تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عامل عظمة بكتبكم

عامل عظمة بكتبكم

#252| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: محمد درغام 15 دقيقة قراءة
تصميم: مهرة شرارة

#جو عام

رغم أن عنوانه معروف بالتفصيل، فإننا لن نعرف اسم الكشك الذي يكتب صاحبه، محمد درغام، عنه، فهو لم يمنحه اسمًا، بل ظلت لافتة هذا الكشك البورسعيدي حمّالة عناوين، يبدله لأسباب أدبية أو لأمور أخرى يسردها بطريقة كلها أدب وإحالات وألعاب بما يتناسب مع معروضات الكشك محل الشغل وموضوع الكتابة.

#دليل

في ليلة صيفية من 2006، رأيت نفسي في حلم على قمة جبل مشتعل من الكتب وسط البحر، والناس على البرّ، وظلّي بينهم، يمدّون ألواحًا من الخشب لأعبر عليها، فتأكلها النار مع الورق.

يصيحون: اقفز! فأصحو. 

في الخريف مررت بكشك مهجور، من الألوميتال والزجاج، عند إشارة مرور تقاطع شارعيّ الجمهورية وأوچينا، في حي الإفرنج. وكأن يدًا امتدت لي من حلم، استأجرته من ورثة المرحوم نينو.

مسحتُ التراب عن فتارينه الزجاجية الثلاث ورفوفه الألوميتال. نورته بلمبتي نيون. عمّرته بكتب من استعمالي ودّعتها بسلام. تضحية بسيطة لسدّ جوع داهم للمعرفة بقراءات أوسع تبحّرًا يلزمها رأس جديد.

مبروك​🧿

قيل لي عن صاحبه القديم نينو: برع في رمية الجرنال إلى الشرفات صباحًا، وفي الطلياني، وتوفير أي كتاب يُطلب منه في وقت قياسي. في زمنه، الخمسينيات والستينيات، كانت بورسعيد غنية بالمكتبات والمطابع. وكان نينو بمبوطيًا، تاجر بحر. يبيع لبحارة وركّاب تحفًا شرقية، ويلتقط كتبًا. طبعات أوروبية. قبل أن تراها القاهرة.

في التسعينيات، غمر المدينة سيلٌ من المجلات الإباحية وشرائط الفيديو، تدفق عبر هذا الكشك بالذات. كان ابن نينو، يجلبها من المراكب. أنا وزملائي في مدرسة القناة الإعدادية بنين، لم نفلت من غوايته. 

ثم أُغلقَ منبوذًا.

الآن، كأول ملوك سلالة جديدة، عليّ تطهير العرش بالكلور. ولننسَ، يا رفاق، ما شاهدناه.

ظُهرًا، توقّف أمامي ميكروباص سياحي، عليه ملصق لعلم إيطاليا. نزلت منه سائحة مسنّة ذات جمال لم يذبل، اقتربتْ وسألتني، بلهفة، وعربي مكسّر، عن نينو.

  • مسافر.. traveling
  •  إمتا Come back؟ 
  •  his trip will be ..long

***

فيما قبل، عملت لثلاثة أشهر في مكتبة دينية مختبئة في ممر عمارة قديمة. صاحبها جهادي سابق، وطبيب بيطري. ضيّقة، رطبة، مفتوحة على منوَر معتم تسكنه هياكل عظمية لفئران، بين مجلدات مدرّعة بالجلود. 

في مكتبة إسلامية تقليدية، تتجاور كتب الفقه، واللغة، والتاريخ، بعاطفة واحدة لا تُفرّق. لكن، لا تُفرط بالتفاؤل: فلن تصادف كتاب الأغاني، أو نواضر الأيك. إلا لو ثمّة سهو عابر، عطل فني، طال يدًا ورِعة في الفهرس العمومي.

سأنظفها رفًا رفًا، وأرتبها. بلمس الجلد، وتتبع الخيوط، سأفهم لاحقًا كيف طوّر العرب، بسبب المصحف، فن تجليد الكتاب باليد.

أنهي شغلي، لأرحل 🚶‍♂️ عن هذه المكتبة وجنون صاحبها، وشبهه العجيب بهمنجواي -الذي لم يدرِ حتى بوجوده-. وأمهات كتبها المسعورة، وروائحها المتنافرة، وزباينها القليلين: دهاقنة متفقهّين، مغبّرين بالكُحل والحناء. 

بعد سنوات، سيرمي مسخ همنجواي محتويات مكتبته في الشارع. الجواهر الحِسان، التي كان يبخل على الناس بها ويرفع أسعارها جشعًا صرفًا لا صونًا لها، ألقاها على الرصيف أكوامًا. 

حين يصلني الخبر، ستكون الجوارح -قراء جوعى وعمال نظافة وباعة روبابيكيا- التهمَت روحه قبل كتبه.

ربما هو اليوم عاقل. 

وشكرًا للرب أنني خرجت من السديم قبل انفجار نجومه، وفي يدي طوق الحمامة، والمستطرف، وشذور الذهب.

«حصيلة الأياااام»، تلك صيحة سكير متطوح من بار طمه، يمر على رصيفي يوميًا. هي عنوان رواية إيزابيل اليندي، معروضة بفاترينة الكشك.

***

الكشك بلا رخصة، تفرّق دمه بين ورثة نينو والحكومة. على رصيف كافيتيريا فوق مدخلها مجسّم بالحجم الطبيعي لشخصية «باباي» الكارتونية. صاحبها يتعمّد مضايقتي. وهو شاب ثلاثيني. أسس أبوه الكافيتيريا مع الانفتاح والمنطقة الحرة. أرغم ابنه هذا على ترك تجارة السيارات ليدير الكافيتيريا. ثم مات. 

بقيت على شكلها السبعيناتي، بانطفاء المكان المهمَل. الزجاج الداكن، المؤطر بكتابات هيروغليفية، الممرات الداخلية خافتة الضوء، بجدران مزينة بصور فوتوغرافية بعضها لمعالم بورسعيد، المندثرة. صفوف من النباتات في أُصص فخارية، تفصل الرصيف عن حيز الكراسي الجلدية البرتقالية. 

تحتل الناصية بستة بواكي، كشك الكتب في آخرها، بجانب مدخل برج سكني. ويعتقد الوريث أنه يعكّر منظرها.

لم يوقفني شيء. اشترى الناس كتبي: بعضهم للقراءة، وآخرون لتشجيعي. 

فسافرت إلى القاهرة، وخرجت من دار ميريت بخصم جيد: 35%. ثم توالت رحلاتي أسبوعيًا: شرقيات، مدبولي، الشروق، المدى، المركز القومي للترجمة، ومكتبة الآداب. أقول للناشرين إنني بائع كتب في بورسعيد، والباقي يحدث تلقائيًا. عدا مدبولي، كنت أتهيبه بقدر ما كنت مُعجبًا به. هذا المعلّم بدأ مثلي في الشارع. 

ظهرتْ في بداية عملي دار اسمها ملامح، لمعة خاطفة ثم تبخّرت، تميزت كتبها بقطع الجيب، ونشرت عناوين كنت أعرف أسماء بعض كُتّابها، من المدونات. مدونتي، «دفتر بفرة»، مسحتها قبل فتح الكشك بشهرين، ونفيت من رأسي عالم الإنترنت كله. وهاتفي نوكيا بأزرار.

تعرض الفتارين نحو خمسين عنوانًا. أما صدر المكان الداخلي، فأربعة رفوف طويلة أنظّم كتبها بفصل الجديد عن المستعمل، بلا ترتيب؛ لأتيح لمَن يدخل شعورًا باكتشاف المجهول وسط فوضى لذيذة. بذلك فكل بعثرة يقوم بها ضيف هي بذاتها مشاركة في اللعبة. 

الكتب الأهم في الداخل. نصف ظاهرة، ومتيقظة. تنتظر في أمان، أصابع مَن يعرفون أن مكانًا صغيرًا في الشارع قد يؤوي ما لا تحويه مكتبة كبرى. أترك الناس تتعامل، دون وساطتي، أقدّم الخدمة إن طُلبت مني. 

في يناير 2008، وجَّه الرفيق الجنّي ضربته السديدة: التقطت من وسط البلد كتاب عبد الحليم قنديل: «الأيام الأخيرة»، بغلافه المرسوم عليه وجه حسني مبارك بسخرية كاريكتورية. عرضتُه في الفاترينة المُطلة على شارع الجمهورية. كان يصعق المارّة. سيكررها قنديل، بعد سنة، بـ«كارت أحمر للرئيس»، بغلاف ألعن، وسأعيدها وراءه. 

ستقرأون مما أقرأ، وأبيع لكم ما أريد بيعه. 

لم أقرأ كتب قنديل؛ كانت مغامرة لكسر السقف، مزحة جادة، وطُعمًا. بانقياد الناس إلى الشبكة، يُفاجَئون بالكتب التي أريدهم أن يقرأوا: ترجمات وإصدارات أدبية حديثة من دور نشر غير تقليدية. بلا رأس مال لتوضيب المكان، أو عمل دعاية، أو حتى لوضع لافتة؛ دقة اختياراتي للكتب هي وسيلتي الوحيدة لتكوين زبون يجاريني شغفًا بمثله.

دارت اللعبة. أصبح لدي زبائن أصدقاء، ويعيروني من كتبهم. منهم الأستاذ «ح»، المتحفِّظ كبرنس من بلاط ملكي غابر، وسِنّ ذهبية تتوازن على فلاتر سجاير سوبر يلطّخ رمادها بذلاته المكوية على عجَل، ونظّارة قديمة يلمع إطارها على وقفة مستقيمة في بنيان خمسيني مشدود؛ أعارني موبي ديك لميلفل، ترجمة إحسان عباس العظيمة. 

اعتمادًا على ثقة قدمّتها في ذوق الجمهور فردّها لي مضاعفة؛ ابتكرتُ حيلة تربط الناس بالمكان، وتُداري قِلة القروش معًا: آخذ ممَن طلب عنوانًا لم يتوافر نصف ثمنه، كأن الكتاب كان موجودًا ونفد، أراكم العرابين مع أسماء أصحابها في نوتة، أسافر إلى القاهرة، ثم أعود بالكتب المحجوزة، فأجمع بواقي أثمانها. 

يتبخّر مكسبي في التنقلات، هاها، فليكن؛ يكفيني البيع والحركة. أكسب الفسحة، الفوز بكتاب جيد لنفسي، وفنجان قهوة مع الأستاذ حسني سليمان في دار شرقيات. 

تدريجيًا، أحببت حسني سليمان نفسه كحبي لكتب شرقيات. قارئ شوّاف ينشر ما يتحمّس له، ورجل أمير بلا ذرة ادّعاء. وكلانا يحب الأشجار. حكى لي عن بستان بيته. أمّا أنا فغرست بيديّ في الرصيف شجرتين: بونسيانا وچاكرندا.

أن أكون دليلًا لشخص غير قارئ، تلك أسعد لحظاتي. لا أنس شابًا جاء ساعة عصاري، قال إنه ليس بقارئ كتب، وسيسافر إلى الجيش لشهرين في صحراء، قلتُ: قلّب في الكتب بنفسك. 

ثم خرج برواية ما، وطلب أن أختار له المزيد. الكتب لها أصوات، هذه حقيقة واقعية. التقطت «حامل الفانوس في ليل الذئاب» لسركون بولص. قال: شعر! على ضمانتك؟ أجبتُ: لا أضمن كتابًا ولو كنت كاتبه. إن لم يعجبك فاستبدله المرة القادمة. 

بعد شهرين، عاد المجند بابتسامة مشعة وامتنان.

تشابُك زمكاني: متى تحديدًا روجت شفهيًا كلمة «ناصية العالَم» كاسم افتراضي للكشك؟ لا أتذكر لكن أعرف سببين: الأول، سمعت أن قباطنة سفن يسمون بورسعيد بهذا الاسم. والثاني، لما توقّف أحد الزبائن وكله عجَب، كمَن أشرق بفكرة غريبة عنه، فقال: بُص! من عندك لحد إشارة المرور.. حتة من عالم تاني! قلت: لا. مجرد رصيف يبدو، أحيانًا، كأنه يطلّ على عالم مواز. كل مدن الأرض فيها ممرّات كهذه.

قبل نهاية عقد الإيجار المحدّد بسنتين، اشتريت الكشك. وما زال بلا ترخيص. المنطق و«أبو أحمد»، قالا: اشتريت الهوا. بينما غريزتي، بمنطقها المشوي، تناجيني: أنت في طريقك الصحيح، في مياهك الأصلية. علّمني العوم، عوم يا حبيبي.

أبو أحمد هو رجل تجاوز الخمسين، لفظته المدينة بشكل ما؛ ثم التصق بالرصيف. يعاون خالد البواب. ثم يقف في الكشك، إن خطفت خطفة لقضاء حاجة. يبيع، ويسقي الشجر. علّمته بيع الكتب. مظهره مقبول ونظيف، يكفي. 

حياتي وعملي وجه واحد لورقة بلا ظهر. خروجي: حضور حفلات فرقة الطنبورة كل أربعاء في كافيتيريا النجمة على شط بورفؤاد. ومغامرات عاطفية متفرّقة يتكفّل أبو أحمد، من نفسه، بتمويهها عن الآخرين بستار دخاني: 

  • فين محمد؟ 
  • فـــ ندوة. 

كنت أفتح متأخرًا فأجد أحدهم قد أسقط من الزجاج ورقة مكتوب عليها بخط أزرق: «الكشك ده جميل 🙂 لو عندي كشك كتب ماكنتش أتمنى إنه يبقى حاجة أكتر من كده. شكرًا. كان نفسي يبقى مفتوح.. الجايات أكتر.. «فلان الفلاني» - من القاهرة، 12/14 الساعة 4». 

ثم رقّيتُ أبو أحمد إلى رتبة مساعد مع المفتاح، فلا يُقفل المكان. فليس لأطيافي، فيما أحسب، قدرة الحلول مكاني. رغم شواهد قالت العكس؛ فكم من مرة سمعتُ أحدهم يقول: إمبارح طلبت كتاب كذا وأخوك قاللي كذا. 

ماشي​​🙃​. لو تدربتُ آخذًا هذا الأمر على محمل الجد -ولعبًا مع التشابك الكمّي إياه- لانفردتُ ببيع الكتب في بورسعيد في نفس وقت التمشية في فلورنسا، وقراءة دانتي بلغته، ثم توسيع الخطوة، دينج دينج 🏃، فلقاء سراماجو في لشبونة في أثناء شرب شاي بربري مع إيمان مرسال في كندا، لعلّي أعرف لماذا أبذر قمحًا في أرض لا أملِكها. اعتبره حصل.

مع مرور السكّير، «حصيلة الأيام»، في ميعاده، يقول أبو احمد الجالس عند مدخل البرج: زُعبلات. يقصد خزعبلات. لفظة سمعها مني مرة، تعليقًا على إحدى المناكفات شبه اليومية بيني وبين «باباي»، الذي أثير جنونه بألف طريقة، كحصص ألعاب بين قراءاتي؛ كأن أكتب على ظهر الكشك: اللي عنده دم أجدع من اللي عنده عزبة. 

من يومها، يستخدم أبو أحمد الزعبلات لوصف أي هراء: بعض الزبائن. وبعض مجانين يزرعون يوميًا شارع الجمهورية بطوله من قبة الهيئة إلى البحر، ذهابًا وعودة، وهؤلاء اقترحت استخراج كارنيهات لهم. وأيضًا عزف وريث «باباي» أحيانًا على الجيتار، عزفه جميل بالمناسبة. وبالطبع «ندواتي».

***

لم يكن الحاج مدبولي، رحمه الله، قارئًا للكتب، بل يقرأ النفوس. قال لي مرة: الكتب عاوزة مال قارون وصبر أيوب وعمر نوح.

في أواخر 2009 ضاق الخناق في مسألة الترخيص، والتهديد واقعي: يمكن إزالة الكشك في أي لحظة. وأخبرني موظف من الحي أن «باباي» يبدأ يومه، قبل قهوته، بكتابة شكوى في حقي. 

بدوري، أتحرك بامتداد الرصيف كما لو في بيتي؛ لا شعورًا بمِلكية، بل بفيض وجودي. 

لا أصنع career، في مدينة تعشق الشكليات! وصورة قارئ على رصيف: يهوى الناس تملّقها، وخدشها.

كتاب مفتوح أمامك هو سور نباتي عازل يوحي للآخرين مبدئيًا أنك لا تُطال، فضلًا عن امتلاكك رفاهية الوقت؛ تثير «الصورة» جنون «باباي»، فيخرج أحزانه في رواد الكافيتيريا المسكينة. يعود بعضهم، وهم زبائني أيضًا، يشكون لي أنا كيف يطفّشهم من المكان. أقول: معلش يا جماعة هو خايف. قلتله مرة تعالى نخلّي الناس يقروا في «باباي»، في ركن معين، من كتب الكشك اللي بتكرهه دا، مقابل تخفيض صغنن في تمن المشاريب. المكان هايشغي ناس. بس نقول إيه! مصمم يشوفني شيطان، وانا باحققها له.

فجأة، تغيّر المحافظ. جاء آخر اسمه عبد اللطيف، وبدأ في استقبال المواطنين. دخلت قاعة المجلس المحلي في يوم محدد؛ عن اليمين واليسار جلس رؤساء الأحياء ومساعدوهم، وبصدر القاعة: منصة قاضي القضاة، المحافظ. جاء دوري فعرضت مسألتي: قبل استئجاري للكشك، رفع صاحب «باباي» قضية على المحافظة لإزالته، رُفضتْ قضيته وحُكم باستمرار الترخيص بموقعه. ومع ذلك، لا تزال الرخصة معلّقة. وهذا كشك يبيع الكتب منذ الأربعينيات. قال السيد اللواء: كلمة القضاء تُنفّذ، موفق يا بني. 

هكذا: صدرت شهادة ميلاد للكشك، باسمي.

ناداني أحد سائقي التاكسي وهو متوقّف في إشارة المرور: ما تسمّعنا حاجة من اللي ساعات تشغلها دي..

لم لا. من علبة موسيقى الكشك، كاسيت بمشغّل اسطوانات؛ سمعت وأسمعت الشارع صوت سيد حجاب وهو يلقي قصيدته «قبل الطوفان الجاي»، المُلحقة مع كتاب بنفس الاسم عن «ميريت». 

***

مساء الخميس، السابع والعشرين من يناير سنة 2011، أغلقتُ دكاني مبكرًا. مشيتُ في الليل، أتأمل وجوه الناس. يدري الجميع بما حدث ويحدث في ميدان التحرير منذ يومين، رغم انقطاع الإنترنت.

صورة الشاب الواقف بثبات أمام المدرعة، لم تفارقني. أسمع هنا وهناك: «التوفيقي - بعد الصلاة»، كأنها شيفرة مُعلنة للقاء سرّي. سرّ معروف للجميع.

في صلاة الجمعة كان المصلون يفترشون السلالم العالية للجامع التوفيقي، المكتظ، وأرصفة المحلات. الشرطة واقفة أمام المسجد، بعساكرها وعرباتها.

صليتُ على الرصيف. بعد انتهاء الصلاة سُمعت من داخل المسجد جلبة. ثم خرج الناس إلى عتبته العالية، فصعد أحد أفراد الشرطة، بلباس مدني، وصاح باللين أن ننصرف، كأننا أطفال نلعب الكرة أمام بيته، لم يتحرك أحد. مضت ثوان كالساعات، هتف رجل: «الشعب يريد إسقاط النظام».. فهدرت الحناجر. طُوّقنا بعساكر الأمن المركزي. وجدت نفسي في الصف الأول. خفت للحظة أن أُضرب بالعصيان. لكن جسدي لم يتراجع. دفعت دروعهم بيديّ، ومن ورائي يدفعني الناس. الزحف يتسارع. تراجع أمامنا الجنود، وفي لحظة: انفرجت كتلتهم، فانطلقنا. في التلاتيني، بالهتاف المدوّي. عند التقاطع مع شارع محمد علي: نظرت ورائي، منتشيًا، فشهدت شريانًا من آلاف الناس يزداد ويتغذّى من تقاطر الأهالي من الشوارع الجانبية.

caption

في المكان الفارغ للافتة الكشك، وضعت لوحًا أبيض من البلاستيك، وكتبت عليه باسبراي أحمر: عاشت الثورة. وتركت لزبائني، ولمَن يريد أيًا كان، أن يكتب ما يشاء تحت الكلمة بأقلام فلوماستر جهّزتها لهذا الغرض.

أول كلمة كتبها أحدهم، بعد التنحّي بأيام، بقلم أسود وخط صغير: «بس هي تكمل!».

***

زمن مفقود (نظرة يا بروست!): بالليل، والكشك يطفو، في فضاء حُر، كنت منهمكًا في الداخل، ربما جرد أو ترويق، حين اجتمع ثلاثة من رواد «باباي» تحت البونسيانة، أحدهم يحكي لرفيقيه عن: بيچامة عمرو دياب. 

كان زميله في المدرسة وجاره في الإفرنج -كما قال-. عندما انتبهت للحديث كانت الحكاية في نهايتها، فلم أستوعبها. انطبع في ذاكرتي: ضحك الثلاثة، والراوي يقسم أن الواقعة حقيقية، وصورة حيّة لعمرو دياب في مراهقته ينادي الراوي تحت بلكونته ليتبادل معه بيچامة. 

***

في سنة اسمها 2012، كان شاب رياضي غريب الأطوار يأتيني من وقت لآخر بنسخ مصورة لمخطوطات عربية، أبيعها لحسابه. ثم بالتدريج عرجت أوراقه نحو السحر. مسوّقًا لي قصة طريفة: حين احتل الصهاينة مدينة القدس العربية، اقتحموا مكتبات تحوي مخطوطات تعود إلى زمن سليمان، ولليوم يظهر بعضها في أسواق سودا. 

حين مرّ شخص قبيح المنظر اشترى أحدها، وقال بلكنة منزلاوية: أشتري كل ما لديك منها بأي ثمن تريد؛ هنا انتبهتُ إلى خطورة الموضوع. وشعرت بقرف من نفسي.

جنحتْ بي السفينة؛ اشتغلتني الفلوس. لم أعد أقرأ. لم أجرد المكتبة من زمن. باتت مكتبتي أشبه بفروشات وسط البلد؛ كتب مضروبة، أغلبها عناوين تنمية بشرية سخيفة، تُباع بسرعة لكني لم أكن راضيًا. بينما كتبي الحقيقية: أخطبوطات غاطسة تحت رمال القاع. دار المدى أغلقت أبوابها في مصر. حواصل البيع تذهب لدفع استحقاقات دور نشر بعت كتبها، ثم صرفتُ نقودها، في شقلبان ما بعد يناير. كتاب مذكرات حرب أكتوبر للفريق الشاذلي، هو مكتسب كريم من الثورة. 

المهم؛ عزمتُ على العدول، والكفّ عن المصمصة في زلموكة الذات، وانتظرتُ عويص الأحوال مفتول العضلات لأعطيه أشياءه ويحلّ عن سمائي. كما أردت عقد هدنة مع «باباي»، وتجديد العرض القديم عليه: «دع الناس يقرأوا ويتعايشوا في الكافيتيريا، القهاوي بيوتنا الثانية!». 

لكن، صاحبنا أجّر الكافيتيريا لحلّاق غني، طيب في تعامله وبسيط. ألبس المكان بقفاطين من رخام. وبعد سنة أُغلقت «باباي»، بعد هروب الحلاق، مديونًا، إلى الصين.

***

جاءت 2014 برئيس حي ومحافظ جديدين، وعزف افتتاحي لجرّافات تكسح أرصفة شارع الجمهورية بطوله، للتوسعة كما قيل. لم يكلّف الحيّ نفسه عناء مخاطبتي. ذهبت إليهم، ورجعت كما ذهبت. توسّط أحد ذوو العلاقات ليُترَك كشك الكتب، المرخّص، في مكانه. خاصةً أنه في نهاية الرصيف، لا يُعيق أحدًا. 

نمتُ بعد طول القلق. في حلم، كنت -ومعي بعض الناس- نبحث عن عظام في كهوف جبلية، ثم حلم أعمق: نفس الكهوف وأنا فيها وحدي، وجدت ديناصورًا مكتملًا.. حيًا.. أيقظني رنين الهاتف: اطمئن. 

ذهبت فوجدت الشارع يغلي: موظفون، جرافة، ورئيس الحي يهدد بصوت مرتفع: تنقله حالًا وإلا أتخذ إجراءاتي القانونية. ويضبط مدير الإشغالات الإيقاع بلمسة، ممهورة بختم النسر، متمتمًا: مجرد كشك... نلغيه بجرّة قلم. 

شعرتُ لحظيًا بمشهد النهاية في فيلم إبراهيم الأبيض. أمسكتْه عصبة عبد الملك زرزور، قطّعوه إربًا، وقبل إشعال النار فيه: إبراهيم الأبيض أهو يا حارة. 

أفرغت محتويات المكتبة بثبات لا أعرف من أين أتاني. من أشجاري؟ مال نحوي سائق الجرافة وهمس: لو عاوزني أشيل الشجر من الأرض سليم.. أجبته: شكرًا، حازرع شجر تاني. مع اقتلاعهما امتصّتا مني موتًا ومنحتاني زمردة من غضب صافِ. 

أُفرغ مصارين الكشك. يساعدني أبو أحمد بحزن، فأقول لمواساته: لا خزعبلات اليوم. اختلطتْ كتبي الخاصة المخفية بغيرها. أوراق الكتب كلها تُصفّق. حملناه مرابعة. خفيف بشكل لا يصدّق. enter the void. فرّت روح نينو من الزجاج بفَوَران قرنفلي -كهل طويل جهم نحيف بكاسكيته- مع غمغمة بشتيمة يوناني على إيطالي: مونيماناموو. 

وُضع الكشك، على بعد أمتار في الشمس تحت عمارة ضخمة مشطورة، مأهولة، بصاروخ ميت من أيام حرب 73. 

caption

تمر أيام، أسافر القاهرة لأفاجأ بحسني سليمان يصفّي، يغلق شرقيات. 

قال: اكتفيت. أريد العناية بأشجاري في البيت. 

تحدثنا كثيرًا يومها. حب لله في الله. يُسمع، كالعادة، البرنامج الموسيقي خفيضًا من الراديو بجانب مكتبه. قلت: كنت أشتري منك الكتب لنفسي أولًا. ضحك وقال: كنت حاسس. قلتُ: لكن رواية ظريفة مترجمة من الإيطالية اسمها «تركيب التليفون»، كنت أقرأها ونسيت إخفاءها، تأخرت لحظة واحدة، فالتقطها زبون.

ما لم أقله: أني أكتب، ثم أقطّع أغلب الأوراق. وما يبقى، أتمنى أن يصمد حتى يكتمل، لأعرضه عليه.

تبادلنا أرقام هواتفنا. وأهداني، من كتبه الخاصة: «أساطير بيت الكريتلية». 

اكتشفتُ، فيما بعد، أن رقمه غير موجود بالخدمة. «مبارك هذا الذي لا يعرف أحد مكانه».. مَن قالها؟ أحب الكلمات مجهولة النسب، أرواح لطيفة غير مؤرشفة. أحيانًا أبتدعُ منها، ثم أُطلقها في الفضاء.

ياعمرنا..

يا عضمنا.

عملت للكشك مظلة مسقوفة بقرميد أحمر، ويافطة كُتب عليها: «ناصية العالَم» بحروف مفرّغة، فيها كعوب كتب قديمة، حقيقية، مقصوصة، مدسوسة في الخشب، تفصح عن:

 ⛩️ تعليمات إنشاء عوامة لبيع الكتب على ناصية عالَم:  

  • ممنوع الدخول بدون نسيان
  • اِشرب سيجارتك بحب... حقق لها ذاتها يا أخي
  • لا تصدقنّي
  • اِقرأ كتابك، ودعِ المطر يوقّع عليه
  • النوستالچيا فيها سمٌ قاتل
  • بعض هذه الكتب بدّلت جلدها، ولا تزال دافئة
  • ​لا تبحث عن حسني سليمان
  • لا تتنصّت على البحر عبْر الأسفلت
  • ​ابحث عن: «تركيب التليفون» 
  • ​شايفينكو 

***

لعل كلمة الحاج مدبولي لم تعنِ تجارة الكتب فقط، بل الحياة كلها. 

هذه دائرة تامّة؛ سبع سنوات. لعبة مرتجلة، رسمت نفسها بنفسها.

من داخلي، أسمع كل يوم بابًا يُقفل. ولم أملك شرح ذلك لأحد.

شحنتُ لدور النشر كتبها. قفلت الكشك. وبحقيبة كتب شخصية أخيرة، منتقاة، أو هكذا تصورتُ؛ هجرتُ المملكة، وفي بالي شيء واحد: الانقطاع للكتابة.

وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن