدودية في أوائل مايو، اتضح أن العملية البرية لن تكون محدودة، لتقرر مصر حينها إغلاق المعبر بصورة دائمة، ليصبح المعبر نقطة إضافية على مائدة التفاوض حول وقف إطلاق النار، حيث كانت «حماس» تطالب، بدعم قطري بدأ قويًا ثم تراجع، ألا تقوم مصر بإغلاق المعبر بصورة دائمة، وأن يكون هناك تنسيق مع ممثلين عن «حماس» لتشغيل المعبر، وهو الأمر الذي رفضته مصر بشكل قاطع، خشية أن يتحول المعبر إلى «مسرح عمليات عسكرية».

غير أن هؤلاء المسؤولين قالوا إن القاهرة تعهدت بتشغيل المعبر في حال ما تم التوصل لوقف إطلاق نار، وتم السماح لممثلين عن السلطة الفلسطينية، بموافقة حركة حماس، أن يتواجدوا على الجانب الفلسطيني لتشغيل المعبر، على أن تنسحب إسرائيل من نطاق المعبر إلى داخل الأراضي الفلسطينية، وهو المطلب الذي لم يبد نتنياهو انفتاحًا عليه ولجأ للمماطلة.

في المقابل، تمددت قوات نتنياهو إلى محور فيلادلفيا الموازي للحدود المصرية مع قطاع غزة، ما أربك المفاوضات، حيث صمم نتنياهو أن المنطقة هي منفذ لدخول السلاح لحركة حماس، ولام على مصر أن هناك أنفاقًا لا تزال تعمل في هذه المنطقة، بحسب المصدر الفلسطيني، وهو الأمر الذي بلور الخلافات الداخلية في إسرائيل حول عدم اكتراث رئيس الحكومة بتحرير الأسرى بقدر اكتراثه بتدمير «حماس».

تزامنا مع هذا التصعيد، أعلنت مصر في 12 مايو الماضي عزمها «التدخل رسمياً لدعم الدعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية للنظر في انتهاكات إسرائيل لالتزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في قطاع غزة»، قبل أن تتراجع عن القرار لاحقًا، بحسب مصدر حكومي ثالث تحدث مع «مدى مصر» حينها، موضحًا أن «الحسابات الأوسع» أدت إلى هذا التراجع. 

بعد توسع نتنياهو على الحدود المشتركة، كانت هناك مناقشات مصرية إسرائيلية برعاية أمريكية حول خطة تأمين الحدود المصرية مع غزة لضمان عدم حدوث أي تهريب من مصر إلى غزة عبر الأنفاق أو أي وسيلة أخرى، بحسب المصادر، ما قد يرقى لتعديل اتفاقية كامب ديفيد التي تعتبر ممر فيلادلفيا منطقة منزوعة السلاح. لكن المصدر الأول يقول إن الأمر سيقتصر على اتفاق ثنائي مصري إسرائيلي في ضوء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

المصدر نفسه يقول إن مصر وإسرائيل يناقشان تحريك محتمل لمعبر رفح، مرجحًا أنه ربما سيكون أقرب لمعبر كرم أبو سالم، وهو النافذة الأخرى بين مصر وغزة عبر أرض إسرائيلية،  فيما تشترط مصر أن يقتصر استخدام معبر رفح في المستقبل على الأفراد، وأن تمر كل البضائع عبر «كرم أبو سالم». كما أشار المصدر إلى وجود ترتيبات تجري لافتتاح ميناء محتمل في العريش يمد غزة ببضائع، بحيث تكون الرقابة على البضائع أدق عن ميناء غزة، الذي ربما لن يعمل لفترة طويلة حتى بعد انتهاء الحرب، بحسب مصدر آخر.

الآن، وبعد مرور أكثر من عام، وبعد تعرقل المفاوضات في سبتمبر الماضي، تحاول مصر، بحسب المصدر الأول، إعادة تحريك المياه الراكدة من خلال محاولة طرح هدنة قصيرة، تبدأ بيومين من تبادل عدد محدود من الرهائن، يتم تمديدها لمدة عشرة أيام تالية للتفاوض من أجل الاتفاق على متطلبات مرحلة أولى من مراحل متتالية لوقف إطلاق النار بصورة نهائية وكاملة في غزة. وبحسب المصدر، فإن الفكرة وراء المقترح المصري ببداية صغيرة لهدنة تمتد بصورة متوالية وتسمح بإطلاق مزيد من الأسرى الإسرائيليين والفلسطينيين هي محاولة لاستغلال نموذج نجح وهي الهدنة الوحيدة التي تم التوصل إليها طوال 13 شهرًا من الحرب قبل ما يقرب من عام.

يضيف المصدر أن هذه الفكرة تهدف للالتفاف على رغبة نتنياهو في المضي قدمًا في الحرب إلى ما بعد وصول رئيس جديد في الانتخابات الأمريكية من خلال تحرك دبلوماسي، يتجاوز الخلافات حول القضايا الكبرى التي تعقد الوصول إلى أي صفقة مثل الانسحاب الكامل من كل غزة التي تصر عليه «حماس» وترفضه إسرائيل. 

قطر 

مع نهاية الشتاء الماضي، ورغم ما مرت به الأسر الفلسطينية التي أصبحت متكدسة في مساحة ضيقة من القطاع المكدس وانعدام شبه كامل للموارد، أصبح الموقف القطري أقرب إلى الموقف المصري في ما يتعلق بضرورة إعطاء أولوية للوضع الإنساني على حساب الوضع السياسي.

وبحسب المصدر المصري الأول، كانت قطر في البداية داعمة لـ«حماس» من منظور قدرة الحركة على تحقيق نصر سياسي ما في مواجهة إسرائيل، يستند على ما تم وقت «طوفان الأقصى». لكن مع استمرار الحرب الإسرائيلية وارتفاع وتيرة الخسائر البشرية وتراجع قدرة القطاع الطبي الفلسطيني على التعامل مع الأمر، أدركت قطر أن الوقت حان لتقديم الحلول الإنسانية.

وبينما ظل يُثار في الإعلام تهديدات الدوحة لقيادات «حماس» بمطالبتهم بمغادرة قطر في حال لم يوافقوا على الوثائق المطروحة لوقف إطلاق النار، أعلنت قطر الانسحاب من المفاوضات في 9 نوفمبر الجاري، وكان مصدر رسمي قال لوكالة «رويترز» إنه في ضوء توقف قطر عن الوساطة، فلا معنى من وجود مكتب سياسي لحركة حماس في الدوحة.

وبحسب المصادر المصرية، تحولت قطر من مساندة «حماس» ونقل وجهة نظرها إلى مائدة التفاوض إلى ممارسة الضغط عليها للقبول بنقاط محددة، مثل عدم ربط وقف إطلاق النار بالانسحاب الفوري والكامل للجيش الإسرائيلي من قطاع غزة، وهو ما كانت «حماس» تصر عليه حتى نهاية ربيع وبداية صيف العام الجاري.

المصدر الفلسطيني يوضح أنه في كل الأحوال، يتركز الدور القطري حاليًا على مسألة المساعدات الإنسانية، وكذلك المصالحة الداخلية الفلسطينية من خلال عدة مبادرات، من بينها ما يقوده السياسي الفلسطيني، عزمي بشارة.

الولايات المتحدة

مع اقتراب شهر رمضان الماضي، تزايدت الضغوط على الطرفين للقبول بصفقة تمت صياغتها من قبل المفاوضين الثلاثة: الولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت أكثر انخراطًا في عملية التفاوض من أجل وقف إطلاق النار في تلك المرحلة، ومصر وقطر، التي تراجعت التباينات في ما بينهما حول أولوية الوضع الإنساني على حساب السياسي. كان التوجه القائم على الهدنة الطويلة المؤقتة مناسبًا لما يظن المفاوضون أنه فرصة لإنهاء المشاهد المروعة للحرب خلال شهر الصوم، ويمثل أيضًا فرصة للوصول إلى صيغة مقبولة لوقف إطلاق نار دائم ليطوي ملف الحرب الإسرائيلية الأطول والأكثر دموية على قطاع غزة. 

النقاط الأساسية التي قامت عليها الصيغة التي تمت كتابتها بحضور ممثلين رفيعي المستوى عن الدول الوسيطة الثلاث شملت: توقف إسرائيل علي كل العمليات إلا في حال تعرضت لتهديد مباشر، وكذلك توقف «حماس» عن كل أشكال الاستهداف لإسرائيل أو للجيش الإسرائيلي على الأرض في قطاع غزة، وبالوقت نفسه تضاعف شاحنات المساعدات الإنسانية التي تسمح إسرائيل بدخولها إلى غزة، مع السماح بتفعيل القطاع الطبي الفلسطيني المتداعي، وتبادل أسرى على أساس إطلاق كل ما تبقى من نساء وكبار السن وتقديم قوائم بكل من تم حصره من إسرائيليين من العسكريين وغيرهم.

في هذا الوقت، بدأ مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية المشاركة بصورة أكثر فاعلية في عملية التفاوض، بعدما أصبح الرئيس الأمريكي، جو بايدن، أكثر توترًا بسبب تأثير استمرار صور الدمار في غزة على حظوظه في ضمان تصويت الأمريكيين من أصل عربي ومسلم، وكذلك اليسار الأمريكي في مجمله، في الانتخابات الأمريكية التي كان بدأ الاقتراب من العد التنازلي لها.

بعد اجتياح رفح، يقول المصدر الأول، إن واشنطن بذلت ضغوطًا غير قليلة على نتنياهو، إلا أن الأخير استمر في رفض أي صيغة تفاوضية، ولم يعبأ كثيرًا بقرار الوزير في مجلس الحرب، بيني جانتس بالاستقالة أوائل الصيف، ولا باستمرار المظاهرات المطالبة بالوصول لصفقة لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى.

مع نهاية يونيو، توصل الأمريكيون لتصور جديد، يقوم على أن يتم وقف إطلاق نار من الجانبين، مما يسمح بإطلاق سراح كل الإسرائيليين في غزة وخروج ما لا يقل عن 200 من الفلسطينيين، لا يشملون المحكوميات العالية من السجون الإسرائيلية، مع توقف الجانبين عن الأعمال العسكرية لمدة ثلاثة إلى ستة أسابيع، يتم خلالها التفاوض على المرحلة الثانية التي تشمل إعادة التمركز للجيش الإسرائيلي. المدة تلك هي التي كانت سيتم التفاوض فيها على وجود القوات الإسرائيلية في أماكن محددة من القطاع، عند معبر نتساريم الذي يفصل عرضًا شمالي القطاع عن جنوبه، والحدود الشمالية لقطاع غزة مع جنوب إسرائيل وبعض النقاط في رفح. أما المرحلة الثالثة، فكانت تشمل إتمامًا متتاليًا لانسحاب الجيش الإسرائيلي من معظم قطاع غزة، عدا المنطقة الفاصلة بين أقصى شمالي غزة وما يعرف بمستوطنات غلاف غزة في إسرائيل، وكذلك بعض نقاط ممر فيلادلفيا، على أن يتم بعد ذلك النقاش حول إعادة إعمار غزة وإعادة السلطة الفلسطينية إليها لتشارك في الحكم، وتتخلى «حماس» عن سيطرتها.

وشهد شهرا أغسطس وسبتمبر غضبًا أمريكيًا متزايدًا من مواقف نتنياهو الرافضة لإبداء المرونة، رغم أن «حماس» وافقت على ما رفضته من قبل، وهو فصل المراحل الثلاث، بمعنى أن المرحلة الأولى لا تكون ملزمة بتوقيت محدد لبداية المرحلة الثانية.

وفي 5 نوفمبر، انتخب الأمريكيون دونالد ترامب رئيسًا جديدًا، لتذهب توقعات مايكل حنا، رئيس برنامج أمريكا في «مجموعة الأزمات الدولية»، إلى أن ينهي الإسرائيليون حربهم قبل دخوله للبيت الأبيض في يناير. ما قد يكون كارثيًا في هذه الأثناء هو أن يصعّد الإسرائيليون حربهم في لبنان وتحركاتهم العسكرية في سوريا والعراق واليمن، دون الاكتراث لأي محاولة ضغط من إدارة بايدن الحالية. إنهاء الحرب هو ما سيقدمه نتنياهو لترامب، بحسب رأيه.

وحول مستقبل الحرب التي استمرت أكثر من 400 يوم، يرى حنا أن الإسرائيليين سيمضون في حملتهم الأخيرة الأوسع على شمالي القطاع، والتي بدأت في أكتوبر من هذا العام، بغرض إفراغه من الأهالي، والانطلاق من أمر واقع يُبقي على وجودهم العسكري هناك. 

* تم تصحيح اسم رئيس الأركان الإسرائيلي [الثلاثاء 19 نوفمبر - 2:00 مساءً]

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن