تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«عائشة لا تستطيع الطيران».. الحيوان الناطق والخطر

«عائشة لا تستطيع الطيران».. الحيوان الناطق والخطر

كتابة: مَحمد هُوجْلا-كَلْفَتْ 11 دقيقة قراءة

واللهْ نِحنا مع الطيور الما بتعرف ليها خارطة ولا في إيدا جواز سفر

نمشي في كل المداين، نبني عُشَّنا بالغناوي.. والربيع يسكن جوارنا والسنابل تَملا دارنا.. لا هموم تَسْكُن دروبنا ولا يلاقينا الخطر 

-«مع الطيور»، أغنية لمصطفى سِيد أحمد وحافظ عباس

وسُمِّي العَقْلُ عقلًا لأنه يَعْقِل صاحبَه عن التورط في المهالك أي يحبسه، وقيل: العقل هو التمييز الذي به يتميز الإنسان منْ سائر الحيوان.. وعَقَلَ البعيرَ [ربَطه وقيَّده]، وذلك الحَبْل هو العِقال.

-«لسان العرب»، ابن منظور

عائشة لا تستطيع الطيران، مثلنا جميعًا بالطبع. كما يمنعها من الطيران بمعنى ركوب الطائرة ما يمنع أغلبنا: الفقر. لقد نجحت في الوصول إلى البلد المجاور، مصر، لتنجو من الحرب الأهلية السودانية الحالية، التي لم تكتفِ بالقضاء على إمكانية نجاح الثورة السودانية (2018-2019) في الانتقال (2019-2021)، وإنما أخذت تهدد «كامل التكوين الاجتماعي» للسودان. يبقى من الطيران، بعيدًا عن هنا -حيث هنا هو هذا العالم، هذا الواقع، حياتها الحالية، بلد إقامتها- أن تطير بمعنى أكثر مجازية عرفه الإنسان منذ فجر تاريخه وحاول به تحقيق المعنى المادي: بالخيال.

لكن، خلف قناع المرأة الوطواط من المشهد الذي اختير للملصق، ليست لدى عائشة خطة للهروب، لا إلى أعلى ولا في أي اتجاه. كل ما تحاول إنجازه هو بيع قوة عملها بالخدمة في البيوت وتقديم الرعاية الطبية وغيرها للمسنين، لكي تتمكن من إرسال «قروش» (كما يسمي السودانيون النقود) إلى أهلها الباقين في السودان، وأشياء من قبيل مساعدة طفل (ناجٍ بدوره ربما) على نحو يرسم بسمة نادرة على وجهها -الجامد في الظاهر، ولكن الثابت على نقطة هشة بين اللاتعبير وصبر أيوب رُواقيٍّ («إن الله مع الصابرين» في إطار مائل بحجرتها)، بين الابتهال ورعب عدم تصديق ما تمر به وما يتهددها، وبين أن توشك على البكاء، أو إلقاء نفسها من الكوبري، أو ارتكاب جريمة تهز المجتمع.

إن قوى خيالها تكاد لا تنطلق لإيجاد حل ما -ولو جزئي، بالغ الضآلة- من فرط قمعية الظروف. ويتمثل نجاحها المشهود في التمكن من ترك خدمة عميل يرفض مكتب التشغيل، فورًا ودون نقاش، شكواها الجدية ضده؛ ولا تنجح إلا بالتحالف مع أسوأ مستغليها، الذي لم ينجِّها سوى الحظ حتى الآن من الوقوع في يد الشرطة بسبب ابتزازه. إنها ليست أقل من رمز لحالنا الآن في العالم: عجز شبه كامل عن الفعل، أو فشل شبه كامل للخيال، أو كلاهما. ومثلما صرنا نحن مبدعين محترفين للدستوپيات، ولا مجال أو طاقة لدينا للسعي إلى يوتوپيا ولو بالخيال، فإن الكوابيس هي المجال الوحيد الذي ينشط فيه خيال عائشة الإبداعي، مستخدمًا مادة قوامها ما تتعرض له من رطمات نفسية متوالية.

وينهار الحاجز بين هذه الكوابيس وحياتها اليومية حيث تتجول نعامة شاردة غامضة، ثم تبدأ الالتهابات المتقيحة المنتشرة على بطنها تؤذِن بتحولها الخَيْمَري إلى كائن ينمو الريش من جراحه. ريش لا يبدو أنه سيمكنها في النهاية من الطيران، فمرجعه الوحيد -أكان إلهامًا، أم عدوى غامضة، أم انقلابًا في الطبيعة، أم تجليًا ماديًا للحَيْوَنة المستبطَنة- هو طائر لا يطير (وإن كان «جَمَل الطيور» هذا هو العدَّاء الأسرع بينها).

تتكلم الدابة فيُكْلَم التاريخ. تتعطل لغة، وتبدأ أخرى جديدة. لسان الدواب مقطوع، وإن تكلمت إحداها فإن لسانها الجريح يصبح فجأة نصلًا جارحًا. لسان مَن لا لسان له يَكلِمُ إذْ يتكلم. والكَلم، بتسكين اللام وكسرها، هو الجرح الذي قد ينتهي عنده تاريخ، على أمل أن يبدأ آخر. كلام من لا لسان له هو دائمًا حدث جَلَل، يؤذِن بنهاية زمن أو بداية آخر. يعم الخراب، فتنطق الدابة. يحيك البشر المكائد، فتنطق العجماوات. يزداد البطش، وتسيل الدماء، فتنطق الحيوانات. ..  يظلم الحاكم، فيجيبه الحكيم بخرافة. هذه لحظات خطر مرعبة، تتطلب كثيرا من الحكمة والحيلة، ومن ينطق فيها عليه الحذر. لكن من ينطق في هذه اللحظات ليس فردًا واحدًا، وإنما جماعة متداخلة الألسنة.

-«بنات آوى والحروف المفقودة»، هيثم الورداني

caption

في السنوات منذ 2011، وقبل أن يشتد ظهور الحيوانات في الفنون المصرية (والعربية) اشتدادًا ملحوظًا[1]، كانت الحيوانات قد أخذت تتصدر الأخبار، بشتى الأشكال ولشتى الأسباب. بدأ ذلك بيوم أصبح على تقويم الثورة المصرية: موقعة الجمل. بل وقبل ذلك، عندما أشيع أن الحيوانات المفترسة في حديقة الحيوان -كجزء من سيناريو الفوضى، وبالتزامن مع هروب أو تهريب السجناء- فُتحت لها الأقفاص. فيما بعد راجت أخبار عن إمبراطور بلطجة يربي أُسُودًا. شهدت تلك السنوات احتجاجات على الوحشية الرسمية مع الكلاب والقطط «الضالة»، وارتفاعًا كبيرًا في تبني وشراء وإنقاذ الكلاب والقطط (ثم في نِسَب هجرها لأسباب تخص هلع الصحة العامة والصعوبات الاقتصادية). وأشيع ضبط حيوانات تُستخدم في التجسس عبر الحدود. وأخيرًا وليس آخر، توالت تقارير لا تنتهي عن رؤية حيوانات في سياقات غير متوقعة: تماسيح مثلًا ونعام (ومؤخرًا زرافة ثبت أنها ذكاء اصطناعي).

دائما ما كانت تلك الحوادث والظواهر تفسَّر على خلفية الأحداث التاريخية أو الظروف السياسية، أو تضفى عليها معانٍ متعلقة بأحوال الناس الذهنية والنفسية وعبثية الأوضاع. أن تشاهَد نعامة في القاهرة، في نهاية المطاف، ليس حدثًا عجائبيًا أو خارقًا، وقد تعبر الضجة والدهشة، أكثر من أي شيء آخر، عن انفصالٍ ما حدث بين السكان والطبيعة على عدة مستويات. لكن من الواضح أنه يظل مشهدًا نادرًا، في العاصمة الآن كما في برية أقصى جنوب شرقي البلاد في سنوات من القرن العشرين، بعد اندثار النعام من بقية موئله بسبب الصيد الجائر والتغيرات البيئية والمناخية. تفكير هيثم الورداني في بلاغيّات الحيوان، ويقع في باب فلسفة اللغة، هو المحاولة التفسيرية الأهم: تكلمنا الحيوانات، تكشف وجوهًا أخرى، تَظهر بقوة وتَفرض فاعليتها التاريخية، في المنعطفات التاريخية «لحظات الخطر».

في الفيلم، نحن لا نعلم إن كنا نرى نعامة أم أننا نراها بعيون عائشة وفي أحلامها وربما هلاوسها البصرية. ولا يستبعَد أن تكون عائشة قد رأت نعامًا في بلدها، حيث الامتداد الطبيعي لنفس موئل النعام الشمال-إفريقي. فلا نعلم إن كانت النعامة تمثل لها الحنين والأمان، أم أن صانع الفيلم يطلقها في عالَم الفيلم ليواجه الجمهور -أسوة بالبطلة- مخاوفه الحقيقية، دون إسقاطات ومجازات، وهروب في تفسير الواقع والتاريخ بالفوضى والعبث والإنكار، كأخبار كاذبة تتزايد صعوبة التفريق بينها وبين الحقيقية. أو ليواجه أعماقه الحيوانية الدفينة المطلة على السطح (أيْ ليفكر بشكل أعم -بعيدا عن قصص الحيوان وأي لحظة تاريخية محددة- انطلاقًا من هذه الأحجية، «الخرافة المضادة»، التي اقترحها ڤيتجنشتاين: «لو أن الأسد تكلم، ما كنا لنَفهمه»).

ما نعلمه أن النعامة، باستثناء ظهورها المقلق على صحة عائشة العقلية، والتحولات الطارئة على جسدها دون الانمساخ، تظل كائنا لطيفا مقابل الكلاب الدموية المُشَرَّسة، التي نشاهدها معها في أول الفيلم تُسيَّب على من قد يَبدون من بني جلدتها. ويظل التحول الغامض البطيء ملتبسًا ما بين الكابوس الصِّرف وما بين النجاة الغريبة في شكل هروب محتمل إلى جسد حيوان (على طريقة «عزيزي الحيوان») ولو كان عاجزًا عن الطيران، وملاحَقًا ممن يريدون لحمه وريشه. هروب أكثر من يائس، مثل فرص القارب المطاطي أو الخشبي أو المعدني الذي نجحت وفيقة في العثور على مكان فيه.

وهكذا، فإن ما يمكن للمشاهد -والناقد- ببساطة اعتباره سوريالية، أو ضربًا من فن اللامعقول، أو عناصر فانتازية، أو حتى واقعية سحرية، سيرتد به على عقبيه بعنف ليكتشف مدى الواقعية: فلا شيء سيخرج بأحد من هذا الواقع المُطبِق، لا حلول سحرية ولا سينمائية ولا مجرد فوضوية الحظوظ. والعمود الفقري لالتزام الفيلم بالواقعية هو نفسه العمود الفقري لخضوعنا نحن يوميا لشروطها: المتابعة الطقسية ليوم العمل من البداية إلى النهاية.

أما ما يفوق القدرة الاستيعابية للخيال فهو الواقع نفسه؛ قسوته الجنونية الرهيبة المفتوحة دائمًا لاحتمالات المزيد منها مثل دَرَكات الجحيم: حرب أهلية جديدة أو.. حرب مصغرة في بطن القاهرة، في غياب تام -وغير واقعي عند كثيرين- للدولة (كما في مسلسل كامل هو «بطن الحوت»؛ غياب هو النقيض الموضوعي لحضور الشرطة والمحاكم الطاغي في المسلسلات المصرية لسنوات).

النسمات المتفرقة في الفيلم تخبو لأنها تهب من اتجاه يُفترض أنه المستقبل، لكنه مسدود، مغلفًا بانعدام الرؤية والشك في وجوده أو معناه: الأطفال. في مشهد التعايش المبهج، بين الفقراء من أهل البلد واللاجئين السود، يتحارب أطفال الجانبين بمسدسات الماء في مرح طاغٍ، بينما يكبرون في حي يرون فيه أنفسهم في اللامستقبل: شبابًا مصريين ومهاجرين يتقاتلون بالنار، ليورثوهم الكراهية والثأر. الطفل الذي حصل على كرسي مدولب بفضل عائشة سيظل مُقعدًا له حدود ضيقة في اللعب الجماعي ولن يذهب بعيدًا، فقيرًا وأسود والآن معاقًا. الطفل المصري الذي يدعو عائشة إلى اللعب يفاجئها بفعل يستحيل على الكاميرا أن تطَّلع عليه، بعد أن أرتنا ما لا يُرى أبدا على الشاشة المصرية، وأسمعتنا ما لا نسمعه، من بذاءة الواقع. (ولذا فنحن فعلا لن نرى الفيلم- والله ورقباؤه أعلم- على الشاشة المصرية، لا في القاعات ولا على المنصات، إلا ربما ممثَّلا بجثته كالنعامة في كابوس عائشة.)

الشابات اللواتي ينجحن في اقتناص أوقات أنس تضامني معًا، يتشاركن فيها الطعام والكلام والرقص، ينتظرهن التعنيف بكل الأشكال التي تجمع بين المصرية والسودانية والأوغندية. العفن والتحلل الذي يضرب الأبنية المتهالكة يطال الأجساد المريضة والشائخة وسيئة التغذية -بما في ذلك الطباخ المهزول- والمنتهَكة بالعمل الذي هو بالعبودية أشبه. والجنس ليس واضحًا إن كان له وجود على الإطلاق في شروط الرضا والاختيار والأمان (ناهيك باحترام الذات والتحرر من الإحساس بالذنب).

الطيورُ.. الطيورْ

تحتوي الأرضُ جثمانَها.. في السقوط الأخيرْ!

والطيورُ التي لا تَطيرْ..

طَوَت الريشَ.. واستسلمَت

هل تُرى علِمتْ

أن عُمرَ الجَناح قصيرٌ..  قصيرْ؟!

الجناحُ حياة

والجناحُ رَدَى

والجناحُ نجاة

والجناحُ.. سُدى!

-«الطيور»، «أوراق الغرفة ٨»، أمل دنقل

يختار مراد مصطفى -وليس للمرة الأولى- أن يعاين واقع القاهرة اليوم من زاوية إحدى أضعف فئاتها: اللاجئون والمهاجرون الأفارقة بمن فيهم السودانيون، عربًا وغير عرب. كما يختار، لأسباب شاعرية تضفي على أنسنة شخصياته الرئيسية بعدًا تقديسيًا فقط ليؤكد على هوانها، أن يعطي بطلاته، مصريات وغير مصريات، أسماء شخصيات من السيرة النبوية: حليمة، وخديجة، والآن عائشة (الوحيدة التي بلا طفل)، إضافة إلى مريم معنفة ومطعونة في شرفها الزوجي -في غرفة الكشف، في قسم النساء والولادة، في نهار رمضان، أمام بنتها- وبطله عيسى (مسيحيَّه الوحيد، والذي -كبقية أمهات مراد مصطفى- له طفل في قلب عُقدة الأزمة الصارخة بطلب مَخرج).

وفضلا عن أن وجود اللاجئين والمهاجرين والمنفيين الفارين من حروب وكوارث وأنظمة القارة والمنطقة، أصبح جزءًا أصيلًا من الواقع المصري، منذ الثمانينيات على الأقل مرورًا بالإبادة الأولى في دارفور، تضعنا زاوية نظر المؤلف السينمائي هذه أمام المفارقة التي أملت القيمة الفنية السياسية لهذا التناول: ما هو واقع هذا الملجأ والمهجر الذي يضيق باللاجئين والمهاجرين، أكان ممرًا أم مستَقرًا، في وضع إقليمي يُظهره باعتباره الملاذ الصامد في وجه الكوارث والحروب؟ كيف نراه ونتعرف عليه من خبرة اللائذين به، غير الملتصقين من الداخل بأساطير وأوهام أهله -وصناع صوره السائدة- عنه؟

على غرار ما تستطيع أن تقدمه للسينمائي الجاد هذه الشريحة السكانية، المهمشة على نحو متأصل، كزائدة مزعجة في الواقع الوطني يُفترض أن تكون مؤقتة وزائلة، يوفر الحيوان له مهربًا من الواقع البشري وإليه، وعلى نحو وثيق الصلة بهروب الإنسان من إنسانيته وإليها بالطريق نفسه: تبني الحيوان؛ الهوس بأخباره ولطائفه المصوَّرة؛ اتخاذه قناعًا؛ التماهي معه -في ذروة العملية- إلى حد الانمساخ إلى هجين من تيس وحمار وحشي يريد أن يطير («عزيزي الحيوان»، أو إلى دجاجة «ريش»).

التحول هذه المرة لا يكتمل. إذا كان الزوج البائس في «ريش» قد أتم رحلة تحوله المجهولة ثم عاد فجأة شبه جثة كالعائد من معسكر تعذيب، فإن عائشة، ببساطة، تذهب إلى العمل. وعملها الرعائي، مثل كل الممارسات والعلاقات والمعاني في الفيلم، كل ما اعتدناه بسيطًا واضحًا، غير مكتمل أو واضح الأبعاد والدلالات والشروط بدوره. حتى مشهد اللعب الاختياري/الإجباري مع الطفل المضطرب سلوكيًا، الذي أوَّلتُ نهايتَه كما أوَّلتُها، قد تكون نهايته مبتورة فحسب، أو اكتمل معناه بالترقب المتوتر من ناحيتنا، أو بالمفارقة الساخرة الخاصة بامرأة سوداء في قناع بطل أبيض خارق، محكومة بدائرة الفقر، وحدود الطبيعة، وسياسة حركة الأجساد بين الدول، ونظام سوق العمل (القسري باطراد يتناسب عكسيًا مع الحقوق وهوامش المناورة والصراع الرشيدة).

بمشاهد عادية آسرة ومتعددة الطبقات كهذه، جنبًا إلى جنب مع المشاهد المتطرفة إياها، تستمر اللغة السينمائية البليغة للفيلم في قض مضاجعنا: التابلوه الحي لكتلة متراصة من الخادمات السوداوات يهتز بين إيحاءات عرضهن أمام جهة تحقيق وواقع فحصهن طبيًا، إما كخدمة طبية وإما كأنهن بغايا يخضعن للمتابعة.

وإذا كان «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» قد انتهى بتحقيق غاية البطل المعلنة في العنوان، من أجل كلبه الذي صار هدفًا حربيًا، تَعْلَق عائشة ونعامتها في شروط متشابكة تشمل عدم تطورنا بالسرعة الكافية للتكيف مع سرعة التكنولوجيا وتخريب الكوكب.

وهي لا تستطيع الطيران، لكنها لا تتوقف عن المقاومة، هي وبقية المقهورين المسالمين من النساء والرجال. وهذا الواقع مفرط القسوة ونافذ الأحكام يتكون أيضًا من ملايين المقاومات اليومية الصغيرة، وهي القوة الأساسية التي يؤكد عليها الفيلم ضد الواقع وثقله وظلمه ومن داخله. وكذلك ضد اختيارات أخرى شائعة، في الحياة اليومية وفي السينما، مثل تطبيعه، وتجميله، وقبوله باستسلام، أو على الطرف الآخر، رفضه والقفز عليه بأشكال لا تؤدي إلا إلى تكريسه، منها استيهام المعجزات والخوارق المشهدية.

الأب الحنون والسَّنَد في «ما لا نعرفه عن مريم» يشترك مع مخدوم عائشة النذل في تواطئه مع الواقع -أي أنهما بهذا المعنى رجلان «واقعيان»- إذْ نرى من بعيد في حوار غير مسموع هناك، وفي حوار على هامش الصورة هنا -من فرط العادية، كما نفهم من الاختيار السينمائي- كيف لا يضيعان وقتًا ليعيدا الزوجة إلى حظيرة الزوج المؤذي. هذه الواقعية هي اللامعقول عند المرأتين.

وتحت سقف الواقع المنخفض، حيث تصعب الحركة ناهيك بالطيران، وأمام «لحظة الخطر» التاريخية، تقاوم العاملة والنازحة والمريضة والأم، ويتضامن المستضعَفون، بأشكال قد يُظَن أنها لا تُرى ولا تُذكَر ولا تُعقَل، أما الحيوان فينطق.

هوامش

1 انظر/ي تحت العنوان الفرعي «تحولات خَيْمَريّة» في «أفلام عربية جديدة عنها… هي وضمائر أخرى». ومن الأفلام العربية المعاصرة اللافتة التي يوجد الحيوان في صلبها: «في راسي رونبوان»، «أبو ليلى» (الجزائر)، «طلامس» (تونس)، «هل أنا الشيء الدائم في المتحف؟» (فلسطين)، «أنيماليا» (المغرب)، «عذر أجمل من ذنب» (البحرين).

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن